المواعظ
%PM, %05 %420 %2016 %12:%آذار

الأحد الخامس من الصوم - طوبى للجياع والعطاش إلى الله

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأحد الخامس من الصوم

طوبى للجياع والعطاش إلى الله (روم 12: 1- 17)

وقف َربنا يسوع المسيح في الهيكل في آخر أيام عيد المظال ونادى: "مَن كان عطشان فليأتِ إليَّ". هذا النداء لم يكن موجهاً لنخبةٍ من الناس، ولم يكن تخمينا من قبل ربنا يسوع من أن أحدهم عطشان، بل معرفة أكيدة من أن الجميع عطشان، ولكن ليس الجميع عارفاً بعطشهِ، وإن عرفوا فهم ليسوا واعين لماهية عطشهم. ربنا يعرِف أن فينا عطشاً إلى الله لا يرويه إلا الله، وعبثاً نحاول مراراً كثيرة إرواء هذا العطش من خيراتٍ مادية أو خبراتٍ زمنية؛ سلطة ومال والبحث المرهِق عن الشهرة والمجد والعظمة، وكلها خبرات إنغلاقٍ على الذات، وبُعد عن الله. هذه الخيرات والخبرات تتركنا عطشى أكثر من ذي قبل، وتجعلنا أكثر قلقاً وخوفاً على حياتنا. وفي مسيرة هذا الخوف والقلق نخطأ ونُخطِئ إلى أنفسنا وإلى القريب. لذا، يُذكرنا ربنا بأن جوعنا وعطشنا هو لله، وليس إلا الله ليروي هذا العطش.

عطشنا هو إلى الله العطشان إلى مَن يعطش إليه مثلما يقول القديس غريغوريوس النيزينزي، والصوم زمن مُباركٌ من أجل أن نتعرف على عطشنا وفقرنا، ونُمييز ماهية هذا العطش، فنُقرب حياتنا تقدمة شُكرٍ لله بمحبة وتواضعٍ وطاعة، مثلما يُناشِد بولس كنيسة روما في رسالتهِ. فالعطش هو سببُ جفافٍ روحي، هذا الجفاف سيقود بالضرورة إلى يبوسة روحية تظهر من خلال قساوة القلب، والتعامل مع الآخرين بروح التنافس، ونسعى للحط من كرامتهم وسمعتهم. اليبوسة الروحية التي فينا تجعلنا كسالى غير مُبالين بما يحصل من حولنا، فلا نُشاهِد ونشهد لعلاماتٍ تدخل الله في حياتنا، ونميل إلى أن نكون ديانين ومتدينين أكثر منّا مؤمنين. نتراخى وقت الشّد، ونتراجع أمام إلتزاماتنا الإيمانية. نغضب ويتغلغل الحسد والغيرة والعنف إلى قلوبنا، لأنها عطشى إلى كلمة الحياة التي تُحيي. لذا، يعلو صراخ ربنا يسوع اليوم: مَن كان عطشاناً فليأتِ إليَّ.

بولس يُذكرنا اليوم بأن لنا عبادة روحية، هذه العبادة تتجاوب مع فعلِ الله لنا بيسوع المسيح. وهو يؤكد أننا صرنا للمسيح: "فإذا حيينا فللرب نحيا، وإن مُتنا فللرب نموت، سواء حَيينا أم مُتنا فللربِ" (روم 14: 8). فنحن مُكليتهُ، وهذا يعني أن علينا التجاوب مع فعل الله فنكون: مُحبين ومتواضعين ومُطعين، ثلاثة مواقف: المحبّة والتواضع والطاعة. تواضعٌ يظهَر من خلال مواقف حياتية تجاه إخوتنا وأخواتنا في الإيمان فيقول: "لتكن المحبة بلا رياءٍ، إكرهو الشر وآلزموا الخير، ليوّدَ بَعضُكم بعضاً بمحبةٍ أخوية، تنافسوا في إكرامِ بعضكم لبعضٍ، إعملوا للربِّ بهمةٍ لا تفتر ورُوحٍ مُتقدٍ" (روم 12: 9- 10).  

فإن كُنا متواضعين سنعرِف مكانتنا الحقيقية، ولن نترفع على الآخرين، لأننا واعون لجسامة الخطيئة الموجودة في داخلنا، وخبث أفكارنا، وفساد نظرتنا، فكيف لنا أن نتكبر على الآخرين، إن كنا نحمل كل هذه الخطايا؟ هذه المعرفة الصادِقة لدواخلنا ستسمح لله بأن يدخل قلوبنا مُطهراً ومُقدساً. فالله يُحب الإنسان المتواضع، لأن المتواضع يعرِف حقيقة ذاتهِ، يعرِف مَن هو؟ وما عطشهُ؟ يعرِف الخير الذي فيه والشر الذي يتحداهُ في كل لحظة؟ هكذا سيكون حكيما عندما يتواضع، ومتواضعاً في حكمتهِ، فالتواضع يُكسبهُ نوراً إلهياً، لذلك، نادى ربنا يسوع اليوم قائلاً: "أنا نور العالم، مَن يتبعني لا يمشي في الظلام بل تكون له نورُ الحياة" (يو 8: 12).

التواضع يجعلنا إذن حقيقيين وصريحين تجاه أنفسنا وتجاه الآخرين وأمام الله. نعرِف أن لنا مواهب، وللآخرين مواهب أيضاً، والأهم نُكرِم واحدنا الآخر عارفين أن الله وهبَّ كل ذلِك لخيرنا وخير العالم من حولنا. التواضع يجعلنا أناساً نُحبُ من دون رياء، ويرفع عنّا أقنعة المودة المزيفة. التواضع يكشِف لنا كم نحن متكبرون أمام الله، لحظة الإكتشاف هذه كشفٌ إلهي وبداية لمسيرة إيمان صادقة، لأننا سنعيش أسلوب حياة لا نرى فيه عيوبَ الإخرين، بل عيوبنا، وكم أن الآخرين هم أفضل منّا. هذا هو بدءُ طريقِ القداسة. يروي لنا آباؤنا الروحيون أن أحد الأخوة سأل القديس فرنسيس: لماذا يبحث الناس عنك دوما ويتراكضون لرؤيتِك؟ أجابَ القديس فرنسيس لأن الله لم يجد على الأرض خطئاً تعيساً مثلي! لم يقل له: لأن الله لم يجد متواضعا مثلي على الأرض، بل "مَن لا يستحق مُطلقاً". الإنسان المتواضع يرى نفسه خاطئاً لا متواضعاً.

أمنا مريم خير مثال للإنسان المتواضع، فهي رأت إنها غير مُستحقة لمثل هذه النعمة، ومع أنها قبلَت كلمة الله وحبلت به، لم تتكابر على الآخرين، بل رأت نفسها الوضيعة التي لا تستحقُ هذا الإكرام، بل مجدت الله الخالق لا الخليقة، لأنها كانت دوما عطشى وجائعة للبر، فطوبها الله على لسان إليصابات: "طوبى للتي آمنت لأنها سيتمُ لها ما بلغها من عند الربِّ" (لو 1: 45).  

قراءة 12050 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *