المواعظ
%AM, %24 %011 %2015 %02:%كانون1

عظة عيد الميلاد 2015

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)

المطران بشار متي وردة 

 

عظة عيد الميلاد

السلام هبة الميلاد

لما ميلاد المسيح يسوع؟ وما هي عطية الميلاد؟ وما الذي دفعَ بالكنيسة لأن تحتفل سنويا بميلاد يسوع؟ وهل يستجيبُ الميلاد لحاجة البشرية؟ وما الذي تحتاجهُ البشرية دوما؟

 

السلام؛ هذا ما نحتاجهُ جداً، وما تأنُّ إليه كل البشرية المجروحة بالصرعات والعنف والحروب. سلامٌ مع أنفسنا. سلامٌ مع القريب. سلامٌ مع الله. والبداية تكون دوماً في: السلام مع الله، فهذا السلام يهبّ لنا قلباً نقياً فيه نُعاين وجه الله في وجه القريب، وحضوره في حياتنا، لا قوة غاشمة، بل مرافقة ترعانا بمحبةٍ. لذا، كان السلام الوعد الذي أعلنتهُ الملائكة للرعاة الخائفين: المجد لله في العُلى وعلى الأرض السلام، وبين الناس المسّرة. السلام الذي لا تعرفهُ الأرض منذ مولدِ الإنسان، فجاء وعدُ الله في الأنبياء لنا: أنه سيُعطينا من ينقصنا: السلام، وأنه سيُصالحنا إليه، فيكون السلامُ معه نعمةً لا إستحقاقاً لأننا أتممنا ما تُريده الشريعةٌ منّا، مثلما ظنَّ كثيرون ومنهم كنيسة غلاطية. فالسلام نعمةُ السماء لنا في ميلاد المسيح يسوع.

 

الإنسان، ولأنه كسر علاقة المحبة التي كانت له مع الله، ولحُبهِ لنفسه دخلَ في صراعٍ مع ذاتهِ، ومع القريب، بل مع الله خالقهِ. فراح ينظر إلى الآخر وإلى الكون وإلى الله، كعدو منافس عليه أن يمتلكه ويجعله تحت سيطرته، وهذا لن يُعطيه السلام، فظنّ متوهما ًأنه قادرٌ على الحصول على السلام بقواه، فعجزَ عن ذلك. فلن يحصل الإنسان على السلام إلا بمعونةِ الله، الذي لم يترُك الإنسان يواجهُ الصراعات مع نفسه، والحروب مع القريب، والخطيئة تجاه الله، فجاءَ هو متجسداً ليهِبَ لنا السلام، ويتركَ سلامهُ معنا: السلامَ أستودعَكُم، سلامي أعطيكم. وهو يعرف أن هذا السلام سيُكلفهُ الكثير، وسيحمل الصليب، مُقدما حياتهُ ليحصل الإنسان على السلام. هذا السلام لن يأتي بقوة السلاح والجيوش، وهو الدرس الأول الذي على البشرية كلّها أن تتعلمه، فهذه تولّه العنف والكراهية، لذا، يقول لنا الإنجيلي لوقا، أن جبروت أوغسطس قيصر، لم ينفع الإنسانية بشيءٍ، فهو يطلب العزة والكرامة لنفسه لا للآخرين. ربنا يسوع، المولود طفلاً هو الذي سيبذل حياتهُ لأجل الإنسان، حُباً بالإنسان، لنؤمن أن المحبة هي القوة التي تخلّص الإنسان، وتمنح له الكرامة. فلا نبخل على الآخرين بالمحبة، وللا نندم على محبة قدّمناها، مثلما أن الله الآب لم يندم على محبته لنا.

 

السلام الذي يهبهُ لنا ربنا يسوع المسيح ليس كسلام العالم، فسلام العالم يعني الإنتصار على الآخرين وسحقهم. سلامُ يسوع يكون أولاً بالإنتصار على الذات، الانتصار على الغضب ورغبة الانتقام لعدم عدالة الناس معه. هو الذي مدّ يد الرحمة، فجازه الإنسان بالعذاب والصليب، ومن على الصليب نادى أباه قائلاً: يا أبتاه أغفر لهم لأنهم لا يردون ما يفعلون.

 

إلهنا قرر أن يبدأ الطريق من حيث ينتهي الإنسان. فالإنسان، ولأنه يعرِف أنه بخطاياه إبتعد عن الله، كان يلجأ إلى تقديم الذبائح، طالباً المغفرة والمُصالحة، ليعود الإنسان إلى خطاياهُ. هذه الخطايا هي جروح في علاقة الإنسان مع الله، وهي تُصيب الإنسان بأمراض عديدة منها الكبرياء والحسد والبغض والكرهية، وليس بمقدور الإنسان أن يُشفى منها. لكن الله، وبسبب محبتهِ، صالحَ الإنسان بالمسيح، فأزلَ العداوةَ، وقدم إبنه على الصيبِ ذبيحةً، فلا يخافُ الإنسان الله بعدُ، بل يسير معهُ حاملاً في قلبهِ صورة عن الله الآب المُحِب، لا الإله الذي يترقبُ الإنسان متّى يخطأ حتى يُعاقبهُ، أو المُشرع الذي يُجبرُ الإنسان على إتمام ما يأمرُ به حتى يُجازيهِ. هكذا يُبشرنا الله بأن المسيح يسوع هو المُخلّص، هو الشافي لأمراضنا، فلا نقع في يأس الخطيئة، لأن الله نفسه قرر أن يفتح ذراعيه ليحتضِن الإنسان، فلا يخاف الإنسان من خطاياه، بل يؤمن أن محبّة الله أعظم.

 

محبة ورحمته لا تُمنَح لنا لكي يُخفف الله من قصاصه لنا، لأن عدالتهُ تتطلب معاقبتنا. رحمته ومحبتهُ تُحفزنا على أن نُقدِم الغفران لمَن أخطأ إلينا. السلام مع الله يُؤسس للسلام مع القريب، وبالتالي السلام مع الذات. لذا، فالله إذ يأتينا اليوم، يُقدم لنا الخلاص سلاماً. هذه هي البُشرى السارة التي علينا أن نتأمل فيها دوما، مثلما كانت أمنا مريم. فلا يكفي أن نمدّ يد المُصالحة مع القريب، إن كانت قلوبنا لا تعرف السلام مع الله. سنُهنأ القريب، لنعدو ونغضب منه، لأننا سلام الله لم يملء قلوبنا.

 

نشيد السماء اليوم بُشرى سارة، ونعمة ومسؤولية علينا الإلتزام بها، أن نكون صانعي سلامٍ حقيقيين. هذا السلام لن يُبنى بالإنتصار على الآخرين، بل، وعلى مثال ربّنا يسوع، بمحبة الآخرين، أن نجعلهم إخوة لنا وأصدقاء لنا، وإنهاء حالة العداوة التي تُدمّر حياة الإنسان والبشرية كلّها. وهذا هو السلام الأصعب. نشعر جميعاً بأنني أستطيع أن أخدم وأُسالِم مَن يعيش في قارات العالم، ولكن أجد صعوبة في أن أمد يد المُصالحة لأخي الذي أهانني.

 

ولكن كيف لي أن أمد يد المُصالحة إلى القريب، وأن أقبل سلامَ الله؟

أن أقوم وأذهب وأرى هذا الطفل الذي لا يُخيف وليُشكل تهديداً لحياتي. إلهنا قرر أن يأتينا طفلاً لكي لا يُخيفنا، بل نقبله ونحضنهُ ونُقبله. فيكون قريباً من قلوبنا، وهكذا يمُسّ قلوبنا بمحبته ويُغيّرها لتكون على مثال قلبهِ. إلهنا اليوم ينتظرنا في ميلاد إبنهِ أن نأتيهِ حاملين في قلوبنا يسوع المسيح. إلهنا لا ينتظر منّا ذبائح أو قرابين حتّى نُصالحهُ. هو يُريدنا أمامهُ تماماً مثل الرعُاة الذين آمنوا بما أعلنته السماء لهم اليوم. هو يُريدنا مثل مريم أمنا أن نُقدم للقريب السلام والهدايا إن كان ممكناً، ولكن الأهم أن نقدم لهم يسوع. أن نكون على مثالها نتأمل في كل من يُقدمه الله لنا، ونسعى جاهدين لنفهم حضوره الغريب في حياتنا. يجب أن لا أن يكون الميلاد موضوع إحتفال فحسب، بل موضوع تأمل للحياة. فلا يُمكن الاحتفال بالميلاد إلا إن كان لنا الشجاعة للذهاب لرؤية يسوع المولود، والشجاعة لأن نُقدم ما نملكهُ له. فالميلاد سيكون احتفال الحياة إذ كان مددنا أيدنا للسلام والمصالحة، وقبلنا سلامَ في قلوبنا. 

قراءة 37894 مرات آخر تعديل على %AM, %24 %017 %2015 %02:%كانون1

1 تعليق

  • تعليق Angie %AM, %04 %000 %2018 %02:%أيلول أرفق Angie

    Hey! This is my 1st comment here so I just wanted to give a quick shout out
    and tell you I genuinely enjoy reading through your articles.
    Can you recommend any other blogs/websites/forums that deal with the
    same subjects? Thank you!

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *