المواعظ
السبت, 10 تشرين1/أكتوير 2015 07:52

الأحد الثالث من الصليب

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
الأحد الثالث من الصليب يكفيني الفتات منك يا ربُّ (متى 15: 21 – 38) خلال جولات ربّنا يسوع التبشيرية زار مدينتي صور وصيدا، وهما مدينتان تقعان في أراضٍ وثنية، وكانت بالنسبة إلى اليهود أراضٍ نجسة، و
الأحد الثالث من الصليب يكفيني الفتات منك يا ربُّ (متى 15: 21 – 38) خلال جولات ربّنا يسوع التبشيرية زار مدينتي صور وصيدا، وهما مدينتان تقعان في أراضٍ وثنية، وكانت بالنسبة إلى اليهود أراضٍ نجسة، وكان على اليهودي القيام بإجراءات الطهارة عندما يتركها ليعود إلى جماعته طاهراً نقياً. بالطبع هذا لأن فئاتٍ اليهود، لا سيّما الكتبة والفريسيين، كانوا يدّعون امتيازاتٍ كان من شأن الله ان يحترمها، فرفضوا السماع لربنا يسوع وعارضوه، ولا سيّما انه فتح موائد ملكوت الله للجميع من دون إستثناء. وفي هذه الأراضي الوثنية تحديداً، إرتفعَ صوتُ أمٍ لها ابنة تتعذب بالألم، فتقدمت نحو ربّنا يسوع متضّرعة وكأنها تعرض امامه ألمها الشخصي: "إرحمني يا ربُّ". جاءت هذه المرأة وسجدت أمامهُ بكل تواضع وألحّت في صلاتها ولم تتراجع أمام تجاهل ربّنا يسوع، ولم تترك مكانها بسبب رفضهِ الأول لطلبها بل واصلت المسيرة والطلب حتّى وصلت إليه. هي آمنت أنه مُرسلٌ من الله ليشمل الجميع بمحبتهِ، فشهدت لهذه الحقيقة من خلال المثابرة في الطلب، والأهم: بتواضعِ: يكفيني أن أنالَ الفتات، فهذا الفتات كافٍ ليشفي ابنتي. إنها ابدت ايماناً مقروناً بتواضع عميق وبثقة لا حدّ لها. إيمانٌ بالله الآب الذي بعثَ إبنهُ خلاصاً لكلِ إنسانٍ، فجاءتَ لتُعلِن هذه الحقيقة وتنعمَ بالقليل الذي سيهبهُ لها. مُعظمنا يشعر بالإحباط عندما يكتشِف أن هناك عراقيل وصعوبات تجعل الحياة صعبة. كثيرٌ منّا يتراجع أمام ما يعتقد أنه صمتُ الله إزاء المظالم التي يختبرها، أما هذه المرأة فثتبتُ فيما هي عليهِ وتتقدم نحو ربنا، ساجدة له، معترفة بألوهيتهِ: يا ربّ، مؤمنةً أنه قادرٌ على أن يبعث السلام في بيتها، ولكنها تصطدم بلامبالاته الظاهرة ثم بكلامه المُهين! هي ابنتها تتعذب في البيت وهي هنا تجابه الإهمال: فالذي آمنت بأنه المخلّص الرحوم تبيّن لها أنه لا يبالي بشدتها؟ ولكنها واصلت طلبها ولم تتراجع. وفي هذه الصعوبة يتبيّن عظيمُ إيمانها، بل علّمتنا كيف تكون الصلاة: الإيمان والتواضع ثم الالحاح والثقة. ثم التقى ربّنا يسوع جموعاً كثيرة، نظرَ إليهم بمحبة، وعرفَ حاجتهم: شفاهم من أمراضهم وعلّمهم ثم عَرِفَ أنهم جياع. هي نظرة الله الآب للإنسان الذي يعرف حاجاته قبل أن يسألهُ، فيطلب من الكنيسة، منّا، الإهتمام بحاجات الإنسان: الجياع والعطاش والمرضى والحزانى، وأن نُعطيهم حتى القليل من الوقت أو الطعام الذي لدينا، فالله لا ينتظر منّا صنع المعجزات، بل أن ننظر إلى العالم بعيونهِ المحِبّة ونظرته الشافية، مؤمنين أنه هو قادرٌ على تغيير القلوب. المرأة رضيت حتى بالقليل (الفتات) المُقدَّم بالمحبة، وربّنا يسوع طالبَ الرُسل بأن يُقدموا القليل الذي عندهم بمحبةٍ، فإنجيل اليوم يُبشرنا بأننا قادرون على تغيير الشر الموجود من حولنا بالقليل من العطايا التي أنعمَ بها الله علينا، وهذا عكس ما يبحث عنه العالم اليوم. فعالمنا يبحث دوماً عن المزيد: المزيد من السلطة، المزيد من المال، المزيد من المتعة، المزيد من الطعام ... وهو لا يشبع حتّى بالمزيد الذي يحصل عليه، فيعيش الحياة كلّها وهو يتراكض خلف المزيد. فلو رضينا بالقليل الذي وهبه الله لنا وشكرنا. ، لبارَكَنا الله وأفاض خيراته علينا. فهو قد وسمنا بالعماذ أبناءً له، فأعطانا القدرة والقوّة لنرى العالم بنظرته: "أشفِق على هذا الجمع"، فلا يُمكن للمسيحي أن يكون من دون هذه المشاعر المُحِبةَ، فيخفف عن الآخرين همومهم وأحزانهم. فالقليل الذي نملكُه يجب أن لا يقودنا إلى اليأس، بل إلى الثقة بالذي وهبهُ لنا، وهذا القليل المُبارَك كافٍ ليُغيّر حياتنا وحياة مَن هم من حولنا. كلمة مُحِبة كفيلةٌ بأن تُنهي خلافات خطيرة. إعتذارٌ صادقٌ قادرٌ على التغلّب على صراعات مرّوعةً. عملُ إحسان مُحب يمكنه ان يفتح أبواباً جديدة في العلاقات. هي مُبادراتٍ بسيطة في ظاهرها، ولكنها عميقة في مضمونها وتأثيرها لأنها من الله. فنحنُ نؤمنُ بأن الله محبة، وبأنه ينتظر منّا أن نرى العالم مثلما يراه هو، وان نسعى لنتغلّب على الشر لا بالشر، بل بالخير القليل الذي لدينا، لأنه خيرٌ من الله، من دون أن نُضيّع حياتنا في البحث عن مزيدٍ لن نحصل عليه. يروي آباؤنا الروحيون أن ربّنا يسوع عادَ يوماً إلى الجليل فوجدَ شاباً مخمورا مُلقى على الطريق، فقالَ له: أنا أعرفكَ! لقد التقيتُكَ مرّة. فأجاب الشاب: نعم يا رب، كنتُ مقعداً وشفيتني! ثم سار فوجدَ رجلاً يتشاجر مع جيرانهِ وشرارةُ العنف تقدح من عينيه، وقال له أيضاً: انا أعرفُك! وردَ الرجل: نعم يا ربُّ كنتُ أخرسَ وشفيتني! بعدها التقى رجلاً يبكي فقال له: لقد التقيتُك في السابق! فأجابَ: نعم يا ربُّ كنت أعمى وأعدت إليَّ النور. أمثال هؤلاء هم كُثر اليوم، يُعطيهم الله من المواهب والنعم ما لم يحلموا به، ولكن نسوا عطية الله، وراحوا يعبثون بالحياة، متناسين أن لهم مسؤولية كبيرة بفضل القليل الذي يملكونه. ومَن لا يعرف أن يكون أمينا على القليل الذي أُعطيَ له، لن يعرِف كيف يكون أمينا على الكثير الذي يتوقعهُ من الله. فلنشكر الله على كل ما وهبنا من نعمٍ ومواهب، ولنستغلّها كلها من أجل خير كنيستهِ وشعبهِ. علينا أن نتعلّم من المرأة ومن الجموع الجائعة التي أشفق عليها وأشبعها. فنلتقي دوماً افضاله بشكر وامتنان ونسعى لنحياها بايمان وان نُسعد بها الآخرين.
قراءة 4556 مرات آخر تعديل على الإثنين, 30 تشرين2/نوفمبر 2015 03:38

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *