المواعظ
%AM, %20 %982 %2016 %01:%كانون2

الأحد الأول من الدنح - كلمة الله طريق الخلاص (2 طيم 3: 1- 19)

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأحد الأول من الدنح

كلمة الله طريق الخلاص (2 طيم 3: 1- 19)

يطلب الرسول بولس من تلميذه طيموثاوس أن: يبتعد عن الأشرار وهم: المتكبرين ومحبوا المال، المنافقين والطماعين والخونة؛ محبوا الشهوة أكثر من محبوا الله. كما ويطلب منه أن يتذكّر أنه، أي بولس، تحمل الكثير من الضيق والألم بإيمان وصبرٍ ومحبة لأجل المسيح يسوع. وأخيراً يسألهُ أن يثبُتَ في محبة الأسفار المقدسة التي تلقاها منذ صباهُ. هذه الطلبات الثلاثة متناغمة ومتماسكة معاً، وتُريدنا الكنيسة أمنا في أول آحاد الدنح (الظهور)، أن نتأمل فيها، وأن تكون كلمة لحياتنا أيضاً. فما هو فحوى (مضمون) هذه الرسالة؟

تجسّد ربنا يسوع وموته وقيامته بدأ لنا ملكوت الله: "روح الرب علي لأنه مسحني لأبشر الفقراء وأرسلني لأعلن للمأسورين تخلية سبيلهم وللعميان عودة البصر إليهم وأفرج عن الـمظلومين وأعلن سنة رضا عند الرب". ... فأخذ يقول لهم: "اليوم تمت هذه الآية بمسمع منكم". (لو 4: 18- 21). هذا الملكوت وهبَ الله لنا فيه مسؤولية تجاه أنفسنا وتجاه الآخرين، وتجاه العالم كلّه. المسيحيون هم أبناء الملكوت، أبناء الأزمنة الإلهية. فربنا يسوع المسيح هو نقطة تحوّل حاسمة في حياتنا، إما أن نكون تلاميذ له، فنتحمل الرفض والضيق والإضطهاد والألم، وإما نُسايّر العالم فيما يُقدمه لنا، في محاولة لعيش حالة من المساومة التي تقتل فينا جذرية الدعوة التي دُعينا إليها. المسيحي الحقيقي هو مَن إلتصقَ بالمسيح يسوع، المتألم والمُضطهَد والمرفوض، فلا يُمكن للمسيحي أن يتبعَ من دون أن يتوقّع الإضطهاد، ولكنه يترجى الغلبة بالمسيح يسوع، ولنا في ذلك شهودٌ كثيرون: قديسوا الكنيسة وأبطالها.

وهنا نأتي إلى الطلب الثاني لبولس من تلميذهِ طيموثاوس: أن يثبُتَ على الحقيقة التي تعلّمها منه، والتي قاسى من أجلها الكثير من المتاعب والمُضيقات والألم، وكشف َفيها عن إيمانٍ وصبرٍ ومحبةٍ، فكل الذين يُحبونَ أن يعيشوا في تقوى الله في يسوع المسيح يُضطهَدونَ. هذا التذكر هو مهم جداً بالنسبة لنا اليوم أيضاً، لأنه يجعلنا نشعر بأننا ننتمي إلى كنيسة القديسيين، ونأسفُ اليوم لأننا صرنا نفقدُ هذا التواصل مع قديسي الكنيسة وأبطالها، الذين يقفونَ في تاريخ الكنيسة شهادات حيّة على النعمة التي صارت لهم بالمسيح يسوع. نعمةٌ غيّرت حياتهم وجعلتهم ينطلقونَ شهودا ًللبشارة، بل شهداءٌ من أجلها. اختبروا معنى أنهم كانوا عُمياناً ومنحَ الله لهم نعمة التحرر بيسوع المسيح، فليس لهم إلا الإنطلاق والتبشير بالخلاص الذي صارَ لهم نعمةً. نحن جعلنا منهم شفعاء لنا في السماء بسبب كثرة خطايانا، والله وهبهم لنا شموعاً تُضيءُ بنعمتهِ ظلمات حياتنا، لأنهم أصغوا إلى كلمة الله وأطاعوا هذه الكلمة بأمانةٍ.

فنصل إلى المطلِب الثالث لبولس إذ يُذكر تلميذه طيموثاوس أنه تعلّم الأسفار المُقدسة منذ صباه، وهي ستُصيره حكيماً للخلاص الإيمان بيسوع المسيح. الأسفار المُقدسة، كلمة الله هي طريقهُ لنيل الخلاص، الحياة المنفتحة لله. حياة من دون خبثٍ أو خداعٍ، حياة خاليةٌ النفاق والخيانة. حياة تواضع وإيمان بالله، فيها نقبلُ كلمة الله التي يغرسها الزارع فينا بقلبٍ طيّب، ونسعى لحفظها، وعيش متطلباتها. وهذا يقودنا إلى التذكير الأول لبولس في رسالتهِ إلى طيموثاوس: الإبتعاد عن المنافقين والأشرار الذين سمعوا كلمة الله ولم يطيعوا لها. نأسف كثيراً إذ نلحظ أننا نسعى في قراءتنا الكتاب المقدس إلى البحث عن تفسيرات ومراجع لشرح الكلمة، في حين أن المطلوب هو عيش هذه المُعطاة لنا. فنجعل كلمة الله موضوع درس لا كلمة للحياة. التفسير مهم، بل أساسي، ولكن الأهم هو البقاء مع هذه الكلمة طويلاً، والتفكير بها مطولاً في قلوبنا. هذا السماع، وهذا الهضم للكلمة يجعل السامِع يُصغي ويُطيع، أي أن يجعلها موضوع تنفيذ، تماماً مثل ربّنا يسوع الذي يُذكِر المجرب بأقوال الله، ويعيشها بأمانةٍ.

هكذا فقط تُصيرنا كلمة الله حُكماء للخلاص بالإيمان بيسوع المسيح. لأننا ننظر إلى أنفسنا تبعاً لصورة المسيح يسوع، فنسأل: أين نحن منه؟ أين نحن من محبة الله، فغاية الكتاب المقدس هي أن يقول لنا: كم أن الله يُحبنا. هكذا نجعل كلمة الله تفحص قلوبنا، لا أن نكون نحن فاحصي الكلمة، ليعرِف كل واحد منّا ذاتهُ، ويعرِف محبة الله له، فلا يسقط لا في الغرور (معرفة الذات)، ولا في اليأس (معرفة محبة الله). كان القديس أوغسطينوس يقول: أن أعرِف ذاتي لكي أتضِع، وأن أعرفَك لكي اُحبُك". كلمة الله طريق للخلاص، وتزخر الكنيسة بقديسيها الذين إكتشفوا عظمة الدعوة التي أنعمَ الله بها عليهم، من خلال مواظبتهم على قراءة الكتاب المُقدس، حتّى أن القديسة ترازيا الطفل يسوع قالت يوماً: أجد في الإنجيل كل ما هو ضروري لنفسي المسكينةالصغيرة. ولكن هذا يحتاج إلى أناس تعرف أن تأكل الكلمة، لا أن تدرسها وتتأمل فيها. فأكل الكلمة، يعني هضمها وجعلها جزءً منّا، تماماً مثل الأفخارستيا، التي جعلنا واحداً مع المسيح يسوع. 

قراءة 3546 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *