المواعظ
%PM, %11 %864 %2016 %22:%تموز

الأحد الثاني من الصيف - حيث الروح هناك الحُرية

كتبه
قيم الموضوع
(2 أصوات)

الأحد الثاني من الصيف

حيث الروح هناك الحُرية (2 قور 3: 4- 18)

كتبَ بولس رسالتهُ الثانية إلى أهل قورنثس مُرشداً ومعلماً إياهم حول قضايا تنظيمية تخصُّ الكنيسة، منطلقاً دوماً من إيمانهِ بالمسيح، "فصحنا الذي ذُبِحَ لأجلنا". فالكنيسة، وكجماعة المؤمنين، بحاجة دوماً إلى قانون يُنظِم العلاقات بينهم، وهذا القانون مؤسسٌ على المسيح، الذي قدّمهُ الله المحبة ذبيحةً لأجلنا. القانون يُريد أن يحفَظ كرامة الإنسان، المخلوق على صور الله. فالجماعة، الكنيسة، بحاجة إلى قانون وقواعد لتنظيم العلاقة بينها، وتوصيات فيما يتعلّق بشؤون الحياة العامّة، حتّى الكنسية منها. بعضهم فهِمَ أنهم أحرارٌ في المسيح يسوع، ولهم أن يفعلوا ما يشاؤون، فيما أكدّ آخرون على أهمية الحفاظ على القوانين، فكان لزما على بولس أن يُوضح في رسالته عن معنّى أن نكون أحرار في المسيح يسوع؟

لذا كتبَ لهم مؤكداً على "حُرية الروحُ" التي نلناه بيسوع المسيح. لم يُعلِن بولس للقورنثيين حالة من الفلاتان: إعمل ما شئتَ! بل، أكدَّ على أن الحُرية الجديدة التي وهِبَتَ لنا من الله بيسوع المسيح هي نعمةٌ. هي حُرية الروح الذي أُفيض علينا بربنا يسوع المسيح، وهي ليست حُرية من أجل الأنا وملذاتهِ، بل حُرية من أجل الآخر وحاجاتهِ، على مثال ربّنا يسوع الذي جاء ليخدُم لا ليُخَدَم. هي حُرية للخدمة بفرِح ومجّانية. حُرية أن أعمل كل ما يُفرِح قلبَ الله الذي حررني بيسوع المسيح، وعرّفني بأنني محبوبهُ.

ولأن الروح القُدس يقود الكنيسة ويُرشدها جاءت قراءاتُ هذا الأحد متوافقةً تماماً. فبولس ناشَد المؤمنينَ لأن يكون لهم ثقةٌ عند الله بالمسيح، نعمةٌ الله ومحبتهُ لنا، فمنها نلنا الحُرية لنعيشَ تحت قيادة الروح. وخرجَ الأب ليشرحَ لأبنهِ الكبير عن الروح الذي يحُكم العلاقات في بيتهِ: المحبة المجانية، وهي شُعاعٌ من محبة الله التي أنعمَ بها علينا في يسوع المسيح. الأبن الأكبر ظنَّ أنهُ بعملهِ سينال محبةَ أبيهِ، تماماً مثلما كان بوُلس يُفكر قبل أن يجذبهُ المسيح إليهِ. وهذه الظنون موجودة دوماً في حياة كل جماعة، لذا، تُرِكَ السؤال مفتوحاً من قبل الأب، لأننا بحاجة لأن نسأل أنفسنا: أنخدُم الله ونُحبهُ مجاناً مثلما هو يُحبنا مجاناً؟

حُريتنا إذن كمؤمنين مُؤسسة على محبّة الله الذي أفاض علينا الروح القُدس بيسوع المسيح. هي ليست فوضى، بل تأملٌ جادٌ في: كيف لنا أن نستجيبَ لهذه المحبّة التي حررتنا لنُحِبَ بمحبة الله؟ وعلينا هنا أن نتجاوب مع الروح القُدس الذي فينا حتّى يصنع الروح القُدس فينا العظائمَ، مثلما صنعَ مع أمنا مريم. حُرية القديس فرنسيس الذي كان له كل ما يُريد ليستمتِعَ بالحياة وملذاتها، ولكنه استجابَ لنعمة الله فكان حُراً منها، ليكون تحت تصرِف الكنيسة وحاجاتها. فجعل الله منه قديساً عظيماً للكنيسة. الروح لا يخلقُ الفوضى، بل يُقدِس حُريتنا، ويُعيد إلينا بهاء الصورة التي خُلقنا عليها، صورة الله ومثالهِ. فإذا كان فينا رغبةٌ للإصغاء لهذا الروح والإستجابة إليه، فسيكون الفرح ثمرة هذه العلاقة، بل فرحٌ وعُرسٌ سماوي.

حُرية الروح القدس لا تحبُسنا في إهتمامنا بأنفسنا، بل تدعونا إلى تحمّل مسؤوليتنا على حياة الآخرين. لقاء الآخرين فرحٌ وعرسٌ سماوي لن يتحقق إلا بعد أن وجدنا ما كان ضائعاً في حياتنا أو ذواتنا، تماماً مثلما وجدت المرأة درهمها، والراعي خروفه الضآل، والأب إبنهُ التأه عن محبتهِ. هكذا هو كل إنسان يعيش في غمرة الروح القُدس، لن يرتاح له بال حتّى يجد ما كان ضائعاً ويهتدي إليهِ. عاش ربّنا يسوع حُرية الروح، فكان سراجاً يُنير حياة كل إنسان فقدَ ذاتهُ، وتاه عنه في خطاياهُ وطيشهِ، يلهو ويُريد أن يفعل كل ما يشاء مثلما يتمنّى إنسان دوماً.

اليوم صرنا لا نُبالي بما يضيع من حياتنا. لقد تعوّدنا على الخطيئة حتّى أننا لا نُبالي كثيراً بوجودها. أضحت الخطيئة واقعاً نتعايش معه، وهذا الأمر هو أخطرٌ من الخطيئة ذاتها، إذ لا صحوة للإنسان ليعودَ إلى ذاتهِ، ويسأل عن واقعهِ المرير مثلما سألَ الأبن الأصغر. إهتداء الأبن الصغير جاء لأنه عادَ إلى نفسهِ وسألَ: مَن أنا؟ أنا إبن الأب الحنون الذي يفضلُ الطعام عن مائدتهِ. أنا إبن الأب الذي يعيش الأجراء والخدم في بيتهِ على نحو أفضل من حالتي. أنا مَن تناسى هذه النعمة وتنكرَ لها.

بولس يدعونا اليوم إلى أن نعيش تحت أنظار الروح القُدس، ونسأل أنفسنا في صلاتنا مع ربّنا يسوع قائلين مَن أنا يا رب؟ والروح سيُجيب أنت محبوبُ الله. أنت مَن يبحث عنك الله ويطلبُ وجودَك في كل لحظةٍ. أنت ضائعٌ في بحثِك عن راحتِك، بل تأه عن محبّة الله. عُد فهو ينتظر وقد أعدَّ لك عُرساً. 

قراءة 1274 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *