المواعظ
%AM, %19 %412 %2015 %11:%كانون1

الأحد الرابع من البشارة: ثمار النور: الخير والبر والحق (أفسس 5: 5- 21)

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)

المطران بشار متي وردة

 

الأحد الرابع من البشارة:

ثمار النور: الخير والبر والحق (أفسس 5: 5- 21)

 

يُوصي الرسول بولس أبناء كنيسة أفسس، ويُوصينا من خلالهم، أن نسعى لأن نكون دوماً أبناء النور الذين تتميّز حياتهم بالخير والبر والحق، فيكنوا بذلك أبناء النور. فما أكثر المعلمين الذين يسعون لإغراء الناس اليوم فيما خيرٌ وحق، وعالمنا بحاجةٍ إلى قديسيين يؤمنون بالخير ويُحبونَ الحق، ويعملون ما يُرضي الله، فيُحققوا في حياتهم اليومية ما يؤمنون به في قلوبهم وأفكارهم. ولنا في يوسف البار خيرٌ مثال اليوم لما يطلبهُ بولس في رسالتهِ إلى كنيسة أفسس.

رأى يوسف أن ما تختبره مريم خطيبتهِ ليس أمراً مقبولاً إجتماعياً، وهو يُؤمِن بالله الذي هو محبّة، فأعطى الشريعة محبة بالإنسان ومن أجل حياة أفضل. فراح يبحث عن حلِّ مثالي فيه يحافظ على حياة هذه الفتاة، التي يؤمن ببرائتها، فلا تُرجَم لتموت وفقاً لما توصي به الشريعة، فصلّى الليل يتأمل هذا الحل، وفي صلاته يدعو الله ليُعينهُ في ذلك، ولم يبخل الله عليه بالمساعدة، فجاء إليه الملاكُ في الحلم، وطمئنهُ أن مريم تعيش سرّ تجسّد الله فيها خلاصاً للإنسان. هي مُلكُ الله وهيكلهُ المقدس، وأختار الله يوسف ليكون حارس هيكل الله، حارساً على الفتاة.  آمنَ يوسف بالدعوة التي سُلِّمت له، غير عارفٍ بما تتطلّبه هذه الدعوة من إلتزام ومسؤولية وتضحياتٍ. صارَ خير الآخر، مريم، هو هدف حياته، وهذا هو ما يُطلَب من الإنسان البار، وهو غاية كل زواج مسيحي. فالزواج الكنسي ليس مؤسسا على البحث عن الراحة الشخصية، بل عن خير الآخر.

خير الآخر ليس محددا بأن نعمل له ما يُسعده ويُبهج قلبهُ، فالخير يبدأ من القلب لينتهي بعمل الرحمة والإحسان الذي تقوم فيه أيادينا. خير الآخر يكون بالحفاظ عليه وعلى سمعتهِ وعلى إسمهِ ومكانته بين الناس، فيكون الإنسان الخيّر والبار والحق هو الإنسان المُسالِم واللطيف والمسامح. وإن كان لنا من حقيقة تُقال، يُمكن أن نقولها بلطفٍ ومودة، فهذه هي من ثمار الروح القُدس (غلا 5: 22- 23). يروي لنا آباؤنا الروحيون عن ملِك: حلمَ حلماً مزعجاً فأستدعى مُفسر الأحلام في مملكته وروى له حلمهُ: رأيتُ في حلمي أن أسناني بدأت تتساقط الواحد تلو الآخر"، فما تفسير الحلم.

فأجاب المفسر: سيموت كل أقرباؤك يا سيدي الملك، وتبقى أنت وحدك في هذه الدنيا من دون قريب أو صديق. فأنزعج الملك من تفسير المفسر هذا وطرده وأمر بأن يُغادِر المملكة. ثم أستدعى مفسراً ثانياً، وروى له الحلم أيضا: فردَّ قائلاً: ستعيش طويلاً ولسنين كثيرة ياسيدي الملك أكثر من كل أصدقائك وأقرباؤكَ، فحسنَ لديهِ هذا التفسير. وهو ذات التفسير الأول بعبارات أكثر لطفاً.

إنسان الخير والبر والحق، هو ما يبحث عن الله دوماً، مؤكداً له أنه سيواجه مصائب كثيرة ولكنه لن يتركهُ ولن يخذلهُ (مز 34: 20). لذا، قام يوسف من نومهِ وبدأ خطوات حقيقة في تحقيق حلم َالله، فترجم الإيمان الذي قبلهُ إلى أعمال، فأصيح إنسان الحق. الكتاب المقدس، وهو قصة الله مع الإنسان، يؤكد على أن الإنسان الحق، هو إنسان يعيش الإنسجام التام ما بين القول والعمل. هو إنسان يُفكر أفكار الله، ويسلكَ بحسب ما يُرضي الله، لا بحسب ما يحلو له، أو ما يرغبهُ حتّى وإن كان هو حق حسب أعراف البشر. الحق والعدالة في إطار علاقتنا بالله ليس أن أحصل على حقوقي، بل أن ينعمَ الآخر بالحياة الكريمة، وهذا يتطلب أحيانا أن نتجاوز حقوقنا، ليهنأ الآخر.

الخير والبر والحق، ثلاثة فضائل تُميز أبناء النور حسبما يُوصي بولس كنيسة أفسس. هي ليست فضائل فلسفية نفتخر بها، بل مواقف حياتية نعيشها إقتداء بالمسيح، الذي يُضيء بحياته علينا، ونحن نخضع واحدنا للآخر بحبِ المسيح. هذا يعني، أن على المسيحي أن يعرِف أن المسيح يسوع هو الطريق الحق. فلا نبحث عن خير إلا ذلك الذي يجعلنا أكثر قُربا من المسيح يسوع، ولا نسعى نحو حقٍ إلا ذلك الذي يُرضيه، وما يُرضي ربنا هو الخير والبر والحق الذي يهبُ الآخر الحياة، وبوفرةٍ. لذلك، يطلب بولس الرسول من كنيسة أفسس: أن يسلكوا كأبناء النور. فالمسيحية بالنسبة له حياةٌ حقيقية، فيها يكون الإنسان ما يُؤمِن به، فيرى الناس ويختبروا فيها: حضور المسيح الذي أشرقَ عليه.

لا مسيحية من دون يسوع المسيح، وهذا يعني أن لا مسيحية من دون صليب، من دون صعوبات، وهو ما تعارضهُ حضارتنا اليوم بشدة، نحن الذين نبحث عن الراحة والحلول السريعة، والأقل كلفة، والأكثر متعة. ليكون لصوتَ بولس اليوم أهمية أكثر: ميّزوا ما يُرضي ربنا في حياتكم. وما يُرضيه لا يُرضينا، بل يُتعبنا ويتطّلب منّا الكثير، ولكن ليس لنا اختيار في هذا، لأن الله اختارنا لنكون في عالم الظلمة أبناء النور. ولا يُمكن للظلمة أن تتغلّب على أبناء النور.

 

 

03 San Giuseppe 19 marzo sint

قراءة 12978 مرات آخر تعديل على %PM, %19 %433 %2015 %12:%كانون1

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *