المواعظ
%AM, %19 %978 %2016 %01:%آذار

عظة عيد السعانين - وقدّموا إليه عُمياناً وعُرجا فشفاهم

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)

عيد السعانين

وقدّموا إليه عُمياناً وعُرجا فشفاهم (روم 11: 13- 24/ متّى 20: 29- 21: 22)

تدعونا أمنا الكنيسة، وفي احتفالها في عيد السعانين، وهو بدء إحتفالات الأسبوع العظيم، إلى أن نُعّد أنفسنا لنكون مع ربّنا يسوع وهو يعيش "الساعة" التي من أجلها تجسّد. في هذه "الساعة" يدخل مدينة أورشليم، والتي صعِد إليها ليُقدّمَ ذاتهُ على الصليب بديلاً عن الذبائح القديمة، في فعلِ طاعةٍ مُحبٍ لله، بل حُبٌ إلى أقصاهُ (يو 13: 1)، ربنا يسوع عاشَ حياتهُ تحت أنظار وتدبير الله الآب مثلٌ طفلٍ جعلَ كلَّ إتكالهِ على أبيهِ، لذا، جاء حضور الأطفال مميزاً في دخولهِ إلى أورشليم، ليُعلمنا ويُرشدنا: أن ربّنا يسوع لم يفعل شيء إلا طاعة لله الآب، ويُريدنا مؤمنونَ بالآب السماوي مثل إيمان الأطفال النقي بوالديهم.

ربّنا لم يدخل أورشليمَ ليحجُّ إلى بيت الله، هيكل أورشليم" بل ليكون الذبيحة والمذبح والهيكل معاً. ويسألنا نحن: هل سنرافقهُ بأمانةٍ أم نُريد أن نبقى مع الجموع فقط: نهتفُ له اليوم، ونهتف ضدّه يوم الجمعة العظيمة؟ فلكي يكون دخولنا معهُ صادقاً، وتباعتنا واثقة، وَجَبَ علينا أن نطلبَ أولاً نعمة الشفاء التي من أجلها جاء ربّنا يسوع. ربنا جاء ليُصالحنا إلى الله، هذه المُصالحة تكون بشفائنا من جروح الخطيئة، ونحن نؤمن أن الخطيئة جرحٌ عميقٌ في علاقتنا بالله، لذا، تضع الكنيسة أمامنا كلمة الله وفيه نتأمل يسوع الشافي. فهو لم يدخل ليُحتَفَل به ملكاً، أو ليهدم هيكلَ الله، بل دخلَ ليشفي المرضى، ومدّ يد الرحمة وفتح عيني أعمى، وقبل خروجه من أورشليم شفى غيرهم، وهذا يُشير إلى معنى رسالة ربنا يسوع: فهو الشافي.

ولكن ما الأمراض التي يُريد ربّنا يسوع أن يشفينا منها؟ وهل يُمكن أن يُصيبنا مرضٌ وقد اقتبلنا نعمة العماذ بإسم يسوع المسيح؟

يرى بولس الرسول أن أحد الأمراض الخطيرة التي يُمكن أن تُصيبنا هو: المُفاخرة بأننا مُخلَّصونَ بنعمةِ الله، وأن الله رفضَ شعبهُ واختارنا نحن. تماماً مثل مرض رؤساء الكهنة والفريسيين الذين شاهدوا الحشود تهتفُ لربنا يسوع، وعرفوا أنه كلمة الله الشافية، بل رجلٌ مُقتدرٌ فيما يقول ويعمل، ولم يؤمنوا. لذا، يُوصي بولس، بأن ننتبهِ فلا نتفاخر. فشعبُ إسرائيل، والذي له العهود ومنه وُلِدَ المسيح بالجسد، لم يتعرفوا ويعترفوا بالنعمة التي صارت لهم، فرفضوا المسيح يسوع، وجعل الله من رفضهم فرصة لتبشير غير اليهود، ولربما سيكون إهتداء الأمم وتوبتها، سبباً آخر يجعلهم يُفكروا فيما هم عليه، ويعودوا إلى الله. لنا اليوم في الهيكل مشهدُ رفض رؤساء الكهنة والفريسيون لإستقبالِ ربّنا يسوع، لأنهم ظنّوا أنهم عارفونَ بالكتُبِ أكثر من غيرهم.

لذا، يُشدد بٌولس أن نعمة الله هي التي جذبتنا إليه بيسوع المسيح، هو الذي آتى إلينا، فيتطلّب الأمر إيماناً، مثل إيمان الأطفال، فنقبلهُ لا لأننا نستحقُّ قدومهِ، بل لأنه محبّة فأنعمَ علينا بأن يكون بيننا: عمانوئيل، ليُقدِسَ حياتنا ويُعيد إليها بهاء الصورة التي تشوهَت بالخطيئة. إيمانٌ مُطهرٌ لتكون قلوبنا نقيّة فنقِفَ بتواضع أمامَ الله طالبين الرحمة مثلما صرخَ الأعميان. ربنا جاء ليمُدَ يد الرحمة" "فترأف عليهما" فيشفينا من أمراضنا: التكبر والأنانية والمفاخرة ورغبة التمّلك والإحتكار والتي تنشر سموم الخوف والعنف والصرعات بين البشر، فلا مجال لفرحِ الطفولة البريء بين أناسٍ أضحوا أعداء لا أصدقاء.

فقبل أن نُقرر الدخول مع ربّنا يسوع إلى أورشليم، وتباعتهِ عن قُربٍ في آلمهِ، علينا أن نسألهُ الشفاء من كل مشاعر الحسد والبغض والحقد التي تُكبّلنا وتجعلنا أمواتاً في أجسادٍ حيّة، تماماً مثل هذا الأعمى على قارعة الطريق. علينا أن لا ننتظر أن يقوم ربّنا يسوع بثورة لتغيير الآخرين، بل نسألهُ بتواضع أن يُغيّرنا نحن، ويشفينا من أمراضنا ويسند ضعفنا، وهذا يتطلّب وجود إنسانٍ حُر، قادرٌ على أن يتخلّى عن كل شيءٍ ليكون مثلما هو من دون ٍ خوفٍ أو خجلٍ أمام ربّنا يسوع ليُشفى وليتبعاه. في إنجيل مرقس والذي سجّل هو أولاً هذه الحادثة، يكتُب أن الأعمى تركَ كلَّ شيءٍ، حتّى الرداء الذي كان يملكهُ ويحمي جسمهُ، وتبع َيسوع. حتّى عن الرداء الذي عليهِ، وإلتحقَ بموكبِ يسوع الملك.

فتدعونا أمنا الكنيسة اليوم لننضمَ إلى هذه الجموع التي استقبلَت ربّنا يسوع وهو يدخل مدينة أورشليم وهيكل الله فيها، وأفواهنا تُنشد ما في قلوبنا من محبّةٍ وتعظيمٍ لله الذي أعدّ لنا هذه الفرحة، مُعلنينَ أن ربّنا يسوع المسيح هو الملكُ على حياتنا. هذا الإعتراف يتطلّب نقاوة قلب الطفل، ويسألنا أن نتخلّى عن ما نعتقد أننا آمنونَ بإمتلاكهِ، تماماً مثل الناس التي كانت تنزع عنها ثيابها وتفرشها أمام ربنا يسوع، وترفع أغصان الأشجار لتُحيي ملكها، وهي من طقوس تنصيب الملوك، مثلما نقرأ في العهد القديم (21 مل 13: 51،  مل 9: 13/ 10: 7). تمجيدنا وإعترافنا وتخلينا شهادة لعالمنا المُبتلّى بالخطيئة. عالمنا بحاجة إلى شهودٍ حقيقيين لبشارة ربّنا يسوع.

لذا، يُعلِن إنجيل اليوم: "الربُّ محتاج إليهما"، فهذه كانت وصيّة ربنا يسوع لتلميذيه اليوم، وهو بحاجةٍ إلينا نحن أيضاً، ويُنادينا يومياً لنسير الطريق الذي يُريده هو لا الذي نعتقدهُ نحن أنه الطريق الأمثل. يروي لنا آباؤونا الروحيون أن فرنسيس الأسيزي لبّى نداء الكنيسة للمُشاركة في الحروب دفاعاً عن المسيحية والمسيحيين المُضطهدين، فلبس زيه العسكري واختار له حصاناً وحمل سيفهُ، وإنطلق لمكان تجمع الجنود. فظهَر له الرب يسوه وسألهُ: مَن هو الأجدر بأن يُخدَم: السيّد أم العبد؟ فأجاب فرنسيس: الملك. فقال له الرب: عُد إلى أسيزي وهناك أقول لك ما يجب أن تفعل، فعادَ فرنسيس وبقيَّ منتظراً إشارة من الربِ يسوع المَلك الذي جعل منه قديساً عظيماً.

اليوم وضعت الجموع كل شيء ٍفي خدمة رسالة يسوع، فالأولوية له وحدهُ: صاحب الجحشِ الذي لا نعرف اسمه لكّن الله يعرِفه قدّم دابتهُ لربنا يسوع، وتركت الناس أشغالها وجاءت لتستقبلَ الربّ وتبعتهُ حثما ذهبَ. تخلّى الناس عن ثيابهم وفرشوها أمام يسوع الملِك. لقد عملوا المُستحيل من أجل أن يتحقق هذا الدخول المهيبُ لربنا يسوع. فما الذي نصنعهُ نحن اليوم لنجعل هذه الخدمة ممكنة في العالَم؟ ما يطلبهُ هو أن نتخلّى عن كل ما يعترِض طريقهُ إلى قلوبنا التي يُريد أن يقدمها لله، الذي عبرَ إلينا من خلالهِ. فربنا صعِد إلى أورشليم ليحتفل بالفصح، حيث عبرَ الله نحو الإنسان، ليجعل عبور الإنسان إليه حقيقةً. فغاية هذا العبور هي أن تحقق الشِركة مع الله، هذه الشِركة التي تحطمّت بعناد ِالإنسان وتكبره، بالخطيئة. ربنا يسوع يدخل أورشليم ويدخل هيكلَ الله، المكان الذي قدسهُ الله ليكونَ فيه قُربَ الإنسان، ويتمكّن الإنسان من أن يقترِب منه بمحبةً ونقاوة القلب واليدين، فيقبل الإنسان عطيّة الله بنزاهةٍ لاغشَ فيها، من دون أن ينسى أن كلَّ ما نالهُ في الحياة هو عطيّة من الله عليهِ أن يشكر الله عليها ويُباركهُ ويجعلهُ الملكُ الأوحد في حياتهِ. 

 

11083603 798062486949138 7820826272110054857 n

قراءة 7016 مرات آخر تعديل على %PM, %19 %550 %2016 %15:%آذار

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *