المواعظ
%PM, %24 %790 %2016 %20:%كانون2

الأحد السادس من الدنح - الطاعة ذبيحة العهد الجديد (عبر 8: - 9: 16)

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأحد السادس من الدنح

الطاعة ذبيحة العهد الجديد (عبر 8: - 9: 16)

حاول كاتب الرسالة إلى العبرانين دعوتهم إلى التأمل في معنى كل الطقوس التي يحتفلون بها، وإلى ماذا كانت تُشير؟ فهي لم تكن الغاية بحدِّ ذاتها، بل انها كانت موجهةٌ دوماً إلى لقاء الله الآب. هذه الطقوس أمرَ بها الله عبده موسى، فأوصاه أن ينصبَ خيمةً في الصحراء على نحو يتطابق مع شكلها في السماء، في إشارة واضحة إلى قُدسية المكان، والأهم، أن يسعى الإنسان إلى أن يحوّل الأرض إلى سماء: "إنظر وأصنع تماماً مثلما ترى". دعوة لم تتحقق بسبب خطيئة الإنسان نفسه.

أمرَ الله إّن بأن تُنصَب هذه الخيمة الأرضية وأعطى تفاصيل البناء ليُؤكد أنه مُخططها وبانيها، وما موسى إلا نبي الله الذي يُنفِذ أوامره. تُقدم فيها الذبائح عربون شُكرٍ لله على عطية الخلاص، وذبيحة عن الخطايا التي فيها أهانَ الإنسان الله، وقطعَ سُبلَ العلاقة معه، عارفين أن الذبيحة لن تنال لهم غفران الخطايا، فالغفران نعمة من الله، لأن الإنسان بقي يخطأ تجاه الله ويبتعد عنه. فصارت الخيمة والذبيحة عائقاً أمام علاقة صحيحة مع الله، فخطيئة الإنسان جعلتهُ يمتنع من التقدّم نحو الخيمة لأنه ليس أهلاً لها.

خطيئة الإنسان وتفسير الشرائع أبعدت الإنسان عن الله، لكن هذا لم يمنع الله من مواصلة العلاقة، بل وعدَ بأن يُؤسس مع الإنسان عهداً جديداً، مثلما كشفَ لنبيه إرميا. العهد الجديد لن يُكتَب على الحجارة مثل العهد الأول بل في قلب الإنسان، فلا يحتاج إلى مُعلمٍ، بل يحتاج إلى آذان تسمع وتُصغي، وإلى قلبٍ يتأمل كلمة الله. ولن يكون هناك خيمةٌ تنصَب، بل لقاء مع الله في شخص يسوع المسيح، الكاهن، والذبيحة معاً. والذبيحة ليست حملاً أو جدياً أو ثوراً، بل هي ذبيحة حياتهِ هو، فعل الطاعة الكاملة التي ستجعله يحمل الصليب.

العهد الجديد هو دعوة للعلاقة مع الله في شخصِ يسوع المسيح. ربنا يسوع لم يضعَ أي حاجزٍ للوصول إلى الله. ربنا دعانا لأن نُصلي إلى الله قائلين: أبانا. خطيئة الإنسان لن تمنعهُ من التقرّب إلى الله، لأن الله تجسّد وصارَ إنساناً ليلتقي كل إنسان، لاسيما البعيدون منه. عهدٌ لا يطلبُ فيه الله التركيز على الذبائح والتقادُم، بل أن يكون هو في القلب، مركز حياتنا، تماماً مثلما عاش ربّنا يسوع. وهذا يُقلقُنا جميعاً، فحياتنا متعلقة بكثير من الأمور، إلا الله. ربّنا يسوع عاشَ حياتهُ ذبيحة حيّة لله، في فعل طاعة تامّة له لله. وهذه مسيرة تطهير يومية من أجل التخلّص من الكثير من المتعلقات التي تأسرنا، للوقوف أحرار أمام الله والسير أمامهُ بتواضع. فلا يُمكن محاربة خطيئة العالم، ما لم نُحارِب أولاً التي فينا.

يروي لنا آباؤنا الروحيون عن راهب إسمه إسحق عاش في مدينة نينوى في القرن الميلادي السابع. أختبر الاضطهادات التي عاشتها الكنيسة من أعدائها، واختبر أيضا ألماً وحزناً عظيماً من جراء حسد الرهبان له الذي وصل إلى مرحلة طرده من الدير. ولكنه حملَ في قلبهِ دعوته الرهبانية، وعاشها خارج أسواء الدير، لاسيما في محاولته أولاً لأن يطرد شيطان الغضب والحقد من قلبهِ لأنه طُرد ظلماً من الدير، فعملَ على أن لا يسمح للمجرب أن يُفسِد عطية الخلاص التي نالها بيسوع المسيح، لأنه سيخسّر إنسانية ويتحول إلى حيوان جامح. فسعى لأن يُحارِب في نفسه الشراهة والزنى والبخل والحسد والغضب والفجور، والبحث عن المجد الباطل، ليبقَ قلبهُ نقياً مُطمئناً بحضور الله، فيسلُك أمامه بتواضعٍ تام.

كم نحن بحاجة اليوم إلى أن سماع كلمة الله: "إني لأجعل شريعتي في ضمائرهم وأكتبها في قلوبهم فأكون لهم إلها وهم يكونون لي شعباً"؟ لا بدافع الزهو والافتخار، بل في موقف الشكران والمسؤولية؟

كم نحن بحاجة اليوم إلى أن نتأمل حياة مَن تقدمونا في هذا الطريق وسمحوا لله بأن يلتقيهم، وقدموا حياتهم ذبيحة حيّة، فمجد الله حياتهم وقدّسها؟

كم نحن بحاجة اليوم إلى أن نلتفتِ حول أمنا مريم التي تستقبل يومياً جموع المؤمنين في كل أنحاء العالم، حاملين إليها همومهم ودموعهم ومشاكلهم، لتُعزينا وتُثبتّنا في طريق الإيمان. قال أحدهم يوماً: كنت أحُبَ التردد إلى مزار العذراء مريم، وأقصدها لأحدثها عن مشاكلي، وغالبا ما كنت ألجا إليها حزينا وغضبا. وكنت أعود كل مرّة أكثر مُعزى لأني كنت أسمع شكوى الذين يقفون خلفي للصلاة، وأشعر كم أن مشاكلي وصعوباتي صغيرة أمام مشاكل الآخرين. فكنت أقول لأمي مريم: إسمعيهم وكوني معهم، وأنسي أمري.

فلنطلب صلاتها، ليجعل ربّنا من حياتنا ذبيحة روحية تُرضيه.   

قراءة 10777 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *