الصور
Adiabene

Adiabene

 

برعاية المطران مار بشار متى وردة رئيس ايبارشية اربيل الكلدانية وبحضور ممثل رئيس حكومة الاقليم وجمع غفير من المسؤولين الحكوميين وبعض الوزراء وممثلي شعبنا في  البرلمانين العراقي والكوردستاني ومحافظ اربيل وممثلي الاحزاب السياسية(على مستوى المكتب السياسي والفروع واللجان المحلية) العاملة في الاقليم واصحاب النيافة الاساقفة والاباء الكهنة والقناصل العامين لبعض الدول في اربيل العاصمة، وممثلي منظمات المجتمع المدني والمسؤولين الاداريين في المحافظة وفي عنكاوا وعدد كبير من الاكاديميين والشخصيات الاجتماعية والثقافية جرت أمس الثلاثاء الموافق 8-12-2015 مراسيم افتتاح (الجامعة الكاثوليكية في اربيل) في حفل مهيب في إحدى قاعات الجامعة في عنكاوا.

وبعد الترحيب بالحاضرينبدأ الاحتفال بقراءة نص من انجيل التطويبات بلغتنا الام تلاه الشماس سليم منصور، وبعد ذلك وقف الحاضرون دقيقة صمت على ارواح شهداء الوطن وخصوصا الذين سقطوا في الاونة الاخيرة في الحرب مع تنظيم الدولة الاسلامية( داعش) وكذلك شهداء الابادة الجماعية لشعبنا. أعقبها عزف للنشيدين : الوطني العراقي والكوردستاني، ثم ألقى سيادة المطران مار بشار متي وردة العقل المدبر لفكرة تأسيس الجامعة كلمة بالمناسبة السعيدة ووصف تأسيس الجامعة بالمبادرة  التي ((نريد من خلالها تعريف العالم بهذه البقعة المُباركة من الأرض: أربيل كوردستان العراق، وأن نؤكد من خلالها إلتزامنا بأرض الآباء والأجداد، في وقت عصيب يعيشهُ مؤمنونا لاسيما بعد التطهير العرقي الذي تعرضوا له في حزيران – آب 2014 في الموصل وسهل نينوى.      فجميعنا عارفٌ أن هناك عشرات الدوافع والأسباب للهجرة، ولا يوجد سبب واحد للبقاء، هذه المبادرة تأتي لتخلق سبباً واحداً للبقاء، وهي مسؤوليتنا جمعينا لنُبادِر في خلق الظرف المناسب للبقاء.)). وأكد المطران وردة بأن الجامعة ((ستفتح أبوابها أمام الجميع من دون تمييز، فهي كاثوليكية، أي جامعة، ولن تستثني أحداً من الحصول على فرصة التعلّم والتثقيف وإفادة المجتمع. وعندما تُولَد هذه الجامعة في الظروف التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، والعراق بشكل خاص، فإنها تأتي  جواباً لأزمة الفكر وتخبط الإيديولوجيات وتطرّف المواقف، لبدء مسيرة حوار يقوم على احترام الآخر المُختلِف، بل الإنتفاع من غنى هذا الإختلاف.)). وأثنى المطران على جهود كل القائمين على هذا المشروع واظهاره للوجود: من الداعمين والمساهمين والعاملين والميسرين للاعمال والمشجعين والمشرفين على المشروع: رئاسة الاقليم ورئاسة حكومة الاقليم ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي لما أبدوه من حرص واهتمام على أن ياخذ المشروع مجراه الطبيعي للموافقة والمصادقة عليه، كما شكر مجلس أساقفة ايطاليا- ممثلا بشخص المطران غالانتينو- لتقديمه الدعم المادي والمعنوي لقيام هذه المؤسسة العلمية، كما أثنىعلى دور الاخوة في جامعة الروح القدس- الكسليك في لبنان، (( لما أبدوه- منذ اليوم الاول لنيتنا في تأسيس الجامعة- من مساعدة على كل الاصعدة، وما قدموه لنا من خبرتهم في مجال العمل الاكاديمي، ولاستعداهم في التعاون مستقبلاً، خصوصا في مجال العلاقات وتبادل الخبرات العلمية والادارية وتهيئة الكوادر التدريسية الرفيعة)). وشمل الشكر ايضا اللجنة التنسيقية المنبثقة عن جمعية حدياب للكفاءات وبشكل خاص الدكتور سمير خوراني المنسق العام للجامعة ((الذي تحمس منذ اليوم الأول لفكرة هذا المشروع وأنفق هو وفريق العمل الذي شكّله من الأخوة الأساتذة في جمعية حدياب للكفاءات ساعات طويلة في مناقشة الفكرة ودراستها واعداد دراسة متكاملة عنها، وتقديم ملف متكامل لمجلس وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في اقليم كوردستان)) . ولم ينسَ المطران في الختام أن يعرب عن عميق شكره (( لـ"عنكاوا" الحبيبة" التي احتضنت المهجّرين منذ سنة 2003 ومنحتهم الفرصة ليبدؤوا من جديد، وعرفانا بالجميل الذي لن يُنسى طلبتُ أن يكون إسم عنكاوا في شعار الجامعة فبمحبتها خلّدت إسمها في قلوبنا، وسيُكتَب بأحرف من حُب في التاريخ)).

بعد ذلك قدم الدكتور يوسف كوران وزير التعليم العالي والبحث العلمي وممثل السيد رئيس حكومة الاقليم كلمة بالمناسبة رحب  فيها بتأسيس الجامعة الفريدة من نوعها في الاقليم متمنيا ان تخلق هذه الجامعة منافسة علمية اكاديمية بين مثيلاتها من الجامعات الكوردستانية الحكومية والاهلية، شاكرا جهود القائمين عليها.

بعدها ألقى المطران نونزيو غالانتيني الامين العام لمجلس أساقفة ايطاليا وممثل الفاتيكان كلمة بالايطالية(كانت مترجمة مسبقا في منهاج الحفل) عبر فيها عن سعادته الغامرة بهذه الخطوة المباركة، مرحبا بتأسيس الجامعةالتي اعتبرها (( مثل اساسٍ لتاريخ جديد ومستقبل واعد))  ومعربا عن (( التزام الكنيسة في ايطاليا مع كثير من المؤسسات الاخرى، بتقديم علامات قرب ملموسة تجاه العوائل في اربيل، الى الجماعة المسيحية، إلى الايزيديين والجماعات الاخرى التي تعاني من الاضطهاد والمرغمة قسراً على ترك اراضيها ومشاريعها))، مشدداً على ان التضامن الاخوي (( لا يمكنه ان يقتصر على الحاجات الطارئة فحسب، لكن عليه أن ينظر الى ما هو أبعد. لذا عليه قبل اي شيء أن يدعم الرجاء لاجيال جديدة وأن يمنحها اسباباً للحياة، عليه أن يُلقي البذور التي ستعطي الثمر في المستقبل)). وقال: إن قيام هذه المؤسسة سوف لا يعود بالخير على ابنائها فحسب، بل (( سيكون مفيدا لكل منطقة الشرق الاوسط. إن مستقبل الشرق والغرب من اليوم سيعبر من هنا، من هذه الجامعة)) وختم كلمته بالقول إن أبناء الكنيسة في ايطاليا يرسلون لكم رسالة تقدير وتشجيع تعبر ما وراء حدود هذه المنطقة. وأنكم (( من ورشة المستقبل هذه، تعلمون العالم الطريق لأعطاء رجاء متين للشباب، واستعادة الكرامة لجماعات مجروحة بكاملها  والجواب على الكره بيد ممتدة بالثقافة  والجمال)).

ثم قدّم السيد مالك قديفة المهندس المشرف على بناية الجامعة  عرضا مصورا عن مراحل بناء الجامعة وتطورها والتغييرات التي كانت تلحق بها ، مفصلا في البناية ومساحتها ومجال التوسعة فيها وعدد قاعاتها التدريسية وغرفها ومختبراتها ومرافها العلمية والصحية والترفيهية والمكتبة وغيرها من الملحقات

ومن ثمّ ألقى الدكتور سمير خوراني المنسق العام للجامعة كلمة بالمناسبة عبر فيها عن فرح الاكاديميين من ابناء شعبناء بقيام هذا الصرح العلمي والثقافي الكبير الذي سيعود بالخير على المنطقة عموما وعلى شعبنا خصوصا في ظل الظروف الماساوية التي يعيشها جزء كبير من ابناء شعبنا  بعد التهجير القسري من مناطقهم التاريخية وفي ظل نزيف الهجرة ليكون بمثابة امل للبقاء والتشبث بالارض. وشرح مراحل تأسيس الجامعة لحظة انبثاقها حلما ففكرة فمشروعا ثم حقيقة ، والتعاون المثمر والمستمر بين لجنة التنسيق المنبثقة عن جمعية حدياب للكفاءات وبين سيادة المطران مار بشار متى وردة. وعرّج في كلمته على بيان اهمية تأسيس جامعة من هذا النوع  في هذه البقعة المباركة وفي هذا الوقت تحديدا، عاطفا على رسالتها ورؤيتها وقيمها الاساسية بوصفها امتدادا للتراث المشرقي الغني روحيا وفكريا ،مؤكدا على أنها (( متنوعةٌ ومنفتحةٌ أمامَ الايديولوجياتِ الاخرى، تستقبلُ الطلبةَ والتدريسيينَ والموظفينَ من مختلفِ التقاليدِ والخلفياتِ الدينيةِ، في جوٍّ من الثقةِ والامانةِ والاحترامِ في مجتمعٍ يوصَفُ بالتنوع الغني في الناس والافكار. تدعمُ التنميةَ المستدامةَ للطلابِ والموظفينِ والمجتمعِ في التفاعلِ المتبادلِ، وتسعى إلى التميز دائماً للحصولِ على أفضلِ النتائجِ من الجميع، مراعيةً الجودةَ العاليةَ والرصانةَ الاكاديميةَ، ومستفيدةً من المواردِ الثقافيةِ والفكريةِ والاقتصاديةِ للمنطقةِ وتنوعِهَا، والارضيةِ الحضاريةِ والتاريخيةِ التي يقفُ عليها شعبُنا بوصفِهِ مؤسساً للحضاراتِ العظيمةِ التي تناوبت على هذه الارضِ المعطاءِ، ولدورهِ الفاعلِ في ديمومةِ هذه الحضاراتِ، لاثراءِ برامجِهَا التعليميةِ وتعزِيزِهَا. آملاً ان تكون هذه الجامعة كنظيراتها من مدارس اورهاي ونصيبين وانطاكيا وجامعة الحكمة، لتكون شاهدة على عمق رسوخنا في هذه الارض وعلى نصاعة ماضينا الذي نستلهم منه لتجاوز محنة حاضرنا لنعبر الى ضفة المستقبل بالسلم والعلم والتعايش))، مشددا على أنّ الجامعةَ  (( ستكونُ قيمةً علميةً اكاديميةً نوعيةً مضافةً الى الجامعاتِ العراقيةِ والكوردستانيةِ.

 وبأنها - نظراً لمعاييرِ الجودةِ والرصانةِ والحداثةِ التي ستعتمدها - ستكون مَحطَّ الانظارِ للطلبةِ من كلِّ المكوناتِ، وبهذا نكون قد فَتَحَنَا لهم نافذةً كبيرةً على العالمِ الخارجيِ بطريقةٍ عصريةٍ وعلميةٍ سلسة)).

تلتها كلمة جامعة الروح القدس- الكسليك  في بيروت- لبنان وقد قرأها- بالنيابة عن الاب يوحنا عقيقي-نائب رئيس جامعة الروح القدس للأبحاث، الذي لم يتمكن من الحضور بسبب اغلاق مطار اربيل- الاب جنان شامل، واصفا في كلمته تأسيس الجامعة بانه الحلم الذي راودنا طويلاً  ولكنه تحقق في نهاية المطاف،  وقد عبّر عن عميق الشعور بالفرح في تأسيس هذه الجامعة العلمي، واصفا إيّاها بـ (( الصرحُ الهيكل الذي يحتفلُ، اليومَ قبل الغد، بعقولٍ وضمائرَ آمنتْ بالتغيير، بالأفضل، بوُلوجِ قدسِ أقداسِ المعرفةِ، بنتِ الحكمةِ الخلّاقة، مبدأِ وجودِنا وغايتِه. إنّه هيكلُ الرّوحِ الحقّ، روحِ الفهم والإدراك، فيضِ النّور المشعِّ في قلوب شابّة، قويّة، طموحة، يغدقُ عليها من خيراته ما لا يوصفُ ولا يُحدّ)) هذا الصرح الذي (( يرتفع سورًا حصينًا ضِدّ الجهلِ وتيّاراتِ الالغاء الظلاميّة المبدأ والعقيدة والنّهج. قلعةٌ تحمي الحريّاتِ الفكريّةَ والمذهبيّةَ، وتحافظُ على جماليّةِ التنوّع والوَحدةِ في الاختلاف، جماليّةِ الإبداعِ والتَطوّرِ والتمكين. وهي جماليّةٌ تُبدّدُ غيومَ العنف السوداء، وتُبشّرُ ببزوغ فجرِ السلام والعدالة والمحبّة بين أبناء الأرض الواحدة)).

معربا عن استعداد جامعة الروح القدس في لبنان للتعاون مع الجامعة الكاثوليكية في اربيل،(( واضعةً خُبراتِها وتَجاربَها العلميّة، والبحثيّة، والتربويّة، والإداريّة، والوطنيّة في خدمة شابّات وشباب أربيل))، وقد ختم كلمته بتقديم التهاني لأبناء عنكاوا وأربيل والعراق، ولكنيسة المشرق( الكنيسة الكلدانيّة) على التصميم والإرادة والتحدّي. وعلى تثبيت – وبقوة- أساساتِ هذه الرسالة التعليميّة والتربويّة، رسالةِ الانفتاح المُستنير، مهنئاً مسيحيي اربيل (( بالعقل المدبّر، المخلص والحكيم، قلبِ الأبِ المُفعَمِ بالحُبّ والتضحيةِ في سبيل أبناء رعيَّتـه ورَفاهيّتهم، صاحبِ السيادة، المطران بشار وردة، سيّد المبادرات الخيّرة والبنّاءة)).

اخر الكلمات كانت لممثلين عن طلبة مدرسة مار قرداخ الاهلية التابعة لايبارشية اربيل الكلدانية، واعربوا فيها عن طموحاتهم وامالهم من هذه الجامعة لما يمكن ان تحققه من احلامهم في التفوق العلمي والاكاديمي بدلاً أن يبحثوا عنها في أماكن اخرى أو ربما بعيدا عن وطنهم. الجدير بالذكر ان الجامعة الكاثوليكية في اربيل هي المرحلة التكميلية لما بدأه المطران  مار بشار متى وردة في مشروع مدرسة مار قرداخ الاهلية التي حازت شهادة البكالوريا الدولية( IB )، وبالتالي سيكون بمقدور طلبة مار قرداخ الانتقال الى الجامعة على نحو سلس ودون ادنى معاناة نظرا لان الدراسة في المؤسستين هي باللغة الانكليزية.

وفي الختام دُعي المشاركون في الحفل الى جولة في بناية الجامعة والاطلاع على ما فيها من مرافق علمية، تزامن ذلك مع العاب نارية زينت سماء عنكاوا بالالوان المضيئة. 

 

المكتب الأعلامي للجامعة الكاثوليكية في اربيل CUE

نبذة مختصرة عن رهبانية بنات مريم المحبول بها بلا دنس الكلدانيات:

رهبانية بنات مريم المحبول بها بلا دنس الكلدانيات، رهبانية رسولية ذات حق بطريركي، تأسست في 7/8/1922 في بغداد على يد المرحوم الخوري أنطون زبوني في زمن المثلث الرحمة غبطة البطريرك مار يوسف عمانوئيل الثاني توما. إنها متجذرة في كنيستنا الكلدانية ومنفتحة على الكنيسة الجامعة بروح مسكونية. بكلمة أخرى، إنها تأسست بالدرجة الأولى من أجل كنيستنا الكلدانية، وإذا دعت حاجةٌ ملحةٌ للخدمة في الكنيسة بشكل عام فلا مانع من تلبية تلك الحاجة، ولكنّ الأولوية دائماً لكنيستنا الكلدانية في كل مكان.

 

-       روحانيتنا: تنبع من روحانية أمنا وشفيعتنا مريم العذراء، التي عرفت يسوع معرفة عميقة وشاركته في الفداء وما زالت تهبه للعالم نوراً وخلاصاً. ومنها نتعلّم التتلمذ ليسوع بالإصغاء إلى كلمة الله، والعمل بما يأمرنا به، وعلى أثر أمنا مريم، نتقدّم خطوة فخطوة في حياة الطاعة والخدمة والتواضع والنقاوة.

 

-       شعار رهبانيتنا "مع مريم نحو الأعالي". أعلى نقطة يمكن الوصول إليها مع مريم هي التواضع.

 

-       أهدافنا: تهدف رهبانيتنا إلى حياة الاتحاد الكامل بالله ساعيةً إلى تقديس أعضائها لتكون مركز إشعاع رسولي حيثما وجدت فتبذل جهدها لاكتشاف مشيئة الله في خلاص البشر، فتكون نوراً للآخرين بمثالها الصالح من خلال صلاتها وشهادة حياتها اليومية، فتُضحي علامةً تدعو إلى الإهتداء المستمر إلى الله.

 

-       رسالتنا: إنّ رهبانيتنا تأسست من أجل الرسالة، وخاصةً لخدمة كنيستنا الكلدانية حيثما وُجِدت، فتسعى لبناء الملكوت وحمل رسالة المسيح لكل الناس الذين تعمل معهم ولأجلهم مشتركةً في رسالة الكنيسة من خلال:

 

-       شرح التعليم المسيحي ونشر كلمة الخلاص والقيام بالخدمات الرعوية والنشاطات الكنسية بالتعاون مع الكهنة، خاصةً في كنيستنا الكلدانية، داخل القطر وخارجه.

 

 

-       تربية النشئ وتثقيفه، أولت رهبانيتنا لحقل التربية والتعليم أهمية كبيرةً منذ أكثر من ثمانية عقود، عندما افتتحت أول مدرسة في الكمب الكيلاني في بغداد عام 1927. وبعدها، تمّ افتتاح مدارس عديدة في البصرة والموصل، وكركوك، وبغداد، لكنها تأممت من قبل الحكومة العراقية عام 1974، وبعد التأميم، استمرّت أخواتنا بالعمل في الإدارة والتعليم في بعض منها، ليكون لهنّ حضور فاعل وشهادة مسيحية، وبالفعل كان تأثيرهنّ واضحاً في تلك المدارس.

 

  • أمّا في خارج القطر فكان للرهبانية مدرسة كبيرة جداً في دولة الكويت منذ عام 1963، لكنها أغلقت تلقائياً بعد احتلال الكويت عام 1990.
  • أمّا في دولة الإمارات، فللرهبانية مدرستان كبيرتان ومتطوّرتان جداً. في دبي تملك الرهبانية مدرسة الراشد الصالح التي تأسست عام 1971، وفيها كافة المراحل الدراسية للبنين والبنات من الروضة للثانوية. وهذه السنة بالذات كانت الاولى على كل المدارس العربية الأهلية في دبي حسب تقييم لجنة المعرفة والتنمية البشرية بموجب المعايير الدولية. كذلك في إمارة الشارقة، للرهبانية مدرسة كبيرة منذ عام 1975، روضة وابتدائية مختلطة. تقوم الأخوات بتدريس الدين المسيحي في كلتا المدرستين، بالإضافة إلى إلقاء دروس التعليم المسيحي، وإعداد الأولاد للتناول الأول في كنائس كلتا الإمارتين.

قبل سبع سنوات سعى صاحب الغبطة مار عمانوئيل الثالث دلي الكلي الطوبى سعياً حثيثاً لدى الحكومة العراقية، من أجل إرجاع مدارسنا، فتمكّن من استعادة ثلاث مدارس فقط من مجموع خمس مدارس مؤمّمة، جزاه الرب خيراً عن ذلك. اثنتان في بغداد وأخرى في كركوك. وعليه تمّ إعادة افتتاح مدرسة مار يوحنا الحبيب الأهلية في بغداد، عام 2009/2010، وفيها حالياً (2300) طالب وطالبة في كافة المراحل.

  • افتتحت الرهبانية في عام 2011/2012 مدرسة انكليزية في السليمانية روضة وابتدائية وفيها 150 طالباً وطالبة، وكانت الاولى على السليمانية والثانية على إقليم كردستان حسب تقييم وزارة التربية.
  • تقوم أخواتنا أيضاً بإدارة مدرسة هيزل الإنكليزية في زاخو بموجب عقد رسمي بين الرهبانية وجمعية هيزل الثقافية والإجتماعية (جمعية مسيحية) منذ 1 أيلول 2010. الحمد لله حضور أخواتنا فيها فاعل جداً.

رسالتنا الاولى والأخيرة من خلال هذه المدارس أن نكون شهوداً حقيقيين للمسيح  بحياتنا أكثر منه بتعليمنا. بالحقيقة أؤكد وأكتب دوماً للأخوات قائلةً: لنجعل كل مدرسة من مدارسنا سفارة للمسيح، بحيث يتعرف الناس من خلالنا على المسيح، على الكنيسة، على المسيحية من خلال محبتنا، خدمتنا، بساطتنا، طيبتنا، وأسلوب تعاملنا. كما أننا نحاول أن نخلق مجتمعاً مدرسياً متآخياً بعيداً عن العنصرية والطائفية. المسيحيون يدرسون الدين المسيحي والمسلمون يدرسون الدين الإسلامي، بالإضافة إلى حرصنا على توفير مستوى راقٍ للطلاب في التربية والتعليم. كما أن للرهبانية روضات دينية في معظم رسالاتنا داخل القطر.

 

-       التجاوب مع نداء الرحمة المسيحية في المياتم ودور العجزة والضيافة والخدمات الإنسانية والإجتماعية. فمنذ عام 1927، أي بعد تأسيس الرهبانية بخمس سنوات قررت أخواتنا افتتاح ميتم للبنات في بغداد، ميتم القديسة حنة، واستمر فيها حتى عام 2007، حيث نقل إلى ألقوش لتأمين الأمان والراحة النفسية لليتيمات بعد ازدياد موجة العنف في بغداد. كما أنّ أخواتنا في الموصل يقمن بتربية الأيتام والإهتمام بهم منذ عام 1997، عندما افتتح المثلث الرحمة المطران كوركيس كرمو ميتماً أبرشياً باسم بنات مريم الصغيرات. بالحقيقة، إننا نخدم ونربي هؤلاء الأيتام بكل فرح وسخاء، إيماناً منا بأننا نخدم المسيح من خلالهنّ، بالإضافة إلى أن هناك بنداً ورد في أول قانون للرهبانية يقول: استمطاراً للبركات السماوية على الرهبانية الفتية، قررنا إعالة عدد من اليتيمات وتربيتهنّ تربية مسيحة وثقافية واجتماعية لنضمن لهنّ مستقبلاً أفضل. للأمانة، تولي رهبانيتنا اهتماماً كبيراً ورعاية فائقة لكلا الميتمين من جميع النواحي، وأشكر الرب على أخواتنا العاملات في كليهما.

للرهبانية أيضاً دار استراحة السامري الصالح للمسنين في ساندياكو/ كاليفورنيا، ودار مار توما للمسنين في ترلك/ كاليفورنيا أيضاً. ونزلاء كلا الدارين يلقون اهتماماً رائعاً من قبل أخواتنا، بعيداً جداً عن الربح المادي. أما الضيافة في دير القديسة حنة في بغداد، وفي دير مار يوسف في روما، فتعمل أخواتنا ما باستطاعتهنّ لخدمة من هم بضيافتهنّ بمحبة. 

 

 

-       للرهبانية خمس عشرة ديراً ورسالة داخل القطر في: بغداد، الموصل، البصرة، كركوك، عينكاوا، أربيل، شقلاوة، كرمليس، ألقوش، دهوك، زاخو، والسليمانية. في العراق 65 أختاً ناذرة، ومبتدئة واحدة. بيت الإبتداء حالياً في عينكاوا منذ عام 2007، حيث تم نقله من بغداد إليها بسبب العنف الدائر في منطقة الزعفرانية آنذاك.

 

-       أمّا خارج العراق فللرهبانية عشر رسالات: في بيروت، روما، دبي، الشارقة، وأميركا. خارج العراق: 44 أختاً ناذرة، بالإضافة إلى ثلاث مبتدئات وطالبة في بيت الإبتداء في مشيغن.                                                              

                                                              

الأحد الثاني من البشارة:

بصلاة الشُكر نبني الملكوت (قولسي 4: 2- 18)

بعث بولس من سجنه رسالة إلى كنيسة قولسي مؤكداً لهم محبتهُ لهم والتي سمِع عنها عن طريق تلميذه أبفراس، وهو فخور بما أظهروه مؤمنوا الكنيسة من ثبات في الإيمان وجهاد روحي، فصلّى من أجلهم ليمتلؤوا من الحكمة ويسيروا سيرة جديرة بالربّ ويُثمروا كل عمل صالح وينموا في معرفة الله، صبويرن شاكرين لأن الله جعلهم أهلاً لمشاركة القديسين في نشر البشارة (قول 1: 9-11). كشفَ الرسول بولس لهم في رسالته أنه يُصلي من أجلهم دوماً ويُعاني الألم كلما سمِعَ أخباراً محزنة عنهم، لاسيما وأن هناك مَن يسعى لزرع تعاليم مخالفة لما علّمه هو، تعاليم تريد العودة بهم إلى حياة الشريعة. فشعرَ أن ألمهُ من أجلهم هو إتمام لما نقص من شدائد المسيح من أجل الكنيسة.

كما وطلب منهم في خاتمة الرسالة المواظبة على الصلاة الشاكرة لله، فللصلاة أهمية في حياة المؤمن، لأنها حوارٌ مُحبٌّ مع الله الآب، وبيان جليٌّ على أن الله هو في مركز حياتنا، هو الأهم. كل أفعالنا موجهة نحو ومنه نستلهم كل التوجيه للحياة. أمنا مريم خير مثال للمؤمن، فجعلت الله كُلاً في الكل في حياتهاِ، أصغت إليه وقبلت دعوته حتّى وإن لم تفهم كلأبعادها وأسرارها، ووقفت أمام الله مطيعة متواضعة: "ها أنا أمةُ الربِّ فليكن لي حسب قولِك". هذه هي مفاعيل الصلاة الحقيقية، إنسانٌ حقيقي يعرِف كيف يكون منتبهاً لتدبير الله ومتأبهاً لإتمامهِ. الله الذي اختارهُ وقدسهُ وأحبهُ، ويعكس هذه المحبة والقداسة والاختيار في شهادة الحياة اليومية.

لذلك، يُنشادهم الرسول بولس في خاتمة الرسالة قائلاً: "واظبوا على الصلاة". وما يُميز هذه الصلاة هي انها صلاة مؤمن متأهب شاكرٍ مندفعٌ للمساهمة في نشر ملكوت الله. لا يتوقع الله من الإنسان أن يحاوره في الصلاة فحسب، بل ينتظر منه مسؤولية نشر الملكوت. الله بدأ ملكوته بيسوع المسيح، ومدّ يده يُريد معاونين له في نشر الملكوت، وأول ما يُطلَب من الإنسان هو: الصلاة واليقظة، تعبيراً صادقاً عن الإيمان. ولأنهم جسد المسيح الواحد، فعليهم واجب أن يتقاسموا مسؤوليات البشارة، وهذا يظهر من خلال علاقاتهم الإنسانية الصحيحة الخالية من كل خبثٍ وخداعٍ وسخط وشتيمة، ويكونوا ذا كلام طيّب خالٍ من القُبحِ والكذب، فهذه كلّها صفات الإنسان القديم الذي خُلِعَ بالمسيح يسوع (3: 8-9). فالنعمة تنجلي في الخبرات الاعتيادية التي نعيشها يومياً.

ما يطلبهُ بولس ليس إعجازاً، بل ضرورة الانتباه على أن النعمة التي باركنا بها الله لا تهبُ لنا الحصانة من أننا مخلّصون، بل تفرض علينا مسؤليات تجاه مَن هم بحاجة، مثلما فعلت أمنا مريم اليوم، فأول عمل قامت به بعدما سمعت دعوتها، هو الذهاب لخدمة إليصابات. فالخدمة هي ثمرة هذه العلاقة مع الله هي شهادة حياة تُميّز المسيحي في العالم هو: السلوك بحكمةٍ أمام الناس، والاختيار الصالح من الأفعال، والكلام اللطيف. هذه هي ثمارُ الإيمان، وإلا فكيف لنا أن نشهد لمسيحيتنا، ونجعل منهم فرصة تبشير؟ شهادة الحياة التي تأتي تعبير شُكرٍ لله الذي أختار وقدّس وأحبَّ، فما كان من الإنسان إلا أن يكون مثلما يتوقعهُ الله: الإنسان الشاكِر. هذا الشكر لا يعني أننا نتجاهل الصعوبات التي تأتينا في حياتنا، فبولس يقول لنا صريحا أن يُعاني الكثير جسديا بسبب خدمتهِ لبشارة ربّنا يسوع، كما ويُشير إلى الصعوبات التي واجهها رفاقهُ في التبشير، والذين يذكرهم بإحترام عالٍ.  

اليوم، وقد سمعنا كلمة الله من بولس الرسول، فهل لنا الشجاعة لنُقيّم مدى إستعدادنا للعمل وفقَ ما يُريده الله منّا هنا والآن؟ البعض يقول: سأعيش مسيحيتي عندما أهاجر إلى أوربا وأمريكا! هذا ممكن جداً، ولكن هل بدأت العيش مسيحيا منذا الآن؟ مسيحيتنا لا تعتمد على الظروف، بل تُغيّير ظروف الإنسان وتأخذه من الظلمة إلى النور. الظروف تتأثر بالمسيحية وليس العكس. مسيحيتنا لا تقبل التأجيل، فإما أنت مسيحي، أو لن تكون إذا لم تبدأ بعد.

اليوم يطلب منّا بولس مثلما طلبَ من القوليسيين: واظبوا على الصلاة، كونوا متأهبين وشاكرين. صلوا من أجل خدام الكنيسة لينشروا كلمة الإنجيل مثلما يجب لا مثلما يحبون. يطلب منّا أن نسلُكَ بحكمة أمام الناس، وأن تنطق شفاهنا بما هو طيبٌ وحقٌ من الكلام، ثمرة ما في القلب من السلام والمحبة.

فلنطب من أمنا مريم أن تعلّمنا كيف نستعدُ للصلاة، وكيف نُصغي لله وقت الصلاة. كيف نسمح لله أن يُغيّر حياتنا ويجعلها أكثر صدقاً؟ وكيف نترجم صلاتنا إلى أفعال محبة، تُمجد إسمهُ القدوس بين الناس. 

 

 

 

الثلاثاء, 01 كانون1/ديسمبر 2015 07:02

رهبانية بنات قلب يسوع الأقدس

رهبانية بنات قلب يسوع الأقدس

بين التأسيس والحاضر

 1911- 2016 

                    

التأسيس:

تأسّست الرهبانية رسميًّا بتاريخ 15 آب 1911 في قرية أرادن شمال العراق، من قبل الأب عبد الأحد ريّس، في عهد المثلث الرحمات المطران فرنسيس داود، تحت أسم "رهبانية بنات قلب يسوع الأقدس"؛ كان الأب المؤسس يكرِّر بأستمرار: " أن كلّ المؤسَّسات الرهبانيّة لها مؤسِّس أو مؤسِّسة، أمّا جمعيّتنا فمؤسِّسها هو قلب يسوع ذاته ".

لقد مرت الرهبانية في عقبات وضيقات صعبة ومعقدة، من ضمنها الظروف القاسية والهجرات المتتالية بسبب الحروب وأولها الحرب العالمية الأولى سنة 1914. فخلال هذه الحرب كانت الأخوات يزرن المرضى ويرشدن النساء لبذل أقصى الجهود لنظافة القرية والدور السكنية ونظافة المأكل وكنّ يساعدن الفقراء منهم، رغم أن الأخوات أنفسهن كنّ يستعطين على شكل تسول من الأهالي والفلاحين ويجلبون الغلاة إلى الدير.

 في سنة 1916 توفي الأب المؤسس أثر إصابته بمرض التيفوئيد الذي كان منتشر في القرية، ولأنه كان يخدم المرضى فأخذ عدوى المرض.

سنة 1919 هاجرت الأخوات إلى القوش ورجعن الى أرادن سنة 1920.

وفي سنة 1961 هاجرن من منطقة العمادية إلى الموصل، وبعد وصولهن الى الموصل أمضين ثلاثة أشهر في ضيافة راهبات القديسة كاترينة السيانية الدومنيكيات، ثم انتقلن إلى معهد شمعون الصفا، الذي كان بناية قديمة، فلاقت الأخوات صعوبات كثيرة معيشية وسكنية وبيئية، ولكن حاولن أن يتكيفن ويذللن الصعاب بعون الرب والمحبين من أهالي الموصل.

في سنة 1984 انتقلت الرهبانية إلى دير النصر في حي العربي- الموصل، بعد أن أكتمل بنائه من قبل الحكومة السابقة. فكان ثمرة جهود وعناء وتضحيات وأدعية وآمال بذلتها راهبات القلب الأقدس منذ يوم تأسيس الرهبانية وحتى ساعة افتتاح هذا الدير وتكريسه. هكذا استطاعت الرهبانية أن تستقر في الموصل وتجمع شملها وتوسع عملها ورسالتها، خاصة بعد أن أصبحت ذات حق بطريركي.

اذ تحوّلت الرهبانية من الحق الاسقفي الى الحق البطريركي في 26 أيار 1998 لتنطلق في دروب الرب عاملة في كرمه الواسع بانسجام مع كل العاملين الغيارى وقد تمَّ تجديد المشترعات الرهبانية على ضوء المجمع الفاتيكاني الثاني مرتين الاولى في السبعينيات من القرن الماضي والصيغة الثانية عام 1998وتم  ايضا فتح ثلاثة أديرة في بغداد.

 وفي سنة 2008، تركن الاخوات هذه الأديرة نهائياً بسبب الظروف الأمنية الصعبة في العاصمة، وخاصة منطقة الدورة – الميكانيك.

وفي شهر حزيران سنة 2014، تركت الراهبات الدير العام في الموصل، وما يمتلكن في الموصل وتلكيف. وفي تاريخ 24 تشرين الثاني 2014 قام الارهابيون بتفخيخ الدير وتفجيره.

الغاية من التأسيس:

خدمة المرضى، توجيه الأمهات والنساء الجاهلات في تربية الأولاد وتنظيم شؤون العائلة، التعليم المسيحي، والزيارات الميدانية فالخدمة الروحية والإنسانية هذه كانت الاسباب التي ألهمت الأب المؤسس لتأسيس مثل هذه الخلية الصغيرة لتكون خميرة في المنطقة تنعش الروح المسيحية.

أتسمت الرهبانية منذ البداية بالانفتاح الشامل الى احتياجات المجتمع العراقي وفقاً لتوجيهات الكنيسة الأم والمعلّمة.

كاريزما الرهبانية وروحانيتها:

لقد كان تعليم الأحبار الأعظمين حول عبادة وتكريم قلب يسوع  الأقدس ونشر هذه العبادة في العالم، والرسالة التي بلّغتها القدِّيسة مارغريتا ماريّا ألاكوك بمثابة " إلهام " للأب عبد الأحد في تأسيس الرهبانية. فلقد كان في صلاته وتأمُّلاته يُطيل التفكير والتمعُّن في الجنب المطعون للمخلِّص، وكانت كلّ أفكاره وكلّ أحاسيسه تقوده إلى قلب يسوع المتّقد حبًّا لبني البشر. كان يشعر بأنّ شيئًا ما يدفعه بقوّة إلى منح الرهبانية المزمع تأسيسها اسم " قلب يسوع الأقدس ".

روحانية الرهبانية هي عبادة القلب الأقدس في القربان المقدس، تتسم بالبساطة الانجيلية وشخصية الراهبة الوديعة وقلبها المتواضع لأن قلب يسوع الاقدس يدعو بناته أن يتخذن من قلبه وتعاليمه شعارا لهن: "تعلموا مني فإني وديع ومتواضع القلب".

إن عبادة القلب الأقدس التي استودعَتنا إيّاها القدّيسة مرغريتا مريم، تتجلى بشكل خاص من خلال الأسباب التي جعلت المسيح يكشف عن قلبه للبشريّة؛ فقد لَمّح مرّات عديدة - عبر ظهوره لها عن حبِّه اللامحدود للبشر الذين غالبًا ما يُبادلون الحبّ بالجحود والنكران. وقد وصفت القدِّيسة موقف الربّ غير المتوقَّع في تعامله مع بَني البشر بأنّه تجديد لفاعليّة الفداء، فيسوع يريد بإظهاره قلبَهُ أن يبيِّن بجلاء مدى عظمة وقدرة حبِّه اللامتناهي، وأن يمنح نعمًا كبيرةً من أجل خلاص البشريّة.

وقد عبّر المسيح صراحةً - من خلال ظهوراته للقدِّيسة مارغريتا - عن إمكانيّة حبّ الآب بوساطة قلبه الأقدس، وتمنّى ذلك بشكلٍ خاصّ. إنّ هذا الحب سيُشبَع - وفقًا لما قاله يسوع نفسُه للقدِّيسة مارغريتا - بالمناولة كلّما سنحت الفرصة وفي أوّل جمعة من كلّ شهر. ويُشبَع أيضًا من خلال الساعة المقدّسة كلّ ليالي الخميس على الجمعة الاولى من الشهر من الساعة الحادية عشر ليلاً حتّى منتصف الليل، اشتراكًا مع نزاع المسيح في بستان الزيتون، ومن خلال تخصيص عيد لتكريم قلبه الأقدس، على أن يقع في ثاني جمعة بعد عيد الجسد. ومن خلال تعميم صورة القلب الأقدس لتكون محطَّ تكريم الناس، وأن تُحمل على القلب " ليُطبع فيه الحبّ " علامةً للخلاص. كما تُشير القدِّيسة مارغريتا - بشكل خاصّ - إلى ما تُسمّيه " الوعد الكبير "، فقد قال لها يسوع: " أنا أعِدُكِ بعظيمِ رحمةِ قلبي أن يَمنحَ حبُّه القادر على كلّ شيء جميعَ الذين يتناولون القربان المقدّس في الجمعة الأولى من كلّ شهر، ولمدّة تسعة أشهر متتالية، نعمةَ التوبة الأخيرة.

لقد تمكّن الأب عبد الأحد خلال السنوات القليلة التي أمضاها مترئِّسًا رهبانيته أن يمنح هذه "الكاريزما"* إلى بناته بالربّ، بنات قلب يسوع الأقدس.  أن تكون رسالة الرهبانية التعريف به وغرس حبِّه وعبادته في كلّ القلوب.

اهتمام ومشاريع الرهبانية:

اهتمت الرهبانية كما ذكرنا بحاجة الكنيسة والمجتمع. في السنين الاولى للتأسيس كان الاخذ بنظر الاعتبار كل ما كانت المنطقة تتطلبه من التعليم المسيحي والاهتمام بالعائلة وخاصة الفتيات والنساء الجاهلات والمرضى.

الحقبة التالية في الموصل كان اهتمام الرهبانية خاصة في المجال الرسولي، حيث كانت الاخوات تعلّمن التعليم المسيحي، تحضرنّ الاطفال للمناولة الأولى تعملنّ مع الجوقات والأخويات في الكنائس، وحسب حاجة الايبارشية او المنطقة. اضافة الى تخصيص أشهر الصيف للتعليم في القرى النائية والبعيدة والتي كان يصعب على الكاهن الوصول اليها او التواجد فيها.

في السنين الاخيرة ومنذ التسعينيات من القرن الماضي صار الاهتمام بالمجالات الاتية:

1-     التعليمي التربوي: رعاية الطفل في سنيه الاولى من الناحية التربوية والدينية؛

2-     الاجتماعي: رعاية الفتيات المهمشات في المجتمع العراقي،

3-     الاهتمام بقطاع الصحة: والعمل في مستوصف مالطا في بغداد؛ ومنذ 2005  بالنساء العجزة والمرضى؛

4-     تقديم المستلزمات الكنسية والطقسية لكنائس العراق بطوائفها المختلفة.

وقد تبلورت هذه الخدمة بفتح مشاريع تبنّتها الرهبانية كما مبين ادناه:

1-    بيت الطفل في عنكاوة:

في سنة 1994 تأسس بيت الطفل في عنكاوة. هدف البيت هو بناء شخصية الطفل في سنيه الأولى وإبراز قابلياته ومواهبه وفتح افق جديدة أمامه بالتعاون بين الأسرة والكادر التربوي. وفي السنوات الأخيرة ومنذ 2007 تسنى للبيت افتتاح أقسام جديدة وتوسيع في مجال استخدام المناهج الجديدة. عدد الأطفال لهذه السنة يبلغ 187 طفل، وعدد المعلمين هو 31 معلم. الأطفال يأتون من عوائل مسلمة ومسيحية وصابئة وايزيدية.

 مجال العمل هو مع العوائل ذات الدخل المحدود والمتوسط، وخاصة الذين قدموا الى اربيل خلال السنين الاخيرة من بغداد والموصل؛ كذلك الأمر بالنسبة للمعلمين، أغلبيتهم من الوافدين من الموصل وبغداد، ذلك لتوفير فرص العمل لهم والعمل في القضاء على البطالة.

2-    دار الراعي الصالح:

كون الأسرة هي الركن الأساسي لأي إنسان، والكنيسة تعتمد عليها لبناء المجتمع، اذا بنا، في ظروف بلدنا العراق، تتفكّك اسس هذه الخلية، لصعوبة الحياة وتزايد الفجوات النفسية والاجتماعية، من جرائها تهدّمت الاواصر وبدأ الانحراف وأصبحت الصراعات بين الافراد تنخر في العامود الفقري للعائلة، فتناثرت اعضاء العائلة هنا وهناك والضحية الكبرى هي دوماً الفتاة المسيحية.

اذ قد تأسس في رهبنتنا دار خاص لرعاية الفتيات المهمشات اجتماعيا عام  1998 في دير النصر ودعي باسم دار "الراعي الصالح"، حصل على مرسوم بطريركي في عهد المثلث الرحمات البطريرك روفائيل بيداويد.

في الظروف الأخيرة التي مرت بها مدينة الموصل، فإن بنات "الراعي الصالح"،  ذهبن الى عند أهاليهن في شهر نيسان 2014 وحاليا لا نستطيع أن نأخذهن لأنه ليس لدينا مكان معين ومناسب لهن.

3-    إدارة مستوصف مالطا الخيري:

تهتم الرهبانية بإدارة مستوصف مالطة الخيري عام 2003، لتقديم الخدمات الصحية للعوائل المتعففة في بغداد. قدمت الأخوات خدمتهن في منطقة الدورة - ميكانيك في الكرفان المتنقل، ثم تم فتح مستوصف في منطقة السعدون في بيت تابع لكنيسة ام المعونة، وفي سنة 2012 تم نقل المستوصف الى دير المحبة التابع للرهبانية في شارع فلسطين حيث قد استشهدت اختنا سيسيل

وفي شهر تشرين الاول سنة 2015، تم صيانة الكرفان المتنقل ونقله الى منطقة الزيونة،مجمع مريم العذراء – بغداد، حيث باشرت الاخوات في دير سلطانة الوردية – بغداد، بتقديم خدمتهن للعوائل المهجرة في هذا المجمع.

4-    دار طوبى للرحماء (للمسنات):

كما ذكرنا في البداية أن الرهبانية تأسست في قرية ارادن - ابرشية العماديــة عام 1911. مؤسسها هو عبد الأحد ريس عرف بغيرتهِ الرسولية وحبهِ للخدمة وأعمال الرحمة. كان من بين اهتمام  الاخوات الاوليات في الرهبانية خدمة المرضى والاهتمام بالمهمشين وزيارتهم، فركزت رهبنتنا منذ البدء على الجانب الصحي، إتماما للرسالة التي كان الاب المؤسس قد دشنّها، والتي كانت السبب في وفاته، كونه أخذ العدوى من المرضى الذين كان يقوم بخدمتهم ورعايتهم شخصيا.

أسباب تأسيس دار طوبى للرحماء:

خلال 15 سنة مضت. تغيرت ظروف وأحوال بلدنا، وفق الظروف السياسية والاقتصادية. وتفاقمت هذه ألازمة خلال السنوات الأخيرة بسبب الحرب والبطالة مما سبب توجه غير طبيعي للهجرة بحثاً عن الحياة الآمنـة.

مما ترك أثراً سلبياً ملموساً اليوم في مجتمعنا. فالشباب يتركون ذويهم، والعائلات الصغيرة تغادر البيت العائلي بعدما كان حضن الأهل لا يضاهي مغريات العصـر.

ضمن كل هذه الإحداث نرى كبيري السن من دون معيل لهُ في معيشتهِ، ولا هناك أحداً يسال عنه و يزورهُ، انه كالمتروك والمنبوذ والمَنسي من المجتمـع.

هدف الدار هو الاهتمام   بالمهمشيـن والمتروكين ومنْ ليس لديهم معيل او سند.

ففي سنة 2005 تأسس فرع المسنات تحت أسم دار طوبى للرحماء بعد أن اقتطعنا جزء من دير النصر وأعددناه لهذا الغرض. قمنا بتحويل النساء العجزة وكان عددهنّ 12 مسنّة الى ديرنا القديم في عنكاوة، وذلك بتاريخ 22 نيسان 2014، بسبب الظروف الأمنية الاخيرة التي مرت بها مدينة الموصل.

5-    المشغل الليتورجي:

 تأسس سنة 2005 في منطقة تلكيف، وكانت الغاية من التأسيس ما يلي:

1- تجهيز جميع الكنائس في العراق بكل ما يلزم: الأساقفة، الكهنة، والشمامسة، من الثياب الكنسية للاحتفالات الليتورجية وايضا مستلزماتها من البرشان، والنبيذ، والشموع والمسابح والكتب الدينية الكاثوليكية في المنطقة.

2- مساعدة الأسر الفقيرة المهجرة من بغداد والموصل خاصة منطقة الدورة- بغداد، على العمل وتحريرهم من البطالة.

3- تحسين اقتصاد الجماعة الرهبانية وذلك كي تتمكن من دعم مشروعي "الراعي الصالح"، و "طوبى للرحماء" المذكورة أعلاه.

خسرت الرهبانية هذا المشغل بما فيه عندما ترك الاهالي منطقة تلكيف بعد دخول داعش.

وتم افتتاح فرعين لهذا المشغل، فرع في اربيل – عنكاوة والآخر في بغداد- كنيسة سلطانة الوردية المقدسة.

الرهبانية ورسالاتها في الوقت الحاضر:

عدد الراهبات حالياً هو 25 أخت: 18 ناذرة مؤبد، 3 أخوات مجاهرات بالنذر البسيط، مبتدئتان، طالبة واحدة، وراغبة واحدة.

توزّعت الرسالات الى اماكن مختلفة بعد ان اصبحت الرهبانية ذات حق بطريركي.

الاديرة داخل العراق:

  1. دير مار يوسف، مانكيش 1980، رسالة دائمية، تهتم بالعمل الرسولي في ابرشية العمادية، وهو حالياً دار التنشئة ايضاً، ويضم اربعة اخوات: 2 ناذرة و2 مبتدئة.
  1. دير القلب الاقدس اربيل- عنكاوا 1988، رسالة دائمية، تتعاون بالعمل الراعوي في الايبارشية، والعمل في كلية بابل، وتحتوي الرسالة: "بيت الطفل لرهبانية بنات قلب يسوع الاقدس"، فرع للمشغل الليتورجي؛ و تضم 8 أخوات. ومنذ 2014 هو الدير العام، بعد ترك الدير العام في الموصل.
  1. "دار طوبى للرحماء" للمسنات في عنكاوة، يضم أختان. تم نقل مشروع "طوبى للرحماء " الى ديرنا القديم في عنكاوة منذ 22 نيسان 2014 بسبب الظروف الامنية في مدينة الموصل.
  1. "دير سلطانة الوردية" في كنيسة سلطانة الوردية المقدسة في بغداد، منذ 2 كانون الاول 2013، يضم 3 أخوات. يعشن خبرة صلاة وحضور خاصة في كنيسة سلطانة الوردية، والتعليم المسيحي والإرشاد الروحي للأخويات والعمل مع الشباب وزيارة العوائل .
  1. هناك أخت للدراسة في روما، وأختان للمعالجة في أمريكا.

الأديرة خارج العراق:

  1. رسالتنا في فرنسا (سارسيل)،رسالة  دائمية منذ سنة 1998، تضمحاليا 4 أخوات يقدمّن الخدمة الرسولية والراعوية لأبنائنا الكلدان في فرنسا – سارسيل وباريس. النشاطات هي: التعليم المسيحي، التناول الأول للأطفال، الجوقات، كروبات صلاة، الاخويات، زيارة العوائل.
الإثنين, 30 تشرين2/نوفمبر 2015 09:14

قصة من مختارات الموقع / تعلم واشبع

قصة تعلم واشبع

قيل انه في قرية صغيرة تعتمد على صيد السمك كانت بعض الطيور تعيش على البواقي التي يتركها الصيادون، فجأة إذ صار صيد السمك في القرية غير مجزى رحل الصيادون إلى منطقة بعيدة يتوفر فيها السمك. ولما لم تجد الطيور طعاما حيث اعتمدت تماما على الصيادون ولم تتعلم كيف تطعم نفسها، فضعفت الطيور ثم ماتت.

 

كثيرا ما يكون حالنا كحال هذه الطيور، نعيش على الفضلات التي يقدمها لنا الآخرون، فلا تكون لنا خبرات يومية مع الكتاب المقدس، ومعاملات مستمرة مع الله.. بل نعتمد على خبرة الآخرين وحدهم، لهذا نحكم على أنفسنا بالموت المحتم مثل هذه الطيور الغبية التي لم تتعلم شيئًا.

من مختارات الموقع

القمص تادرس يعقوب ملطي

المطران بشار متي وردة

 

الندوة الكتابية (كنيسة مار يوسف – عنكاوا- أربيل)

تأملات في الرسالة إلى الرومانيين

اللقاء الثاني

غضبُ الله (روم: 1: 18)

لا يعني أن الله غضبان من الإنسان الخاطئ، الله محبّة وهو آمين في محبته حتّى عند تمّرد الإنسان وخيانتهِ. الله يُحب الخليقة ويُحب الحياة الأفضل للإنسان، بل أوكلَ إلى الإنسان أن يُكمِل عمل الله الحسَن. والإنسان، كل إنسان قادرٌ على معرفة الله، فالله وضعَ فيهم "شريعةً لأنفسهم" وهذا يعني أنهم مدعوون للتعرف على الحقيقة: الله يستحق التمجيد"، وما أنهم عرفوها إلا أنهم لم يُمجدوا الله، بل مجدوا أنفسهم وشهواتهم. لذلك، تركهم الله يواجهون خطاياهم.

يعترِف بولس أن في الإنسان ضعفٌ وشرٌ لا يُمكن تنكره وتجاهلهُ، أو الاختباء هربا من مواجهتهِ. وهو يُؤمِن في ذات الوقت بأن الله هو محبّة ولن يقبل إلا ما هو حسنٌ وحسنٌ للإنسان. هذا الله المحبّة لن يقبل بوجود هذا الشر، مثلما لن يقبل أيضاً أن يبقى الإنسان المخلوق عل صورته يواجه الشر وحدهُ. فكشَف عن محبته في يسوع المسيح، وعن الحُكم الذي سيناله الإنسان إذا لم يقبل هذه المحبة بالتزام. تجسّد ربنا يسوع وموته وقيامته تُشكل حداً فاصلاً: إما أن تكون مع الله وتتحمل المسؤولية هذه الـ"نعم" التي تلتزم بها، أو تقول لا وتتحل عواقب هذا الرفض. كلما أرادَ الله أن يقولهُ لنا، قاله بيسوع المسيح. رفض بشارة ربنا يسوع يعني رفض إكرام الله إلهاً. ورفض إكرام الله يعني التعبّد لإلهةٍ اخرى. الإنسان المخلوق على صورة الله، والمدعو لتمجيد الله رفضَ ذلك والنتيجة كانت: على الإنسان أن يواجه عاقبة خطاياهُ. فالعقاب لا يتوافق وخطيئة الإنسان فحسب، بل هو نتيجة الخطيئة ذاتها، لأن الإنسان استبدَلَ حق الله بأكاذيبهِ هو.

غضبُ الله، "أسلمهم الله"، أن الله ترَك الإنسان في عنادهِ، ليواجه عاقبة خطاياه؛ الخطيئة تُعاقِب نفسها بنفسها، فيقع الإنسان ضحية فساده الأخلاقي. يُصبح الإنسان ظالماً لأنه يقمعُ الحقيقة: الله هو الربُّ الخالِق وهو الذي يستحق الشُكر والتمجيد. خطيئة الإنسان هي عدم تقديم الشكر والتمجيد الواجب لله، لذا يسقط ضحية خطاياه. ضحية فساده الفكري (عبد للأصنام) وفساده الأخلاقي. هنا، يُثبّت بولس حقيقة أن الإنسان مسؤول عن خطاياه، خطايا الإنسان هي التي سيُعاقَب عليها، لاسيما بعد أن قال الله كل ما يُريد أن يقولهُ بيسوع المسيح، الكشف النهائي لله. ومع أن الكشفَ صارَ واضحاً إلا أن الإنسان يرفض أن يُعطي المجد لله، ويرفض معرفة الله، ويستبدلون مجد الله بما هو باطل. لذا، يقول الله: واجه خطاياك يا إنسان.

الخطيئة، رفض الله

يكشف لنا الوحي الإلهي عن أن جميع الناس اخطأوا، والكشف الإلهي وحده يعي جسامة خطيئة الإنسان على نحو لا يُمكن لأحدٍ حتّى لاهوت الأخلاق ولا الفلسفة من وعيها. كما وأن الإنسان ليس قادراً من ذاتهِ أن يتعرّف على جسامةِ خطيئته لأنه هو مُبتلى بها، هو في حالةِ الخطيئة، وإن تحدّث عنها فسيكون مُلطفاً لها أو مُخففا من شناعتها. بمعنى آخر: للإنسان مفهومٌ ضعيفٌ عن الخطيئةِ، وهذا يُعد بحدّ ذاته خطيئة على حدِّ تعبير كيريغارد. يشرح المُزمّور ذلك في صلاته إلى الله:

"تُوَسوِسُ المَعصِيةُ لِلشَريرِ في صَميمِ قَلبِه فإِنَّ مَخافةَ اللهِ لَيسَت نُصبَ عَينَيه. لأَنَّه تَمَلَّقَ نَفسَه حتَّى لا يَجِدَ إِثمَه مَمْقوتًا في عَينَيه. كَلامُ فمِه إِثمٌ وخِداع وقد عَدَلَ عنِ التَّعَقُّلِ والإِحْسان. في الإِثم على مَضجَعِه يُفَكِّر وفي طَريقٍ غيرِ صالح يَقِف وعنِ الشَرّ لا يُعرِضُ. (مز 36: 1- 5).

الإنسان لا يرى شرّ أعمالهِ، وهذا يجعل من الصعوبة بمكان أن يعيَّ الإنسان جسامةَ الخطيئة التي يرتكبها ضدّ الله. لربما يستيقظ على أخطائهِ ضد القريب، ويكتشِف أنه تعدّى على حقوقِ الإنسان، ولكنه من الصعب عليه أن يصحو على جسامةِ خطيئته ضد الله وتعدى على حقوقهِ. لذا، وحده الوحي الإلهي قادرٌ على تعريفنا بجسامة الخطيئة مثلما أشارَ ربّنا يسوع إذا قال عن الروح القُدس: "هو، متى جاءَ أخزى العالمَ على الخطيئةِ والبرِ والدينونةِ" (يو 16: 8). فأصبح لزماً علينا أن نسمع لصوت الله الذي يقول لنا عن ماهية الخطيئة وجسامتها:

الخطيئة هي: رفضُ تقديم التمجيدِ الله وشكرهِ، أي رفضُ قبول الله "إلهاً"، وبالتالي عدم إحترامهِ ووقارهِ. تجاهل الله والسلوك وكأنهُ غير موجودٍ البتةَ. صرخَ موسى في الشعب قائلاً: "فاعلم أن الرب إلهك هو الله الإله الأمين الحافظ العهد والرحمة لمحبيه وحافظي وصاياه إلى ألف جيل" (تث 7: 9)، وكررَ المُزمّر النداء قائلاً: "إعلموا أن الرب هو الله هو صنعنا ونحن له نحن شعبه وغنم مرعاه" (مز 100: 3). الخطيئةُ هي: رفضُ الإعترافِ بالله إلهاً، ومحاولةُ تجاهل سُلطانهِ بعنجهيةٍ، فتُحبسُ الحقيقةُ في سجن الظلمِ وتُخنَق، والمأساةُ تكمنُ في عدمِ قُدرة العالم معرفةَ فظاعةَ الخطيئة.

إتخذَ الإنسان من عبادةِ الأوثان تعبيراً عن رفضه لسُلطةِ الله: "إتخذوا الباطل بدلاً من الحق الإلهي، وعبدوا المَخلوقَ وخدموهُ من دون الخالِق" (1: 25). ففي الوثنيةِ لا يُقبل الله بل يصنع الإنسان له "إلهاً"، ليُقرر هو عن الله وليس الله عنهُ، بمعنى آخر: يقوم الإنسان بعكسِ الأدوار، ليكون الإنسان هو الخزاف والله هو الطينة ليُشكلهُ وفق مزاجهِ وما يُحبه ويرتاحُ إليه.

لهذا الاختيار تبعاتٌ أخلاقيةٌ في حياةِ الإنسانِ ظهرَ منها: سيلٌ من هلاكٍ محتومٍ يجرُّ الإنسانية إلى الفناءِ: ظلمٌ وفسادٌ وطمعٌ وحسدٌ وخصومةٌ ومكرٌ وثرثرةٌ وشتائم من أناسٍ مُتكبرينَ متعجرفينَ. إنسانيةٌ بلا وفاءٍ ولا أمانةٍ ولا تعرِف أن تشكرَ أو ترحمَ أو تُحِب، مع علمهم أن مثل هذه الأعمال عاقبتها الموت، إلا أنهم يُواصلونَ عنادهم (روم 1: 27- 32). ويُشدد الرسول بولس على أن هذه كلّها هي في الوقت ذاتهِ نتيجة غضبِ الله على تجاهلِ الإنسان له، فالله أسلمهم إلى شهواتِ قلوبهم فيهينونَ أجسادهم (روم 1: 24) وإلى فسادِ عقولهم الرافضة لمعرفةِ الله (1: 28).

إلهنا لا يُريد هذه الشرور ولكنه يسمح بها ليُعرِفَ الإنسان الحُر والعاقِل: أي مصير ستلقى إن رفضتني، فالخطيئة تُعاقِب نفسها بالخطيئة: "ليَعلموا أن الإنسان يُعاقَبُ بما خَطئَ به" (حكمة 11: 16). فيترك الله الإنسان يواجه شرورهُ، فلا يكون داعماً له في ظلمهِ، لكي يتمكّن الإنسان من تعقّب خطواتهِ. "أنا المُخطئ".

الخطيئة وعاقبتها

عاقبةُ الخطيئة إذن هو فوضى أخلاقية في المجتمع، وهذا صحيح ليس في أيامِ بولس فحسب، بل في أيامنا أيضاً، حيث عُميتُ العيون من أن ترى الحقيقة، وقادَ كبرياء الإنسان ورغبتهُ في تمجيد ذاتهِ إلى رفضِ تمجيد الله، وعدمِ التمييز الحق ما بين الخير وبين الشّر. لذا، علينا أن نسمحَ لكلمةِ الله أن ترفع عن حياتنا هذه الأقنعة المزيفة لتُفضّحَ الخطيئة التي في مُجتمعنا ليس فحسب، بل في حياتنا أيضاً، فهذا هو واقعٌ حياتنا ومُجتمعنا الإنساني في كلِّ تاريخهِ.

نحن لا نعرِف النوايا، الله يعرِف ما في القلوب، فهو فاحصها، ولكننا نحكمُ على أسلوب حياةِ الإنسان: "من ثمارهم تعرفونهم". فخلال التاريخ الإنساني ظهرت محاولاتٌ لرفض الله ومازالت فاعلة إلى يومنا هذا، منها ما قامَ به كارل ماركس الذي رفض مفهوم "الخالِق" وأعلن أن الإنسان هو شخصٌ مُستقلٌ إذا تمكّن من السيطرة على مجريات حياتهِ وكان سيد وجودهِ، فمَن يعيش تحت نعمةِ هذا أو ذاك، فهو شخصٌ إتكاليٌ، وسيعيش من أجلهِ لأنه هو سبب وجودهِ. وعادَ سارتر ليقول: إذا كان الله موجوداً فالإنسان ميتٌ، وإذا لم يكن الله، فلا يوجد سماء ولا جهنمٌ، بل الأرضٌ فحسب.

وقبل عقود شرعَ بعضٌ من علماءِ النفس طريقاً آخر لرفضِ الله من خلال التركيز على اللاشعور وما يتضمنهُ من خفايا وأسرار عوضَ ان يُسلطوا كلمة الله على هذا الجانب النفساني ليتطهّر، قاموا بإبعاد هذه الكلمة، وكأن هذه الكلمة هي الشؤم الذي يُسيطر على حياة الإنسان، وعليه أن يتخلّص منها، بل العمل على أن يعي ذاتهُ، فهذا هو الخلاص لأنه في الإنسان ومُلازمٌ له، فعليه أن يثقَ بـ "اللأشعور" فهو منبعُ الخير (بعدما كان في نظرهم منبع الغرائز والأوهام). هم أناس يُحرفون الحقيقة مثلما قال عنهم إشعيا النبي: "وَيْلٌ لِلْقَائِلِينَ لِلشَّرِّ خَيْراً وَلِلْخَيْرِ شَرّاً الْجَاعِلِينَ الظَّلاَمَ نُوراً وَالنُّورَ ظَلاَماً الْجَاعِلِينَ الْمُرَّ حُلْواً وَالْحُلْوَ مُرّاً. (إش 5: 20). ومع أن النور جاءَ إلى العالم إلا أن العالم أرادَ أن يبقى في الظلمة: " وَهَذِهِ هِيَ الدَّيْنُونَةُ: إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً. (يو 3: 19).

والأخطر بين الرافضين ليسوا أولئك الذين يرفضون وجوده الله؛ الملحدون، بل هم مَن يؤمنون بوجودهِ إلا أنهم يرفضونهُ، وهذه هي "الخطيئة بتطرّف"، والتي تُعبّر عن كُرهٍ لله، وتجديفٍ ينكشِف من خلال تفضيل الشر على الخير، والظلمة على النور، والكراهية على المحبة والشيطان على الله. وذلك من خلال الإعتقاد بالنسبية التي تقول بأن الشر هو "خيرٌ منحرفٌ" أو "خير أُسيءَ تفسيرهُ.

ونأتي إلى ممارسة الشحر والشعوذة التي أخذت مساحة واسعة في حياة الناس اليوم، وصاروا ينفقون عليها الكثير من الأموال، والتي فيها يسعى الإنسان ليكون مثل الله، من دون الله، طامحاً في القوّة والسيطرة في مُعارضةٍ متعمدة لكلمة الله التي تأمرنا بعدم ممارستها: "لا يُوجَدْ فِيكَ مَنْ يُجِيزُ ابْنَهُ أَوِ ابْنَتَهُ فِي النَّارِ وَلا مَنْ يَعْرُفُ عِرَافَةً وَلا عَائِفٌ وَلا مُتَفَائِلٌ وَلا سَاحِرٌ. وَلا مَنْ يَرْقِي رُقْيَةً وَلا مَنْ يَسْأَلُ جَانّاً أَوْ تَابِعَةً وَلا مَنْ يَسْتَشِيرُ المَوْتَى. لأَنَّ كُل مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ عِنْدَ الرَّبِّ. وَبِسَبَبِ هَذِهِ الأَرْجَاسِ الرَّبُّ إِلهُكَ طَارِدُهُمْ مِنْ أَمَامِكَ" (تث 18: 10- 12).

الله أنعمَ على الإنسان بوسيلتين شرعيتين للسيطرة على الذاتِ: الطبيعة والنعمة. فمن خلال الطبيعة، أي من خلال عقلهُ المنوّر بالإيمان يبحث ويستقصي ليكتشِف كل ما هو جديد من أجل السيطرة والحد من الأمراض التي تُصيبهُ، ويعمل على مواصلة عملية الخلق التي شرع َبها الله من أجل إزدهار الحياة البشرية في كل مجالاتها، وقد شهدنا تطوراً في العلوم والطب والتكنلوجيا، وسعى الإنسان لأن يُخضِعَ الأرض بما فيها من أجل "عالمٍ حسَن وحسنٍ جداً".

والنعمة التي تظهر في الإيمان والصلاة مؤمنين أن الله هو سيّد الحياة وهو خالقها، وهو الذي يُنعمِ علينا بما نعجز عن وصفهِ: "المعجزات"، ويكون أعظمها تلك التي يعي فيها الإنسان أنه إنسان وليس الله. أي طريق آخر غير الطبيعة والنعمة يُعَد طريقاً غير شرعيٍّ وتكذيبٌ شيطاني يدعي القوّة التي سيمنحها لمَن يسجد له: "وَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: «لَكَ أُعْطِي هَذَا السُّلْطَانَ كُلَّهُ وَمَجْدَهُنَّ لأَنَّهُ إِلَيَّ قَدْ دُفِعَ وَأَنَا أُعْطِيهِ لِمَنْ أُرِيدُ. فَإِنْ سَجَدْتَ أَمَامِي يَكُونُ لَكَ الْجَمِيعُ». (لوقا 4: 6-7). خرفات ستقود أصحابها إلى الموت، لأن الخطيئة تُعاقِب نفسها. فمنَ يرفض الله سيخجل (إر 17: 13)، لأنه سيضيع ويتيهِ عن الحقيقة، فالخطيئة هي فشلٌ في إصابة الهدف، وإنحرافٌ عن الطريق الصحيح. فالإنحراف هنا ليس على مستوى الأفعال والسلوكيات التي سيتوب ويعوّض عنها إن أمكن، الإنحراف الذي نعنيهِ هو على مستوى الوجود، أي رفضٌ الله، وسيكون الموت عاقبة الخطيئة (روم 6: 23).

الاب كوب
 
12) شاول : ملك منبوذ
بعد قصص 1صم9-11 التي يظهر فيها شاول ملكا مشيحيا حقيقيا تلي ثلاث قصص أخرى يضل فيها شاول السبيل الصحيح. ياخذ يتصرف اكثر فاكثر ملكا عنيدا متشبثا برايه معتنيا بسلطته وهيبته فقط. فيفعل افعالا حمقاء ويفقد الملوكية بالاخير. يعلمه صموئيل ان يهوه قد نبذه ويطلب ملكا جديدا، رجلا حسب قلبه. فلنقرا 1صم13-15.

 

شاول يقرب قربانا (1صم13)

عرفنا ان الفلسطيين كانوا في ايام شاول اكبر تهديد على اسرائيل. فلهذا السبب (ولغيره من الاسباب) كان لابد من اقامة الملوكية في اسرائيل لكي يستطيعوا ان يقاوموا هذا العدو المخيف. احد الاشياء الاولى التي يقوم بها شاول هو تشكيل جيش : ثلاثة الاف من الرجال المتميزين، ثلث منهم تحت قيادة ابنه يوناثان. هذه مرة اولى يذكر يوناثان في قصة الكتاب المقدس، وحالا يذكر منه عمل بطولي : "فضرب يوناثان عميد (ترجمات اخرى : حامية) الفلسطيين في جبع" (3). الكلمة العبرية المترجمة هنا "عميد" تعني على الارجح ما يقارب نصبا انتصاريا او تذكاريا. يقوم يوناثان اذن بفعل استفزازي للغاية. من الملاحظ ان شاول يحاول ان يستملك المفخرة لنفسه، اذ "نفخ شال في البوق في الارض كلها وقال : … ان شاول ضرب الحامية الفلسطية" (3-4).

الثلاثة الاف رجل من اسرائيل لا يوازنون تفوق الفلسطيين : ثلاثون الف مركبة وست الاف من الفرسان ومشاة لا يحصون. يوناثان وحده لا يخاف. فبنو اسرائيل اما خباوا انفسهم واما فروا هاربين. فيما بعد في القصة يبدو ان الباقين مع شاول ست مئة رجل فقط (15) فيفتش شاول عن واسطة ليتغلب على خوفه وينال حظوة الشعب. بعد انتظار سبعة ايام (تلميح الى موعد وضعه معه صموئيل فيما قبل : انظر 1 صم (10: 8) ، يقرب محرقة في مقدس الجلجال . بالكاد انتهى من القربان فمثل صموئيل على المسرح. يحاول شاول ان يبرر نفسه، لكنه لا يخبئ الباعث الحقيقي : "رأيت الشعب يتفرق عني … الان ينزل الفلسطيون علي الى الجلجال، ولم استرض وجه يهوه، فاكرهت نفسي واصعدت المحرقة" (11-12). رد فعل صموئيل صارم : "انك بحماقة فعلت … فلا يثبت ملكك، لان يهوه قد اختار له رجلا على حسب قلبه" (13-14).

 

لم تكن غلطة شاول انه قام كاهنا. انما غلطته هي انه يحاول ان يدير الله على كيفه ويستخدم ما هو ديني كوسيلة سلطة ليربط به الشعب. قد نرتأي ان حكم صموئيل على شاول اقسى من اللازم. اذ انه فعل ما في وسعه فقط ليصمد في وجه الفلسطيين. الا ان معنى هذه القصة الكتابية نجده في صعيد آخر. السؤال الحاسم هو هل يضع شاول، من حيث هو الملك المشيحي، ثقته اولا في يهوه ؟ هذه القصة تذكرنا بقصة جدعون في قض7 . حينذاك ايضاً كان بنو اسرائيل يقفون امام اغلبية ساحقة من مئة الف وعشرين الف رجل مديني. فنجح جدعون في ضربهم بزمرة قدرها ثلاثمئة رجل، بفضل حيلة، ولكن خصوصا بفضل ثقته الكبيرة بيهوه. فشاول لا يتجاسر ان يكون جدعون ثانيا. لا يصدق ان يهوه قادر على ان ينقذ بقوة ضئيلة ايضا. اما يوناثان فله هذه الثقة : يشهد له الفعل الباسل في بدء القصة. هذا الفعل بدوره يذكرنا بجدعون الذي دمر مذبح البعل والنصب الذي بجانبه (أنظر 6 : 25-32).

 

قسم الملك شاول السخيفة (1صم14)
القصة الثانية يلعب فيها يوناثان دور الاسد. اوضح من ذي قبل بعد يوصف يوناثان هنا جدعون ثانيا، في كلامه – " لا يعسر على يهوه ان يخلص بالعدد الكثير او القليل " (6) – وفي اعماله. كمثل جدعون يطلب من يهوه آية (قارن بين 9-10 وبين قض 6 : 36-40) ثم يزرع الرعب والذعر في معسكر الفلسطيين، هو وحامل سلاحه وحدهما. باضطراب تام يضرب الفلسطيون بعضهم بعضا فيصبحون لقمة سائغة لبني اسرائيل. لكن الراوي لا يترك أي شك في من ينسب اليه الانتصار : "هكذا خلص يهوه اسرائيل في ذلك اليوم" (23).

اما شاول فيريد ان يتباهى. في غروره يلزم الشعب بقسم سخيفة : "ملعون الرجل الذي يذوق طعاما الى المساء، حتى انتقم من اعدائي" (24). نلاحظ في كلام شاول بنوع خاص : "انا" و"اعدائي" شاول بعيد هنا من ان يكون ملكا مشيحيا ينفذ نضال يهوه التحريري انما يقوم بحربه الشخصية. مرة اخرى يسيء استعمال موضوع ديني – في القصة السابقة محرقة، والان قسم – تمجيدا لنفسه. العواقب لم تلبث ان تظهر : سوف تهجره روح يهوه، وعندما يستشير يهوه بعد قليل، بواسطة الكهنة، فلا ينال جوابا (37).

 

لا علم ليوناثان بيمين ابيه، ففي الطريق في الغابة ذاق قليلا من العسل. ولما يبدو في المساء ان الاتصال بين شاول ويهوه قد انقطع، يفتش شاول عن المذنب. "حي يهوه مخلص اسرائيل، ولو كانت في يوناثان ابني، ليموتن موتا" (39) الشعب باجمعه عارف بالحقيقة، لكن لا احد يحكي كلمة. تدل القرعة على يوناثان مذنبا، وحينئذ ايضا يلتزم شاول بيمينه السخيفة. ولكن الشعب يتحرك الان. يشعرون تلقائيا ان ما يصنعه شاول ليس برا وليس بمقتضى مشيئة الله.


ينقذ الشعب يوناثان من يد ابيه : "حي يهوه، انه لا تسقط شعرة من راسه على الارض، لانه عمل مع الله في هذا اليوم" (45). يتوحد شاول اكثر فاكثر. علاقته بيهوه وعلاقته بالشعب معا تمرضتا.

ينبذ شاول (1صم15)


القصة الثالثة لا تتكلم عن الفلسطيين بل عن عماليق. ينال شاول الامر عن يد صموئيل ليضرب عماليق "وينفذ فيهم التحريم". لقد اسهبنا عن التحريم في فصل سابق (ص23) انه عملية من عمليات " الحرب المقدسة " التي فيها كل مبادرة ليهوه المناضل في سبيل البر، وفيها لا يجوز لاسرائيل ان ينتفع من شيء. كان صموئيل يريد ان يعطي شاول آخر فرصة ليظهر نفسه ملكا مشيحيا حقيقيا، ملكا يناضل نضال الله ولا يحارب حروبه الشخصية.

ولكن شاول لا ينتهز هذه الفرصة. يحارب حربه الشخصية. يضرب عماليق لكنه أبقى على آغاغ ملكهم. لا ينفذ التحريم بالتمام، ويحظ قسما من الغنائم لنفسه : "خيار الغنم والبقر وكل سمين والحملان وكل ما كان جيدا" (9). وفوق ذلك نصب شاول لنفسه نصبا (12).

 

يعلم يهوه صموئيل بان شاول لم ينفذ أوامره : "اني قد ندمت على اقامتي شاول ملكا" (11). يحزن صموئيل جدا على ذلك فيصرخ الى يهوه طول الليل. ثم يذهب الى شاول الذي يخاطبه مرائيا : "عليك بركة يهوه. اني قد عملت بامر يهوه" (13) فيسأل صموئيل : "فما هذا الصوت، صوت الغنم الذي في اذني، وصوت البقر الذي أنا سامعه؟" (14). فيبلغ رياء شاول منتهاه الان : "الشعب قد ابقوا على خيار الغنم والبقر، ليذبحوا ليهوه الهك" (15) حتى ثلاث مرات ينسب شاول الذنب الى الشعب والى يهوه الذي يسميه "اله صموئيل" (انظر 15 و21 و24 و30).

ولكن صموئيل لا يخدع. انه يلفظ حكما حاسما نلاقيه بكل انغامه لدى الانبياء ولدى يسوع بالذات : "أترى يهوه يهوى المحرقات والذبائح، كما يهوى الطاعة لكلام يهوه؟ ان الطاعة خير من الذبيحة" (22، قارن بـ هو6:6/عا 5 : 21-25/اش 1: 10-17/ار 7: 21-23/متى9: 13/12 : 7). ثم يجلى بفعل رمزي ان شاول ينبذ من الملوكية، عندما يلتفت صموئيل لينصؤف يمسكه بطرف ردائه "فانتزع". صموئيل يفسر : "اليوم انتزع يهوه مملكة اسرائيل عنك وسلمها الى قريبك الذي خير منك" (28). انه آخر لقاء بين شاول وصموئيل (35). القطيعة كاملة تامة.

تنتهي القصة بمشهد عنف وحشي. يأمر صموئيل بأن يؤتى بآغاغ ملك عماليق اليه. يتوهم آغاغ انه سيعفى عنه، ولكنه غلطان. " قطع صموئيل آغاغ تقطيعا أمام يهوه في الجلجال" (33).
لابد من ان ينفذ التحريم بكامله، يجب اجتثاث عماليق. فلكي تفهم هذه القصة بالتمام ونهايتها بالذات نحتاج الى كلمة أخرى من الشرح.

 

عماليق
كان عماليق قبيلة بدوية في برية سيناء تقاتل معهم اسرائيل اكثر من مرة : أنظر، ما عدا قصتنا، خر 17، 1صم 30. لهذه القصص خلفية تاريخية ولكنها من حيث هي قصص كتابية اكتسبت معنى جديدا رمزيا. يوضح ذلك نص من سفر تثنية الاشتراع : " اذكر ما صنع بك عماليق في الطريق، عند خروجكم من مصر، كيف لقيك في الطريق وقطع عنك جميع المتخلفين الذين وراءك، وانت تعب مرهق، ولم يخف الله. فاذا اراحك يهوه الهك من جميع اعدائك الذين حواليك في الارض التي يعطيك يهوه الهك اياها ميراثا لترثها، فامح ذكر عماليق من تحت السماء. لا تنس" (تث 25: 17-19).
خلال الخروج من مصر – رواية الكتاب المقدس الكبرى للتحرير – هاجم عماليق مؤخرة اسرائيل في ظهرها، حيث كان النسوان والاطفال متلكئين تعبين مرهقين. اختار عماليق اذن أوهن الضعفاء ليرفسوه غدرا. لذلك عماليق في نظر اسرائيل أحقر عدو واخسه واخبثه ممكن تصوره. اضحى "عماليق" اسما آخر لاعلى درجة من الظلم. حيثما وقع الاكثر في المجتمع ضعفا ووهنا وعراء ضحية، رفع "عماليق" راسه من جديد. يجب أن يجتث هذا الشر بلا رحمة.

 

والان نفهم أحسن لماذا يحكم في تصرف شاول حكما كذا سلبيا في 1صم15. اذا أمر شاول بان يجتث كل عماليق، فلا يعني ذلك ان عليه ان يلاشي شعبا كاملا هكذا. لكنه يعني ان عليه ان يقطع كل صلة باية سلطة تضعف الضعفاء اكثر بعد. واذا لم يفعل شاول ذلك بل يبقي على الملك وعلى خير الغنم والبقر، فيعني ذلك في الحقيقة انه يبقي أصل الشر وجذره بل وانه ويتحالف مع الشر، خصوصا عندما يغتني هو من ورائه. يظن الملك شاول انه يقدر ان يتفق مع الملك آغاغ اتفاقا. هكذا بالضبط يصبح "ملكا كمثل ملوك سائر الامم" (انظر 1صم 8 : 5!) متسلطا يقرر هو في أمر الحياة والموت، كذا ملوكية لا حق لها في الوجود في الكتاب المقدس. لذلك ينبذ شاول الملك.

 

شاول شخصية مأساوية ؟
في التعاليق على النصوص الكتابية يكثر وصف شاول شخصية مأساوية. يقولون انه تصرف دائما باحسن النيات، ولكنه وقع ضحية للقدر والقضاء. فيشيرون الى القصص التي عالجناها في هذا الفصل بيانا لذلك.


اجل من الممكن ان تقرأ القصص هذه القراءة، ولكنني اشك في ان القصص تأخذ حقها بهذه الطريقة، ما يهم هذه القصص ليس السؤال عن الوجه المأساوي لبعض الافراد، لكن السؤال هل كانت الملوكية لاسرائيل أمرا نافعا ايجابيا ؟ ليس من السهل ان يكون احد ملكا مشيحياً على حسب قلب يهوه. اذا صار الملك لا يعود يخدم شأن البر بل يخدم شأن مجده هو وشأن سلطته وهيبته. تحيد الامور عن الطريق الصالح. وفوق ذلك توضع امام قارئ هذه القصص مرآة. اذ ان التجربة التي يستسلم لها شاول تحدث لكل انسان دعي الى مسؤولية بطريقة او باخرى. بكلمة أخرى : هذه القصص قصصنا نحن جميعا.
بالطبع، يمكن السوال هل يوصف شاول التاريخي وصفا منصفا في هذه القصص ؟ لا يوجد أي شك في ان مؤرخا معاصرا يحكم في شاول حكما اكثر مدققا. ولكننا قد قلناه أكثر من مرة:
هذه القصص ليست تقارير تاريخية، بل هي قصص ايمانية. زد على ذلك ان شاول وداود يوصفان في 1و2صم مضادة شديدة "أسود – أبيض" يوضح الخيار الذي يجد نفسه امامه ذاك الذي يدعى الى الملوكية المشيحية. من ناحية أخرى لا نهمل ان هناك جهات ايجابية ايضا تنسب الى شاول منها القصص في 1صم 9-11 وكذلك الملاحظات الاخبارية في 1صم 14 : 47-52 التي قد تأتي من مصدر خاص تساعد في تكوين صورة تاريخية اضبط عن شاول.

 

فيما بعد سيسقط شاول مع ابنه يوناثان في الحرب ضد الفلسطيين (1صم 31). هذه القصة تروى تنفيذ الدينونة، الا انها لا تعوزها الرحمة. يندب شاول. ويرثو داود له وليوناثان رثاء يبكي (2صم 1). اجل نبذ شاول كملك. ولكن افعال التحرير التي انجزها ترفعه فوق نبذه. لا ينهار انهيارا بلا ترك اسم. "شاول" اسم يحب بنو اسرائيل ان يدعوا به اولادهم، كمثل اسم داود تماما. ذاك الذي نسمع عنه لاول مرة في القصة التالية.

المطران بشار متي وردة

الأحد الأول من البشارة:

أُسس الإيمان: الطاعة والمحبة (أفسس 5: 21- 6: 9)

نبدأ سنتنا الطقسية الجديدة في التأمل في رسائل بولس، وهي نصوص قلّما نُصغي إليها بإنتباه عندما تُقرأ في القُداس. بُولس، هذا الرسول الذي إنتشلهُ ربّنا يسوع من الضياع الذي كان فيه، وجعله المُبشِر الغيور الذي أخذ على عاتقه نقل البشارة إلى الأممين، كتبَ إلى الكنائس التي أسسها، أو التي زارها، أو تلك التي عرفها. رسائل تضمنّت قصة ربنا يسوع معه، وقصتهُ في الجماعة التي شعرَ بأنه "الأم" التي ولدتهم في المسيح يسوع، فأرتبطَ معهم روحياً، فتألمَ من أجلهم. نريد خلال هذه السنة أن نتعلّم من بولس ما معنى أننا نؤمن بيسوع المسيح ربنّا. نريد أن نعترف على المسيح يسوع، من أجل أن نُحبَه. فبولس لم يكتب رسائلة ليقول لنا مَن هو المسيح، بل يدعونا ليكون لنا شغفٌ بالمسيح يسوع مثلما كان هو مُغرماً به.

 

كتبَ بولس رسالتهُ إلى كنيسة أفسس من سجنهِ، وفيها أرادَ أن يعُرِف كنيسة أفسس بتدبير الله الذي صارَ مكشوفاً له بيسوع المسيح، وتجلّى في الكنيسة، فدعا مؤمنيه لقبول هذا التدبير، ليس فحسب بل المُشاركة فيه، مثلما دعا الله زكريا ليشتِرك في تدبيره الخلاصي، فيقبَل عطية السماء: يوحنا، ويُربيهِ ليكون الرسول الذي يسبق الماشيحا. ولكن كيف للمؤمن أن يقبل هذا التدبير؟ كيف لنا ان نشترك في تدبيره الخلاصي؟

 

يُؤكد بولس وبعد مسيرة إيمان ملتزم أن ذلك ممكن من خلال: الطاعة والمحبة. موقفان أساسيان للمؤمن يقبل من خلالها كشفَ الله بيسوع المسيح، ويشتِرك فاعلاً في التدبير الخلاصي. فكتب بولس إلى مؤمنيه ِفي أفسس: "ليخضَع بعضكم لبعضٍ بتقوى المسيح، أيتها النساء إخضعنَ لأزواجكّن خضوعكن للرب". هذا الفعل: "الخضوع" هو موقف المؤمن الأساسي تجاه البشارة، ويعني به بولس الطاعة الكاملة. الإستسلام الكامل لإرادة الله، لا خضوعاً سلبياً، بل إنضمامٌ فاعلٌ إلى التدبير الإلهي، حتّى لو لم أكن أعرف تفاصيلهِ، لكنني أقبلهُ لأنعمَّ بفرح المُشاركةَ فيه. لم يفهم زكريا رسالة السماء اليوم، لكنه سيقبلها ليُرتّل بعد تسعة أشهر: "تبارَك الربُّ" (لو 1: 68). ربّنا لا يدعونا إلى طاعة عمياء، بل إلى الإيمان، فالطاعة العمياء خالية من المحبة، والإيمان أساسهُ المحبة.

 

ولكن لماذا عليَّ كمسيحي أن أطيعَ؟ ما الدافع للطاعة؟ أهو خوفٌ من قدرة الله القدير لكي لا يُهلكني؟ أم رغبةٌ في حاجةٍ وعطايا أنا بحاجة إليها؟ هل أطيع رغبة في مكافأة؟ أم أنني أبغي تبرير ذاتي لأقفَ أمام الله مُطالباً بالبركات؟

 

يُجيب بولس: ويقول: إن المحبة هي الدافع للطاعة. فأمامَ محبّة الله ليس أمام الإنسان إلا الطاعة كجواب شُكر لهذه النعمة التي جائتهُ نعمةً مجّانية. فالله هيأ كل شيءٍ للإنسان ليعودَ إليه، وأعد المائدة وخرج يدعوه ليدخل ويتكأ ويتعشّى، وما على الإنسان إلا أن يتركَ كل شيءٍ، كل إلتزامٍ، ويدخل ليجلس على المائدة، ملتزما بما تتطلّه الدعوة من مسؤوليات. أي أن يكون مؤمناً بالنعمة ِالتي وهِبَت له. ولأن الإنسان لا يعرِف الإيمان، ولا كيفية عيشه، صارَ الله، بيسوع المسيح أولَ المؤمنين. لذلك، كتبَ بولس إلى أهل أفسس قبل هذه العبارات: "إقتدوا إذاً بالله شأن أبناءٍ أحباء وسيروا في المحبّة سيرة المسيح الذي أحبنا، وجادَ بنفسهِ لأجلنا قربانا وذبيحةً لله طيبة الرائحة" (أفسس 5: 1). فالله الثالوث هي المثال الحي الذي على المسيحي أن يسعى جاهداً لأن يقتدي به.

 

هذه المحبة ليست مشاعر فحسب، بل هي أفعال تؤول إلى خير المحبوب: ليكون طاهراً بلا دنس، ومقدساً بلا عيبٍ، أي أن ينال الخلاص. محبة الله تسير بالإنسان من الظلمة إلى النور، ليُثمر كل عمل صالحٍ. محبة الله متوجهة نحو خير الإنسان، وهكذا تنمو العلاقة وتنضج بين الله والإنسان، فيطيع الإنسان لا خوفا ولا رغبة في خير شخصي، بل جواباً على محبّة الله المجانية.

 

اليوم، تبدأ الكنيسة معنا سنة طقسية جديدة، وفيها نسمع لبشارة كلمة الله تدعونا إلى الطاعة والإيمان على نحوٍ يُطهِر حياتنا ويُقدسها، وهذا يتطلّب الاهتداء إلى متطلبات هذه البشارة، أي أن نبيعَ كل شيءٍ لنشتري ما وجدناه ثميناً لحياتنا. فربنا لا يقول لنا أن التاجر باع كل شيءٍ وراح يبحث عن اللؤلؤة الثمينة، بل وجدَ اللؤلؤة فباع كل شيءٍ. لقد وجدنا المسيح يسوع، الذي جاء ليجعلنا مقدسَينَ أطهاراً. تُرى ما جوابُنا نحن اليوم؟ كم من الأشياء والقصص التي تعلّقنا بها، والتي تُعيقُ تقديسنا، ويُطالبنا ربّنا اليوم بأن نبيعها، من أجل الأغلى والأهم في حياتنا؟ هل فينا الإستعداد لأن نكون مُحبيّن مجاناً مثلما أحبنا الله؟ على أية أُسس نبني علاقاتنا مع الآخرين؟ أهوَ لخيرهم أو لمنفعتنا؟

 

image


الندوة الكتابية (كنيسة مار يوسف – عنكاوا- أربيل(

تأملات في الرسالة إلى الرومانيين

 

اللقاء الأول

 

لمَن هذه الرسالة؟

تعرف بولس على كنيسة الرومانيين من أقيلا وبرسقة اللذان إلتقاهما في كورنثس بعد أن هجرها أثر سنة 49. لم يؤسس بولس هذه الكنيسة التي ضمت العديد من المعمين من الأمميين، ليس من أصل يهودي. بولس لم يعرِف كنيسة روما ولا هم يعرفوهُ أيضاً، ولكنه يعرِف حاجاتهم وما يُعانوه من أزمات إيمانية وتساؤولات أخلاقية، لذا، فالرسالة ليست عرضا ًعقائدياً لما يؤمِن به بولس، بل تلبية لحاجة راعوية يراها بولس مهمّة ليُكرِس لها بعض الوقت، ليواصل عمل المصالحة الذي شرعَ به ما بين أعضاء الكنيسة المنحدرين من أصل يهودي، وبين أولئك المنحدرين من أصل يوناني او روماني.

 

كتب إليهم ليُخبرهم برحلتهِ إليهم، وبرغبتهُ في توسيع نشاطه التبشيري ليشمل اسبانيا ولكن قبل أن يبدأ هذه الرحة عليه أن يعود إلى أورشليم ليلتقي الجماعة المسيحية فيها ويحمل لهم الصدقات التي جمعتها كنائس أسيا الصغرى ومقدونيا واليونان. وتوقع أن يواجه بعض الصعوبات في أورشليم، لذا طلبَ صلاة كنيسة روما من أجل نجاح المهمة التي عزِم عليها (روم 15: 30- 32). بناءً على هذه المعلومات يُمكن أن يكون تاريخ الرسالة حوالي سنة 55- 56، وكتبها في كورنثس ليشجعَ كنيسة روما فيما يُعانوه من ضيقٍ من خلال مُقاسمة خبرة الإيمان، مثلما يُعلِنُ هو في مُقدمة الرسالة: "فإِنِّي مُشْتاقٌ إلى رُؤَيتِكُم لأَفيدَكم بَعضَ المَواهِبِ الرُّوحِيَّةِ تأييدًا لَكم، بل لِنَتَشَدَّدَ معًا عِندَكُم بِالإِيمانِ المُشتَرَكِ بَيني وبَينَكم" (1: 11- 12). فهدف الرسالة إذن كان: بناء الإيمان، ومُساعدة المؤمن لينتقل من حالة العيش لنفسهِ إلى حالة العيش من أجل الربّ: " فما مِن أَحَدٍ مِنَّا يَحْيا لِنَفْسِه وما مِن أَحدٍ يَموتُ لِنَفْسِه، فإِذا حَيِينا فلِلرَّبِّ نَحْيا، وإِذا مُتْنا فلِلرَّبِّ نَموت : سَواءٌ حَيِينا أَم مُتْنا فإِنَّنا لِلرَّبّ (14: 7-8).

 

تُقسَم الرسالة إلى قسمين رئيسيين: عقائدي (1- 11)، وأخلاقي (12- 15). في القسم الأول يتأمل بولس في حقيقة أن ربّنا يسوع هو عطية الله لنا نُقلها بالإيمان، فيما يُقدمه في القسم الثاني "نموذجاً للإيمان نقتدي به فنعيش فضائلهُ، فيؤكد بذلك على ضرورة تفاعل وتعاون النعمة مع الحرية.

 

مع أن كنيسة روما كانت جماعة صغيرة إلا أنها كانت تضم أعضاء من أصل يهودي سعوا، وبسبب عوز في الوعظ، للإحتفاظ بالعادات اليهودية السابقة: الختان والناموس وحفظ السبت، فيما طُلِبَ من الأمميين أن يتركوا الخطايا من دون أن يفهموا أثر وتأثير حفظ الناموس والختان وحفظ السبت، ناهيك عن مشاعر الإحتقار التي يكنّها اليهودي تجاه الأمميين الذين كانوا يعبدوا الأصنام ويزنون في المعابد، فأخترع بعضهم طريقة في قبول الأمميين، أن يتهودوا أولاً ثم يُعمذون مسيحيين. يُختنون ويخضعون للناموس، وهو ما أثار غضب بولس وبرنابا اللذان نزلا إلى أورشليم سنة 51 (مجمع أورشليم) وإجتمعوا مع الرسل ليضعا حداً لهذه الهرطقة. الإيمان بيسوع المسيح هو طريقُ الخلاص.

 

نحن نؤمن أن لرسالة روما كونها "كلمة الله الحيّة" رسالة لعالمنا اليوم، فمحبة الله تحتضن حياتنا وتهبُ لنا ما نحن بحاجة إليه اليوم: النعمة والسلام، ثمرةُ هذا الحُب. الله بمحبتهِ يدعو الإنسان إلى القداسة، ليس فحسب، بل يعمل من أجل قداسة الإنسان، وتتجلّى هذه القداسة من خلال هبة النعمة وثمرتها السلام (عليكم النعمة والسلام).

 

الفصل الأول

ثبتَ بولس سلطتهُ الرسولية من خلال ثلاثة ألقاب:

هو عبد المسيح يسوع: يعني هو في خدمة يسوع، وفي خدمة الكلمة، على مثال الأنبياء في العهد القديم. لم يعد يذكر إسم أبيه وسبطه، فمع ربنا يسوع نالَ هوية جديدة.

مدعو ورسول: فلم يُعينه إنسانٌ إنما الله نفسه هو الذي دعاهُ لإعلان البشارة.

مفروز لبشارة الله: الله هو فاعلُ الرسالة وهو الذي يُكلِف من خلال فرز (تكريس) الإنسان.

 

هذه الهوية الجديد: "عبدُ يسوع المسيح"، تتجذر في تسليم بولس لحياتهِ كليا ًليسوع المسيح، مثلما سلّمَ ربّنا يسوع المسيح حياته لله، فكان كلياً لله، ليكونَ بولس كُليا ًليسوع المسيح الذي صارَ المُحرِك لعقله وقلبهِ وفكره عواطفهِ، لن يعيش منذ الآن إلا ليُتممَ إرادة ربّنا يسوع المسيح. إنجيل ربّنا بالنسبة لبولس ليس دعوة تنتظر إستجابة، بل كلمةٌ تُطاع، هكذا، بولس، وكل مؤمن بالمسيح يسوع، مدعو ليُنفِذَ إرادة ربنا يسوع المسيح ومشيئتهِ في العالم، إذ كان يبحث عن خدمة حقيقية. لذا، أكدَّ بولس على ضرورة تقديم نفسه كـ"عبد المسيح" ليقول أن تبشيره هو حقٌ وأصيل وموثوق به، وخدمتهُ لإنجيل يسوع تُكسبهُ سُلطة في التبشير. فهو لا يبحث عن تأكيد نفسه، بل على تأكيد نشر "إنجيل يسوع"، ففيه الخلاص للعالم أجمع.

 

فُرِزَ بولس وكرِسَ ليكون مُبشرا ًورسولاً في خدمة يسوع، كلمة الله الأخيرة. ومضمون هذه البشارة هو: يسوع المسيح، إبنُ الله ذاتهُ. فهو المسيح (من خلال نسبه الداودي) وهو مرفوع إبناً لله بقيامتهِ. هذه ليست جملتان منفصلتنا، بل "إيمان الكنيسة التام". المسيح مُرسلٌ من قبل الله مُخلصاً، فالمسيرة تبدأ من عند الله وليس من الإنسان. وُلِد من نسل داود، صارَ إنساناً مثلنا، فوُسِمَ بوسمِ الخطيئة والموت وستغلّب على الخطيئة، ولكنهُ مُجدَّ بمجد القيامة. وهو المصير الذي ينتظر الإنسان. هذه هي إرادة الله للإنسان، والتي من أجلها تم إفراز (تكريس) بولس ليكون رسولاً.

هذه هي نعمة من الله نالها هو مجاناً، وقبلها بولس (إستجابَ لها) من خلال موقف شخصي إذ قَبِلَ فيه بشارة الله وخضعَ لها: فصارَ مؤمناً (الطاعة = الإيمان/ الإيمان = الطاعة)، أي، إعتراف بأن يسوع هو المسيح الرب.

أولى مواقف الإيمان هي الطاعة، فالطاعة هي ميزة الشُكر في حياة الرسول (المسيح): فأولاً أشكر إلهي يسوع المسيح، هذه هي ميزة حياة المسيحي. فربنا يسوع يحمل لنا نعمة الله ويحمل لله شُكرنا.

 

ولكن السؤال هو: لماذا الشُكر؟

لقد عجز جسدنا عن تكملة مقتضيات الناموس، هذا العجز ينتهي بنا إلى الموت؛ خطأة بعيدون عن الله. ولكن الله بمحبتهِ، ووفاءً للعهد الذي أقسمه ِعلى نفسه، أعطى للإنسان الحياة بيسوع المسيح. الله يقول للإنسان: لم تعطيني الأمانة التي إنتظرتها منّك، أطلبَ منك الإيمان بأني أُحبُكَ، وها يسوع إبني يشهدُ لهذه المحبة. آمن ببشارة يسوع المسيح. لذا، علينا أن نشكر الله على هذه النعمة: لن نموت بخطايانا، وهذا ليس لأننا أتمننا كل ما يطلبهُ الناموس منّا، على العكس الناموس يشهد على تقصيراتنا. نلنا الخلاص بيسوع المسيح.

 

محبّة الله

"إلى جميع أحباء الله في روما، المدعوين ليكونوا قديسين. عليكم النعمة والسلام من لدن الله أبينا والرب يسوع المسيح" (روم 1: 7)، بهذه التحيّة يبدأ الرسول بولس رسالتهُ إلى كنيسة روما، وهي تحيّة تحمل أخبارًا سارة (إيونكاليون)، والخبر السار هو: لقد صارَ لهم بالمسيح يسوع: المحبة والسلام والنعمة، وذلك لأنهم:

"أحباء الله"،

وأن "السلام حلَّ بين الأرض والسماء،

و"النعمة حلّت عليكم".

فالمحبة والسلام والنعمة هي البُشرى السارة التي صارت لكنيسة روما (ولنا)، وهي البركة الموعود بها والتي كان على الكاهن أن يتلوها حين يقبل العطايا من أبناء إسرائيل: "يباركك الرب ويحفظك، ويضيء الرب بوجهه عليك ويرحمك، ويرفع الرب وجهه نحوك. ويمنحك السلام! (عدد 6: 24- 25). هذه ليست أخباراً سارةً فحسب، بل دافعاً لنوعيةِ حياة جديدة ميزتها الشُكر. محبةٌ الله تُباركنا بالنعمة والسلام، وهي التي تُؤسس علاقتنا معه، ويؤكد عليها الرسول بولس ثلاث مرات في رسالتهِ إلى كنيسة روما:

"إلى جميع أحباء الله في روما" (1: 7).

"ورجاؤنا لا يخيبُ، لأن الله سكبَ محبتهُ في قلوبنا بالروحِ القدس الذي وهبهُ لنا (5:5).

"ولا علو ولا عمق، ولا خليقة أخرى، بوسعها أن تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا" (8: 39).

 

"محبة الله" هي الرابط في هذه النداءات الثلاثة، وهي "رسالةُ إرسالية الرسول بولس إلى كنيسة روما". ولكن لهذه العبارة معنيين يجدر بنا تحديدها قبل مواصلة هذه التأمل. إذ يُشير الأول إلى أن الله هو موضوع المحبة، فيُقدِم الناس تعبدهم لله الذي يُحبوه، فيما يُشير المعنى الثاني إلى أن الله هو "الفاعِل" فهو الذي يُبادِر بالمحبة تجاه الإنسان.

يتجه العقل البشري نحو إلتزام المعنى الأول والتركيز على "واجباتنا في محبّة الله"، فلنا الكلمات العشر (الوصايا)، والتي هي إرادة الله التي علينا أن نُتمّها، وبذلك نُبيّن أننا "نُحبُ الله. محبّة الله أصبحت بهذا المعنى وصيّة، وفيها درجات متفاوتة، ولكن الكتاب المُقدس يُعطي اهمية للمعنى الثاني: محبة الله لنا أكثر منها محبتنا لله، فالله خلقَّ العالم والإنسان لأنه يُحب الإنسان والعالم: "وما تقوم عليه المحبة هو أنه لسنا نحن أحببنا الله بل هو أحبنا فأرسل ابنه كفارة لخطايانا." (1 يو 4: 10). هنا تأتي النعمة (الهبة والعطية) قبل الوصايا، فنحن نُحبُ لأنه هو أحبنا أولاً: "أما نحن فإننا نحب لأنه أحبنا قبل أن نحبه" (1 يو 4: 19). وهذه المحبة قادرة على تغيير حياتنا، ومحبة الله هي الجواب على كل تساؤلات المؤمنين: "لماذا خلق الله العالم؟ لماذا خلق الإنسان؟ لماذا التجسد؟ لماذا الفداء؟ محبة الآب (يو 16: 27)، لأن الله هو محبّة حتّى وإن غضِبَ. فليس المهم أن نسأل إذا كان الله موجوداً أم لا، المهم هو معرفة إذا كان الله محبّة، والكتاب المقدس يقول لنا: الله محبّة.

 

هذه المحبة ليس كلماتٍ فارغة المحتوى، بل أفعالٌ بحاجةٍ إلى تعابيرَ قدّمها أنبياء الله، أصدقاء العريس الذين اختارهم الله منذ أن حُبلَ بهم، وأعطاهم قلباً مُصغياً له وللإنسان، فأعلن من خلالهم بشارتهُ (روم 1: 29). أنه يُحبُ الإنسان: "لما كان إسرائيل صبيا أحببته ومن مصر دعوت ابني. يدعونهم لكنهم يعرضون عنهم ذابحين للبعل ومحرقين البخور أنا درجت أفرائيم وحملتهم على ذراعي لكنهم لم يعلموا أني اهتممت بهم. بحبال البشر، بروابط الحب اجتذبتهم وكنت لهم كمن يرفع الرضيع إلى وجنتيه وانحنيت عليه وأطعمته". (هو 11: 1-4).

 

ولكن الإنسان ليس سهلاً في المطاوعة معه وقبول هذه المحبة، فكلما أرادَ الله أن يُقربهم إليه، كلما ازدادوا توثناً وابتعدوا عنه، لتعودَ محبةُ الله فتجذبهم من جديدٍ إليهم من دون أن تُهلكهم، لتكون محبةُ الله "ضُعفُ الله" في نفس الوقت: "كيف أهجرك يا أفرائيم كيف أسلمك يا إسرائيل؟ كيف أعاملك كأدمة وأصيرك كصبوئيم؟ قد انقلب في فؤادي واضطرمت أحشائي. لا أطلق حدة غضبي ولا أعود إلى تدمير أفرائيم لأني أنا الله لا إنسان والقدوس في وسطك فلن آتي ساخطا" (هو 11: 8-9). "أيكون أفرائيم آبنا لي عزيزا ولدا أتنعم به؟ فإني كلما تحدثت عنه لا أنفك أذكره فلذلك اهتزت له أحشائي. سأرحمه رحمة، يقول الرب" (إر 31: 20).

هذه المحبة هي محبّة أبوية: تتضمن عناية وتشجيعاً من أجل الوصول بالأبناء إلى النُضج مُستخدماً التأديب أحياناً: "فمن أحبه الرب إذا وبخك، فمن أحبه الرب أدبه" (عبر 12: 6)، وتُعطي الأمانَ والحمايةَ لتكون صخرة لحياة الإنسان: "الرب صخرتي وحصني ومنقذي إلهي الصخر به أعتصم ترسي وقوة خلاصي وملجأي" (مز 18: 2). محبةُ الأب هي محبةٌ من دون ضعفٍ.

 

وهي محبة أمومية في ذات الوقت تظهر من خلال احتضان المحبوب في ألفةٍ تامّة نابعة من حيث بدأت حياة الطفل: "الرحم" لتملئ حياتهُ رحمةً. فلا يُمكن رفضُ الطفل مهما كانت سلوكياتهُ ومواقفهِ، حتى إذا تحدّى سلطة الأب وهربَ بعيدا عن بيت الأب، ستكون الأم أولَ من يتوسّل إلى الأب ليقبَل الأبن العائد ولا يُعنفهُ بشدّة. فالأم لا تنسى ولديها، وإن نسيت فالله لن ينسى: "أتنسى المرأة رضيعها فلا ترحم آبن بطنها؟ حتى ولو نسيت النساء فأنا لا أنساك. هآنذا على كفي نقشتك وأسوارك أمام عيني في كل حين (إش 49: 15- 16). محبةُ الأم هي محبةٌ بضعفٍ.

 

وجهان من الحبِ منفصلان عند الإنسان ولكنهما متحدان في الله مثلما بينهما ربنا يسوع المسيح في مثل الأبن الضال والذي فيه يتصرّف الأب كأم أكثر منه أباً يُعّنف ويوبّخ (لوقا 15: 11- 32). بل هو أكثر من ذلك، هو حُبٌ قوي كحُب العريس لعروسهِ فيخلق حالة من الفرح العارِم في نفس العروس. هو حُب الرغبة، الرغبة في الآخر. فالإنسان يرغب الله، والله يرغب الإنسان، رغبة تصل حالة الغيرة: "لا تسجد لها ولا تعبدها، لأني أنا الرب إلهك إله غيور، أعاقب إثم الآباء في البنين، إلى الجيل الثالث والرابع، من مبغضي" (خر 20: 5)، "لأن الرب إلهك هو نار أكلة وإله غيور. (تث 4: 24). ويُحفّز هذا الحُب مشاعر الغيرة لدى العريس، وهي حالةٌ ضعف إذ ينتابُ الحبيب خوفٌ من أن يأتي من هو أقوى منه أو أكثر جاذبيةٍ منهُ فيخطفَ قلبَ المحبوب.

 

في حالة الله الأمرُ ليس كذلك، فالله ليس خائفاً من ضعفهِ أو لا يُريد أن يخسر مُلكيتهُ، محبتهُ للإنسان تجعلهُ يخاف على الإنسان من ضعفِ الإنسان نفسه وعبثية إختياراتهِ والتي تجعلهُ أسير أوثانٍ يصنعها في حياته ويتعبّد لها، وهي كلّها عبثٌ وهباءٌ وعدمٌ مميتُ، لأن التوثن هو حُب مزيفٌ: "فتجري وراء عشاقها فلا تدركهم وتطلبهم فلا تجدهم فتقول: أنطلق وأرجع إلى زوجي الأول لأني كنت حينئذ خيرا من الآن" (هو 2: 7).

غيرةٌ الله ليست علامةٌ لضعفٍ أو عدم إكتمالٍ، بل غيرتهُ هي علامةُ محبتهِ، وهو في محبتهِ يكشِف عن تواضعهِ أيضاً، فأن تُحب يعني أن تكون متواضعاً. محبةٌ الله وتواضعه تمنحُ الإنسان فرصةَ البدء من جديدٍ. وحبهُ ليس من أجل أن يكتمِلَ هو، فهو كاملٌ، بل هو حُب مجاني من أجل كمال الإنسان. فالله ليس بحاجة إلى الامتلاء، بل يُريد أن يملئ َالإنسان. هو يُحب لأنه "صالحٌ"، وصلاحهُ يجعلهُ حُباً فريداً. الله يُحب الإنسان، لا بحثاً عن مجدهُ، فمجدهُ هو الإنسان الحي (إيريناوس)، وصلاحه يتوجه إلى الإنسان ليجعلهُ كاملاً ويفيض عليه البركة. ومحبة الإنسان وتعبدهُ لا تزيد أو تنقص من مجد الله. لذا، يصرخ المُزمّر قائلاً: "ما الإنسان حتى تذكره وابن آدم حتى تفتقده؟ دون الإله حَطَطتَه قليلا بالمجد والكرامة كللته. على صنع يديك وليته كل شيء تحت قدميه جعلته" (مز 8: 4-6).

 

محبة الله أفيضت في قلوبنا

نحن أحباءُ الله، بل أن محبة الله أُفيضَت في قلوبنا. كان هناك حاجزان يمنعان الإنسان من الشِركة التامة مع الله، الأول هو طبيعة الله، فهو روحٌ، في حين أن الانسان جسدٌ، والحاجز الثاني هو "خطيئة الإنسان"، رفضُ الشركة مع الله. فما كان من الله إلا أن تجسّد فتغلّب على هذين الحاجزين ليفيضَ محبتهُ في قلبِ الإنسان من دونِ حواجزَ تذكَر. فصار بإمكان الإنسان أن يحوز على الله، بل أن حُبَ الله ملَكَ الإنسان: "وأعطيكم قلبا جديدا وأجعل في أحشائكم روحا. جديدا وأنزع من لحمكم قلب الحجر، وأعطيكم قلبا من لحم، وأجعل روحي في أحشائكم وأجعلكم تسيرون على فرائضي وتحفظون أحكامي وتعملون بها. وتسكنون في الأرض التي أعطيتها لآبائكم. وتكونون لي شعبا وأكون لكم إلها" (حز 36: 26- 28). فالله هو الذي اعطى ذاته لنمتلكهُ، وهذه هي النعمة: الله يهبُ ذاته إلينا، أمام تردد الإنسان في أن يُبادِل الله بالعطية نفسه: أن يُعطي الإنسان ذاتهُ كلياً لله.

 

ما يُميّز هذه العطية (النعمة)، هو أنها عطية أبدية، لأننا نترك خلفنا كل ما نمتلكهُ، إلا الله فهو مُلكنا إلى الأبد، وهذا كان لنا بيسوع المسيح، المُلكُ الأبدي. فالله أعطى ذاته لنا وأفاضَ محبتهُ في قلوبنا، أي أعطانا ذات الحب الموجود فيه: "إذا أحبني أحد حفظ كلامي فأحبه أبي ونأتي إليه فنجعل لنا عنده مقاما" (يو 14: 23). الله أعطانا أن نعيش محبة الثالوث: الآب والأبن والروح القُدس: الهبة والقبول والمُشاركة: "عرفتهم باسمك وسأعرفهم به لتكون فيهم المحبة التي أحببتني إياها وأكون أنا فيهم" (يو 17: 26). فهو ذات الحُب الموجود بين الآب والأبن، فالله لا يُعطي إلا ما هو عليهِ، وهذا يُعَد مبعثُ فرحٍ وسلامٍ في نفوسنا، تماماً كالفرحِ والآمان الذي يشعر فيه الطفل وهو يختبر محبةَ والديه واحدهم للآخر، فهذا الحب يُطمئنهُ أكثر من محبتهم له منفصلينَ. لذا، لا يُمكن للمسيحية أن تكون من دون الثالوث. الثالوث الذي يدعونا لأن نُشاركه هذه المحبة، فلا يحتاج الإنسان إلى براهين خارجية ليتأكد من أنه محبوب من قبل الله، وجوده هو كإنسان هو عطية وهبة من الله، وهذا يكفيهِ: "أنا موجود، إذن أنا محبوب".

 

لا يوجد إذن ما يُمكن أن يفصلنا عن هذه المحبّة لأنها محبّة كلفت الله حياته إبنهِ، وهي محبة أعطتنا الغلبة في وقت كنّا فيها خطأة وبعيدون عنه. ويُعلن الرسول بولس، وبعد أن أختبرَ الكثير من لحظات النجاح والفشل، المجد والألم، الإطمئنان والقلق، القبول والرفض، أن لا شيء يُمكنه أن يُفصله عن محبّة الله (روم 8: 35- 39 ).

 

الرسول يستعرض حياتهُ كلّها ليكتشِف أن لا شيء يُمكنه أن يغلبَ محبة الله له، ليس لهذه الخبرات الإنسانية القوّة التي تُمكنها من أن تفصلهُ عن الله، لأن الله جذبهُ إليه، وهو يدعونا لنستعرِض حياتنا في ضوء محبّة الله لنا، وسنختبر الفرح والسلام والنعمة التي صارت له بيسوع المسيح، فهو "الذي أحبني وجاد َبنفسه عنّي" (غلا 2: 20). الله هو الحصن والحماية وفيه الآمان مثلما يُنشُد المزمّر (مز 46):

 

أَلله مُعتَصَمٌ لنَا وعِزَّةٌ نُصرَةٌ نَجدُها دائمًا في المَضايِق.

لِذلك لا نَخْشى إِذا الأَرضُ تَقلَبَت والجبالُ في جَوفِ البحارِ تَزَعزَعَت.

إذا عَجَّت مِياهُها وجاشَت والجِبالُ بِطُمُوًّها رَجَفَت. ( رَبُّ القُوَّاتِ مَعَنا إِلهُ يَعْقوبَ حِصْنٌ لَنا  (

هُناكَ نَهرٌ فُروعُه تُفرِحُ مَدينةَ الله أَقدَسَ مَساكِنِ العَليّ.

 

أَللهُ في وَسَطِها فلَن تَتزعزَع أَللهُ عِندَ اْنبِثاقِ الصُّبحِ يَنصُرُها.

الأُمَمُ ضَجَّت والمَمالِكُ زُعزِعَت فرَفع صَوتَه والأَرضُ اْنحَلَّت.

رَبُّ القُوَّاتِ مَعَنا إِلهُ يَعقوبَ حِصْنٌ لَنا.

هَلُمُّوا فاْنظُروا أعمالَ الرَّبِّ مَن يُقيمُ في الأَرضِ ذُهولاً.

 

يُزيلُ الحُروبَ حتَّى مِن أَقاصي الأَرض يُحَطِّمُ الأَقْواسَ ويكَسِّرُ الرِّماح ويُحرِقُ التُّروسَ بِالنَّار.

كُفُّوا واْعلَموا أنَي أَنا الله المُتَعالي على الأُمَمِ، المُتَعالي على الأَرض.

رَبُّ القوّاتِ مَعَنا إِلهُ يَعْقوبَ حِصْنٌ لَنا.

 

أمام هذه المحبّة تُرى ما جوابُ الإنسان؟ وهل له أن يبقَ ساكناً؟

 

ما الجواب الذي عليَّ أن أُعطيه لهذه المحبّة التي بادرَ بها الله تجاهي؟

 

محبة خلصتني من "الحياة لأجل الذات" إلى "الحياة من أجل المسيح".

الاب كوب

 

11) اعطنا ملكاً


في 1صم (سبعة) رسمت لنا عن صموئيل صورة يبدو فيها قائداً مثالياً دينياً لإسرائيل. في بداية 1صم 8 نسمع صوتاً مختلفاً أقل مؤاتياً. "لما شاخ صموئيل أقام ابنيه قاضيين لإسرائيل…, ولم يسر ابناه في سبله، ولكنهما مالا إلى الكسب وقبلا الرشوة وحرفا الحق" (1:8و3). كأن التاريخ يتكرر: كما حدث مع ابني عالي (1صم2) نرى الآن ابني صموئيل يحيدان عن الطريق المستقيم. في الكتاب المقدس حتى الأشخاص الأكثر وفاءاً وتماميةً يبقون ناساً بشريين معرضين للشر وللتجربة. ولا يجوز لأحد أن يعد نفسه متسامياً عن ذلك . يكتب بولس: "فليحذر السقوط من توهم أنه قائم" (1قور12:10). أنه غريب أن صموئيل يعين ابنيه قاضيين. لم يكن منصب القاضي وراثياً. إنها بداية سلالة مع كل التعقدات والمعضلات الملتصقة بها. قد أنذر جدعون: "لا أنا أتسلط عليكم ولا ابني يتسلط عليكم، بل يهوه هو يتسلط عليكم" (قض23:8).

ولكن الوضع الراهن يدفع شيوخ إسرائيل إلى أن يطلبوا نظاماً حكومياُ جديداً. إنك قد شخت، وابناك لا يسيران في سبلك. فأقم الآن علينا ملكاً يقضي بيننا كسائر الأمم" (5:8). كانت الحاجة القصوى آنذاك إلى تنظيم متين وحكم مركزي لكي يتمكن إسرائيل من البقاء. كان عصر القضاة متسماً بعدم الاستقرار السياسي (أنظر قض6:17و25:21) وبتهديد من قبل الشعوب المجاورة. فمن ثم المشاعر المختلطة بخصوص الملوكية في سفر صموئيل الأول: في الحقيقة لا يجوز ملك في إسرائيل لأن يهوه وحده الملك، ومع ذلك كان لابد من أن يأتي ملك. الفصلان 8و12 يعبران عن النقد النبوي للمؤلفين الديوتروسيين. أما القصص القديمة من الفصول 9-11 فتتخذ موقفا ودياً من الملوكية.

رجل جبار
الأسباب التي يريد بنو إسرائيل ملكاً من أجلها مشكوك فيها. "ونكون نحن كسائر الأمم، فيقضي لنا ملكناً، ويخرج أمامنا ويحارب حروبنا" (20:8). يبتغي إسرائيل أن يكون مثل جميع الشعوب الأخرى، فينسى رسالته المتميزة. في أوقات أزمة يريد الشعب رجلاً قوياً يدبر الأمور ويحل المشاكل. يقول بنوا إسرائيل: عليه أن "يحارب حروبنا"-ليست "حروب يهوه"، وهو فارق جوهري.

فيحذر صموئيل الشعب تحذيراً جدياً، بلغة الأنبياء. الملك الذي أنتم تريدونه ينتهي سلطاناً مطلقاً . سوف يريد لنفسه جيشاً وحريماً وعبيداً وإماءً. إنه سيصادر أحسن أراضٍ ويفرض ضرائب ثقيلة. سيجعلكم تشتغلون من اجله: يسخركم فتصبحون له عبيداً (انظر 11:8-18).

مع ذلك، امر يهوه صموئيل بأن يلبي طلب الشعب. حين كتب هذا النص كان تأسيس الملوكية قد صار امراً تاريخياً من الماضي . لم يكن في وسع المؤلفين الديوترونوميين ان يعيدوا الماضي وما حدث فيه كأنه لم يحدث. كان لابد لهم أن يعترفوا بأنه كانت للملوكية نتائج حسنة أيضاً. ولكنهم كانا يعلمون جيداً ما كانت النتائج السلبية لهذا النظام السياسي الجديد: شكلا مجتمعياً مقعداً فيه مراتب وطبقات، واتساع الهاوية بين الاغنياء والفقراء، وتلاشي القيم القديمة ، وملوك مستبدون يتناسون انهم في خدمة الملك يهوه.

يروى في ثلاث قصص مختلفة كيف ان شاول صار ملكا على اسرائيل، القصة الاولى أطولها: 1صم 9: 1 – 10 : 16. انها قصة بالاسلوب الرعوي عن ابن فلاحين يصبح ملكا نتعرف فيها على شاول ابن قيس من سبط بنيامين، يزيد طولا على الجميع "من كتفه فما فوق". فينطلق يفتش عن اتن ابيه التي ضلت. في نهاية القصة عادت الاتن الى مكانها ولكن قيس يقلق في أمر ابنه الذي يطيل الغياب (10 : 2). هل الاتن الضائعة وشاول الضائع رمز الى اسرائيل الضائع من تلك الايام؟ وفي الاثناء قد تلاقى شاول وصموئيل. هذا الاخير لا يلعب بعد هذه القصة الدور المهم للقاضي في اسرائيل. انه هنا راء، نوع من عراف يعطي معلومات مقابل مال (9 :6-10). وفي القصة يظهر نوع آخر بدائي من النبوة : انبياء مرتبطون بمقدس معين يقومون جماعيا ويتحمسون بواسطة الموسيقى والرقص. يبدو هذا الانخطاف كانه مرض معد (10: 5-6 و10 – 12). الشكلان، من جهة رجل الله او الرائي، ومن جهة اخرى "النبي" او الدرويش المنخطف، هما في اساس النبؤة في اسرائيل، ولكنها تطورت تطورا في اسرائيل.( )

في القصة عناصر مختلفة توحي ان دهن شاول ملكا يجري بمقتضى خطة يهوه. شاول لا يستطيع ان يجد الاتن ولكنه يصل الى صموئيل كانه بطريقة اوتوماتيكية صموئيل سبق يهوه ان يعلمه فيأتي الى لقاء شاول (9 :6-19). فيدعو شاول الى الوليمة القربانية في المقدس ويقدم له الحصة المتميزة من اللحم التي فرزت له خاصة (9 :22-24) واخيرا يدهن صموئيل شاول باسم يهوه ملكا على اسرائيل ويعطيه آية توكيدا : الرائي صموئيل يخبر شاول بما سوف يحدث له في طريق العودة (10 :1-12). ولكن شاول يبقى متواضعا بسيطا : لا يقول لاحد ان صموئيل كلمه عن الملوكية، وأقل بعد انه دهنه (10 :13-16). فهكذا صار ممكننا ان تلي قصة ثانية عن تنصيب شاول العلني ملكا.

شاول يقام ملكا بالقرعة
هذه القصة في 1صم 10: 17-27 هي أقصر الثلاث. وليست، كمثل الاثنتين الاخريين، ايجابية فقط بالنسبة الى الملوكية. تبتدئ بنقطة انتقادية بلسان صموئيل تلتحق بـ 1صم 8. "هكذا يقول يهوه: أنا الذي اصعد اسرائيل من مصر وانقذكم من يد المصريين … وانتم اليوم قد نبذتم الهكم… وقلتم له: أقم علينا ملكا…!" (10 :18-19).

قد جمع صموئيل كل الشعب في مصفاة احد الاماكن التي كان يقضي فيها قاضيا (1صم7: 16). فيرتب هناك القاء القرعة : من جميع اسباط اسرائيل يعين سبط بنيامين، ومن هذا السبط تعين عشيرة مطري … واخيرا يعين شاول. لكنه اختبأ. مرة ثانية يشار الى تواضع شاول علامة انه لم يطمح الى الملوكية. وبعدما انوجد ويقف في وسط الشعب يظهر مرة أخرى ان يزيد طولا على الجميع من كتفه فما فوق. وحسب صموئيل هذه علامة ان يهوه اختاره . (فيما بعد عند، اختيار داود، سوف لا يعود يعمل نفس الغلطة، أنظر (1صم 16 :6-7 !). الاختيار يؤيده الشعب كله بالهتاف: "يعيش الملك" (10: 24).

ثم يعلن "الحق الملكي" اعلانا ويسجله في وثيقة. قد يكون ذلك اشارة الى ما في تث 17 : 14-20. اذا كان لابد من ان يأتي في اسرائيل ملك، فليكن. ولكن بشروط مفصلة واضحة، واخيرا يعود كل واحد الى بيته. شاول ايضا يعود الى البيت بكل بساطة. خلافا لداود لم يبن شاول قصرا ولم يكن له بلاط ملكي واسع. كان يحكم بطريقة بسيطة انطلاقا من مزرعته في جبع.
تنتهي القصة بذكر رفض البعض لتنصيب شاول ملكا. هذا الذكر يعبر بنا الى القصة الثالثة والاخيرة.

شاول مخلص المظلومين
كان اسرائيل مهددا من قبل الفلسطيين المتغلغلين ليسوا فحسب بل من قبل جيرانه ايضا. فنسمع ان بني عمون، وهم جيران اسرائيل من جهة الشرق، يضربون الحصار على يابيش، وهي قاعدة اسرائيلية امامية في عبر الاردن. يشعر اهل يابيش انهم لا يطيقون مقاومة الضغط العموني ويقترحون استسلامهم ولكن بني عمون يربطون به شرطا شائنا : لكل سكان يابيش تقلع العين اليمنى. هذا الامر سوف يجعلهم غير بارعين لرمي السهام بالقوس ليس حسب، بل هو "عار على كل اسرائيل". لا يقدر بنو عمون شعور الاسرائيليين بالتضامن عاليا فيمنحون لهم مهلة سبعة أيام ليطلبوا عونا (11: 1-3) وفعلا يكتفي الشعب بالعويل، لما يسمعون الخبر. ولكن شاول يندفع الى العمل.

بسخط مقدس يقوم بطقس غريب. يأخذ زوجي ثيران يقطعهما ويرسل القطع الى أراضي اسرائيل كلها. كل من لا يخرج وراء شاول ووراء صموئيل يتحمل اللعنة : سيكون مصيره كمصير الثيران ! حالا يتجمع 330000 رجل من اسرائيل ومن يهوذا : الشمال والجنوب متضامنان. فليكن اهل يابيش في اطمئنان (11 :4-10). في اواخر الليل يدخل جيش شاول معسكر العمونيين. وبعد ذلك بنصف نهار نرى العدو في انهيار تام ويابيش محررة (11:11).

يبتهج الشعبُ لقد بين شاول نفسه قائدا مواهبيا. نجح في جمع الشعب وتوحيده بتضامن وحرر الضعفاء. وفوق ذلك لا يبين نفسه ناقما. يأبى ان يقاصص اضداده من القصة السابقة. وكمثل ملك مشيحي حقيقي يسجل الانتصار ليس في حساب نفسه بل في حساب يهوه (أنظر 11 :12-13). وباقتراح صموئيل تقام حفلة شكر عظيمة في مقدس الجلجال. وهناك يملك الشعب مرة أخرى (11 :14-15). الا ان هذه القصة كانت على الارجح مستقلة بالاصل عن الفصل السابق.

تقييم
في 1صم12 يلقي صموئيل خطابه للوداع. يطلب من الشعب ان يقيم قضاءه. فالشعب يعترفون بملء أفواههم بان صموئيل لم يسئ بهم شيئا (12 :1-5). قسم خطابه الثاني خطبة شاجبة متوعدة
(انظر 17-18 !) باسلوب ديوترونومي. يجتاز صموئيل تاريخ الخلاص كله منذ موسى وهرون ويبرز خطايا الشعب المتتالية، ومنها الاخيرة انه طلب ملكا. "فهذا الان ملككم الذي اخترتموه وطلبتموه قد اقامه يهوه عليكم ملكا" (12: 13).

الشعب – كما هو الحال دائما في النصوص العهدية للتقليد الديوترونومي – واقف امام الخيار. ان لم يسمعوا لكلام يهوه واحتقروا وصيته، تكون يده عليهم ثقيلة. لكن ان عبدوا يهوه من كل قلوبهم فلا ينبذهم (12 :14-25). واخيرا يؤكدهم صموئيل بانه مازال في خدمتهم، بعد استقالته كقاض ايضا: يظل يصلي من اجلهم ويرشدهم الى الطريق الصالح المستقيم (23).

بعد صموئيل يسعنا نحن قراء الكتاب المقدس ايضا ان نقيم الملوكية كما مارسها شاول حتى هذا الحين تقييما. لقد قرأنا ثلاث قصص، ايجابية بالعموم، محوطة بالنقد النبوي في الفصلين الـ 8 والـ12 بحق انذر إنذار بما ممكن ان يظهر في الملوكية من وجهات سلبية. قد ينتهي الملك طاغيا يحكم باسم نفسه وليس باسم يهوه، يحارب حروبه هو لتوسيع سلطته وليست "حروب يهوه" للنضال في سبيل البر كذا رجل تائق الى السلطة هو في نظر الكتاب المقدس صفر : "لا تحيدوا عن اتباع يهوه … ولا تميلوا الى الاباطيل التي لا تنفع ولا تنقذ لانها باطلة (1 صم 12: 21).

ولكن شاول حتى الان لم يزل في هذه التجربة بعد. شاول اختاره يهوه (القصة الاولى)، قبله الشعب (القصة الثانية)، وأظهر نفسه قائدا ممتازا في افعال حقيقية للتحرير (القصة الثالثة).
انه يحفظ قواعد التوراة في تث17 : 14-20 (انظر ص31). فشاول، وان كان يزيد طولا على الجميع من كتفه فما فوق، فانه يحسب نفسه أصغر الجميع ولا يتعالى على الاخرين (1صم 9 : 21/10 : 16 و22/ 11 :5 ). هو ممتلئ روح يهوه (1صم 10: 10/11 : 6). اختاره يهوه ودهنه النبي (1صم10 : 1). انه يقوم متحيزا للضعفاء (1صم 11 : 7-11) الا انه ليس رجل حرب ولا عنف (1صم 11 : 12-13).

يجاوب شاول النموذج المشيحي. هو ملك على حسب قلب يهوه. هل سيبقى كذلك ؟ لكي نعرفه ينبغي ان نقرأ الفصول الثلاثة الاتية من سفر صموئيل الاول.


Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96
الصفحة 8 من 31