المواعظ
%AM, %25 %398 %2015 %11:%تشرين1

الأحد الثاني من موسى آمن فحسب (لوقا 8: 40- 56)

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
المطران بشار متي وردة
 
الأحد الثاني من موسى
آمن فحسب (لوقا 8: 40- 56)

موضوع إنجيل اليوم هو الإيمان، الإيمان الذي يزرعهُ الله في قلب الإنسان فينتشلهُ من يأسهِ ويدفعه نحو خطوات جريئة والى مغامرة شجاعة. ولكنها مغامرة تغير مجرى حياة الانسان؛ لأن الله حضرَ بيسوع المسيح ليُعطيه الحياة، والحياة بوفرةٍ. الإيمان الذي يبدأ من سماعِ الأذن: يُقال أن هناك مُعلماً عظيماً في القول والأعمال اسمهُ يسوع من ناصرة الجليل، فيخلق في الإنسان شوقاً للقائه، ثم يتحوّل الشوق إلى رغبةٍ عارمة للوقوفِ أمامهُ، ثم الإتصال به على نحوٍ شخصي، ليُعلَن بعد ذلك هذا الايمان شهادةً أمام الجميع. فالمرأة النازفة التي يذكرها الانجيل في حالة يائسة وقد أنفقت أموالها في سبيل الحصول على الشفاء من هذا المرض، ولكن عبثاً. حملها ايمانها بيسوع حملها على ان تدنو منه وتلمس طرف ردائه، وكانت الاعجوبة ...

إلهنا حلَّ بيننا بيسوع المسيح فرفعَ كل الحواجز التي تفصلُه عن الإنسان. فهذه المرأة جعلها مرضها نجسةً فلم يكن يحق لهاالتقرّبُ من ربّنا يسوع المسيح حسبَ الشريعةِ. ولكنّ الله، برحمتهِ، أعادها إليه وأنعمَ عليها بأن تكون له ابنةً: "يا ابنتي، إيمانُكِ خلّصكِ، فاذهبي بسلامٍ". إلهنا أعطاها ما كانت هي بحاجةٍ إليه: الصحة، التي بحثت عنها طويلاً وأنفقتَ أموالاً كثيرة ولم تحصل عليها، هوذا إلهنا يُنعِم عليها بالشفاء من مرضها. فتقدمت لتشَهدَ لهذه النعمة، كيف أنها كانت ميّتة بحكم الشريعة ولا رجاءَ لها في الحياة، وكيف أنها تمسّكت بالفرصة الأخيرة إذ ميّزت حضور الله في يسوع المسيح، فأرادت أن تلمِس هدبَ ثوبهِ"، فنالت كل شيءٍ: الشفاء والاسم والكرامة. إيمانها جعلها تتغلّب على الخوف الذي منعها من مخالطة الناس، فأنعمَ الله عليها بالسلام. السلام الذي غابَ عن حياتها، وجعلها تنفقُ كل مالها لتنال السعادة، ولم تحصل عليها إلا بيسوع المسيح.

تقدم رئيس المجمع نحو ربنا يسوع تاركاً كل إمتيازاتهِ الإجتماعية وسجد أمامه بكل تواضعٍ فصلّى بكلماتٍ بسيطة: "إبنتي مُشرفة على الموت، أنقذها وأنقذنا". إبنةٌ في عمرٍ يحمل معه أحلاماً كثيرة، ولكنه حمل للمرأة مرضها، فحينَ وُلدَت إبنة يائيرس بدأ مرض المرأة المنزوفة، وكلتاهما وجدَتا الرحمة عند الآب بيسوع المسيح. فما فرّقه الناموس جمعه الله بيسوع المسيح

سارَ ربنا نحو بيت رئيس المجمع لأنه قبل لحظات أنعمَ بالبنوةِ على ميتّة، وبالتأكيد لن يقبل بأن يخطف الموت السلامَ من بيتِ مَن صلّى له، فطلبَ منه أن يثبُتَ في إيمانهِ: "لا تخف! يكفي أن تؤمن، فتُشفى ابنتُكَ". لم يعلمَ رئيس المجمع كيف سيكون الشفاء، ولكنه سارَ خلفَ ربّنا مؤمناً به، وضاق ذرعاً حينما يتوقفِ ربّنا يسوع للحديث مع المرأة المنزوفة، وقلبهُ متلهفٌ على ابنتهِ، فلم يتركَ ربّنا يسوع، ولم يُبدِ إنزعاجهِ، بل بقي أميناً يسير خلفه، فتحولَ من والدٍ للفتاة إلى تلميذٍ لربنا.

لم يشعر بالغضب إزاء موقف المرأة التي سببت تأخير مسيرة المعلّم لتنال خيراً شخصياً، ولم يقل لها: يا امرأة كان لك أن تنتظري، فابنتي مُشرفة على الموت. بل نظرَ إليها نظرة ربّنا يسوع ورأى فيها ابنتهُ، فصمتَ وتقبَّل خبرَ وفاة ابنته بإيمانٍ، فنظر إليه ربّنا يسوع وقوّى إيمانهُ وثبّتهُ، فتقدمَ في المسيرة وتبعهُ الجميع.
دخلَ ربّنا يسوع البيت وها هي تجربةٌ أخرى لإيمان والد الفتاة: بُكاء الناس وعويلهم صارَ صرخة مُجرّبةً ليتخلّى عن إيمانه وينضمَ إليهم ويُسلي نفسه الحزينة على هذه الخسارةِ، فدعا ربنا الجميع إلى الإيمان: لكن الناس "ضحكوا عليه، لأنهم كانوا يعرفونَ أنها ماتت"، فأخرجَهم، وأختارَ أولئِكَ الذين يؤمنونَ، وكان والدُ الفتاة مع الذين اختارهم ربّنا ليدخلوا معه إلى حيث الصبية، فيبعثُ الحياة في جسدها من جديد بكلمة واحدةٍ مثلما فعل الله في الخلقة: "ليكن نورٌ، فكان نور". ولتأكيد المعجزة أوصاهم بأن يُعطوها طعاماً لتأكل، مثلما هو طلبَ من رُسلهِ طعاماً ليأكل بعد قيامتهِ: "أعندكم طعامٌ هُنا؟ فنالوه قطعة سَمِكٍ مشويًّ، فأخذَ واكلَ أمامَ أنظارهِم" (لو 24: 41- 42).
ربّنا ينتظر منّا مثلُ هذا الإيمان. إيمانٌ يترك المناصب والامتيازات ليقفَ في حضرةِ الله مثلما هو. إيمانٌ به نعرض احتياجاتنا أمام الله، ونثقَ أن الله سيُعطينا ما نحن بحاجةٍ إليهِ في الوقت الذي يراهُ الأنسب لنا لا الوقت الذي نريده نحن. إيمان لا يتراجع أمام الألم وفي مواجهةِ الصعوباتِ، بل يصمدُ امام المحن والشدائد، وحتى امام الموت.

image
قراءة 7978 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *