المواعظ
الجمعة, 04 أيلول/سبتمبر 2015 11:37

الأحد الأول من إيليا

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
الأحد الأول من إيليا يا يسوع آبن داود إرحمني (لو 18: 35- 19: 10) مرَّ ربّنا يسوع يوماً بإنسان يقول عنه الإنجيلي لوقا: أعمى جالساً على قارعة الطريق يستعطي. هو إنسان أجبرتهُ الحياة، وحالتهُ الصحية،
الأحد الأول من إيليا يا يسوع آبن داود إرحمني (لو 18: 35- 19: 10) مرَّ ربّنا يسوع يوماً بإنسان يقول عنه الإنجيلي لوقا: "أعمى جالساً على قارعة الطريق يستعطي". هو إنسان أجبرتهُ الحياة، وحالتهُ الصحية، كونهُ أعمى، وحالتهُ الدينية، على الجلوس على حافة الطريق، فعماه، حسبَ نظرة معاصريه كان عقاباً إلهياً على خطيئةٍ، فلم يُسمحَ له بالإختلاط مع الجموع أو حتّى الصلاة معهم في الهيكل. جلسَ يستعطي متكلاً على رحمة الآخرين وجودتهم، إن نظروا إليه عند مرورهم به. لم يكن له عائلة تقبلهُ ولا جماعةٌ تحتضنهُ فتُرِكَ ساكناً على حافة الطريق. عماهُ جعلهُ يتكل على آخرين ليقودهِ إلى مكانٍ يأوى إليه، هذا إن كان له بيتٌ. هو شحّاذ، بمعنى إنسانٌ فشلِ في إيجاد مكانة له في المجتمع، فلا مُستقبل له، وكل ما يُفكِر فيه هو أن يشبع وينال كفايتهُ من الطعام. أعمى وفقير جالسٌ على حافة الطريق، ثلاث صفاتٍ أرادَ من خلالها الإنجيلي لوقا أن يصف لنا حالة إنسان ميتٌ إجتماعياً ودينياً، وحين جاءت الفرصة ليحيا أسكتهُ الجموع وأرادوا أن يدفنوه حياً ويسكتوا الصوت، القوة التي له، فصارت الجماعة سجناً حُبِسَ فيه: أسكتُ وأبقَ حيثما أنت. لقد سَمِع عن يسوع الناصري، وتمنّى أن يأخذهُ صديقٌ إليه مثلما فعلَ بعضهم يوماً (لو 5: 17- 26)، ولم يُفكِر يوماً أن ربّنا يسوع نفسه سيمر من أمامهِ، وحتّى إن مرَّ فهو عاجزٌ عن رؤيتهِ. حالتهُ جعلتهُ مؤمناً، فعماهُ وفقره وعجزه زرعَ فيه بذور الإيمان. مُصيبتهُ الجسدية والاجتماعية لم تكن تجربةً تُبعدهُ عن الله، بل جعلتهُ إنساناً مؤمناً يُصلي يومياً: وجهكَ يا ربُّ أنتظر، وها أن وجه الربِّ أشرقَ عليه. وجاءَ الربّ إليه في وقتٍ لم يتوقّعهُ وفي ساعة لم يظنها، فسَمِعَ أصواتاً وضجيجاً من المارة، ولم يتعوّد على سماع مثل هذه الأصوات، فسأل عن ما يحصل؟ ولما كل هذا الضجيج؟ فقالوا له: يسوع الناصري عابرٌ. يسوع الناصري، مَن أعطى للعميان البصر وللموتى الحياة. مرور الربِّ هذا أعطاهُ القوّة ليصرخ بإيمان طالباً الرحمة، والرحمة هي: أن يقفَ أمام ربنا يسوع وجهاً لوجهٍ. عماهُ كان منيراً فعِرفَ من الذي يمر: هو المسيح إبن داود المخلص، وليس يسوع من الناصرة مثلما قالت الناس عنه. الناس الكُثر الذين كان لهم عيونٌ لم يبصروا ولم يعرفوا مَن هو يسوع من الناصرة، وهو الأعمى عَرِفَ أنه المسيح المخلص الذي وعدَ به الله شعبهُ، فناده: "يا إبنَ داود إرحمني". أمام هذا الإيمان وقف ربنا ليبحث عن الذي يبحث عنهُ في فعل إستجابةٍ لصلاة الأعمى وتنهدهِ، فصار ربّنا هو الباحِث عن الأعمى. نادهُ وسألهُ: ماذا تريد أن أصنعَ لك؟ هذه الوقفة وهذا السؤال فيه معانٍ كثيرة أهمها: أنت لست شحاذاً بالنسبة لي، فأنت مَن أرسلني الله الآب من أجلهُ، لذا أحدثُك وأخاطبُك وأريدكَ أن تُمجّد الله الآب معي. لقد تغيّرت حياة هذا الإنسان بسبب مرور ربّنا يسوع من أمامهُ. صارَ إنساناً يسير خلف ربّنا يسوع عوض أن يكون جالس على حافة الطريق. إنساناً يُمجد الله عوض أن يستعطي محبة الناس. إنساناً يرى رحمة الله حتّى في أصعب حالاته، فيما يتجاهل غيره ما ينالونَ من بركاتٍ. عندما نادهُ ربّنا يسوع ليقفَ أمامهُ خلّصه من حالة الفقر، لم يعد شحاذاً تحت رحمة الآخرين، بل صارَ له مكانةٌ بين الناس. المعلم نفسه يُريد أن يراهُ، فنهضَ ليسيرَ ولم يعد يجلس على جالساً ساكناً حافة الطريق. لم يدخل المدينة بعدما نالَ الشفاء، بل إنجذبَ إلى الله الذي جاءَ إليه، فصارَ يتبع ربّنا يسوع في طريقهِ إلى أورشليم، فالرؤية الحقيقية لم تحصل بعدُ. وصارَ شفائهُ سبب تمجيد الله. اليوم، إذا دعانا ربّنا وسألنا: ماذا تُريد أن أصنعَ لك؟ تُرى ما الذي سنطلبهُ منه؟ جوابُ هذا السؤال مهمٌ جداً في حياتنا، وعلينا أن نتأمل ملياً في حياتنا كلّها قبل أن نطلب. ما الأمرُ الأهم الذي عليَّ أن أطلبهُ اليوم إذا سألني ربّنا هذا السؤال. بالتأكيد هناك قائمة بالكثير من الحاجات المادية التي نحتاجها في حياتنا، ولربما نفسية أو إجتماعية، وكلّها حاجاتٍ حقيقية يعرفها ربّنا قبل أن نطلبها منه. ربنا يُريد منّا أن نطلب ملكوت الله وبرّه، أما البقية فتزاد. لقد طلب الأعمى النظر لا من أجل أن يعود إلى مكانهِ فينظر ويميّز بين فقراء القوم وأغنيائه ليطلب ما يشاء، ولم يعد إلى المدينة باحثاً عن عملٍ، بل إنطلقَ خلف يسوع السائر إلى أورشليم الموت. ربّنا يسوع لم يعدنا بمسيحية خالية من الصليب، بل جعل الصليب في مركزها: "كل مَن لا يحمل صليبهُ ويتبعني فلا يستحقني". ولجميعنا صُلبانٌ كثيرة، والسؤال الذي يتحدانا اليوم: هل جعلتنا هذه الصُلبان، أقرب إلى الله الباحِث عنّا، أم إن المُجرّب نجحَ في إبعادنا عنه بسبب ما نُعانيه من ضيقٍ وهمِّ وحيرة وشكٍّ؟ هل جعلتنا المتاعِب والهموم والأم والضيق عمياناً جالسينَ على طريق الحياة نستعطي عطفَ الناس، أم ملأتنا إيماناً وإنتظاراً لخلاص الله الآتي إلينا في طريقٍ لا نتوقعهُ؟ اليوم علينا أن نطلب من ربّنا أن يقفَ ويشعَ بوجهه علينا في وسط الضيق والألم الذي نعيشهُ جميعاً، ليرشدنا إلى إرادتهِ فنعرِف ما الذي يُريدهُ منّا، وما الحكمة التي يطلّب منّأ أن نتعلّمها للحياة؟
قراءة 1716 مرات آخر تعديل على الإثنين, 30 تشرين2/نوفمبر 2015 03:37

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *