المواعظ
%PM, %05 %517 %2016 %14:%أيار

عيد الصعود - ورفع يديْه وباركهم

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

عيد الصعود

"وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَبَارَكَهُمْ  (لوقا 24: 36- 53)

يُخبرنا القديس لوقا في إنجيليه أن التلاميذ عادوا فرحين إلى أورشليم بعد أن تركهم ربّنا يسوع وصعدِ إلى السماء، فكيف يُمكن أن يفرحوا وقد غابَ عنهم ربّنا يسوع بالجسد؟ عندما حدّثهم ربّنا يسوع عن قُرب ساعة رحليه من هذا العالم حزنوا جداً، بل إستسلموا لليأس وعادَ بعضهم إلى قريتهِ، فكيف يفرحون عندما ينفصل عنهم ربّنا يسوع، ويُكلفهم بالقيام في رسالة عالمية: "أن يكونوا شهوداً له في العالم أجمع"؟ فإذا كان العالم لم يقبل ربّنا يسوع، فكيفَ له أن يقبلهم هم؟

من المؤكد أن التلاميذ اختبروا حضورَ ربنا يسوع بعد قيامتهِ بشكل فاعلٍ، حضورٌ دفعهم إلى الشهادة له، والإستشهاد إن تطلّب الأمر لحقيقة إنتصاره على الخطيئة. هم مؤمنون أنه جالسٌ عن يمينِ الآب، وهو معهم بشكل لا يُمكن لأحد أن يأخذه منهم، حتّى لو أخذ منهم حياتهم الجسدية. هو قريبٌ منهم قُربَ الله إليهم، لأنه جالسٌ عن يمينِ الآب. فالصعود ليس المغادرة إلى الفضاء الخارجي البعيد، لذا، فالوقوف والتطلّع إلى السماء ليس الموقف المطلوب في هذا العيد، مثلما يقول الرجلان للتلاميذ: "وَقَالاَ: «أَيُّهَا الرِّجَالُ الْجَلِيلِيُّونَ مَا بَالُكُمْ وَاقِفِينَ تَنْظُرُونَ إِلَى السَّمَاءِ؟ إِنَّ يَسُوعَ هَذَا الَّذِي ارْتَفَعَ عَنْكُمْ إِلَى السَّمَاءِ سَيَأْتِي هَكَذَا كَمَا رَأَيْتُمُوهُ مُنْطَلِقاً إِلَى السَّمَاءِ». (أع 1: 11)، بل العودة وكلنا عيون شاخصةٌ إلى السماء وتحرّك فاعلٌ ومحُب من أجل القريب، فلا يُمكن أن يبقى الله مُغيباً عن العالم.

الصعود ليس غياباً أو توارياً عن الآنظار بل دخول إلى سرّ الله، وحضور مُعطاءٌ مُحبٌ ونعمةٌ تُعطي الكنيسة القوّة في رسالتها. نحن نؤمِن أن ربنا يسوع قريبٌ من كل إنسان، وليس محبوساً في مكان ما في العالم مثلما كان قبل صعوده يعيش في أورشليم، بل هو حاضرٌ الآن، مثل الله لجميع بني البشر، وعلى الإنسان أن ينتبهِ ويُميّز حضوره في العالم.

ولكن، لماذا تحتفل الكنيسة بعيد الصعود؟ أوليسَ ربنا يسوع حاضراً دوماً إلى جانب كنيستهِ؟ أوليستَ قيامتهُ عبورا نحو الله الآب، وعبور الآب نحونا؟  

يعني الصعود إرتقاءً، وهذا ما تطلبه الكنيسة منّا تحديداً: أن نصعدَ بأفكارنا ومشاعرنا ورغباتنا نحو السماء؛ نحو الله. نحن نحتفل بعيد الصعود لأن الكنيسة تُريدنا أن "نصعد" نحن إلى الله الآب بيسوع المسيح. لذا، فهي تدعونا أن نُصعِد حياتنا كلّها نحوهُ. فالرجلان اللذان ظهراً للتلاميذ الذين شخصوا أنظارهم إلى السماء وهم يرون الغمامة تحجب عنهم يسوع، يؤكدان أن النظر إلى السماء ليس إحتفالاً بالصعود، بل العودة إلى هيكل الله والصلاة إليه شاكرين، والشهادة لحضوره المُحِب. العودة إلى العالم مُستسلمينَ إلى تدبير الله الذي يُريد من خلال شهادتنا أن يعرفوه كل الناس أنه الإله الحق وأن يسوع المسيح إبنهُ، وهذا يتطلّب أن نكون مُصلينَ، والصلاة تتطلّب التيقظ والسهَر، مؤمنونَ أننا مُباركونَ حتّى قبل أن نبدأ المسيرة، فنسمع في إنجيل ربّنا اليوم يقول: "وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَبَارَكَهُمْ. وَفِيمَا هُوَ يُبَارِكُهُمُ انْفَرَدَ عَنْهُمْ وَأُصْعِدَ إِلَى السَّمَاءِ" (لو 24: 50 -51). فمن خلالنا يُبارِك ربنا يسوع العالم، وهذا هو سببُ فرح التلاميذ اليوم، وعلّةُ فرحنا أيضاً: "نحنُ مباركونَ". وهو ما يُدفع بولس ليطلبَ من تلميذه طيمثاوس أن يرفع الصلاة مُباركاً دوماً الله على نيّات كثيرة. المسيحي هو إنسانٌ مُبارَك، لذا، فهو إنسان يشكر دوماً الله، ويمدُ يده ليُبارِك على مثال ربنا يسوع الذي يصعد لا ليختفي ويتوارى عن الانظار، بل ليُبارِك.

عيد الصعود هو أحتفالية تخصّنا وصارتَ لنا نعمةً بيسوع المسيح، هذه النعمة تتجلّى إذن في البركة التي أنعمَ بها علينا الله، وفي الرسالة التي كلّفنا بها: أن نشهدَ لمحبتهِ في العالم أجمع، حتّى يتحرر العالم من العبوديات الكثيرة التي أرتبطَ بها، ويعرِف أن الله، أب ربنا يسوع المسيح هو الإله الحق الذي يستحث أن يُعبَد. الصعود يبدأ بإحتفالية صلاة ويتواصل من خلال إلتزام مسؤوليتنا في ان نعيش محبة الله في حياتنا، فلا يكفي أن نُحدِث العالم عن محبة الله، بل أن نعيشها ونشهدَ لها، فيختبرون فينا ومن خلالنا حضور الله لأننا نؤمن أنه حاضرٌ معنا، وهذا هو معنى أن يكون المرء مسيحياً؛ لسنا وحدنا: الربُ معنا.

 

7

قراءة 1120 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *