المواعظ
%PM, %21 %791 %2015 %20:%كانون1

عظة الأب الأقدس بندكتس السادس عشر عشيّة عيد الميلاد المجيد 2006

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

البابا بندكتس السادس عشر

 

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء!

لقد سمعنا للتوّ في الإنجيل الكلمات التي قالها الملائكة في الليلة المقدسة للرعاة. هذه الكلمات نفسها تهتف بها الكنيسة على مسامعنا: "اليوم ولد لكم مخلص في مدينة داود، وهو المسيح الرب. وهذه علامة لكم: تجدون طفلاً مقمطًا موضوعًا في مذود" (لو 2، 11). ما من شيء خارق العادة، ما من شيء استثنائي، وما من شيء مجيد أعطي للرعاة كعلامة. فسيجدون مجرد طفل مقمط، محتاج ككل الأطفال لعناية أمه؛ طفل مولود في إسطبل ولذا لا يضجع في مهد بل في مذود. علامة الله هي الطفل في احتياجه للعون وفي فقره. سيتمكن الرعاة، فقط من خلال القلب، أن يروا في هذا الطفل تحقيق وعد النبي آشعيا الذي سمعناه في القراءة الأولى: "ولد لنا ولد، أعطي لنا ابن. فصارت الرئاسة على كتفه" (إش 9: 5)، وإلينا أيضًا لم تعط علامة أخرى. فمن خلال رسالة الإنجيل، يدعونا ملاك الرب نحن أيضًا، لكي نسير بالقلب لملاقاة الطفل الموضوع في مذود.

علامة الله هي البساطة. علامة الله هي الطفل. علامة الله هي أنه يصبح صغيرًا من أجلنا. هذه هي طريقته في المُلك. فهو لا يأتي بالعزة والعظمة الخارجية، بل يأتي كطفل - أعزل ومحتاج لعوننا. لا يريد أن يسحقنا بقوته. بل ينزع منا الخوف أمام عظمته. الرب يريد محبتنا: لهذا يصبح طفلاً. لا يريد منا شيئًا البتة سوى محبتنا، التي من خلالها نستطيع أن ندخل ببساطة في مشاعره، في فكره وفي إرادته – فلنتعلم أن نعيش معه وأن نمارس على مثاله تواضع التضحية التي تشكل عنصرًا جوهريًا من المحبة. فقد صار الله صغيرًا لنستطيع أن نفهمه ونتقبله ونحبه.

يجد آباء الكنيسة في ترجمتهم للعهد القديم كلمة من النبي آشعيا يستشهد بها أيضًا القديس بولس لتبيين كيف أن سبل الله الجديدة إنما كان قد سبق إعلانها في العهد القديم. فنص الآباء كان هكذا: "لقد جعل الرب كلمته مختصرة. لقد أوجزها" (آش 10، 23؛ روم 9، 28). وقد فسر الآباء هذه الآية على وجهين. الابن نفسه هو الكلمة، اللوغوس؛ الكلمة الأزلي صار صغيرًا، لدرجة أنه وُضع في مذود. أصبح الكلمة طفلاً حتى نتمكن من استيعابه. وهكذا يعلمنا الله محبة الصغار. يعلمنا أن نحب الضعفاء. يعلمنا بهذا الشكل احترام الأطفال. يوجه طفل بيت لحم أنظارنا نحو كل الأطفال المتألمين والمستغَلين في العالم، من ولدوا ومن لم يولدوا. نحو الأطفال الذين يُدرجون كجنود في عالم العنف؛ نحو الأطفال الملزمين بالاستعطاء؛ نحو الأطفال الذين يعانون البؤس والجوع؛ نحو الأطفال الذين لم يختبروا الحب. في جميع هؤلاء، هو طفل بيت لحم الذي يضطرنا إلى خيار؛ يضطرنا إلى خيار الله الذي أضحى صغيرًا. فلنصل في هذه الليلة لكي يلمس تألق حب الله جميع أولائك الأطفال بلطف، ولنطلب منه تعالى أن يساعدنا لنقوم بالواجب حتى يتم احترام كرامة الأطفال؛ فليشرق على الجميع نور المحبة التي يحتاجها الإنسان أكثر من كل الأمور المادية الضرورية للعيش.

نصل إلى المعنى الثاني الذي وجده الآباء في هذه الجملة: "لقد جعل الرب كلمته مختصرة". فمع مر العصور، أصبحت الكلمة التي أراد الله أن يمنحنا عبر أسفار الكتاب المقدس طويلة. طويلة ومعقدة ليس فقط للبسطاء والأميين بل أيضًا، وبشكل أكبر، لعارفي الكتب المقدسة، للمثقفين، الذين باتوا يرتبكون في مسائل خاصة وفي المشاكل المتعلقة بها، دون الوصول إلى رؤية إجمالية. يسوع "اختصر" الكلمة – وفتح أمام أعيننا بساطتها ووحدتها الأعمق. فقد قال يسوع: كل ما تعلمه الشريعة والأنبياء يوجز في هذه الكلمة: "أحبب الرب إلهك من كل قلبك، كل نفسك وكل فكرك... وأحبب قريبك كنفسك" (متى 22، 37 – 44). هذا كل شيء – فكل فعل الإيمان يختصر في فعل الحب الفريد الذي يضم الله والبشر.

ولكن سرعان ما تظهر التساؤلات: كيف يمكننا أن نحب الله من كل فكرنا ونحن نكاد لا نستطيع إيجاده بقدرتنا العقلية؟ كيف يمكننا أن نحبه بكل قلبنا وبكل نفسنا، وقلبنا يلمحه بصعوبة من بعيد ويشعر بالكثير من التناقضات التي تحجب وجهه عنا؟ هنا يلتقي الشكلان اللذان "اختصر" فيهما الله كلمته. فهو ليس بعيدًا، وليس مجهولاً من بعد. ولا يستحيل على قلبنا البلوغ إليه. فقد صار طفلاً من أجلنا ومحا بذلك كل إبهام. لقد أصبح قريبنا وأصلح صورة الإنسان التي غالبًا ما تبدو لنا غير محبوبة. لأجلنا أصبح الله عطية، ووهب نفسه لنا. لقد كرس وقتًا لأجلنا. هو الأزلي المتعالي عن الزمان، جذب زماننا إلى العلاء بالقرب منه. وقد أصبح الميلاد عيد الهبات لكي نقتدي بالله الذي وهب نفسه لأجلنا. فلندَع هذا الحدث يلمس قلبنا و نفسنا وفكرنا! ومع كل الهدايا التي نشتريها ونتلقاها، لا ننسينّ العطية الحقيقية: أن نقدم لبعضنا البعض شيئًا من ذواتنا! أن نهب بعضنا البعض وقتنا. أن نفتح وقتنا على الله. وهكذا ينحل الانهماك. هكذا يولد الفرح وهكذا يُخلق الاحتفال.

فلنذكر خلال ولائم هذه الأيام كلمة الرب: "إذا صنعت وليمة لا تدع الذين يدعونك بدورهم، بل ادع الذين لا يدعوهم أحد والذين لا يمكنهم أن يدعوك بدورهم" (أنظر لو 14، 12- 14). وهذا يعني أيضًا: عندما تقدم الهدايا، لا تقدمها فقط لمن يقدمونها لك بدورهم، ولكن قدمها أيضًا لمن لا يتلقون شيئًا من أحد ولا يمكنهم أن يقدموا لك شيئًا بدورهم. فهكذا تصرف الله نفسه: فهو يدعونا إلى وليمة عرسه، وهي دعوة لا يمكننا أن نبادلها بل فقط أن نتقبلها بفرح. فلنقتد به! فلنحبّ الله، وانطلاقًا منه فلنحب الإنسان أيضًا، كيما نكتشف الله بشكل جديد انطلاقًا من البشر!

وهنا يظهر لنا معنىً آخر للجملة القائلة بأن الكلمة صار "مختصرًا" و "صغيرًا". فقد قيل للرعاة أنهم سيجدون طفلاً موضوعًا في مذود للحيوانات الذين كانوا سكان الإسطبل الحقيقيين. من خلال قراءة آشعيا (1، 3) استخلص آباء الكنيسة أن في الإسطبل كان هناك ثور وحمار. وفي الوقت عينه شرحوا النص على نحو أن ذلك رمز لليهود والوثنيينأي للبشرية بأسرها – الذين يحتاجون، كل على طريقته، مخلصًا: ذلك الإله الذي صار طفلاً. لكي يعيش، يحتاج الإنسان إلى الخبز، إلى ثمر الأرض وثمر تعبه. ولكنه لا يعيش بالخبز وحده، بل يحتاج إلى قوت لنفسه: يحتاج إلى معنىً يملأ حياته. وهكذا، بالنسبة للآباء، أصبح مذود الحيوانات رمزًا للمذبح الذي عليه يوضع الخبز الذي هو المسيح نفسه: غذاء قلوبنا الحقيقي. ونعاين مرة أخرى كيف أصبح صغيرًا: فتحت شكل القربان الوضيع، في كسرة خبز، يهبنا الرب ذاته.

كل هذا تتضمنه العلامة التي أعطيت للرعاة والتي تعطى لنا أيضًا؛ الطفل الذي فيه صار الله صغيرًا من أجلنا. فلنطلب من الرب أن يهبنا النعمة لننظر في هذه الليلة إلى المغارة ببساطة الرعاة لكي ننال هكذا الفرح الذي حملوه هم إلى بيوتهم (أنظر لو 2، 20). فلنطلب منه أن يمنحنا التواضع والإيمان اللذين نظر بهما يوسف إلى الطفل الذي حملته مريم من الروح القدس. فلنطلب منه أن يهبنا أن ننظر إلى الطفل بتلك المحبة التي بها نظرت إليه مريم. ولنصل كيما ينيرنا ذلك النور عينه الذي أنار الرعاة ولكي يتحقق في كل العالم ما غناه الملائكة في تلك الليلة: "المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام للناس، أحباء الله". آمين!

الفاتيكان, (ZENIT.org)

قراءة 11618 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *