المواعظ
%PM, %02 %750 %2016 %20:%كانون2

الأحد الثاني من الميلاد "تجنّب الكلام الفارغ والمجادلات السخيفة" (2 طيمو 2: 16- 26)

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

المطران بشار متي وردة

 

الأحد الثاني من الميلاد

"تجنّب الكلام الفارغ والمجادلات السخيفة" (2 طيمو 2: 16- 26)

أختار بولس الشاب طيموثاوس ليكون معاوناً له في جولاته بعد أن عمّذه هو وعائلتهُ، وأوكلَّ إليه خدمة الجماعة الناشئة، مع أنه صغير السنّ على مسؤولية كهذه. فبيّن أمانة وإلتزاماً في الخدمة، حتّى أطلق عليه بولس لقبَ: أخاناً ومعاونَ الله في إعلان بشارة المسيح" (1 تس 3: 2). بل، إمتدح رغبتهُ في ان يكون أسقفاً والتي لم تكن للتسلّط على الجماعة، بل لأنها كانت طريقاً لنيل الشهادة، فالأسقف، وهو رئيس الجماعة، كان أول المرشحين للموت وقت الإضطهادات.

كتبَ بولس الرسول رسالتينَ لتلمذيه يوصيهِ بكيفية خدمة الجماعة بأبوّة ملؤها الحنان والحزم في الأوقات المطلوبة. المحبة للجماعة لا تعني التغافل عن الأخطاء، بل المحاسبة التي تريد عودة الخاطئ ليقبلَ نعمة التي يفيضها الله عليه. هكذا لن تتيه الجماعة وتظل عن التعليم الصحيح بسبب تعاليم ومجادلات باطلّة. بل طلبَ بولس من تلميذه أن يحث الجماعة على أن تُقدم دوما الصلاة والشكر من أجل جميع الناس، ومن هنا ثبّتت الكنيسة "رتبة الكاروزوثا" (صلاة الطلبات).

سمعنا بولس اليوم يُوصي طيموثاوس بأن يتجنب الكلام الباطل، وأن يكون لطيفاً مع جميع الناس، صبوراً ووديعاً في تأديب المخالفين. هي توصيات لراعي الجماعة، ولكنها تُبيّن أولاً شخصية المسيحي، والتي يكون الراعي قدوةً يُحتذى به، على مثال ربّنا يسوع المسيح الذي يقول عنه الإنجيل اليوم: كان الصبي ينمو ويتقّوى بالروح ويمتلئُ حكمةً وكانت نعمة الله عليه". المسيحي بشكل عام، والراعي بشكل خاص، يشهد في حياتهِ وسلوكهِ اليومي حضور نعمة الله في حياتهِ، وفاعليتها. نعمة يقول عنها بولس جعلت فينا روح القوّة والمحبة والفطنة، لا روح الخوف. نعمةٌ تجعلهُ يسمع ويُصغي من أجل أن يتعلّم فن تمييز حضور الله في حياتهِ، مؤمناً أنه إبنٌ لله، مُطمئناً أن الله لن يتركه يتيه عنه.

نحن نشهد بمواقفنا وسلوكنا اليومي لفاعلية نعمة الله في حياتنا، لا خوفاً من نارِ جهنم، بل لأن الله أفاضَ نعمتهُ علينا، فليس لنا إلا أن نحيا حياتنا شاكرين له هذه النعمة، حتّى وإن أختبرنا بعض المشقّات من أجل البشارة. بل، لا يُمكن للمسيحي أن يكون شاهداً للمسيح من دون أن يُعاني الضيق والرفض والإضطهاد، التي أضحت منذ بدء إعلان بشارة المسيح يسوع، شاهداً على مصداقية الشهادة التي ترفض مساومة العالم. فيُذكر بولس تلميذه طيموثاوس أنه قاسى المشقات من أجل البشارة، وكشفَ عن نفسه جندياً صالحاً للمسيح، فعليه أن يصبر ويواصِل المسيرة، ويبقى هو الذي يُذكّر العالم بما هو الأساس: محبّة الله لنا بيسوع المسيح.

"تجنّب الكلام الفارغ والمجادلات السخيفة" هي ما يطلبهُ بولس من تلميذه، ومنّا أيضاً، لأنها تولّد المشاجرات بين الجماعة، فلا ينعمون بالسلام الذي وهبهُ الله لهم بالمسيح يسوع. ربنا يسوع، كشفَ لأمنا مريم ويوسف أنه في حضرة الله دوماً، هذا الحضور يجعله حضور نعمة في حياة الآخرين، فلم ينقاد هو أيضا للكلام الفارغ والمجادلات السخيفة، التي تُدمّر حياة القريب، بل تجنبها. يروي لنا الإنجيل كيف أن رؤساء الكهنة والفريسيون كانوا يجادولونه دوماً ليُمسكوا عليه زلّة، بل قدّموا إليه أمرأة ورغبوا في مجادلاته، ليُصدِر هو "قرار الإعدام"، لكنه تجنّب ذلك، وراح يكتب على الرمال: الله الآب يغفر، وأرسلني لأعيد الخاطئ إليه. وهكذا نحن، مُقتدين بربنا يسوع المسيح، نكتُب على الرمال خطايا الناس، ليمسحها الله بمحبتهِ. نحن لا نُطبّق إذن تعاليم، نحن نتبع شخص، وبين الإثنين فرق شاسعُ، كالفرق بين الحياة والموت. فتطبيق تعاليم، يعني أننا نُقر بموت مَن علّمها، أما تباعة شخص، فهو إعلان قيامته؛ إنه حيٌّ.

لو عُدنا إلى حياتنا اليوم، وفحصنا ضميرنا بصدقٍ أمام القُربان، لوجدنا أن الكثير من المشاجرات التي أفسدت علاقاتنا بالأهل وبالأقارب ومع الأصدقاء، جاءت نتيجة كلام فارغ ومجادلات سخيفة وثرثرات باطلّة، ونأسف لكثرتها اليوم بسبب تكنلوجيا الإتصالات، التي أرادها الله لنا نعمةً للتواصل والتقرّب نحو القريب، فأضحت نقمةً على الحياة، بسبب سوء إستخدامها، وحشوها بما هو تافه وباطل. لذا، تصحُّ كلمة بولس اليوم: تجنّب الكلام الفارغ، وأهرب من المجادلات السخيفة. علينا أن نهربّ من جلسات الشر التي يجذبنا الشرير إليها، ونبحث عن جلسات تهبُ للقريب الحياة الكريمة. فإننا كلما إشتركنا في مجادلات سخيفة ونشرنا كلاماً باطلاً نكون قد قتلنا القريب، نحن، الذين جعلنا الله حُراساً على حياتهِ. فلنطلب نعمة الثبات في الحقيقة، وأن نكون ضمير العالم من حولنا، وأن نسير سير خلف سيّدنا يسوع المسيح، حاملين حياة الناس بأيادي مُحبة، ساعين وراء كل كلمة تبني وتحترم الآخر، ويجعلهُ يقف مُكرماً أمام الله. 

 

قراءة 9739 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *