المواعظ
%AM, %18 %358 %2016 %10:%حزيران

الأحد السادس من الرُسل - أعملوا كل شيءٍ لمجد الله

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأحد السادس من الرُسل

أعملوا كل شيءٍ لمجد الله (1 قور 10: 14- 32)

يُؤكد بولس من خلال رسالتهِ إلى كنيسة كورنثس المُضطربة بالأزمات، على ما أكدّه الكتاب المُقدس في صفحاتهِ الأولى من أن الله خلقّ كل شيءٍ حسن، وحسن جداً (تك 1). فالخطيئة ليست في الخليقة التي أبدعها الله المُحِب، بل في الإنسان الذي يُسيءُ إستخدام خيرات الأرض. الإنسان هو الذي يُفسِد الخليقة عندما يسعى لإستغلالها لراحتهِ متناسياً خير القريب، والخليقة هي قريبٌ علينا أن نُكرمهُ لخير البشرية كلّها. رسالة البابا فرنسيس الأخيرة: "كُن مُسبحاً" تنبه العالم إلى الأخطار التي نواجهها من جراء سوء إستخدامنا للموارد الطبيعية، بل الخطر موجود في أن الأجيال القادمة لن يكون لنا مياه صالحة للشرب، وهواء نقي للتنفس. الخليقة ليست فاسدة، بل أن كل الخليقة تُظهِرُ مجد الله. الفساد فينا، في سلوكياتنا التي ترغبُ منفعة الذات وتتنكّر حقَّ القريب في حياة كريمة؛ قريبُ اليوم وقريب الغد. لذا، فخلاص الله لنا بيسوع المسيح، هو موجهٌ نحو تحرير الإنسان من عبودية الأنا لينتبهِ إلى القريب، ويفهم حاجاتهِ، ويُصغي إلى همومهِ، ويُشاركهُ مخاوفهِ، ففي هذا يكون خلاص الإنسان، ونُعطي الخليقة الفرصة لتُمجد الله الخالق.

"أعملوا كل شيءٍ لمجد الله"، في هذا يُعلمنا بولس الغاية والدافع وراء سلوكياتنا وقراراتنا مع الله أولاً ومع القريب. فإن كانت علاقتنا مع الله مبنية على "الخوف منه" أو "طلباً للمُكافئة" أو "إستجابة لحاجةٍ إنسانية"، فهذا كلّها مرفوضة في علاقتنا بالله وبالقريب أيضاً. بولس يُعطينا الغاية والدفع الذي يجب أن يكون محرك كل أفعالنا: "أن تكون أفعالنا لمجد الله" في إستجابة ممتنة للمحبة التي صارت لنا بيسوع المسيح. فنحن نُحبُ الله لأنه أحبنا هو أولاً (1 يو 4: 19)، ومحبتنا له تكتمِل في محبتنا (1 يو 4: 10- 12). هناك تكامُل ما بين محبة الله وبين محبّة القريب، بل هي إنموذج لحياتنا.

كما أن الله أحبنا أولاً وأرادَ لنا الخير فأخلّى ذاتهُ وتخلّى عن مجدهِ ليكون معنا، فأعطانا في ذلك مثالاً للحياة: "خير القريب أولاً". محبة القريب ليست مشاعر أو كلمات نقولها بل مواقف مؤسسة في رغبتنا في أن ينعمَ القريب بحياة هانئة، وعندما يهنأ القريب، سننعَم نحن بحياة هانئة. محبةٌ ليست لها حدود، وهذا ما يُميّز الأفخارستيا عن بقية الولائم، فأفخارستيا ربّنا يسوع هي فعلُ شكرٍ لله على المحبّة التي صارت لنا، وفيها نُعلِن بكلمة آمين: أننا سنكون الأفخارستيا التي إشتركنا فيها. لذا، يسأل بولس كنيسة كورنثس اليوم (ويسألنا): "أليست كأس البركة التي نباركها مشاركة في دم المسيح؟ أليس الخبز الذي نكسره مشاركة في جسد المسيح؟ (10: 16). نحن لا نشترِك في إحتفال إذن، نحن نُشارِك في أفخارستيا ربنا يسوع، لنكون نحن خُبزاً مُقتسماً للقريب، على مثال ربّنا يسوع. علينا أن نُصبح الأفخارستيا التي نحتفل بها، وهذا ما لم يفهمهُ الكورنثيون أيام بولس، ولا نفهمهُ نحن أيضاً.

عندما يقول ربنا يسوع: "إصنعوا هذا لذكري"، فهو لم يقصد أن نُعيد الاحتفال الأفخارتسي فحسب، بل كان يعني أن نصير ما نحتفل به؛ إفخارستيا. أن نسمحَ له بأن يُعطي جسده ودمه لأحبائه من خلال جسدنا. نحن نميل إلى أن نُركّز على ما يحصل في المذبح من إحتفال من دون عناء البحث فيما يحصل في حياتنا اليومية لأن هذه مُتعب ومتطلّب، ولسنا مُستعدون لذلك، متناسين أن عبارة: "إصنعوا هذا لذكري" تتطلّب هذه الخطوة. فلا يُمكن فصل الاحتفال الأفخارستي عن واقع الحياة اليومية. ربنا يسوع أعطانا هذه الهبة لا للإحتفال أو للتعبد بل لنكون ما نحتفل به. يسوع أعطانا ويهبنا جسده ودمه ليجعلنا جسده ودمه ليُكسَر من أجل الآخرين. خطيئة أهل كورنثس هي أنهم فصلوا الأفخارستيا التي يحتفلون بها على المذبح، عن أفخارستيا الحياة. أنظارهم كانت متوجهة على جسد الرب ودمه على المذبح، فيما هم متغافلون عن جسد الرب ودمه من حولهم. فإذا لم تُصبح ما تعلنهُ ستكون الأفخارستيا سنعيش كذبة مُهينة، وبالتالي نُؤذي انفسنا لأننا لا نعيش الحقيقة التي نحتفل بها.

ربنا يسوع مات مثلما عاش حياته: "من أجل الآخرين"، حتّى من أجل أعدائه، فلم يعيش لنفسه بل للآخرين. ربنا أعطانا الأفخارستيا لا للتعبد والإحتفال ليس فحسب، بل لتكون أسلوب حياتنا كمسيحيين، لتحوّل علاقاتنا مع الله ومع الآخرين. أعطانا هذه الهبة لتُشكل علاقتنا مع الله ومع الآخرين: فلنخدم واحدنا الآخر، لننتبه إلى الآخرين، نحن نحتفل الأفخارستيا حقاً. فأجعل جسدك يتحوّل على مثال الخبز والخمر الذي يتحول على المذبح.

قراءة 1364 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *