المواعظ
السبت, 26 أيلول/سبتمبر 2015 08:25

الأحد الأول من الصليب

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
الأحد الأول من الصليب التطويبات: دستور الحياة المسيحية (متى 4: 12- 5: 16) لكل جماعة دستور يهدف إلى تنظيم حياة الجماعة بكل جوانبها. وتطويبات ربّنا يسوع هي دستوره الذي يُعلنُه لنا اليوم، نحن ال
الأحد الأول من الصليب التطويبات: دستور الحياة المسيحية (متى 4: 12- 5: 16) لكل جماعة "دستور" يهدف إلى تنظيم حياة الجماعة بكل جوانبها. وتطويبات ربّنا يسوع هي دستوره الذي يُعلنُه لنا اليوم، نحن الذين نعيشُ في مملكتهِ، ملكوت الله. فالتطويبات ليست عملاً نقوم به، أو أشياء نقتنيها، إنها موقف حياتي: أن تحيا الحياة وفق أسلوب يسوع. فلنتأمل معاً في بعضٍ من بنودهِ. أول بنود دستور ملكوت ربّنا هو: طوبى لفقراء الروح فإن لهم ملكوت السموات. ليس الفقير بالروح، أو المسكين مَن يتظاهر بأنه فقير مادياً. الفقير في نظر يسوع هو الإنسان الذي يتكّل كلياً على الله. اعتماده على الله، إيمانه هو بالله. لا ضمان له، ولا ممتلكات، ولا أرض يدعوها مسكنه. غناه ومُلكهُ هو في الله فحسب، وهذا هو ابن الملكوت. قلبه فارغ، مُتحرر، حاضر ليملكه الله فحسب دون سواه. والله لا يستطيع أن يملأ شخصاً مملوءاً. فأن تكون فقيراً بالروح يعني أن تعرف أنك صغيرٌ جداً أمام الله، ومُعتمد عليه ومُحتاج إليه. لأن الله الآب، وانتَ تعيش بيدين مبسوطتين وبقلبٍ مُنفتح تنتظر أن تُبارَكَ، فعندها فقط يُمكن أن تُبارِكَ الا إذا عرفت أنك بحاجة إلى البركة. أن تكون فقيراً بالروح يعني أن تكون قادراً على أن تقول وبتواضع وبصبرٍ وبدون خجل "أنــا مُحتاجٌ إليك يا رب". البند الثاني من الدستور هو: طوبى للحزانى فإنهم يُعزون. يُهنئ ربّنا يسوع كُل مَن يحزن بسبب إيمانه المسيحي. فكلنا حزانى اذ قررنا السير خلف يسوع لنشرب معه كأس التضحية والخدمة والعطاء والمحبة من دون طمع في الجلوس عن اليمين أو اليسار، او رغبة في المُكافأة. الحزانى هم نحن الذين عزمنا أن نخدم ونبذل ذواتنا فداءً لراحة عوائلنا وأحبتنا لينموا ويكبروا مسيحيين. فنحن فرحون بالخدمة، وحزانى لخطايا الناس البعيدين عن الله. عالمنا اليوم يبحث عن الفرح والمرح والطرب واللهو والقوة والتسلط، حتى اذا اضطر الى دفع كرامته ثمناً لها، وحتى اذا كلّفته حياته. فما يحتاجهُ الإنسان اليوم هو القناعة. فاطماعنا هي التي تُسبب لنا الحزن. فكروا في قائمة التعلقات التي في مخيلتنا: المال، الشهرة، السلطة، صداقة، سيارة، مكانة …. والقائمة تطول. صرنا عبيداً لا بل سجناء هذه القائمة. وهذه القائمة هي سبب قلقنا وخوفنا وتوترنا وحيرتنا وغيرة وحسد وملل وضجر وتعاسة وتفاهة. البند الثالث من دستور يسوع هو: طوبى للودعاء، فإنهم يرثون الأرض. ربنا يريدنا أن نكونَ صادقين وامناء في علاقتنا مع الآخرين: كونوا متواضعين، لأن المُتواضع إنسان يعرف أين يقف، فلا يفتخر بما ليس له، وكل اعتزازه هو بالرب الذي لم يتركه ولن يخذلهُ. المتواضع، الوديع القلب إنسان بلا أنياب تمزق حياة الناس، فلا يَشهرهم ولا يتكلّم باطلاً عنهم. المتواضع إنسان قد يغضب، لكنه لا يعرف الكراهية التي تُسمم حياته وحياة مَن يعيش ويتعامل معه. الوديع إنسان قويٌ في صبره وطول أناته، يتألم من ظلم الناس وخيانتهم، ولكنه راسخ وثابت في أمانة الله. الوديع والمتواضع القلب، إنسان مؤمن بالله ملكاً على حياته، والله، خالق السموات والأرض أعطاه الأرض ميراثاً. المتواضع يعترف بأنه تحت إمرة الناس مهما اعتلى من منصب ومكانة. أما البند الرابع من دستور ربّنا يسوع فهو: طوبى للجياع والعطاش إلى البر، فإنهم يشبعون. يُبارك يسوع الجياع والعطاش إلى البر، إلى الحق، إلى الله، عن الوفاء وهو سائر في درب والأمانة والصدق والإخلاص. فيقول اليوم يسوع ان هؤلاء يشبعون، لقد وجدوا ما كانوا يبحثون عنه، وفي ذلك بركة لحياتهم، وبركة لمَن هم من حولهم. فالجائع هنا والعطشان إلى البر، لا يُطالب بالبر كحق: أين حقوقي، أي امتيازاتي، بل يحاول أن يكون باراً، أن يعيش في الحق. بالطبع نحن جياع وعطاش لأمور كثيرة: السعادة، الفرح، الآمان، السلام، الطمأنينة، الألفة، المحبة … لكن هذه الامور كلها بعيدة عنّا ما لم نتلقاها من الله بقلب فقير، كي يعمل الروح القدس فيها. اليوم يُحذرنا يسوع من ان تكون قلوبنا مليئة بالهموم والشكايات. وربّنا يقول: اسمع، أطلب أن يملك الله على قلبك أولاً، وهذه كلها تُزاد لك. ولكن نجد صعوبة في التخلي عنها، فاتصور اني بسيارة جديدة سأكون سعيداً! واني ساكون سعيداً ببيت فخم، وتجارة واسعة وخدم وحشم، بغنى وأموال سأصادق الفقراء... انتظر قبل أن تُكمّل: فهناك المئات من الأغنياء والتجّار والمُتمكنين لا يشعرون بسلام وآمان واطمئنان، ويقولون نحن جياع إلى ما هو حقيقي. ويُبشرهم ويُبشرنا يسوع جميعاً: أنا هو الطريق، والحق والحياة. البند الخامس من الدستور هو: طوبى للرحماء فإنهم يُرحمون. بَشّر يسوع بهذه التهنئة في منتصف التطويبات لأنها أصدق كلمة تُعبّر عن إلهنا، فإلهنا اله الرحمة وكما يشهد الروح القدس في كل الكتاب المقدس، وكل الكتابات الروحية، لذا نلتجئ إليه طالبين: يا رب أرحمنا، كيرليسون … . بشارة ربّنا يسوع ليست طلباً لنكون رحماء، بل لتُرينا أن للرحمة طيبة لا يُمكن وصفها. فالإنسان الرحوم يُشارك الله في أعز وصف: الرحوم. رحمة لا بالكلام والعواطف، بل كمثل حُب الأم الذي يُحب ويرعى ويشعر من الرحم ليحتضننا الحياة كلها. رحمة تتجاوز أخطاءَنا وتقصيراتنا، رحمة تغفر وترانا من جديد بعيون الحب. لأن الرحيم إنسانٌ يجعل الحياة على الأرض ممكنة. فكلما سيطر علينا الغضب من شخص، وتأججت فينا مشاعر الانتقام، ترانا مدفوعين لأن نقتل كل فرص الحياة، لأننا ببساطة صرنا أسرى، عبيد الغضب والانتقام. اما بالرحمة، فنسمع صوتاً يقول لنا: أعطِ فرصة ثانية، تجاوز الغضب، أغلب الشر بالخير. لأنه لو انتقم كل شخص لما يُصاب من إهانات، لما كان هناك حياة على الأرض. الحياة ممكنة من خلال أولئك الذين سمحوا للروح القدس أن يعمل في قلوبهم، وهو يدفعهم الى الرحمة والغفران دون ان يتركوا المجال للانتقام والثأر يتسلطان على قلوبهم. أما البندُ السادس فهو طوبى لأطهار القلوب، فإنهم يُشاهدون الله. فصاحب القلب النقي لا يرى في الإنسان القريب إلا ما هو صالح فيه. صاحب القلب النقي لا يحكم على الإنسان أو يتذكّر ماضيه. صاحب القلب النقي ليس أسير مواقف ماتت، بل هو ابن الحاضر اليوم الذي يفتح لنا فرص حياة جديدة. صاحب القلب النقي، مثل الله يترجى الخير الموجود في الآخرين، ولا يتوقع شراً من الناس. صاحب القلب الطاهر، غفور ومُسامح بلا نهاية، وينتظر من الآخرين أن يعيشوا الخير الذي فيهم. صاحب القلب الطاهر يرى الناس بعيون الله، ويرى فيهم الخير والرحمة والمحبة. والله هو محبة. وأكثر من ذلك صاحب القلب النقي، هو ذو القلب غير المُنقسم، صاحب القلب الذي يُحب لا طمعاً في المُكافأة، لكنه يُحب مثلما يُحب الله. والبند السابع هو: طوبى للساعين إلى السلام، فإنهم أبناء الله يُدعون. ربّنا لا يُوجه الكلام إلى: طوبى لمَن يتشوّق إلى السلام. أو طوبى لمَن يتمنى السلام. أو طوبى لمَن له مواقف مُسالمة. أو طوبى لمَن يسعى للسلام مُتجنباً الحروب والصراعات. فعندما تُحيّي أحدهم بالسلام، وإذا ما كنت صادقاً فهذا يعني أنك تدعو له: بالصحة، وفرة الحياة، والخصب والاطمئنان والفرح. أن يُبارك بمسكن يحميه، وبطعام هنيء، وبعائلة مُحِبة، وبأصدقاء صادقين، وبمعارف تسنده وقت الضيق. وأكثر من ذلك أن ينعم بحياة سلام مع الله الذي يتفقده بالنعمة والحياة بوفرة. فأن تسعى إلى السلام، يعني أن تكون مُستعداً لتُقدم الامور كلها للآخرين. أن تُقّرب الناس وتُصالحهم مع أنفسهم، ومع الآخرين ومع الله. الساعي إلى السلام لا يتعب أو يكل، بل يسعى جاهداً وقت الأزمات ليُصالح حتى لو حفر في الصخرة ليُخرج الماء. هل هذا مستحيل؟ ربّنا أشار إلى موسى قائلاً: اضرب الصخرة فيُخرج ماء يروي عطش الغاضبين عليك.
قراءة 1262 مرات آخر تعديل على الإثنين, 30 تشرين2/نوفمبر 2015 03:38

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *