المواعظ
%AM, %08 %331 %2015 %09:%تشرين2

الأحد الثاني من تقديس البيعة الرحمةُ لا الذبيحة متى 21: 1- 21

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
المطران بشار متي وردة
الأحد الثاني من تقديس البيعة
الرحمةُ لا الذبيحة ( متى 21: 1- 21)

تأملّنا في الأحد الماضي ان المحبة هي التي تبني الكنيسة وتقدسها، فلن تقوى عليها أبواب الجحيم؛ لأن الله، وهو المحبّة، هو بانيها ومُثبتها، ويدعونا إلى أن نعيشَ هذه المحبة بأمانةٍ، وصدقُ أمانتنا يكون بالسير خلف مُعلّمنا وربنا يسوع المسيح، والذي أظهرَ محبتهُ، هم من حولهِ، فكان ينظر إليهم بعيون الله ويستقبلهم بقلبٍ وأيادٍ رحوم.

إقتربَت من ربّنا يسوع جماعة الفريسيين تجادله حول سلوكيات تلاميذه، كنيستهِ، فهم - أي الفريسيين - لا يُراعونَ أحكام الشريعة التي تمنع القيام بأي عملٍ يومَ السبتِ. وشاهدوا أن تلاميذهُ يفركون السنابل ليأكلوا، فشكوهم لدى المعلم الذي يُعد المسؤول الأول عنه. تحداهم ربّنا بأنهم ليسوا عارفين َبالكُتبِ: "أما قرأتُم ..."، عبارة أرادَ بها ربّنا أن يقول لهم: أنتم تجهلون َالكُتبَ من أجل تفسيراتكم الضيقة. فالشريعة قد سمحت للإنسان بأن يعمل ليسدَّ جوعهُ مثلما نقرأ في سفر تثنية الإشتراع: "إذا دخلتَ كرمَ قريبك، فكُل من العنبِ على قدر شهوتِكَ حتّى تشبع، ولا تجعل منه شيئاً في سلّتِكَ. وإذا دخلت السُنبُلَ القائم الذي لقريبكَ، فاقطُف بيدكَ فَريكاً، ولا تلقِ منجلاً على سنُبِل قريبك" (23: 25- 26). فما يقوم به التلاميذ ليس مخالفة للشريعة ولا لتوجيهاتها، ولكنها محاولة من الفريسيين للإيقاع بربّنا وإحراجهِ، هم قُساة تجاه الناس وسيكونون قُساة مع الله أيضاً. فأشارَ إليهم إلى جوهر الشريعة وغايتها: العلاقة مع الله المحبّة، وهذه العلاقة تكون باستجابتنا المحبة لدعوتهِ، فنكون رُحماء مثلما هو رحوم، ورحمتنا ليست ليرضى عنّا، بل لأنه رحومٌ معنا، فرحمتهُ هي التي تجعلنا رُحماء وليس العكس. فالإنسان الرحوم يقول لقريبهِ: الله كان رحوماً معي، فاسمح لي أن أُشاركك هذه الرحمة.

غاية الشريعة القُرب من الله، ومَن يقترِب من الله سيزداد محبة ورحمةً، وسيفرح بعمل الرحمة فعمل الخير والصلاح كشفٌ صادق لصلاح ِالله الذي أعطانا الشريعة، بخلاف الفريسيين الذين أضمروا لربنا يسوع الشرَ يومَ السبتِ. يومُ الربِّ هو يومِ الخير، اليوم الذي نتقرّب إلى حياة الناس فنتقدّس بطيبةِ الله فنصبحَ الهيكلَ الذي يلتقي فيه الله فقراءه ومساكين َشعبهِ. إيماننا يتجسّد في المحبة الصادقة التي نعيشها في حياتنا، لأننا تعلّمنا أن إيماناً من دونِ محبةٍ إنّما هو إيمانُ الشيطان، وإيمان بمحبةٍ هو إيمان تلميذِ يسوع المسيح، لأنه إيمان سيُكلّفهُ الصليب. نعم، فعملُ الخير سيجعلنا نُحارب أنانيّتنا ورغبتنا في تأمين ِراحتنا.
عالمنا ينتظر من كنيسة ربّنا يسوع، منّا، أن نكون جماعة الرحمةَ، فلنلتفت إلى حاجاتِ الناس ونشعر بألمهم ونتعرّف إلى مشاكلهم ونكون إلى جانبهم. ربّنا يُريدنا أن نكون منتبهينَ إلى القريب وما يُسعِد حياتَه فنسعى إلى الخير حتّى وإن كانَ ذلك مؤلما، فعمل الخير يعني: أن ننسى أنفسنا وحاجاتنا ونُصغي إلى حاجاتِ القريب، في وسط عالم خاطئ يُريدنا أن نهتمَّ بأنفسنا قبل كل شيءٍ. هكذا تتقدّس كنيسة ربّنا يسوع المسيح: بالمحبة والرحمة، فنعمل الخير بمحبةٍ وفرحٍ.

يضع ربّنا يسوع المسيح اليوم معياراً هاماً لصدقِ العلاقة مع الله: "كلّما إزددنا رحمةً تجاه أخوتنا وأخواتنا، وسّعنا المجال أكثر لنعمة إلهنا أن تعملَ فينا". كلّما تقدمنا خطوة نحو أخينا الإنسان في حاجته وألمه، تقدّمنا الله إليه خطوتين. فالمؤمن الحقيقي هو كل إنسان عارف بنقائصه، فيقف أمام الله طالباً الرحمة، ويمدُ يده متضامناً مع القريب بمحبّةٍ وحنانٍ وإصغاء. يروي آباؤنا الروحيون عن ملكٍ طلبَ من أحد وزرائهِ المعروفين بالقسوة والبطش أن يبحث له عن إنسانٍ طيّب، فراح يبحث وعادَ ليُخبِرَ الملك: "لا يوجد في مملكتِكَ أُناسٌ طيبونَ، فكلّهم خطأة. ثم عادَ الملكُ وطلبَ من وزير معروف بطيبتهِ أن يبحث له عن إنسان طيبٍ، فذهب وعادَ ليُخبِرَ الملك: كل الناس في مملكتِكَ طيبونَ يا سيدي على الرغم من هفواتِهم الصغيرة.

تتقدّس كنيسة ربنا يسوع المسيح بالمحبة والرحمة، لتكون كنيسة أُناس رحماء تعرف أن تقبل الآخرين بالصدق من دون خداع أو كذبٍ أو إفتراء. كنيسة أناسٍ يُحبّون الخير ويتفانون في عمله، وفي عمل الخير يعملون إرادة الله ومشيئتهِ، ويحتفلون بيوم الرب، يومَ حضوره الرحوم بأفعال الخير التي يعملونها. هي دعوة لنا جميعاً، نحن الذين اختبرنا محبّته ورحمتهُ أن نُبشَّر بهذه المحبة من خلال أعمال الرحمة في حياتنا، فيرى الناس أعمالنا الصالحة ويُمجدوا أبانا الذي في السموات.

image
قراءة 42246 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *