المواعظ
%AM, %24 %980 %2015 %01:%كانون1

عظة الأب الأقدس بندكتس السادس عشر عشيّة عيد الميلاد المجيد 2011

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

البابا بندكتس السادس عشر

 

أيها الإخوة والأخوات الأحباء

 

إن القراءة المستقاة من رسالة القديس بولس الرسول إلى طيطس، التي سمعناها الآن، تبدأ، احتفالياً، بكلمة "ظهرت" وهي تعود من جديد في قراءة قداس الفجر: "ظهرت" إنها كلمة برمجية، بها تريد الكنيسة أن تعبّر، بنوع تأليفي عن ماهية عيد الميلاد. في الماضي، كان البشر قد تكلموا وخلقوا، بأنواع عديدة، صوراً بشرية عن الله. والله نفسه كان قد تكلم بأنواع شتّى (راجع عبر1: 1: قراءة قداس النهار). إلا ان شيئاً جديداً قد جرى الآن: لقد ظهر! لقد تراءى! لقد خرج من النور الذي لا يمكن البلوغ إليه والذي يسكن فيه. هو نفسه جاء وحلَّ في وسطنا. وكان هذا للكنيسة القديمة فرح الميلاد العظيم: الله قد ظهر! فهو لم يعد فكرةً، ولا شيئاً يمكن التكهّن به انطلاقاً من الأقوال. لقد ظهر! ولكن لنتساءَل الآن: كيف ظهر؟ ومن هو حقاً. وتقول قراءة قداس الفجر في هذا الشأن: "لقد ظهر لطف الله مخلصنا ومحبته للبشر" (طيطس3: 4). ولدى الأناس الذين عاشوا قبل العهد المسيحي؛ والذين شاهدوا أهوال العالم ومتناقضاته كانوا يخشون ألا يكون الله أيضاً كلياً صالحاً، بل كان في وسعه أن يكون أيضاً قاسياً واعتباطياً. فكان الأمر "ظهوراً" حقاً، والنور العظيم الذي ظهر لنا: الله محض صلاح. واليوم أيضاً، الذين لا يفلحون في التعرف الى الله في الإيمان يتساءَلون هل ان القدرة القصوى التي تؤسس العالم وتحمله هي حقاً صالحة! أو هل ان الشر ليس قديراً وقديماً مثل الخير والجمال اللذين في أوقات منيرة من عالمنا. "ظهر لطف الله ومحبته للبشر": إنه يقين جديد ومعزٍّ أُعطي لنا في الميلاد!

 

في القداديس الثلاثة التي تُقام في عيد الميلاد، تستشهد الليتورجيا بمقطع مستمَدٌّ من سفر اشعيا النبي يصف أيضاً بنوع أكثر واقعية "الظهور" الذي حدث في الميلاد: "لأنه قد وُلدَ لنا ولد وأُعطي لنا ابن. وصارت الرئاسة على كتفه، ودُعي اسمه عجيباً مشيراً إلهاً جباراً، أبا الأبد، رئيس السلام، لنمو الرئاسة والسلام لا انقضاء له" (اشعيا9: 5). بهذه الأقوال، لا ندري هل فكر النبي في طفلٍ ولد في زمانه. إلا ان الأمر يبدو مستحيلاً. فإن هذا النص هو الوحيد في العهد القديم فيه قيل عن طفل، وعن كائن بشري: سيكون اسمه إلهاً جباراً وأبا الأبد. نحن أمام رؤية تمضي إلى أبعد بكثير من الزمن التاريخي، نحو ما هو سرِّي وُضع في المستقبل. طفل، في كل ضعفه، يكون إلهاً جباراً. طفل في كل فقره واحتياجه إلى غيره يكون أبا الأبد! ولا يكون انقضاء لسلامه. وكان النبي سبقَ وتكلم عنه مثل "نور عظيم"، وعن السلام الآتي منه، كان قد أكَد عنه "أن قضيب المسخِّر وجميع أحذية الجنود التي تُحدث جلبةً على الأرض، وكل ثوب متلطَخ بالدماء تصير للحرق ووقوداً للنار" (راجع اشعيا 9: 1، 3 – 4).

 

لقد ظهر الله، مثل طفل. وبذلك فهو ضد كل عنف ويأتي برسالة السلام. وفي هذا الوقت حيث العالم مهدَّد دوماً بالعنف في أمكنة عديدة وبأشكال شتّى، حيث ما تزال قضبان الطغاة ترتفع مهدِّدة، والأثواب متلطِّخة بالدماء، نصرخ إلى الرب ونقول: أنت، الإله الجبار ظهرت مثل طفل وأظهرت لنا نفسك مثل ذاك الذي يحبنا، وذاك الذي به ستنتصر المحبة. وأفهمتنا أننا معك يجب أن نصبح صانعي سلام. فنحن نحب كونك طفلاً، وعدم عنفك، ولكننا نتألم لأن العنف ما يزال مستمراً في العالم. لذا فإننا نسألك أيضاً: اللهمَّ، أظهر قدرتك. في زماننا، وفي عالمنا، إجعل قضبان الظالمين والثياب المتلطخة بالدماء وأحذية الجنود الصاخبة تُحرَق، وأن ينتصر هكذا سلامك في عالمنا.

 

إن الميلاد ظهور، ظهور الله ونوره العظيم في طفل ولد لنا. ولد في اصطبل بيت لحم وليس في قصور الملوك؟ حينما احتفل القديس فرنسيس سنة 1223، بالميلاد، في غريشيو، مع ثور وحمار ومعلف مملوء تبناً، ظهر بعدٌ جديد لسر الميلاد. ودعا القديس فرنسيس الميلاد "عيد الأعياد" (اي العيد الأعظم) أكثر من جميع الاحتفالات الأخرى. وقد أقام هذا العيد بعناية لا تُوصف. وكان، بتعبّد عميق، يقبِّل صور الطفل يسوع ويتلفّظ بكلمات الحنان على طريقة الأطفال، كما يروي لنا توما دي شيلانو. للكنائس القديمة كان عيد الفصح (القيامة) هو عيد الأعياد. ففي القيامة كان المسيح  قد فتح أبواب الموت، وهكذا غيَّر العالم تغييراً جذرياً. وكان قد خلقَ في الله نفسه موضعاً للإنسان. ولم يرد القديس فرنسيس أن يغير هذه المرتبة الموضوعية للأعياد، وخلق بنية الإيمان كلها متمحورة حول السر الفصحي. ومع ذلك، به، وبطريقة إيمانه حدث شيء جديد: لقد اكتشف فرنسيس إنسانية يسوع بعمق جديد. أن يصبح الله إنسانا، فقد صار هذا الأمر له بديهياً إلى أقصى حد، حينما لُفَّ ابن الله، المولود من العذراء مريم، بقمط ووُضع في مذود حيوانات. والقيامة تفترض التجسد. فإن ابن الله مثل طفل، مثل ابن انسان حقيقي، أثر تأثيراً عميقاً في قلب قديس أسيزي وأحال إيمانه إلى محبة "ظهرت جودة الله (...) ومحبته للبشر". وكانت جملة القديس بولس هذه تكتسب عمقاً جديداً جداً. ففي الطفل الراقد في اصطبل بيت لحم يمكننا، نوعاً ما، أن نلمس الله وأن نلاطفه. وهكذا، فإن السنة الليتورجية حصلت على محور جديد في عيد هو، قبل كل شيء، عيد القلب!

 

إن هذا كله ليس من قبيل الإحساس، ففي الخبرة الجديدة لحقيقة إنسانية يسوع ينكشف بالضبط سر الإيمان العظيم. وكان فرنسيس يحب يسوع، الطفل الصغير، لإنه، لكونه طفلاً، كان تواضع الله يصبح بديهياً. لقد صار الله فقيراً. فوُلد ابنه في فقر اصطبل. وفي الطفل يسوع، صار الله خاضعاً ومحتاجاً إلى محبة أشخاص بشريين، ويفتقر إلى التماس محبتهم ومحبتنا أيضاً!

 

أما اليوم فقد أضحى عيد الميلاد عيداً تجارياً تخفى أضويته القوية سرَّ تواضع الله، وهذا التواضع يدعونا إلى التواضع والبساطة: لنصلِّ إلى الرب، ونسأله أن يجعل نظرتنا تتجاوز جميع هذه المواجهات اللامعة في هذه الفترة، لنرى وراءها الطفل في اصطبل بيت لحم، فنكشف هذا الصراخ الحقيقي والنور الحقيقي.

 

فوق المذود (المعلف)، بين الثور والحمار، كان القديس فرنسيس يحب أن يُحتفل بالإفخارستيا المقدَّسة. وبعد ذلك، على هذا المعلف نفسه أقيم مذبح، لكي هناك، حيث كانت الحيوانات زماناً تأكل التبن، يتسنى للبشر الآن، أن يتلقوا لخلاص نفسهم وجسدهم، جسدَ الحمل الطاهر يسوع المسيح، كما يروي توما شيلانو.

 

وفي ليلة غريشيو المقدسة، رتَّل فرنسيس شخصياً، وكان ما يزال شماساً إنجيلياً، إنجيل الميلاد بصوته الجهوري. وبفضل تراتيل الميلاد الرائعة التي أداها الاخوة الرهبان، كان الاحتفال يبدو مثل فرحة عارمة. فإن اللقاء بتواضع الله يستحيل فرحاً. وجودته تخلق العيد الحقيقي.

 

إن من يدخل اليوم إلى كنيسة الميلاد (وتسمى كنيسة المهد) في بيت لحم، يكتشف أن المدخل الذي كان زماناً مرتفعاً خمسة أمتار ونصف المتر، ومن خلاله كان الأباطرة والخلفاء يدخلون إلى البناية قد هُدم معظمه. وظلت فتحة واطئة بمقدار متر ونصف المتر. ومن المحتمل أن النية كانت حماية الكنيسة من الهجمات المحتملة ولا سيما لتجنب دخول الفرسان مع خيولهم إلى بيت الله. ومن يرغب في الدخول إلى موضع ميلاد يسوع، عليه أن ينحني ويدخل. ويبدو لي أن في الأمر حقيقة أعمق بها نريد أن نتأثر في هذه الليلة المقدسة: إذا أردنا أن نجد الإله الذي ظهر مثل طفل، علينا أن ننزل من حصان عقلنا "المتحرر". علينا أن نتخلّى عن تاكيداتنا الزائفة، وعن كبريائنا الفكري الذي يمنعنا من أن نلمح قرب الله. علينا أن نتبع طريق القديس فرنسيس الباطني، وهو الطريق الى هذه البساطة القصوى، الخارجية والداخلية، التي تجعل القلب قادراً ان يرى. علينا أن ننحني وأن نسير روحياَ على أقدامنا ليسعنا اجتياز مدخل الإيمان والتقاء الله الذي يختلف عن أحكامنا المسبقة وعن آرائنا: الله الذي يختبىء في تواضع طفل وُلد الآن. لنحتفل هكذا بليتورجيا هذه الليلة المقدسة، ولنتخلَّ عن التركيز على ما هو مادي يُقاس ويُلمس. لندع الله يجعلنا بسطاء، هو الذي يظهر لنا بقلب قد أصبح بسيطاً. ولنصلِّ في هذا الوقت وقبل كل شيء لكي الذين عليهم أن يعيشوا الميلاد في الفقر وفي الألم وفي اوضاع المهاجرين، ليظهر لهم شعاع من جودة الله لكي تمسهم وتمسّنا نحن أيضاً هذه الجودة التي أردا الله بميلاد ابنه في الإصطبل أن يحملها إلى العالم. آمين.

 

الفاتيكان, (ZENIT.org)

قراءة 27674 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *