المواعظ
%AM, %25 %011 %2016 %02:%آذار

الجمعة العظيمة: لماذا الصليب

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الجمعة العظيمة: لماذا الصليب

لا يُمكن لإنسان أن يتجاهل التساؤولات التي فيه وهو يقف أمام صليب ربّنا يسوع اليوم، مثلما لا يُمكنه أن يتنكّر الغضب المُحزِن الذي يتملكهُ أمام موت الأبرياء وعذابات المساكين؟ كيف يسمح الله القادِر على كل شيء، الله المحبة أن يتألمَ البار، ويتعذب المسكين؟ كيف لنا أن نؤمِن بالله المحبة، وها هو يُطالِب الإنسان بتسديد الدين الذي عليهِ؟ ألم يُبشرنا ربّنا يسوع بأن الله أعفى عبدهُ من كل الدين الذي كان عليهِ، فلماذا الصليب؟ لما كل هذه العذابات؟ ما الذي نالهُ لنا ربّنا يسوع بآلامهِ وموته وقيامتهِ؟

يُجيبُ يوحنّا الإنجيلي: "ليس لأحد حبٌ اعظم من أن يبذل نفسه في سبيل أحبائه. انتم أحبائي" (يو 15: 13-14). محبة الله هي الجواب على كل ما حصلَ قبل هذا اليوم، ومحبتهُ دفعته ليكونَ معنا ويحمل الصليب، لأنها محبّة صادقةٌ مجانية لا غش فيها. وحدها المسيحية تُبشَر بأن الله هو الذي أحبنا أولاً، ومحبتهُ هي التي دفعت الإنسان إلى أن يُحبهُ، لأنها تبذُل ذاتها بسخاءٍ ومجّانية، فالله أحبنا قبلَ أن نُحبهُ، ومحبتهُ أبديةٌ (أرميا 31: 3). ربنا يسوع المسيح كان عارفاً بأن هذه المحبة مُكلفةٌ لأنها عبورٌ نحو الإنسان العاصي والمتمرّد، من أجل أن ينقلهُ إلى الله.

محبة الله هي جعلتهُ على الصليب اليوم. فهو يرى الإنسان صُنعُ يديهِ والمخلوق على صورتهِ يُهدِم ذاتهِ باختياراتهِ المُهلِكة. فكيف يسع الله أن يرضى بعمل التخريب هذا! هل يُمكنهِ إلا يتدخل لانقاذ الإنسان من القيام بعملٍ يؤدي إلى هلاكهِ الأبدي، فالخطيئة إنفصالٌ عن الله، موتٌ أبدي. لذا، يُناديه ويناشدهُ ويُنبههُ من خلال الآباء والأنبياء والرسل والمُعلمين، حتّى يتجسّد هو ليكونَ مع الإنسان.

مراراً ما نسأل : لماذا لا يُوقِفُ الله هذا الشّر؟ والحال أن الله أعطى الحُرية للإنسان ولا يُريد أن يسحبها منه عندما يُسيءُ إستخدامها ولا يلتزِم مسؤوليتهِ فيظلمُ ويهينُ إنسانيتهُ وإنسانية الآخرين، وبالتالي يضيعُ مجد الله ومجد الإنسان، فالخطيئة عداوة مع الله، وليس بمُستطاع الإنسان المثولَ امام الله حاملاً خطاياهُ، ولأننا لسنا قادرين على إحياء هذه العلاقة والبقاء أمينينَ فيها، بل صارت الخطيئة تُبكتُنا في أننا فاسدون، أنعمَ هو علينا بأن يُطهرنا ويُصالحنا، وعفى الدين الكبير الذي كان علينا، وعلينا أن نعيش حياتنا مُبشرينَ بأنه صالحنا.

جاء صوت الله المُحرر: أنا أحبك وأرحمك، ولست مُطالباً بدينٍ، آمن فقط بالخلاص الذي أمنحه لك بيسوع المسيح: "فأشفق مولى ذلك الخادم وأطلقه وأعفاه من الدين" (متّى 18: 27). هذا هو فرح الإنسان: أُنعِم عليه بأن يُشارِك في حياة المسيح، إبن الله، على الرغم من أن هذه المُشاركة لن تلغي الألم والشدّة، بل أن الألم والشدّة بيان وبرهان على مصداقية العيش في المسيح يسوع، المتألم والمائت والقائم من بين الأموات. علينا أن نكون واعين إلى أن المسيحي لا يبحث عن الشدائد، بل إن وقع فيها فهو بفتخر "بالشدائد" لا في الشدائد لإيمان الإنسان أنه بدأ في طريق التطهير، فصار التبرير والإيمان من جانب الله، والإنسان المؤمن أنه أمين في رجاء الله (النعمة الإلهية والعمل الإنساني).

إلهنا خرجَ ليبحث عن الإنسان التي تاه عنهُ، وخرج من البيت الأبوي، فلم يتجسد ربّنا يسوع ليدبن الإنسان، ولم يأتِ الله إلى الإنسان ليُهدأ غضب الله، بل تجسّد ليجعل الإنسان يتخلّى عن عداوتهِ له وللقريب. صاحب المُباردة في هذا كلّه هو الله الذي يبحث عن الإنسان ليُصالحهُ، لذا، يطلب مار بولس من أهل كورنثس: "نسألكم ان تدعوا الله يُصالحكم" (2 كور 5: 20).

المصالحة تعني الانضمام إلى ملكوت الله وقبولَ سيادتهِ هو الربُّ الإله ولا إله غيرهُ، وإيقاف "دينامية الخطيئة" التي هي سبب كل الشرور التي يُعاني منها الإنسان. تقدمة اليوم تنبع من محبّة الله الثالوث. من محبة الله الآب لنا، ومن محبة الابن لأبيهِ، فصارَ خلاصنا بهذه المحبة. فالدافع هو المحبة وليس إيفاء دينٍ، أو تهدئة غضب الله. يسوع، أخونا البكر هو مَن خرجَ ليبحث عنّا، ويُعيدنا إلى بيت الآب، وننضمَّ من جديد إلى الكنيسة، شعبهُ الجديد، فتمّت عملية المُصالحة بانتصار الله على البغض بالمحبة، وعلى التمرد بالطاعة، وعلى العنف بالوداعةِ، وعلى الكذب بالحقيقة. فنلنا المُصالحة والسلام مع الله.

        صليبُ ربّنا يسوع والذي مجدّه الله بإقامتهِ من بين الأموات منح لنا رجاءً، فالحياة لن تنتهي على الصليب، بل تبدأ من على الصليب. اليوم فتح الرب الفردوس امام اللص اليمين، وسبقَ وقال بالأمس لسمعان بطرس أنه سينتظره ليجمع شتات التلاميذ الذين غربلهم الخوفُ فهربوا، فصرنا، وبنعمة الله أبناء الرجاء. صارَ لنا أن نعيش يومنا إلى الملء بما يحمله من رجاءٍ في الله، هذا الرجاء الذي يُغيّر واقع اليوم، على الرغم ما يحملهُ من شدّة وحزن وألمٍ، مؤمنينَ أن الله الآب ينتظرنا. لأنه يُحبنا. فليس المهم بعد الآن أن أُحبَ، بل المهم أن أشعرَ بأني محبوب، وهذه هي رسالة الصليب: أنت محبوب الله، والله لن يتركَكَ حتّآ لو أضطره لتقديم إبنهِ على الصليب. هذا من جهة.

من جهة أخرى يكشِف صليبُ ربنا يسوع المسيح مدى قسوة قلب الإنسان، وجسامةِ الشر الذي يُمكن أن يُنزلهِ بأخيه الإنسان عن جهلٍ أو عن قصدٍ. الصليب يفضح كبرياء الإنسان الذي يرفض حضور الله، فيعيش حياته من دونِ الله. الصليب يكشِف لنا عن بشاعة خطيئتنا التي ترفض التغيير والعودة، بل تترك المصلوب بعد إنتهاء هذه المراسيم، وكأنها كانت مدعوّة لإحتفالية تضامنت فيها مع آخرين، من دون أن تعني لها رسالةً للحياة. إكرامنا لرينا يسوع لا يكون بحضور هذه الإحتفالات فحسب، بل أن نتواضع ونعيشَ وفقَ ما يطلبهُ الصليبُ منّا. فعلى هذا الصليب بيّن الله محبتهُ، وفتح يداه ليستقبلنا، فلا نُبطأ فاللص سرقَ اليوم كنزاً عظيماً: الفردوس.

قدّم الله للإنسان كل ما يجب أن يُقدَم له من حُبِّ ورعاية وأحبهُ غاية المحبة. وخطيئةُ الإنسان هي أنه لا يعرِف ولا يعترِف بهذه المحبة فلا يُؤمِن بها، وإن عرفها فهو لا يُقدرها حقَّ قدرها. لو آمن الإنسان حقاً بمحبة الله، والإيمان هنا، ليس قبولَ العقيدة كفكرة فحسب، بل الإيمان الذي يسمح لهذه الحقيقة أن تتغلغل في أعماق الإنسان فتخلقهُ من جديد، في عالمٍ لا يُؤمِن بالمحبةِ المجانية، بل يرزح تحت وطأةِ الحقد والعنف والقتل والخيانة وخيبات الأمل في العلاقات بين البشر، مما يجعل الإيمان بمحبة الله أمرًا صعباً. الخطيئة العُظمى ليست خطيئة مَن يُنكرون وجود الله، بل مَن يومنونَ به ولا يُعلنون في شهادة حياتهم حقيقةَ هذا لإيمان. خطيئتهم هي أنهم لا يعيشون في حياتهِم هذا الإيمان، بل ينضمونَ إلى موكبِ الذين "يصلبون المسيح يسوع مرّة ثانية"؟ هي خطيئة الذين يعني لهم موت المسيح حضور مراسيم الجمعة العظيمة فقط! أو تخصيص ساعة واحدة في الأسبوع لله فقط! بُكاءٌ للحظةٍ وتجاهل للحياة كلّها. هذه هي الخطيئة العُظمى! كان الشعبُ الأرمني أولَ شعبٍ إعتنقَ المسيحية بأكمالهِ، فأسست أول دولة مسيحية، لكنهم تعرضوا لموجاتِ إضطهادٍ عديدة كانت تُجبروهم على ترك المسيحية. قصد الناس قديس بيناتُن ليستشيروه ويسألوه ما العمل في مثل هذه الأوقات الصعبة؟

فأجاب: المسيحية ليست قطعة ثيبا نلبسها وننزعها حسب الظروف. المسيحية هي جلدُنا المُلتصِق فينا والذي لا نقدر على تغيير لونه وصفاتهُ.

لقد أتمَّ ربّنا يسوع فصحهُ من أجلنا، وهو ينتظر أن نقوم نحن بفصحنا جواباً للمحبّة التي كشفها لنا. الجمعة العظيمة ستكون عظيمة حقاً إذا قبلنا أن نُحب الله والقريب مثلما أحبنا هو. محبتهُ تتطلّب أن ننزعَ عنّا ثوبَ الإنسان العتيق، ثوبَ الكذب والرياء والافتراء، ثوب الكبرياء والحسد والجشع والطمع، ثوب التمرد واللامبالاة. هذه الأمور التي تجعلنا مُشاهدين لما يحصل على الصليب لا مُشاركينَ المصلوب ألمهُ وعذابهُ. الجمعة العظيمة ستكون عظيمة إذا قبلنا أن نلبس الإنسان الجديد، يسوع المسيح، هذا الثوب الذي يُعطى لنا كلّما قررنا العودة إلى بيت الله الآب، الذي أعدَّ لنا وليمة فرح عظيمة. فلنتُب ولنرجع تاركين عالم الأكاذيب الذي حبسنا أنفسنا فيه. لقد عبرَ الله إلينا بيسوع المسيح، فلنتواضع ونقبل يديه الممدودتان ولنعبر إليه، فهو قادرٌ على أن يمحو خطايانا ويملاْ أنفسنا بالمحبة واللطف والمُسالمةِ، بالوداعة والحكمة.

فهل سنخرجُ من هذه الكنيسة مثلما دخلناها؟ أم نتيح للماء والدم الذي خرجَ من جنب المصلوب بأن يغسلَ حياتنا كلّها ويُطهرها من شرورها؟ هل سنبقى نُفكر في ضرورة أن يُغيّر هذا وذاك حياتهُ، ويُخرج القذى من عينهِ قبل أن نتصالح معه، أم سنسمح لإلهنا بأن يمد يده ويُخرج الخشبة من عيننا، ونبدأ بتغيير حياتنا أولا؟

صليبُ ربّنا يسوع يفضح الأكاذيب التي فينا، ويُطالبنا برفع قناع الخداع عن حياتنا، ويُوقِفَ الأصوات التي تتعالى فينا متهمةً هذا وذاك بأبشعَ التُهم، وننسى أننا نحن أيضاً مسؤولون عن صلبِ ربنا. إلهنا يُريد عودتنا إليه، وهو ينتظرنا، فلنعد إليه ولا نتأخر. يدعونا إلهنا وملكنا بصليب ربّنا يسوع المسيح اليوم إلى أن نسمحَ له بان يُمزِق الستار الذي يحجبع عن قلبنا، ويقهر قلوبنا الصخرية، وينزع عنّا إنسان الرياء والخبث والكذب والفتن والحقد واللامبالاة، فيولَد فينا الإنسان الجديد العارِف المؤمِن بمحبة الله التي تدعوه ليخرَجَ من قبرهِ ويُولدَ إنساناً حُراً بالمسيح يسوع، ويتطلّبُ الأمر استجابةَ قلبٍ متواضعٍ منسحقٍ بمحبةِ الله: "فَالْتَفَتَ الرَّبُّ وَنَظَرَ إِلَى بُطْرُسَ فَتَذَكَّرَ بُطْرُسُ كَلاَمَ الرَّبِّ كَيْفَ قَالَ لَهُ: «إِنَّكَ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ تُنْكِرُنِي ثَلاَثَ مَرَّاتٍ».فَخَرَجَ بُطْرُسُ إِلَى خَارِجٍ وَبَكَى بُكَاءً مُرّاً. (لو 22: 15- 16). إنه البُكاء الذي يُشير إلى بدءِ عملية التغيير التي ينتظرها ربّنا منّا.

قراءة 1959 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *