المواعظ
%AM, %27 %291 %2016 %09:%شباط

موعظة الأحد الرابع من الصوم - الإنسان؛ توقٌ إلى الله

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأحد الرابع من الصوم

الإنسان؛ توقٌ إلى الله (روم 8: 12- 27)

 

في إنجيل اليوم وقف رؤساء الكهنة ليقولوا لربنا يسوع: بأي سلطان تفعل هذا ومَن أعطاك هذا السلطان؟ بمعنى آخر: سلم الله الناموس (الشريعة) لموسى ونحن حُراسها، فكيف لك أن تلغي ما كتبه الله بإصبعِه وسلمه لموسى؟ هل أنت أعظم من موسى؟ أم أعظم من الله الذي وهب لنا الشريعة؟ وهل يُعطي الله ما هو الشر للإنسان؟

 

لم يفهَم رؤساء الكهنة أن غاية الناموس كانت محبة الله والقريب: "أحبب الربَ إلهك بكل قلبِك وكل نفسك وكل ذهنِك ... وقريبك مثل نفسك"، هذه خلاصة الشريعة والأنبياء (متى 22: 40)، وربنا لم يأتي ليُلغي ويُبطِل الناموس، بل جاء ليُكمل (متى 5: 17)، فالمحبة هي تمام الناموس وكماله. ولكن ربنا يواجه رؤساء الكهنة بتحدٍ أعظم: محبة الله تكمنُ في إتمام إرادته بالفعل لا بالقول فحسب. فالناموس، وهو مشيئة الله موجهٌ ليحيا الإنسان إبنا لله، وهذا يحصل لأن الله بمحبتهِ يقبلُ الإنسان شريكاً له: إذهب وأعمل في الكرم. هذه الشراكة لا تأتي من العمل بالناموس، بل بالإيمان بالله وبالحياة الجديدة التي صارت لنا بيسوع المسيح.  

 

الإنسان الخاطئ الذي كان محبوساً في الخطيئة وميتاً بسبب خطاياه والناموس يشهد على ذلك. حرره المسيح يسوع وأطلقهُ حُراً. عمل الخلاص لم يكن لتحرير الإنسان من قوة الخطيئة فحسب، بل دفعَ الإنسان لفعل الخير والصلاح (القداسة). ففي الإنسان تنشطُ قوة الروح القدس بفاعليةٍ. فما لم يتمكن الناموس من أن يُحققه، حققحه الله بإرساله إبنه ليعيش في أجواء ملوثة بالخطيئة، في الميدان الذي تنشط فيه الخطيئة، ولكنه لم يُصاب بالخطيئة، بل جردها من أسلحتها: العنف والعداوة والحسد والغضب والإنتقام، فأدانَ الخطيئة في الجسد، وحررَ الإنسان ليعيش تحت غمار الروح. أدانَ الله الخطيئة من خلال حياة يسوع الأرضية التي إتسمتَ بالمحبةِ والطاعة.

 

صارَ الإنسان بفضل نعمة الله المُحررة من جهة الله، فأصبحَ مُلزَما بأن يسلَك من الآن حسب ما يُريده الروح القُدس. إنه في صداقة تامة مع الله، وعليه أن يكون أمينا لمتطلبات هذه الصداقة، عليه أن يُقاوِم، وبمعونة الروح القدس، كل الشهوات التي كانت تقوده إلى حالة الخطيئة، العداوة تجاه الله. الإنسان الذي يعيش من أجل نفسه (رغباته وشهواته) سيرى الله عائقا وعدوا ولا يُمكن للناموس أن يمحو هذه العداوة أو يُزيلها، بل يُثبتها.

 

الإنسان المُخلَص يعيش بقوة الروح القدس الي يُصلي فيه: أبانا (بابا: لفظة يسوع الخاصة جداً).  الخطيئة الأعظم هي محبة الذات إلى مرحلة نسيان الله، كُره الله، هذه العداوة لا يُمكن أن يمحوها الناموس، بل إعادة تأسيس الصداقة مع الله، فحقق يسوع ما لم يُحققه الناموس، فصلبَ في موته "الإنسان القديم المُحِب للذات، عدو الله"، وأعطانا محبة الله الآب، الطاعة (بدل العصيان)، روح البنوة: صلوا إليه: بابا (روم 8: 2).

 

الروح القُدس الذي وهبهُ الله الآب للمؤمنين بيسوع المسيح ليس "إرشاداً أو توجيهاً" للقلب، بل هو فعل القلب، هو الذي يفعل في الإنسان، هو الذي يُصلي في الإنسان، هو الذي يأخذ المُبادرة. فالناموس الجديد؛ الروح القُدس، هو الحياة الجديدة، لذا فهو نعمة أكثر منه ناموس. هو حياة جديدة، هو المحبة التي أفاضها الله في قلوبنا بيسوع المسيح، هذه المحبة تتجاوب مع يبحث عنه قلب الإنسان ويشتاق إليه، هذا الإنجذاب هو قوة فاعلة تدفع الإنسان ليعيش المحبة لا مُجبراً بل مندفعاً بقوة الروح (المحبة) التي فيه. فالمحبة هي كمال الناموس: ما جئتُ لأنقض الناموس، بل لأكمل الناموس (متى 5: 17)، فكل الناموس والأنبياء يكتمل بالمحبة: هذه هي خلاصة الشريعة والأنبياء: أن تُحِب (متى 22: 40). فالمحبة ليس بديل الناموس، بل كمال الناموس. فعلى الإنسان أن يُطيع ويُكمِل ما يُريده الروح القُدس برهاناً لمحبتهِ: "مَن يُحبني يحفظ كلامي" (يو 14: 23).

 

المحبة فينا ليس قوة دافعة بل قوة جاذبة. حفظ الوصايا نابع عن محبةٍ تنشط فينا قوةً فتجعلنا في تناغم مع مَن نُحبهُ، من أجل من نحبهُ، مثله مثل أمرأة حبلت بطفل فقيل لها أن تتبع نُظماً وتعليمات فتعمل بها لا من أجل تتفادى الإنتقاد أو أنها تعليماتٍ مُلِزمة، بل عن لأنها تًحِب. معجزة الحياة الجديدة التي فيها تدفعها لأن تلتزم بفرحٍ من دون أن تشعر أنها إلتزاماتٍ قاهرة، بل لها إمتنان لمَن يُرشدها للحفاظ على حياة الجنين حتى يولَد، لأنها لا تمتلِك الخبرة الكافية في رعاية الجنين والحفاظ على سلامة حياتهِ.

هذه خدمتنا بالروح القدس الذي أفيض في قلوبنا بيسوع المسيح.حياة النعمة، حياة المحبة. محبة تحفظ الشريعة، وشريعة تحمي المحبّة. 

قراءة 7203 مرات آخر تعديل على %AM, %28 %992 %2016 %01:%شباط

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *