المواعظ
%AM, %29 %253 %2015 %08:%تشرين2

الأحد الأول من البشارة: أُسس الإيمان: الطاعة والمحبة - أفسس 5: 21- 6: 9

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)
المطران بشار متي وردة

الأحد الأول من البشارة:

أُسس الإيمان: الطاعة والمحبة (أفسس 5: 21- 6: 9)

نبدأ سنتنا الطقسية الجديدة في التأمل في رسائل بولس، وهي نصوص قلّما نُصغي إليها بإنتباه عندما تُقرأ في القُداس. بُولس، هذا الرسول الذي إنتشلهُ ربّنا يسوع من الضياع الذي كان فيه، وجعله المُبشِر الغيور الذي أخذ على عاتقه نقل البشارة إلى الأممين، كتبَ إلى الكنائس التي أسسها، أو التي زارها، أو تلك التي عرفها. رسائل تضمنّت قصة ربنا يسوع معه، وقصتهُ في الجماعة التي شعرَ بأنه "الأم" التي ولدتهم في المسيح يسوع، فأرتبطَ معهم روحياً، فتألمَ من أجلهم. نريد خلال هذه السنة أن نتعلّم من بولس ما معنى أننا نؤمن بيسوع المسيح ربنّا. نريد أن نعترف على المسيح يسوع، من أجل أن نُحبَه. فبولس لم يكتب رسائلة ليقول لنا مَن هو المسيح، بل يدعونا ليكون لنا شغفٌ بالمسيح يسوع مثلما كان هو مُغرماً به.

 

كتبَ بولس رسالتهُ إلى كنيسة أفسس من سجنهِ، وفيها أرادَ أن يعُرِف كنيسة أفسس بتدبير الله الذي صارَ مكشوفاً له بيسوع المسيح، وتجلّى في الكنيسة، فدعا مؤمنيه لقبول هذا التدبير، ليس فحسب بل المُشاركة فيه، مثلما دعا الله زكريا ليشتِرك في تدبيره الخلاصي، فيقبَل عطية السماء: يوحنا، ويُربيهِ ليكون الرسول الذي يسبق الماشيحا. ولكن كيف للمؤمن أن يقبل هذا التدبير؟ كيف لنا ان نشترك في تدبيره الخلاصي؟

 

يُؤكد بولس وبعد مسيرة إيمان ملتزم أن ذلك ممكن من خلال: الطاعة والمحبة. موقفان أساسيان للمؤمن يقبل من خلالها كشفَ الله بيسوع المسيح، ويشتِرك فاعلاً في التدبير الخلاصي. فكتب بولس إلى مؤمنيه ِفي أفسس: "ليخضَع بعضكم لبعضٍ بتقوى المسيح، أيتها النساء إخضعنَ لأزواجكّن خضوعكن للرب". هذا الفعل: "الخضوع" هو موقف المؤمن الأساسي تجاه البشارة، ويعني به بولس الطاعة الكاملة. الإستسلام الكامل لإرادة الله، لا خضوعاً سلبياً، بل إنضمامٌ فاعلٌ إلى التدبير الإلهي، حتّى لو لم أكن أعرف تفاصيلهِ، لكنني أقبلهُ لأنعمَّ بفرح المُشاركةَ فيه. لم يفهم زكريا رسالة السماء اليوم، لكنه سيقبلها ليُرتّل بعد تسعة أشهر: "تبارَك الربُّ" (لو 1: 68). ربّنا لا يدعونا إلى طاعة عمياء، بل إلى الإيمان، فالطاعة العمياء خالية من المحبة، والإيمان أساسهُ المحبة.

 

ولكن لماذا عليَّ كمسيحي أن أطيعَ؟ ما الدافع للطاعة؟ أهو خوفٌ من قدرة الله القدير لكي لا يُهلكني؟ أم رغبةٌ في حاجةٍ وعطايا أنا بحاجة إليها؟ هل أطيع رغبة في مكافأة؟ أم أنني أبغي تبرير ذاتي لأقفَ أمام الله مُطالباً بالبركات؟

 

يُجيب بولس: ويقول: إن المحبة هي الدافع للطاعة. فأمامَ محبّة الله ليس أمام الإنسان إلا الطاعة كجواب شُكر لهذه النعمة التي جائتهُ نعمةً مجّانية. فالله هيأ كل شيءٍ للإنسان ليعودَ إليه، وأعد المائدة وخرج يدعوه ليدخل ويتكأ ويتعشّى، وما على الإنسان إلا أن يتركَ كل شيءٍ، كل إلتزامٍ، ويدخل ليجلس على المائدة، ملتزما بما تتطلّه الدعوة من مسؤوليات. أي أن يكون مؤمناً بالنعمة ِالتي وهِبَت له. ولأن الإنسان لا يعرِف الإيمان، ولا كيفية عيشه، صارَ الله، بيسوع المسيح أولَ المؤمنين. لذلك، كتبَ بولس إلى أهل أفسس قبل هذه العبارات: "إقتدوا إذاً بالله شأن أبناءٍ أحباء وسيروا في المحبّة سيرة المسيح الذي أحبنا، وجادَ بنفسهِ لأجلنا قربانا وذبيحةً لله طيبة الرائحة" (أفسس 5: 1). فالله الثالوث هي المثال الحي الذي على المسيحي أن يسعى جاهداً لأن يقتدي به.

 

هذه المحبة ليست مشاعر فحسب، بل هي أفعال تؤول إلى خير المحبوب: ليكون طاهراً بلا دنس، ومقدساً بلا عيبٍ، أي أن ينال الخلاص. محبة الله تسير بالإنسان من الظلمة إلى النور، ليُثمر كل عمل صالحٍ. محبة الله متوجهة نحو خير الإنسان، وهكذا تنمو العلاقة وتنضج بين الله والإنسان، فيطيع الإنسان لا خوفا ولا رغبة في خير شخصي، بل جواباً على محبّة الله المجانية.

 

اليوم، تبدأ الكنيسة معنا سنة طقسية جديدة، وفيها نسمع لبشارة كلمة الله تدعونا إلى الطاعة والإيمان على نحوٍ يُطهِر حياتنا ويُقدسها، وهذا يتطلّب الاهتداء إلى متطلبات هذه البشارة، أي أن نبيعَ كل شيءٍ لنشتري ما وجدناه ثميناً لحياتنا. فربنا لا يقول لنا أن التاجر باع كل شيءٍ وراح يبحث عن اللؤلؤة الثمينة، بل وجدَ اللؤلؤة فباع كل شيءٍ. لقد وجدنا المسيح يسوع، الذي جاء ليجعلنا مقدسَينَ أطهاراً. تُرى ما جوابُنا نحن اليوم؟ كم من الأشياء والقصص التي تعلّقنا بها، والتي تُعيقُ تقديسنا، ويُطالبنا ربّنا اليوم بأن نبيعها، من أجل الأغلى والأهم في حياتنا؟ هل فينا الإستعداد لأن نكون مُحبيّن مجاناً مثلما أحبنا الله؟ على أية أُسس نبني علاقاتنا مع الآخرين؟ أهوَ لخيرهم أو لمنفعتنا؟

 

image


قراءة 3230 مرات آخر تعديل على %AM, %29 %324 %2015 %09:%تشرين2

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *