الصور
Adiabene

Adiabene

البابا بندكتس السادس عشر

 

"علامة الله هي التواضع. علامة الله هي أنه يضحي صغيرًا؛ يضحي طفلاً"

 

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء،

"ولد لنا ولد أعطي لنا ابن" (أش 9، 5). ما يقول أشعيا لإسرائيل، رانيًا من البعيد إلى المستقبل، كتعزية في مآسيه وظلماته، يعلنه الملاك المشع نورًا للرعاة كواقع حاضر: "اليوم، في مدينة داود، ولد لكم مخلص، وهو المسيح الرب" (لو 2، 11). الرب حاضر. من هذه اللحظة، الله هو حقًا "الله معنا". لم يعد الإله البعيد، الذي يمكن حدسه من بعيد بواسطة الضمير والخليقة. لقد دخل عالمنا. إنه قريب. هذا ما قاله المسيح القائم لخاصته، لنا: "ها أنا معكم طول الأيام حتى نهاية العالم" (مت 28، 20). لقد ولد لكم المخلص: ما أعلنه الملاك للرعاة، يذكرنا به الله الآن بواسطة الإنجيل وبواسطة مرسليه. وهذه بشرى لا يمكن أن تتركنا لا مبالين. إذا كانت حقيقة، فكل شيء يتغيّر. إذا كانت حقيقة، فهي تتعلق بي أيضًا. وعليه، مثل الرعاة، يجب أن أقول أنا أيضًا: هلموا، أريد أن أذهب إلى بيت لحم، لأرى الكلمة التي حدثت هناك. لا يخبرنا الإنجيل قصة الرعاة من دون غاية. فهم يبينون لنا كيف يجب أن نجيب بشكل مناسب على الرسالة التي تتوجه إلينا. ماذا يقولون لنا هؤلاء الشهود الأولون لتجسد الله؟

يقال عن الرعاة أنهم كانوا ساهرين وأن كان ممكنًا أن تصلهم الرسالة لأنهم كانوا ساهرين. ونحن، يجب علينا أن نستيقظ، لكي تصل الرسالة إلينا. يجب أن نضحي حقًا أشخاصًا ساهرين. ماذا يعني هذا؟ الفرق بين حالم وساهر يتألف قبل كل شيء من أن الحالم يجد نفسه في عالم خاص. وهو منغلق بأناه في هذا العالم الحلمي الذي هو خاصته وحسب، والذي لا يربطه بالآخرين. اليقظة تعني الخروج من عالم الأنا الخاص والدخول في الواقع المشترك، في الحقيقة التي وحدها توحدنا جميعًا. ينتج الصراع في العالم وعدم المصالحة المتبادلة من أننا منغلقين في مصالحنا وآرائنا الخاصة، وفي عالمنا الخاص الصغير. الأنانية، الجماعية والفردية، تقيدنا في مصالحنا ورغباتنا، وهي مناهضة للحقيقة وتفصلنا عن الآخرين. استيقظوا، يقول الإنجيل. تعالوا خارجًا للدخول في الحقيقة الكبرى المشتركة، في الشركة مع الله الأوحد. الاستيقاظ يعني بهذا الشكل تنمية حس الله؛ الحس لإدراك العلامات الصامتة التي يهدينا بواسطتها؛ لحدس علامات حضوره المختلفة. هناك أشخاص يقولون أنهم "لا يتمتعون بآذان موسيقية للدِين". يبدو وكأن إمكانية حدس الله هو أمر يُحرم منه البعض. بالواقع، إن طريقة تفكيرنا وتصرفنا، عقلية العالم المعاصر، وسلسلة خبراتنا تسهم في إنقاص حسنا بالله، وبجعلنا "محرومين من الآذان الموسيقية" له. ومع ذلك في كل نفس هناك، بشكل ظاهر أو متخفي، انتظار الله وقدرة اللقاء به. للحصول على هذه اليقظة، هذا النهوض لما هو أساسي، نريد أن نصلي، لذواتنا وللآخرين، لمن يبدو "محرومًا من الأذن الموسيقية" ومع ذلك يعمل فيه التوق الحي لظهور الله. قال اللاهوتي العظيم أوريجانوس: إذا كانت لي نعمة أن أرى ما رآه بولس، أستطيع الآن (خلال الليتورجية) أن أتأمل بطغمات الملائكة العظيمة (راجع لو 23، 9). بالواقع خلال الليوترجية نحن محاطون بملائكة الله وقديسيه. الرب نفسه حاضر في وسطنا.  يا رب افتح عيون قلوبنا، لكي نضحي يقظين ومتبصرين ونتمكن من حمل قربك للآخرين أيضًا!

فلنعد إلى إنجيل الميلاد. يخبرنا أن الرعاة، بعد أن سمعوا رسالة الملاك، قالوا واحدهم للآخر: لنذهب إلى بيت لحم... ومضوا للفور" (لو 2، 15). يقول لنا النص اليوناني حرفيًا "أسرعوا". ما سمعوه كان مهمًا جدًا ولذا كان يجب أن يمضوا للفور. بالواقع، ما قيل لهم كان مغايرًا للكلية للمعتاد. العالم بأسره كان يتغير. لقد ولد المخلص. إن ابن داود المنتظر كان آتيًا إلى العالم في مدينته. وهل من أمر أهم من ذلك؟ بالطبع، كانوا مدفوعين أيضًا من الفضول، وبالخصوص من التأثر للأمر العظيم الذي قيل لهم، هم الصغار والرجال الذين يبدو ظاهريًا أن لا أهمية لهم. أسرعوا دون تردد.

 

 

في حياتنا العادية الأمور لا تجري بهذا الشكل. القسم الأكبر من الناس لا يعتبرون أمور الله أولوية، ولا يتحركون بشكل مباشر. وهكذا نحن أيضًا معظمنا على استعداد لتأجيل أمور الله. قبل كل شيء نفعل ما يبدو لنا الآن كأمر طارئ. في سجل الأولويات، غالبًا ما يحتل الله المكان الأخير. لسان حالنا يقول: هذا أمر أستطيع أن أفعله دومًا. أما الإنجيل فيقول: إنه أمر طارئ للغاية. ولذا إذا ما كان هناك أمر يستحق السرعة وعدم التأخير، فهو قضية الله وحدها. يقول القديس مبارك في قانونه: "لا يعيقنّ شيء عمل الله (أي الخدمة الإلهية في الليتورجية)". الليتورجية هي بالنسبة للرهبان الأولية والمطلقة. كل الأمور الأخرى تأتي من بعدها. ولكن هذه الفكرة في جوهرها تنطبق على كل إنسان. الله مهم، الأمر الأهم في حياتنا على الإطلاق. هذه هي الأولوية التي يعلمها الرعاة. نريد أن نتعلم منهم ألا نسمح لوقائع الحياة اليومية الطارئة أن تسيطر علينا. نريد أن نتعلم منهم الحرية الداخلية لنضع الاهتمامات الأخرى – رغم أهميتها – في المرتبة الثانية، لكي نتوجه نحو الله، ولكي ندعه يدخل في حياتنا وزمننا. إن الوقت الذي نقضيه لأجل الله، وانطلاقًا منه لأجل القريب ليس أبدًا وقتًا ضائعًا. إنه الوقت الذي نعيش فيه حقًا، الذي نعيش فيه كياننا كأشخاص.

 

يلفت بعض الشارحين أن أول من أتى إلى لقاء يسوع في المذود، وأول من التقى بمخلص العالم هم الرعاة، النفوس البسيطة. الحكماء الآتون من الشرق، يمثلون ذوي الصيت والدرجة، أتوا بعد ذلك بكثير. ويضيف الشارحون: هذا أمر واضح بالكلية. فالرعاة كانوا يقيمون هناك. ولم يكن يترتب إلا أن "يعبروا" (راجع لو 2، 15) كما نجتاز مسافة قصيرة لنصل إلى الجيران. أما الحكماء فكانوا يقيمون بعيدًا. وكان يجب عليهم أن يسيروا دربًا طويلاً وصعبًا ليصلوا إلى بيت لحم. وكانوا بحاجة لهداية ودليل.

 

واليوم أيضًا هناك نفوس بسيطة ومتواضعة تقيم بالقرب من الرب. هم، إذا جاز القول، جيرانه ويستطيعون الذهاب إليه بسهولة. ولكن القسم الأكبر من المعاصرين يعيشون بعيدين عن يسوع المسيح، عن الذي صار إنسانًا، عن الإله الذي جاء في ما بيننا. نعيش في فلسفات مصالح وهموم تملأنا بالتمام ويضحي دربنا نحو المذود بعيدًا جدًا. بأشكال مختلفة يضطر الله أن يدفعنا وأن يمد يده إلينا، لكي نستطيع أن نجد دربًا للخروج من تشويش أفكارنا والتزاماتنا وإيجاد السبيل نحوه. ولكن هناك درب للجميع. فالرب يقدم لكل شخص سبلاً مناسبة. الرب يدعو الجميع، ولذا نستطيع نحن أن نقول: "فلنعبر"، فلنذهب إلى بيت لحم – نحو ذلك الإله الذي جاء للقائنا. نعم، لقد سار الله نحونا. لا يمكننا أن نصل نحوه. فالدرب يتخطى قوانا. ولكن الله نزل. أتى للقائنا. لقد عبر القسم الأكبر من الطريق. وهو يطلب منا الآن: تعالوا وانظروا أني أحبكم. تعالوا وانظروا أنني هنا. يقول النص اللاتيني "فلنعبر حتى بيت لحم" ، فلنذهب إلى هناك! فلنتجاوز أنفسنا. فلنضح سواح نحو الله بأشكال مختلفة: في مسيرتنا الداخلية نحوه. وفي سبل ملموسة جدًا – في ليتورجية الكنيسة، في خدمة القريب، حيث ينتظرنا المسيح.

 

فلنصغ مرة أخرى للأنجيل. يقول الرعاة الواحد للآخر السبب الذي دعاهم إلى المسير: "لننظر هذا الحدث". يقول النص اليوناني حرفيًا: "فلنرى تلك الكلمة، التي حدثت هناك". نعم، هذه هي جدة هذه الليلة: يمكننا أن نرى الكلمة. لأن الكلمة صار بشرًا. ذاك الإله الذي لا يجب أن نخلق صورًا عنه، لأن كل صورة تستطيع أن فقط أن تنقصه، بل أن تحوّره، ذاك الإله الذي صار هو أيضًا مرئيًا في ذلك الذي هو صورته الحقة، كما يقول بولس (راجع 2 كور 4، 4؛ كول 1، 15). في صورة يسوع المسيح، في كل حياته وأعماله، في موته وقيامته، نستطيع أن نرى كلمة الله وبالتالي سر الله الحي بالذات. الله هو هكذا. لقد قال الملاك للرعاة: "هذه علامة لكم: تجدون طفلاً مغطى بالأقمطة، ومضجعًا في مذود" (لو 2، 12؛ راجع الآية 16). علامة الله، العلامة التي يهبها للرعاة ولنا، ليس أعجوبة مؤثرة. علامة الله هي التواضع. علامة الله هي أنه يضحي صغيرًا؛ يضحي طفلاً؛ يسمح لنا أن نلمسه ويطلب حبنا. لكمّ نود نحن البشر علامة مغايرة، أكثر سلطانًا، علامة لا تترك سبيلاً للشك بقوة الله وعظمته. ولكن علامته تدعونا إلى الإيمان، إلى الحب، وبالتالي تهبنا الرجاء: هكذا هو الله. يملك الله سلطانًا هو الطيبة. ويدعونا لكي نضحي مثله. نعم، نضحي مشابهين لله إذا سمحنا لهذه العلامة أن تصوغنا؛ إذا تعلمنا، نحن بالذات، التواضع وبالتالي العظمة الحقة؛ إذا تخلينا عن العنف واستعملنا فقط سلاح الحقيقة والحب.

 

أوريجانوس، ينطلق من كلمة ليوحنا المعمدان، ويرى في رمز الحجارة تعبيرًا عن جوهر الوثنية: الوثنية هي نقص الإحساس، وتعني قلب الحجر، غير القادر على الحب وعلى حدس الله. يقول أوريجانوس في الوثنيين: "لخلوهم من المشاعر ومن المنطق، يتحولون إلى حجارة وإلى خشب" (عظات في إنجيل لوق 22، 9). أما المسيح، فيريد أن يهبنا قلبًا من لحم. عندما نراه، هو الإله الذي صار طفلاً، ينفتح قلبنا. في الليتورجية، في الليلة المقدسة يأتي الله إلينا كإنسان، لكي نضحي نحن بشرًا حقًا. فلنصغ أيضًا لأوريجانوس: "بالواقع، ماذا ينفعك أنت إذا أتى المسيح مرة بالجسد إذا لم يصل إلى نفسك؟ فلنصل لكي يأتي يوميًا إلينا حتى نستطيع أن نقول: أحيا، لا أنا بل المسيح حي فيّ (غلا 2: 20) (لو 22: 3).

نعم، وعلى هذه النية نود الصلاة في هذه الليلة المقدسة. أيها الرب يسوع، أنت الذي ولدت في بيت لحم، تعال إلينا! أدخل فيّ، في نفسي. حوّلني، جددني. حولني وحولنا جميعنا من صخر وخشب إلى أشخاص حية، يضحي فيها الحب حاضرًا ويتحول العالم. آمين.

 

), الفاتيكانZENIT.org(

البابا بندكتس السادس عشر

 

أيها الإخوة والاخوات!

"من مثل الرب إلهنا، الجالس في الأعالي، الذي تنازل ونظر الى السموات والأرض؟" هكذا رنّم اسرائيل في أحد مزاميره (مز 51: 3)، حيث مجد عظمة الله وقربه من البشر. الله يسكن في الأعالي، وتنازل نحو الأسفل... ألله هو الفائق العظمة، والمتعالي. هذه هي أول خبرة للإنسان مع الله. المسافة تبدو لامتناهية.

خالق الكون، الذي يدير كل شيء، بعيد جداً عنا: هذا ما تبدو عليه الأمور في البداية. ولكن تأتي الخبرة المثيرة للعجب: الذي لا أحد مثله، "الجالس في الأعالي"، نظر وانحدر الى الأسفل. هو يرانا ويراني. نظرة الله الى الأسفل هي أكثر من نظرة من الأعالي. نظرة الله هي عمل. مجرد أنه يراني، وينظر إلي، يغيّرني ويغير العالم من حولي.

صاحب المزامير يتابع قائلاً: "ينهِض المسكين من التراب..." بنظرته الى الأسفل يُنهضني، وبحنوّ يأخذ بيدي، ويساعدني أنا على الصعود، من الأسفل الى الأعالي. "الله ينحني". هذه الكلمة هي كلمة نبوية. في ليل بيت لحم، أخذت هذه الكلمة معنى جديداً بالكامل. إنحناء الله بات واقعية لا مثيل لها، ولم يكن بالإمكان تخيلها.

إنه ينحني – يأتي، هو بذاته، كطفل، حتى بؤس الحظيرة، رمز كل حاجة، ورمز الإهمال البشري. الله ينزل حقاً. يصبح طفلاً ويضع ذاته في حالة اعتماد تام على الآخرين – حالة المولود الجديد. الخالق الذي يمسك بكل شيء بيديه، يصبح صغيراً يحتاج الى المحبة البشرية. الله في الحظيرة. في العهد القديم، كان الهيكل يُعتبر كموطىء لقدمي الله؛ والتابوت المقدس هو المكان الذي فيه يحضر الله بين البشر بطريقة سرية. وهكذا كان البشر يقولون بأنه فوق الهيكل، كان هناك – وبطريقة خفية – سحابة مجد الله. هذه السحابة هي الآن فوق الحظيرة.

الله حاضر في سحابة بؤس طفل بدون مأوى: غير أنها سحابة المجد! في الواقع، بأية طريقة أكثر عظمة ونقاوة يمكن لمحبته للبشر، وقلقه عليهم، أن تتجلى؟ سحابة خباء وفقر الطفل المحتاج الى ملء الحب، هي في الوقت عينه، سحابة المجد. لأنه ما من شيء أكثر سمواً وعظمة، من المحبة التي تنحني، وتنزل، وتتكل على البشر. إن مجد الإله الحق، يصبح ظاهراً للعيان عندما تنفتح أعين القلب أمام حظيرة بيت لحم.

إن رواية الميلاد، بحسب لوقا، والتي سمعناها للتو في الإنجيل، تروي لنا بأن الله رفع حجاب خبائه أولاً أمام أشخاص وضعهم متردّ، أمام أشخاص يهملهم المجتمع الكبير: أمام الرعاة الذي في الحقول بالقرب من بيت لحم، كانوا يحرسون حيواناتهم. لوقا يقول إن هؤلاء كانوا ساهرين. هكذا نجد نفوسنا مدعويين الى دافع أساسي في رسالة يسوع، فيه يجدد باستمرار وبإلحاح متواصل –حتى بستان الزيتون – الدعوة الى السهر، الى البقاء متيقظين لنكون مستعدين لمجيء الرب. وهنا يذهب معنى هذه الكلمة أبعد من الاستيقاظ البسيط خلال ساعات الليل.

كانوا أشخاصاً ساهرين، فيهم يحيا حس الله وقربه. أشخاص كانوا ينتظرون الله، ولم يستسلموا لبعده الظاهري في الحياة اليومية. فقط لقلب ساهر تتوجه رسالة الخلاص: في هذه الليلة، وُلد لكم مخلّص. وحده القلب الساهر قادر على الإيمان بالرسالة. وحده القلب الساهر قادر على التزويد بالشجاعة للبحث عن الله في حالة طفل في الحظيرة. فلنسأل الله أن يساعدنا لنكون بدورنا ساهرين.

القديس لوقا يخبرنا أيضاً بأن الرعاة كانوا "مغمورين" بمجد الله، بسحابة النور، وكانوا في حميمية بهاء هذا المجد. في غمرة سحابة النور هذه، يصغون الى نشيد الملائكة: "المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام لأبناء رضاه". ومن هم أبناء رضاه سوى الصغار، الساهرين، المنتظرين، الذين يترجون صلاح الله ويبحثون عنه وهم ينظرون إليه من بعيد".

لقد علق آباء الكنيسة على نشيد الملائكة الذي ردده الملائكة للمخلص. حتى ذلك الحين – قال آباء الكنيسة – كان الملائكة يعرفون الله في عظمة الكون، في منطق وجمال الكون الذي يأتون منه ويعكسونه. لقد حولوا نشيد الخلق الصامت الى موسيقى في السموات. أما الآن فقد حدث شيء جديد، ما هو مروع بالنسبة لهم. الذي يتحدث عنه الكون، الإله الذي يحمل الكل في يده – هو نفسه دخل في تاريخ البشر، أصبح شخصاً يعمل ويتألم في التاريخ. عن هذا الاضطراب الفرِح الذي نتج عن هذا الحدث، هذه الطريقة الذي ظهر فيها الله – قال الآباء – انبثق نشيد جديد، عبارة حفظها لنا إنجيل الميلاد: "المجد لله في العلى، وعلى الأرض السلام للبشر".

يمكننا ربما أن نقول إنه بحسب الشعر اليهودي – هذا البيت المزدوج، يقول في قسميه الشيء ذاته ولكن من وجهة نظر مختلفة. مجد الله هو في أعالي السموات، ولكن عظمة الله هذه توجد الآن في الحظيرة. ما كان منخفضاً بات سامياً. نجده على الأرض، إنه مجد التواضع والمحبة. وأيضاً، إن مجد الله هو السلام. حيثما كان هو، هناك حلّ السلام. إنه حاضر حيثما لا يريد البشر أن يجعلوا بقدرتهم من الأرض فردوساً، بلجوئهم الى العنف. إنه حاضر مع أصحاب القلوب الساهرة؛ مع المتواضعين ومع الذين يفهمون عظمته، عظمة التواضع والمحبة. إلى هؤلاء، الله يمنح سلامه، لكيما بواسطتهم يحل السلام في العالم.

لاهوتي القرون الوسطى غوليلمو دي تييري قال: "الله – منذ آدمرأى بأن عظمته تخلق مقاومة في الإنسان؛ وبأن الإنسان يشعر محدوداً وبأن حريته مهدّدة. وهكذا فقد اختار الله طرقاً جديدة. لقد أصبح طفلاً. بات ضعيفاً ومحتاجاً لمحبتنا. الآن، هذا الإله الذي صار طفلاً، يقول لنا: لن تخافوا مني بعد الآن، يمكنكم فقط أن تحبونني.

بهذه الأفكار، نتقرّب الليلة من طفل بيت لحم – من ذلك الإله الذي أراد من أجلنا أن يصير طفلاً. إن ميلاد بيت لحم ينعكس على كل طفل. كل طفل يطلب محبتنا. هذه الليلة، نفكر خاصة بأولئك الأطفال الذي حُرموا من محبة الوالدين. نفكر بأطفال الشوارع الذي لا ينعمون بالدفء العائلي. نفكر بالأطفال الذي يُستغلون كجنود وأدوات للعنف، بدلاً من أن يكونوا دعاة المصالحة والسلام. نفكر بالأطفال الذين يُجرحون في صميم نفوسهم بسبب سوق الإباحة وشتى أشكال الاستغلال.

إن طفل بيت لحم هو نداء جديد موجه إلينا، لنقوم بكل من هو ممكن لنضع حداً لمعاناة هؤلاء الأطفال؛ لنقوم بكل ما هو ممكن لكيما يلمس نور بيت لحم قلوب البشر. فقط من خلال ارتداد القلوب، فقط من خلال تغيير في صميم الإنسان، يمكن تخطي سبب كل هذا الشر، ويمكن القضاء على قوة الشرير. فقط إذا تغيّر الناس، يتغير العالم، ولكيما يتغيرون، يحتاج البشر الى النور الآتي من الله، ذلك النور الذي دخل ظلمة ليلنا بطريقة غير منتظَرة. وفي كلماتنا عن طفل بيت لحم، نفكر أيضاً بالمكان الذي ترعرع فيه يسوع وأحبه، ونصلي لكيما يحل السلام فيه. فليتوقف العنف والبغض، وليحل التفاهم المتبادل، وانفتاح للقلوب يفتح الآفاق والحدود. فليحل السلام الذي تَرنَّم به الملائكة في تلك الليلة.

في المزمور 96، يمجد إسرائيل، ومعه الكنيسة، عظمة الله التي تتجلى في خليقته. جميع الخلائق مدعوة للانضمام الى نشيد المجد هذا، وهناك توجد أيضاً الدعوة: "فلتفرح أشجار الغابات أمام الرب الذي يأتي" (12). الكنيسة تقرأ هذا المزمور بطريقة نبوية، وكمهمة عليها القيام بها. لقد أتى الرب الى بيت لحم بصمت. وحدهم الرعاة الساهرون، اختبروا بهاء مجيئه المنير، وسمعوا النشيد الجديد الذي صدر عن غبطة فرح الملائكة لمجيء الرب. مجيء مجد الرب الصامت هذا لا يزال يستمر عبر العصور. حيثما وُجد الإيمان، حيثما يُبشَّر بكلمته، يجمع الله البشر ويمنحهم ذاته في جسدِه، فيُضحون جسدَه.

إنه "يأتي"، ويوقظ قلب البشر. نشيد الملائكة الجديد يضحي نشيد البشر الذين – عبر كل العصور، وبطريقة دائماً جديدة – ينشدون مجيء الله كطفل، وفي حميميتهم يبتهجون. أشجار الغابة تأتي إليه مهللة. الشجرة في ساحة القديس بولس تحدِّث به وببهائه فتقول: نعم، لقد أتى، وأشجار الغابة تبجّله. على أشجار المدن والبيوت أن تكون أكثر من تقليد للعيد، فهي تهدي الى ذلك الذي هو علّة فرحنا – الإله الذي لأجلنا صار طفلاً. نشيد المجد، في العمق، يتحدث أخيراً عن ذاك الذي هو نفسه شجرة الحياة. بالإيمان به ننال الحياة. في سر الإفخارستيا إنه يمنحنا الحياة الأبدية.

نضم نشيدنا الى نشيد الخليقة ونصلي قائلين: نعم أيها الرب، أرنا بهاء مجدك، وامنح السلام للأرض. إجعلنا رجال ونساء سلامك. آمين

الفاتيكان, (ZENIT.org)

البابا بندكتس السادس عشر

 

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء!

"وبَينَما هما فيها حانَ وَقتُ وِلادَتِها، فولَدَتِ ابنَها البِكَر، فَقَمَّطَتهُ وأَضجَعَتهُ في مِذوَدٍ لأَنَّهُ لم يَكُنْ لَهُما مَوضِعٌ في الـمَضافة" (( لو 2: 6)

لا تنفك هذه الكلمات تلمس قلوبنا من جديد. لقد حلت الساعة التي أعلن عنها الملاك في الناصرة: "ستحمِلينَ وتَلِدينَ ابناً فسَمِّيهِ يَسوع. سَيكونُ عَظيماً وَابنَ العَلِيِّ يُدعى" (راجع لو1: 31) لقد حل الزمان الذي انتظره اسرائيل منذ دهور، في ساعات وفيرة من الظلمة – اللحظة التي تنتظرها بشكل ما كل البشرية عبر تصاوير غير واضحة المعالم: عندما يقوم الرب بالاهتمام بنا، ويخرج من مخبئه، ويصبح العالم مكانًا سليمًا، إذ يجددنا الله كلَّنا. يمكننا أن نتصور التحضير الداخلي الذي عاشته مريم، ولهفة الحب التي رافقت مسيرتها نحو تلك الساعة.

إن الدلالة الوجيزة: "ولفته بالأقمطة" تسمح لنا أن نرى شيئًا من الفرح المقدس ومن الغيرة الصامتة المكنونة في هذا التحضير. كانت الأقمطة حاضرة، لكي يتسنى لها استقبال الطفل بشكل لائق. ولكن لم يكن هناك مكان في الضيافة.

تنتظر البشرية الله وقربه نوعًا ما. ولكن عندما يحين موعد وصوله، ليس لديها مكان لاستقباله. إنها مشغولة كثيرًا بذاتها، وتحتاج لكل الوقت ولكل المكان بطريقة متطلبة من أجل شؤونها، ولذا لا يبقى أي شيء للآخر – للقريب، للفقير ولله. وبقدر ما يصبح البشر أغنياء، بقدر ذلك يملؤون كل شيء بذواتهم. وبقدر ذلك يتعذر على الآخر الدخول.

لقد تعمق يوحنا في إنجيله بالخبر الوجيز الذي ينقله لوقا بشأن حالة بيت لحم، ويشير إلى الأمر الجوهري: "جاء إلى خاصته، وخاصته لم تقبله" (1:11)، وهذا الأمر يتعلق بشكل خاص ببيت لحم: جاء ابن داود إلى مدينته، ولكنه اضطر أن يولد في حظيرة، لأنه ما من مكان له في الضيافة. ويتعلق أيضًا بإسرائيل: فالمرسل يأتي إلى خاصته، ولكن خاصته لا تريده. ويتعلق بالحقيقة بالبشرية بأسرها: ذاك الذي خلق لأجله العالم، يدخل الكلمة الجوهري الخالق العالم، والعالم لا يصغي له، ولا يقبله.

وأخيرًا، تتعلق هذه الكلمات بنا نحن أيضًا، بكل فرد وبكل مجتمع. هل لدي وقت للقريب الذي يحتاج إلى كلمتنا، إلى كلمتي، إلى عاطفتي؟ هل لدي وقت للمتألم الذي يحتاج إلى مساعدة؟ هل لدي وقت للمهاجر أو اللاجئ الذي يطلب مأوىً؟ هل لدي الوقت أو المكان لله؟ هل يستطيع الدخول في حياتنا؟ هل يجد مكانًا فينا، أو ربما ملأنا كل الأمكنة بأفكارنا، بأعمالنا، بحياتنا لأجل أنفسنا؟

نحمد لله لأن الخبر السلبي ليس الخبر الوحيد، ولا النهائي في الإنجيل. كما نلتقي في إنجيل لوقا بمحبة الأم مريم، وأمانة القديس يوسف، وسهر الرعاة وفرحهم العظيم، كذلك في متى، نلتقي بزيارة المجوس الحكماء، الآتين من بعيد، وكذلك أيضًا يقول لنا يوحنا: "أما الذين قبلوه فقد أعطاهم سلطان أن يصيروا أبناء لله" (يو 1، 12). هناك من يقبله، وهكذا انطلاقًا من الاسطبل، ينمو نحو الخارج المنزل الجديد، المدينة الجديدة، العالم الجديد.

تجعلنا رسالة الميلاد نعترف بظلام العالم المغلق، وتبين لنا بذلك واقعًا نراه يوميًا. ولكنها تقول لنا أيضًا، أن الله لا يتركنا نغلقه خارجًا. فهو يجد مكانًا للدخول، ربما من خلال اسطبل؛ وهناك أشخاص يرون نوره وينشرونه.

من خلال كلمة الإنجيل، يتوجه الملاك إلينا نحن أيضًا، ومن خلال الليتورجية المقدسة يدخل نور الفادي في حياتنا. سواء كنّا رعاة أو حكماء – يدعونا نوره ورسالته إلى المسير، إلى الخروج من انغلاق رغباتنا واهتماماتنا للذهاب للقاء الرب وللسجود له. نسجد له فاتحين العالم على الحقيقة، على الخير، على المسيح، على خدمة المهمشين الذين ينتظرنا المسيح فيهم.

في بعض تصاوير الميلاد التي تعود إلى أواخر العصور الوسطى ومطلع العصر الحديث، يظهر الاسطبل مثل قصر مدمر قليلاً. يمكننا أن نلاحظ العظمة التي كان يتحلى بها القصر في الماضي، والتي قد زالت الآن، فالجدران مدمرة – وقد أصبح اسطبلاً. بالرغم من عدم توفر ركيزة تاريخية لهذا التفسير، إلا أنه يعبر من خلال التشابيه عن الحقيقة التي تستتر في سر الميلاد. فعرش داود الذي نال في الماضي وعد الثبات للأبد، قد صار خاليًا. والأرض المقدسة تخضع لحكم الآخرين. يوسف، سليل داود، هو نجار بسيط؛ وقد صار القصر مغارة.

لقد بدأ داود نفسه كراعٍ. وعندما طلبه صموئيل ليمسحه ملكًا، بدا أمرًا مستحيلاً ومتناقضًا أن يصير راعيًا-فتىً كهذا حامل وعد إسرائيل. في اسطبل بيت لحم، هناك حيث كانت نقطة الانطلاق، تبدأ ملوكية داود بشكل جديد – في ذلك الطفل الملفوف بالأقمطة والموضوع في مذود. والصليب هو العرش الجديد الذي سيجذب من أعلاه داودُ هذا العالمَ إلى نفسه. ويطابق هذا العرش الجديد – الصليب – البدء الجديد في الاسطبل.

لكن بهذا الشكل بالذات يتم بناء قصر داود الحقيقي، الملوكية الحقيقية. وهذا القصر الجديد هو مغاير جدًا للقصر والسلطان الملوكي الذي يتخيله البشر. هو جماعة الذين يسمحون لمحبة المسيح أن تجذبهم فيصيروا جسدًا واحدًا معه، وبشرية جديدة. إن السلطان الذي ينبع من الصليب، سلطان الصلاح الذي يهب نفسه، هذا هو الملوكية الحقة. الاسطبل يصبح قصرًا، وانطلاقًا من هذه النقطة بالذات، يبني يسوع الجماعة الجديدة والكبيرة، والتي يغني الملائكة كلمتها المفتاح في ساعة مولده: "المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام للناس الذين يحبهم" – أي الأشخاص الذين يسلمون إرادتهم لإرادته، ويصيرون بالتالي رجال الله، رجالاً جددًا وعالمًا جديد.

لقد عرض غريغوريوس النيصصي في عظاته الميلادية النظرة عينها منطلقًا من رسالة الميلاد في إنجيل يوحنا: "لقد نصب خيمته في وسطنا" (يو 1، 14). يطبق غرغوريوس كلمات الإنجيل هذه على خيمة جسدنا، الذي أصبح ضعيفًا وشاحبًا؛ معرضًا من كل النواحي للألم والعذاب. ويطبقها أيضًا على الكون بأسره، وقد مزقته وشوهته الخطيئة. ماذا كان ليقول لو أنه رأى الحالة التي وصلت إليها الأرض اليوم بسبب سوء استعمال الطاقة، واستغلالها الأناني دون أي انتباه؟

لقد سبق ووصف أنسلموس أسقف كانتربري، بطريقة شبه نبوية، الحالة التي نراها نحن اليوم في عالم ملوث ومهدد مستقبله: "كل شيء كان وكأنه ميت، وقد فقد كرامته، لأنه قد خلق أصلاً لخدمة أولئك الذين يسبحون الله. كانت كل عناصر العالم حزينة لأنها فقدت بهاءها بسبب سوء الاستعمال الذي كانت تتعرض له من قبل خدام الأوثان، الذين لم تخلق لأجلهم" (PL 158, 955s). وهكذا، بنظر غريغوريوس، يمثل الاسطبل بحسب رسالة الميلاد الأرضَ التي أسيء استخدامها. لا يبني المسيح أي قصر، لقد جاء ليمنح الخليقة والكون جمالهما وكرامتهما: هذا هو الأمر الذي يعود مع الميلاد ويفرح الملائكة: يتم إعادة الأرض إلى حالتها الإيجابية من خلال فتحها على الله، فتنال بالتالي نورها الحق، وبالتناغم بين الإرادة الإلهية والإرادة الإنسانية، وعبر توحيد العلو والعمق، تحوز من جديد جمالها وكرامتها. وهكذا، الميلاد هو عيد الخليقة المتجددة.

انطلاقًا من هذا الإطار، يشرح الآباء نشيد الملائكة في الليلة المقدسة: هو تعبير عن الفرح لأن العلى والعمق، السماء والأرض تتحد من جديد؛ ولأن الإنسان يتحد بالله من جديد. بحسب الآباء، يشكل قسم من نشيد الملائكة أن يتمكن البشر والملائكة الآن من أن يتغنوا سوية بجمال الكون هذا الذي يتم التعبير عنه عبر نشيد التسبيح. فالغناء الليتورجي يتضمن، بحسب آباء الكنيسة، كرامة خاصة لأن أجواق الأرض والسماء تتغنى به سوية. اللقاء مع يسوع المسيح يؤهلنا أن نسمع غناء الملائكة، ويخلق هذه الموسيقى الحقة التي تنحط حالمًا نفقد هذا الغناء سوية، والشعور سوية.

في اسطبل بيت لحم تلمس الأرض السماء. السماء جاءت إلى الأرض. لهذا ينبع من هناك نور لكل الأزمنة؛ لهذا يتقد هناك الفرح؛ لهذا يولد الغناء.

في نهاية تأملنا الميلادي أود أن أستشهد بكلمة رائعة من القديس أغسطينوس. ففي تعليقه على دعاء الصلاة الربية: "أبانا الذي في السماوات"، يتساءل: ما هي هذه السماوات؟ وأين هي السماوات؟ ويجيب بشكل مذهل: "... في السماوات يعني: في القديسين والصدّيقين. السماوات هي الأجسام العليا في الكون، ولكن هذه الأجسام لا يمكنها أن تكون إلا في مكان ما. ولكن، إذا ما اعتقدنا أن الله هو في السماوات، أي في المناطق العليا من العالم، لكانت العصافير أوفر حظًا منا، لأنهم يعيشون أقرب إلى الله. ولكن لم يكتب: "الرب قريب ممن يعيشون في الأعالي وفي الجبال"، بل قد كتب: "الرب قريب من منسحقي القلوب" (مز 34 [33]، 19)، وهو تعبير يشير إلى التواضع. فكما يتم تسمية الخاطئ "أرضًا"، كذلك، بالمقابل، يدعى الصدّيق، "سماء"" (في عظة الجبل 2، 5، 17).

لا تشكل السماء جزءًا من جغرافية الفضاء، بل من جغرافية القلب. وقد انحنى قلب الله، في الليلة المقدسة، إلى الاسطبل: تواضع الله هو السماء. وإذا ما ذهبنا للقاء هذا التواضع، عندها نلمس السماء. وعندها تتجدد الأرض أيضًا. بتواضع الرعاة، فلنلتزم المسير، في هذه الليلة المقدسة، نحو الطفل في الاسطبل! فلنلمس تواضع الله وقلب الله! وعندها سيلمسنا فرحه وسيجعل العالم أكثر إشعاعًا. آمين.

الفاتيكان, (ZENIT.org)

البابا بندكتس السادس عشر

 

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء!

لقد سمعنا للتوّ في الإنجيل الكلمات التي قالها الملائكة في الليلة المقدسة للرعاة. هذه الكلمات نفسها تهتف بها الكنيسة على مسامعنا: "اليوم ولد لكم مخلص في مدينة داود، وهو المسيح الرب. وهذه علامة لكم: تجدون طفلاً مقمطًا موضوعًا في مذود" (لو 2، 11). ما من شيء خارق العادة، ما من شيء استثنائي، وما من شيء مجيد أعطي للرعاة كعلامة. فسيجدون مجرد طفل مقمط، محتاج ككل الأطفال لعناية أمه؛ طفل مولود في إسطبل ولذا لا يضجع في مهد بل في مذود. علامة الله هي الطفل في احتياجه للعون وفي فقره. سيتمكن الرعاة، فقط من خلال القلب، أن يروا في هذا الطفل تحقيق وعد النبي آشعيا الذي سمعناه في القراءة الأولى: "ولد لنا ولد، أعطي لنا ابن. فصارت الرئاسة على كتفه" (إش 9: 5)، وإلينا أيضًا لم تعط علامة أخرى. فمن خلال رسالة الإنجيل، يدعونا ملاك الرب نحن أيضًا، لكي نسير بالقلب لملاقاة الطفل الموضوع في مذود.

علامة الله هي البساطة. علامة الله هي الطفل. علامة الله هي أنه يصبح صغيرًا من أجلنا. هذه هي طريقته في المُلك. فهو لا يأتي بالعزة والعظمة الخارجية، بل يأتي كطفل - أعزل ومحتاج لعوننا. لا يريد أن يسحقنا بقوته. بل ينزع منا الخوف أمام عظمته. الرب يريد محبتنا: لهذا يصبح طفلاً. لا يريد منا شيئًا البتة سوى محبتنا، التي من خلالها نستطيع أن ندخل ببساطة في مشاعره، في فكره وفي إرادته – فلنتعلم أن نعيش معه وأن نمارس على مثاله تواضع التضحية التي تشكل عنصرًا جوهريًا من المحبة. فقد صار الله صغيرًا لنستطيع أن نفهمه ونتقبله ونحبه.

يجد آباء الكنيسة في ترجمتهم للعهد القديم كلمة من النبي آشعيا يستشهد بها أيضًا القديس بولس لتبيين كيف أن سبل الله الجديدة إنما كان قد سبق إعلانها في العهد القديم. فنص الآباء كان هكذا: "لقد جعل الرب كلمته مختصرة. لقد أوجزها" (آش 10، 23؛ روم 9، 28). وقد فسر الآباء هذه الآية على وجهين. الابن نفسه هو الكلمة، اللوغوس؛ الكلمة الأزلي صار صغيرًا، لدرجة أنه وُضع في مذود. أصبح الكلمة طفلاً حتى نتمكن من استيعابه. وهكذا يعلمنا الله محبة الصغار. يعلمنا أن نحب الضعفاء. يعلمنا بهذا الشكل احترام الأطفال. يوجه طفل بيت لحم أنظارنا نحو كل الأطفال المتألمين والمستغَلين في العالم، من ولدوا ومن لم يولدوا. نحو الأطفال الذين يُدرجون كجنود في عالم العنف؛ نحو الأطفال الملزمين بالاستعطاء؛ نحو الأطفال الذين يعانون البؤس والجوع؛ نحو الأطفال الذين لم يختبروا الحب. في جميع هؤلاء، هو طفل بيت لحم الذي يضطرنا إلى خيار؛ يضطرنا إلى خيار الله الذي أضحى صغيرًا. فلنصل في هذه الليلة لكي يلمس تألق حب الله جميع أولائك الأطفال بلطف، ولنطلب منه تعالى أن يساعدنا لنقوم بالواجب حتى يتم احترام كرامة الأطفال؛ فليشرق على الجميع نور المحبة التي يحتاجها الإنسان أكثر من كل الأمور المادية الضرورية للعيش.

نصل إلى المعنى الثاني الذي وجده الآباء في هذه الجملة: "لقد جعل الرب كلمته مختصرة". فمع مر العصور، أصبحت الكلمة التي أراد الله أن يمنحنا عبر أسفار الكتاب المقدس طويلة. طويلة ومعقدة ليس فقط للبسطاء والأميين بل أيضًا، وبشكل أكبر، لعارفي الكتب المقدسة، للمثقفين، الذين باتوا يرتبكون في مسائل خاصة وفي المشاكل المتعلقة بها، دون الوصول إلى رؤية إجمالية. يسوع "اختصر" الكلمة – وفتح أمام أعيننا بساطتها ووحدتها الأعمق. فقد قال يسوع: كل ما تعلمه الشريعة والأنبياء يوجز في هذه الكلمة: "أحبب الرب إلهك من كل قلبك، كل نفسك وكل فكرك... وأحبب قريبك كنفسك" (متى 22، 37 – 44). هذا كل شيء – فكل فعل الإيمان يختصر في فعل الحب الفريد الذي يضم الله والبشر.

ولكن سرعان ما تظهر التساؤلات: كيف يمكننا أن نحب الله من كل فكرنا ونحن نكاد لا نستطيع إيجاده بقدرتنا العقلية؟ كيف يمكننا أن نحبه بكل قلبنا وبكل نفسنا، وقلبنا يلمحه بصعوبة من بعيد ويشعر بالكثير من التناقضات التي تحجب وجهه عنا؟ هنا يلتقي الشكلان اللذان "اختصر" فيهما الله كلمته. فهو ليس بعيدًا، وليس مجهولاً من بعد. ولا يستحيل على قلبنا البلوغ إليه. فقد صار طفلاً من أجلنا ومحا بذلك كل إبهام. لقد أصبح قريبنا وأصلح صورة الإنسان التي غالبًا ما تبدو لنا غير محبوبة. لأجلنا أصبح الله عطية، ووهب نفسه لنا. لقد كرس وقتًا لأجلنا. هو الأزلي المتعالي عن الزمان، جذب زماننا إلى العلاء بالقرب منه. وقد أصبح الميلاد عيد الهبات لكي نقتدي بالله الذي وهب نفسه لأجلنا. فلندَع هذا الحدث يلمس قلبنا و نفسنا وفكرنا! ومع كل الهدايا التي نشتريها ونتلقاها، لا ننسينّ العطية الحقيقية: أن نقدم لبعضنا البعض شيئًا من ذواتنا! أن نهب بعضنا البعض وقتنا. أن نفتح وقتنا على الله. وهكذا ينحل الانهماك. هكذا يولد الفرح وهكذا يُخلق الاحتفال.

فلنذكر خلال ولائم هذه الأيام كلمة الرب: "إذا صنعت وليمة لا تدع الذين يدعونك بدورهم، بل ادع الذين لا يدعوهم أحد والذين لا يمكنهم أن يدعوك بدورهم" (أنظر لو 14، 12- 14). وهذا يعني أيضًا: عندما تقدم الهدايا، لا تقدمها فقط لمن يقدمونها لك بدورهم، ولكن قدمها أيضًا لمن لا يتلقون شيئًا من أحد ولا يمكنهم أن يقدموا لك شيئًا بدورهم. فهكذا تصرف الله نفسه: فهو يدعونا إلى وليمة عرسه، وهي دعوة لا يمكننا أن نبادلها بل فقط أن نتقبلها بفرح. فلنقتد به! فلنحبّ الله، وانطلاقًا منه فلنحب الإنسان أيضًا، كيما نكتشف الله بشكل جديد انطلاقًا من البشر!

وهنا يظهر لنا معنىً آخر للجملة القائلة بأن الكلمة صار "مختصرًا" و "صغيرًا". فقد قيل للرعاة أنهم سيجدون طفلاً موضوعًا في مذود للحيوانات الذين كانوا سكان الإسطبل الحقيقيين. من خلال قراءة آشعيا (1، 3) استخلص آباء الكنيسة أن في الإسطبل كان هناك ثور وحمار. وفي الوقت عينه شرحوا النص على نحو أن ذلك رمز لليهود والوثنيينأي للبشرية بأسرها – الذين يحتاجون، كل على طريقته، مخلصًا: ذلك الإله الذي صار طفلاً. لكي يعيش، يحتاج الإنسان إلى الخبز، إلى ثمر الأرض وثمر تعبه. ولكنه لا يعيش بالخبز وحده، بل يحتاج إلى قوت لنفسه: يحتاج إلى معنىً يملأ حياته. وهكذا، بالنسبة للآباء، أصبح مذود الحيوانات رمزًا للمذبح الذي عليه يوضع الخبز الذي هو المسيح نفسه: غذاء قلوبنا الحقيقي. ونعاين مرة أخرى كيف أصبح صغيرًا: فتحت شكل القربان الوضيع، في كسرة خبز، يهبنا الرب ذاته.

كل هذا تتضمنه العلامة التي أعطيت للرعاة والتي تعطى لنا أيضًا؛ الطفل الذي فيه صار الله صغيرًا من أجلنا. فلنطلب من الرب أن يهبنا النعمة لننظر في هذه الليلة إلى المغارة ببساطة الرعاة لكي ننال هكذا الفرح الذي حملوه هم إلى بيوتهم (أنظر لو 2، 20). فلنطلب منه أن يمنحنا التواضع والإيمان اللذين نظر بهما يوسف إلى الطفل الذي حملته مريم من الروح القدس. فلنطلب منه أن يهبنا أن ننظر إلى الطفل بتلك المحبة التي بها نظرت إليه مريم. ولنصل كيما ينيرنا ذلك النور عينه الذي أنار الرعاة ولكي يتحقق في كل العالم ما غناه الملائكة في تلك الليلة: "المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام للناس، أحباء الله". آمين!

الفاتيكان, (ZENIT.org)

البابا بندكتس السادس عشر

 

"الرب قال لي: أنت ابني؛ وأنا اليوم ولدتُك"

بهذه الكلمات من المزمور الثاني، تبدأ الكنيسة قداس سهرة الميلاد التي فيها نحتفل بميلاد فادينا يسوع المسيح، في مذود بيت لحم. سابقاً، كان هذا المزمور يعود إلى رتبة تتويج ملك يهوذا. وشعب إسرائيل، بسبب اختياره، كان يشعر بنوع خاص بأنه ابن الله، وقد تبنَّاه الله. وإذا كان الملك تشخيصاً لهذا الشعب، تنصيبه يُعاش مثل فعل احتفالي للتبنِّي من قبل الله. وفي ليل بيت لحم، كانت مثل هذه الأقوال بالأحرى تعبيراً عن رجاء أكثر منها حقيقة حاضرة، وقد اتخذت معنى جديداً وغير متوقع. فالولد في المذود هو حقاً ابن الله. فليس الله عزلة أزلية، بل حلقة محبة حيث  يعطي ذاته، ويعيد عطاء ذاته بالتبادل. إنه الآب والإبن والروح القدس.

وأكثر من ذلك: ففي يسوع المسيح، ابن الله، الله نفسه صار إنساناً. له قال الآب: "أنت ابني". و"اليوم" الأزلي لله نزل في "اليوم" الزائل للعالم، وهو يحمل "اليوم" العابر العائد إلينا إلى "اليوم" الأزلي العائد إلى الله. فالله من العظمة بحيث يمكنه أن يصبح صغيراً. والله من القدرة بحيث يمكنه أن يصبح ضعيفاً وأن يأتي إلى لقائنا مثل طفل دون دفاع، لكي يتسنى لنا أن نحبه. الله هو من الصلاح بحيث يتخلَّى عن بهائه الإلهي وينزل إلى إسطبل لكي نستطيع أن نجده، وبذلك يمسّنا صلاحه أيضاً، وينتقل إلينا ويستمر في العمل بوساطتنا. هذا هو الميلاد: "أنت ابني، وأنا اليوم ولدتُك!" لقد صار الله واحداً منا، ليتسنّى لنا أن نكون معه، وأن نصبح مثله. وقد اختار كعلامة طفلَ المغارة. هكذا هو. وهكذا نتعلم أن نعرفه. وعلى كل طفل يشع شيء من شعاع هذا "اليوم" لقرب الله الذي علينا أن نحبه وأن نخضع له – على كل طفل، حتى الذي لم يولد بعد.

لنسمع كلمة ثانية من ليتورجيا هذه الليلة المقدسة، وهي مستلَّة هذه المرة من سفر النبي اشعيا: "المقيمون في بقعة الظلام، أشرق عليهم النور" (9: 1). أن كلمة "النور" تدخل في ليتورجيا هذا القداس كلها. وهي مذكورة من جديد في مقطع مستمدّ من رسالة القدّيس بولس إلى طيطس: "لقد تجلَّت نعمة الله" (2: 11). ولفظة "تجلَّت" أو ظهرت تعود إلى اللغة اليونانية، وهي في هذا السياق، تقول الشيء نفسه مثلما تعبِّر اللغة العبرية عنه كما في "نور أشرق": الظهور، أبيفانيا (دنحا) هو تدفق النور الإلهي في العالم الذي تكتنفه الظلمة، والمليء بمشاكل لم تحلَّ بعد. أخيراً، يجلب لنا الإنجيل أن مجد الله ظهر للرعاة و"أشرق مجد الرب حولهم" (لو2: 9). وحيثما يظهر مجد الله، هناك ينتشر النور في العالم. ويقول القديس يوحنا : "إن الله نور لا ظلام فيه" (ايو 1: 5). والنور مصدر الحياة.

إلا ان النور يعني معرفة حقيقة بالتناقض مع ظلمة الكذب والجهل. وهكذا فإن النور يحيينا ويدلّنا على الطريق. ثم ان النور، لأنه يمنح الحرارة، فهو يعني المحبة أيضاً. فحيثما تكون المحبة، يظهر النور في العالم. وحيثما يكون الحقد يكون العالم في الظلمة. أجل، لقد ظهر في اصطبل بيت لحم النور العظيم الذي ينتظره العالم. وفي هذا الطفل الراقد في الإصطبل، يظهر الله مجده- مجد المحبّة التي تقدّم ذاتها هبة وتحرم ذاتها من كل عظمة لتقودنا على طريق المحبة. ونور بيت لحم لم ينطفىء بعد أبداً وطوال قرون لمسَ الرجال والنساء، وأحاطهم بالأنوار، وحيثما ظهر الإيمان بهذا الطفل، هناك أيضاً تفجَّرت المحبة – الطيبة تجاه الآخرين، والإنتباه السريع إلى الضعفاء والمتألمين، ونعمة الغفران. وانطلاقاً من بيت لحم، خط من نور ومحبة وحقيقة يغزو القرون. وإذا نظرنا إلى القديسين – من بولس وأوغسطينس إلى القديس فرنسيس، والقديس عبد الأحد "دومنيك" وفرنسيس كسفاريوس وتريزا الأفيلية والأم تريزا كلكتا- رأينا هذا التيار من الصلاح (الطيبة)، وهذا سبيل النور الذي يتجدد دوماً ويشتعل في سر بيت لحم، لهذا الإله الذي جعل ذاته طفلاً. ففي هذا الطفل، يعارض الله بصلاحه عنف هذا العالم ويدعونا إلى اتباع الطفل.

مع شجرة الميلاد أتانا أصدقاؤنا النمساويون أيضاً بشعلةٍ صغيرة كانوا قد أوفدوها في بيت لحم، ليقولوا لنا ان سر الميلاد الحقيقي هو البهاء الباطني الآتي من هذا الطفل. لندع هذا البهاء الباطني ينتقل إلينا، وأن يوقد في قلبنا الشعلة الصغيرة، شعلة صلاح الله. وبمحبتنا، لنحمل جميعنا النورَ إلى العالم! ولا نسمح بأن تنطفىء هذه شعلة النور بتيارات زماننا الباردة! لنحفظها بأمانة ونهبها للآخرين! وفي هذه الليلة التي فيها تتّجه انظارنا إلى بيت لحم، نريد أيضاً أن نصلِّي بنوع خاص لأجل موضع ميلاد فادينا وللذين يعيشون فيه ويتألمون فيه. نريد أن نصلِّي لأجل السلام في المدينة المقدسة. انظر، يا رب، إلى هذه البقعة من الأرض التي هي وطنك وهي حبيبة لك! اجعل نورك يشعّ فيها! واجعل السلام يستتبّ فيها!

وبكلمة "السلام" وصلنا إلى الكلمة الثالثة التي تهيمن على ليتورجيا هذه الليلة المقدسة. إن الولد الذي يعلن عنه أشعيا يدعوه "أمير السلام". ويقال عن ملكه أن السلام لن يكون له نهاية فيه. وفي الإنجيل يقال للرعاة "المجد لله في العلى، وعلى الأرض السلام...". وسابقاً، كنا نقرأ: "... للناس ذوي الإرادة الصالحة..." أمَّا في الترجمة الجديدة، فيُقال: "للناس اللذين يحبهم". فماذا يعني هذا التغيير؟ أليس قيمة للإرادة الصالحة بعد الآن؟ لنطرح السؤال بنوع أفضل: من هم الأناس الذين يحبهم الله، ولماذا يحبهم؟ وهل الله منحاز؟ وهل يحب أشخاصاً معيّنين، ويترك الآخرين وشأنهم؟ ويجيب الإنجيل على هذه الأسئلة إذ يقدّم لنا بعض أشخاص يحبهم الله بنوع خاص. إنهم أشخاص معيَّنون: مريم، يوسف، اليصابات، زكريا، سمعان، حنة، الخ... وهناك أيضاً فرقتان من الأشخاص: الرعاة، وحكماء المشرق الذين يسمون الملوك المجوس. ولنتوقف في هذه الليلة عند الرعاة: أي نوع من الناس هم؟ كان الرعاة في أوساطهم محتقرين، ولم يكونوا موضع ثقة كبيرة، ولم تكن شهادتهم تُقبل في المحاكم. ولكن من كانوا في الحقيقة؟ لم يكونوا بالتأكيد قديسين كباراً، إذا قصدنا بهذه اللفظة أناساً ذوي فضائل بطولية. كانوا أناساً بسطاء. ويسلِّط الإنجيل الضوء على ميزة سيكون لها لاحقاً، في أقوال يسوع، دور مهم: كانوا ساهرين! وهذا أمر مهم بالمعنى الخارجي: كانوا، في الليل، يسهرون على مواشيهم. إلا أن الأمر مهم أيضاً بالمعنى الأعمق: كانوا متفرغين لكلمة الله. ولم تكن حياتهم منغلقة على ذاتها، وكان قلبهم منفتحاً. وكانوا، نوعاً ما، ينتظرونه. وكانت يقظتهم تفرّغاً: تفرّغاً ليسمعوا، وتفرّغاً ليذهبوا، وكانت انتظاراً للنور الذي سيدلّهم على الطريق. وهذا هو ما يهمّ الله! فإن الله يحبّ جميع البشر لأن الجميع خلائقه. إلا أن هناك أناساً قد اغلقوا نفسهم، فلا تجد محبته أي مجال للدخول إليها. يعتقدون أنهم ليسوا بحاجة إلى الله، ولا يريدونه. وهناك غيرهم أدبياً فقراء وخطأة مثلهم، ولكنهم يتألمون لهذا الأمر في الأقل. إنهم ينتظرون الله، ويعلمون أنهم بحاجة إلى جودته، حتى إن لم يكن لهم فكرة واضحة عن ذلك. ففي قلبهم المنفتح للانتظار، في وسع نور الله أن يدخل، ومعه السلام. يبحث الله عن أناس يجلبون السلام ويعطوه. لنسأله ألا يجد قلبنا منغلقاً. ولنعمل بحيث نستطيع أن نصبح حملةً نشطين لسلامه – لا سيما في زماننا هذا.

عند المسيحيين، اتّخذت كلمة السلام بعد ذلك معنىً خاصاً جداً. فقد أصبحت اسماً يُشير إلى الإفخارستيا. ففيها حاضر سلام المسيح. وبفضل جميع الأمكنة التي فيها نحتفل بالإفخارستيا، تمتدّ شبكة من السلام إلى العالم كله. فالجماعات التي تلتئم حول الإفخارستيا تشكل مُلكاً للسلام واسعاً مثل العالم. وحينما نحتفل بالإفخارستيا، نكون في بيت لحم أي في "بيت الخبز". فالمسيح يعطينا ذاته، ومع ذلك يمنحنا سلامه. إنه يعطينا هذا السلام! لكي نحمل نور السلام إلى أعماق ذاتنا، ولكي ننقله إلى الآخرين، ولكي نصبح صانعي السلام، فنُسهم بذلك في السلام في العالم.

لنصلِّ إذا: يا رب، حقّق وعدك! إجعل السلام ينشأ حيثما يوجد الخلاف! إجعل المحبة تنفجر حيثما يسود الحقد! إجعل النور يشرق حيثما تخيِّم الظلمات! إجعلنا حملةَ سلامك! آمين.

الإثنين, 21 كانون1/ديسمبر 2015 18:52

الرسالة الرعوية الثانية "رحماء كالآب"

إلى

الآباء الكهنة الأفاضل

الإخوة الرهبان والأخوات الراهبات

الشمامسة والمُكرسين

المؤمنين الآجلاء

 1. يطيبُ لي أن أتوجّه إليكم برسالتي الراعوية الثانية، التي تأتي تجاوباً مع رغبةِ قداسة البابا فرنسيس ودعوتهِ في إعلان سنة يوبيل الرحمة الإستثنائي (8 كانون الأول 2015 إلى عيد يسوع الملك في 20 تشرين ثاني 2016). آملُ في أن نتجاوب مع هذه الدعوة لتكون سنة رحمةٍ ونعمةٍ لعوائلنا ورعايانا وكنيستنا.

سنة اليبوبيل كانت في العهد القديم سنة تحرُر وخلاص للعبيد وللأسرى وحتّى للأراضي التي أستُغلّت أو أُستُملِكَت خلال تسع وأربعين سنة (أحبار 25: 8- 55). وبدأ البابا بونيفاسيوس الثامن سنة 1300 بإقامةِ "السنة المُقدسة" لتكون مرّة كل قرنِ، ومع سنة 1475 أرادت الكنيسة ان يستفيد المؤمنون من الخيرات الروحية لهذه السنة فأعلنَت كل 25 سنة، مع إمكانية إعلان سنة إستثنائية كلما أقتضت الحاجة الروحية والراعوية لذلك. ليكون عدد السنوات المُقدسة التي احتفلت بها الكنيسة، مع سنة الرحمة التي اعلنها البابا فرنسيس سبعٌ وعشرونَ سنةً.

2. بهدفِ إعادة إكتشاف محبّة الآب لنا والتي كَشفَ عنها بيسوع المسيح مُخلّصنا، وفي مواجهة أساليب العنّف والإرهاب الجارية في عالمنا اليوم، دعا قداسة البابا فرنسيس إلى سنة يوبيل إستثنائية أُفتتحَت يوم الثامن من شهر كانون الأول 2015، إذ تحتفل الكنيسة بعيد العذراء مريم المحبول بها بلا دنس، ليُؤكِد قداستهُ أن رغبة الله كانت ولن تزال عودة الإنسان الخاطئ إليه، فهيأ أمنا مريم لهذا التدبير الخلاصي. لذا، أراد قداسة البابا أن تكون سنّة الرحمة هذه سنة تحرُر وغفران فيها نؤكد على أولوية الله في حياتنا، الذي غفرَ لنا برحمتهِ، ويقبلنا أبناء له بحنانهِ. فالرحمة ليست عواطف جيّاشة متوجهة نحو الآخر، بل هي أولاً وقبل كل شيءٍ الإعتراف بالله إلهاً أوحد والصلاة إليه شاكرين نعمة الغفران التي أنعمَ بها علينا، فتكون هذه الرحمة ولادة جديدة، تنعكسُ أخيراً في شهادة حياة الرحمة والحنان مع القريب: "أرحمُ لأني قبلتُ الرحمة".

شدد البابا فرنسيس في "البراءة الرسولية" التي أصدرها في هذه المناسبة والتي حملت عنوان: "وجه الرحمة"، على أن في يسوع أظهرَ الله "رحمة"، فهو وجه رحمة الآب، فصارت الرحمة في ربّنا يسوع منظورة وملموسة: "في البَدءِ كانَ الكَلِمَة والكَلِمَةُ كانَ لَدى الله والكَلِمَةُ هوَ الله" (1 يوحنا  1: 1)، فمَن رأه رأى الآب (يوحنا 14: 9). هذا إيماننا الذي نحتفل به شاكرين، لأنه إيمانٌ يبعث فينا طمانينة وسلاماً من أن الله بمحبتهِ تغلّب على خطايانا وتجاوز عثرتنا وقبلنا من جديد أبناء له، وهو يدعونا إلى أن ننظر إلى الآخرين بعيون الرحمة، فنَرحَم ونرأف ونقبَل مَن تجاوزَ علينا، ونمد يد المُصالحة إلى مَن يُعادينا، فهذه السنة ليست للمُحاسبة أو المُعاتبة وتصفية الحسابات، بل سنة تحررٍ للذات أولاً من كل ما يأسرها إن كان غضبٌ أو حنقٌ، لنعيش "رحمة" الآب الذي يستقبلُ إبنه الضآل حتّى من دون أن يسمح له بأن يُكمِلَ فعل الإعتراف الذي هيأهُ مُسبقاً. علينا أن نسعى لنُحقق بهذا رحمة الآب لنا، ونكشِف عن هويتنا: "نحن مَن أحبهم الله ورحمهم وترأف عليهم".

لم تكن كلمة الله الأخيرة؛ ربّنا يسوع المسيح كلمة مُعاقِبة، ولم يُعلِن الله حُكمَ الهلاكِ على الإنسان الخاطئ منتقماً لنفسهِ من أجل الإهانات التي تلّقاها، بل واجه خطيئة الإنسان بالغفران وهداهُ طريق الخلاص بالرحمة والرأفة التي قدّمها بيسوع المسيح. وليست هذه الرحمة رخيصة، فإنها كلّفت الله إبنه يسوع المسيح. إنها رحمةٌ أعطت الإنسان حياة جديدة لأن الرحمة لا تتعلَّق بماضي الإنسان إذ تغفِر له خطاياهُ فحسب، بل هي مُوجهة نحو حاضره ومُستقبله فتمنح له حياةً جديدةً، فهو "محبوبُ الله"، وعليه أن يعيش هذه الرحمة إلتزاماً مُحباً بالقريب.

الرحمة في الكتاب المُقدس (التعابير والمفاهيم)

3. يستخدم الكتاب المُقدس لفظتين عبريتين، الأولى "راحاميم" وتُترجَم عادة بـعبارة "الرأفة" في العربية، معبرة عن إرتباطٍ غريزي بين كائنين يتمركّز في بطن الأم "الرحم: ريحيم"، كما وردت في الجدال الذي دار في ديوان الملك سليمان حول عائدية إبنٌ حيّ إلى إحدى المرأتين: "فكلَّمَتِ المَلِكَ المَرأَةُ الَّتي ابنُها الحَيّ، لان أَحْشاءَها تَحرَكَت على أبنِها، وقالَت:((أًرجوكَ يا سَيِّدي. أَعْطوها الوَلَدَ حَيًّا ولا تَقتلوه)). فقالَتِ الأُخرى:((بل لا يَكونُ لي ولا لَكِ. أُشطُروه)). فأَجابَ المَلِكُ وقال:((أَعْطوا هذه الوَلَدَ الحيَّ ولا تَقْتُلوه، لأَِنها هي أُمُّه))." (1 ملوك 3: 26- 27). فـ"راحاميم" شعور كياني يُحرِك الشخص تجاه الآخر حناناً: "تَذَكَّرَ عَهدَه لَهم وأَشفَقَ بحَسَبِ مَراحِمِه الوافِرَة" (مز 106: 45)، أو غافراً لهم الإهانة التي ألحقوها به: "وللسَّيِّدِ إِلهِنا الرَّحمَةُ والمَغفِرَة، لأِنَّنا تَمَرَّدْنا علَيه." (دانيال 9: 9).

أما التعبير العبري "حيسيد"، الذي يُترجَم عادة إلى العربية بالرحمة، فيُشير إلى "التقوى" أي العلاقة الروحية التي تربط كائنين معاً، والنابعة من الأمانة الشخصية تجاه العلاقة مع الآخر. فحين يكون التعبير الأول "راحاميم" فالمعنى هو: تحركٌ نحو الآخر، ويأتي التعبير الثاني "حيسيد" ليُشيرَ إلى تحركٌ نحو الذات. فالله، إذ يُقابِل الإنسان شريكهُ في العهد، يكون رحيماً "راحاميم" معه، وعندما يغفر له خطاياهُ رحمة "حيسيد"، فهو يُعبّر عن طبيعتهِ، التي لا يُمكن أن يُخالِفها.

مزايا الرحمّة الإلهية

رحمةٌ خلاّقة

4. رحمة الله خلاّقة بطبيعتها. فمع أننا لا نجد تعبيراً صريحاً عن الرحمة في قصّة الخلّق، إلاَّ أن الجميع يرونَ على أن فعل الخلِق نفسه هو تواصلٌ لمحبة الله التي تصل ذروتها في خلقِ الإنسان لا خادماً له بل شريكاً، يحظى بكامل حقوق الشراكة: "وقالَ الله: ((لِنَصنَعِ الإِنسانَ على صُورَتِنا كَمِثالِنا وَلْيَتَسَلَّطْ على أَسْمَاكِ البَحرِ وطُيورِ السَّماء والبَهائِمِ وجَميعِ وحُوشِ الأَرض وجميعِ الحَيَواناتِ الَّتي تَدِبُّ على الأَرض))." (تك 1: 26). فالرحمة خلقُ واقع جديد يختلِف عن سابقهِ. فهي خلاّقةٌ من طبعها، وتمنحُ الآخر حياةً لا يستحقّها ولا ينتظرها، فتأتي نعمةً مجانيّة: لا يستحقّها الإنسان ولا ينتظرها: "أَمِلْ أُذُنَكَ يا إِلهي وآسمَعْ. إِفتَحْ عَينَيكَ وآنظُرْ دَمارَنا والمَدينةَ الَّتي دُعِيَ آسمُكَ علَيها، فإِنَّنا لَسْنا لِأَجلِ أَعْمَالِ بِرِّنا نُلْقي تَضَرُّعاتِنا أَمامَكَ، بل لأِجل مراحِمِكَ الوافِرَة." (دانيال 9: 18). وعندما يدعونا ربّنا يسوع لنكون "رُحماء كالآب"، فهو يدعونا إلى أن نكون مُشاركينَ الله في فعلِ الخلق، فحينما نُمارِس الرحمةَ بامتنانٍ وشُكرٍ لله الآب، فنحن نخلق فرص حياةٍ جديدة لمَن هم من حولنا، يراهُ الله "حَسَنٌ جِدّاً" (تك 1: 31).

رحمةٌ تغفِر

5. ويُعرَف الله في كلّ الأرض على أنه: "إلهٌ رحيمٌ رؤوفٌ": "وصَلَّى إلى الرَّبِّ وقال: (( أَيُّها الرَّبّ، أَلَم يَكُنْ هذا كَلامي وأَنا في أَرْضي؟ ولِذلك بادَرتُ إِلى الهَرَبِ إِلى تَرْشيش، فإِنِّي عَلِمتُ أَنَّكَ إِلهٌ رَؤُوفٌ رَحيمٌ طَويلُ الأَناةِ كَثيرُ الرَّحمَةِ ونادمٌ على الشَّرّ." (يونان 4: 2). ولأن الله  محبة (1 يوحنّا 4: 8) يتحرَك رحمةً تجاه الإنسان المُضطّهَد والمُهان، مثلما فعل في مصرَ (خروج 3: 7-8)، وأمانةٍ للعهد الذي تعاهَد به مع شعبه الذي صارَ وإياه واحداً. كما ويتحرَك نحو الخاطئَ فتغلب محبتهُ خطيئة الإنسان، لأنه يُقدِم للإنسان نفسهُ: محبتهُ: "ومَرَّ الرَّبُّ قُدَّامَه فنادى: ((الرَّبُّ الرَّبّ! إِلهٌ رَحيمٌ ورَؤُوف، طَويلُ الأَناةِ كَثيرُ الَرَّحمَة والوَفاء، يَحفَظُ الَرَّحمةَ لأُلوَف، وَيحتَمِلُ الإثمَ والمَعصِيَةَ والخَطيئَة، ولكنَّه لا يَتُركُ دونَ عِقابٍ شَيئاً، فيُعاقِبُ إِثْمَ الآباءِ في البَنينَ وفي بَني البَنينَ إلى الجيلِ الثَّالِثِ والرَّابِع))" (خروج 34: 6- 7). فلا تتغلّب خطيئة الإنسان، التي تستحِق العقابَ على رحمةِ الله، بل يُرَحَم من جديد (هوشع 2: 23). فرحمة الله تشفق على البائِس وتغفِر للخاطئ: "أَفَلا أُشفِقُ أًنا على نينَوى المَدينةِ العَظيمةِ الَّتي فيها أَكثَرُ مِنِ آثنَتَي عَشرَةَ رِبْوةً مِن أُناسٍ لا يَعرِفونَ يَمينَهم من شِمالِهم، ما عدا بَهائِمَ كَثيرة؟ ))." (يونان 4: 11). هي رحمة تغفر وفي غفرانها تخلّق واقعاً جديداً يسمح للإنسان أن يولَد من جديد.

6. ولكن، كيف يُمكن لله أن يحفَظ حقّه في أنه: الربُّ الإله الأوحد الذي لا يقبل بوجودِ آلهةٍ أخرى غيره في حياة الإنسان؟ وأن يُبقي العهدَ مع الإنسان ويُديمهُ على الرُغم من أن الأخير يتجاوز هذا الحق سبع مرّات على الأقل في النهار، والتي ينتج عنها تجاوزات على أخيه الإنسان سبعين مرّة سبعُ مرات؟ الجواب هو: لأن الله الآب يُحبُ الإنسان، فيرحمهُ ويغفِر له زلاّتهِ ويسمح له ليبدأ العلاقة من جديد، ليأتي الغفران نعمةً مجانية لإنسان لا يستحقهّا، مثلما أن يضمهُ حُباً إزاء ألمٍ أو ظلم لا يستحقهُ، وليُعلِّم الإنسان كيف يسعهُ أن يُديم العلاقة مع القريب الذي أخطأ بحقهِ، فيغفِر له، حتّى إن الله منعَ الإنسان من أن يسعى وراء انتقام شخصي، فأمره: "لي الإنتقام" (تثنية الإشتراع 32: 35)، و"لا تَنْتَقِمْ ولا تَحقِدْ على أَبْناءِ شَعبِكَ، وأَحبِبْ قَريبَكَ حُبَّكَ لِنَفسِكَ: أَنا الرَّبّ." (أحبار 18:19). فتغدو العدالة هنا طريقاً نحو رحمة وغفران إنساني مسؤول، فلا رحمة من دون عدالة، ولا عدالة من دون رحمة.

7. من الواضح جداً أنَّ الله يُؤسس عهدهُ مع الإنسان بدافعِ محبتهِ من دون أن يتحدد ذلك بمقدرة الإنسان على الإستجابة لبنود العهد دوماً، وإلا فكان على الله الإنسحاب من هذا العهد في أقل تقديرٍ. غاية هذا العهد هو الإنسان مع أن هذا لا يعني إعفاء الإنسان من أي إلتزاماتٍ أخلاقية في العهد مع الله، في حالة من الفلتان الأخلاقي، على العكس، يبقى الطرفان مسؤلين عن تتميميهِ والحفاظ عليه: "إِذهَبي ولا تَعودي بَعدَ الآنَ إِلى الخَطيئة" (يوحنّا 8: 11)، فهذا هو الذي يجب أن يحصل ليكونَ الإنسان صالحاً. ربّنا يسوع لا يتجاهل خطيئة المرأة ولا يُبرّرها بالقاء المسؤولية على الآخرين أو الظروف التي دفعتها إلى ذلك، هي تتحمل المسؤولية وهي تقبل ذلك على ذاتها، مؤكّدة على أنها إنسانة حُرّة ومسؤولة عمّا حصل. وهي تقبلُ غفران يسوع الذي يُؤكِد لها أنها لن تُحبَس في خطاياها، هو الذي جاء ليُحرر المسجونين ويُطلق سراحَ مَن أسرتهم الخطيئة (لوقا 4: 18- 19). هذا التحرير هو عملية تطهير، أي إستحضار الماضي (الخطيئة) وتغييرهُ، حتّى لا يتكرر من جديد، بل يكون بدءً جديداً، وقيامةٌ إنسان جديد التي صارت للإنسان نعمةً من الله الغافِر، هكذا تتضمن الرحمة دينونة (عدالة) ولكنها تتجاوزها في ذات الوقت.

رحمةٌ تتجاوز الدينونة

قصة كرم نابوت (1 ملوك 21)

8. ينتظّر الله من ملكهِ أن يكون حامياً للفقراء وسنداً للمُستضعفين وعوناً للأرامل والأيتام، وليست الحال كذلك دوماً. هوذا آحاب الملك، يطمع في كرمِ نابوت المجاور لقصره، وقد رفضَ هذا التنازل عن ميراث آبائه، لكنّ جشعَ آحاب وسطوتهِ تحوّلت إلى حزن وغضب أدى إلى قتلِ نابوت ظلماً وإستملاكِ الكرم، وكلُّ ذلك باسم الله. هي قصة تتكرر مئات المرات كل يومٍ على هذه الأرض.

بعث الله نبيّه إيليا إلى الملك وإلى زوجتهِ إيزابيل متهماً إياهما بالجشع والتسلّط والقتل. فلا يُمكن لله أن يترك التاريخ يطوي هذه الصفحة من دون أن يكون له فيه حُكم. فأصدرَ إيليا اللعنة على بيت الملك آخاب، وأخبرهم أن الكلاب سوف تأكل إيزابيل عند سور يزرعئيل. هذا الإعلان كان كفيلاً بأن يُشعِر الملك بموقفهِ القبيح، فتابَ واعترف بذنبهِ متأسفاً ونادماً ولكن دون أن يُبرِر فعلتهُ، أو يغفِرَ لنفسه ما حصل، أو أن يقترِح تعويضات عمّا قد حصل، فما مِن مالٍ يعوّض حياة إنسان أبداً. الجريمة جعلتهُ أسيرَ شرّه فلا خلاص له، فالناس لا تعرفهُ بأنه "الملك"، بل قاتلُ نابوت الفقير. فصار بحاجةٍ إلى مَن يهبُ له الخلاص والغفران، بحاجة إلى مَن يُحييهِ من جديد، بحاجة إلى قيامة، لأنه لا يُمكن له أن يغفِر لنفسه ما حصل. عليه أن ينتظر الغفران ويشتاق إليه شوقه إلى الله الذي غيّبهُ هو عن حياتهِ، مع التأكيد: أن ليس له حقٌّ في ما يطلُب وما يشتاق إليه، فهو لا يستحقهُ. لذا، يأتي الغفران نعمة من إلهٍ مُحِبٍ يهبهُ مجاناً وليس عليه أي إلزامٍ في أن يهبَ هذا الغفران. منح الله المحبة غفرانهُ حين رأى ندامة آخاب وتأسفهُ الذي أرادَ أن يُوقِف الشّر حيثما حدث، من دون أن يُمرره على آخرين. المحبّة هي سببُ هذه الرحمة وهذا الغفران، إذ لا يُوجَد سببٌ منطقي للغفران إزاء الشر المُرتَكَب. الغفران الإلهي لا يتحدد في الجُرمِ ذاتهِ فحسب، بل يفتح إمكانية حياة جديدة للفرد وللجماعة.

رحمةُ تخدُم

9. عندما اكتملَ الزمان أرسل الله ابنه ليكونَ بكراً لكثيرين: "فَحُقَّ علَيه أَن يَكونَ مُشابِهًا لإِخوَتِه في كُلِّ شَيء، لِيَكونَ عَظيمَ كَهَنَةٍ رَحيمًا مُؤتَمَنًا عِندَ الله، فيُكَفِّرَ خَطايا الشَّعب" (عبرانيين 2: 17)، فيعلم الإنسان على أن يكون رحيماً كالآب، ويكون له قلبٌ مثل قلبِ الآب، قلبٌ شفوق ورحيمٌ وحنون تجاه القريب (لوقا 15: 20/31).

ربّنا يسوع جعل رحمة الله وحنانهُ واقعاً اختبره الإنسان في حياتهِ، فأشفقَ، والشفقة لم تكن عاطفة نكرة، بل تحركاً فعّالاً نحو الآخر. أشفقَ على الشعب الجائع: "فلَمَّا نَزَلَ إِلى البَرّ رأَى جَمعاً كثيراً، فَأَخذَتْه الشَّفَقَةُ علَيهم، لِأَنَّهم كانوا كَغَنَمٍ لا راعِيَ لها، وأَخَذَ يُعَلَّمُهم أَشياءَ كثيرة." (مرقس 6: 34)، وتحنن على المرضى: "فأَشفَقَ عليهِ يسوع ومَدَّ يَدَه فلَمَسَه وقالَ له: ((قد شِئتُ فَابرَأ))" (مرقس 1: 41). حنان يسوع مثل حنان الله لا يتعب ولا يكلُّ ويتغلّب على خطيئة الإنسان: "فقالَ يسوع: ((يا أَبَتِ اغفِرْ لَهم، لِأَنَّهُم لا يَعلَمونَ ما يَفعَلون))." (لوقا 23: 34). فالغفران كان الكلمة الأولى من على الصليب. هذا كلّه ليعلّم الإنسان كيف يكون رحوماً على مثال الآب، رحمةٌ تخدُم الآخر فيكون الإنسان قريبا من الجياع والعطاش والحزانى والمرضى، وعطوفاً تجاه الغرباء، ومُعزياً للحزانى وغافراً للخطأة. فربّنا يسوع، وجه رحمة الله لم يأتِ ليُخدَم بل ليخدُم، ويفدي بحياتهِ كثيرين. فالرحمة خدمةٌ من طبعها، وخدمتها خلاص للإنسان. هناك إرتباطٌ وثيق ما بين الرحمة والخلاص، فالرحمة التي نحن بصددها لا تتوقف عند خدمةِ حاجاتِ الآخر المادية فحسب، بل تتعدّى ذلك لتُعرّفه بالخلاص الذي جاء به ربنا يسوع المسيح الطريق الحق إلى الله الآب. الرحمة خدمةٌ تؤدى للآخر لتقريبهِ إلى الله.

10. فلا يُمكن للمسيحي أن يقول انه يعرِف الله وهو لا يُحبُ أخاهُ: "مَن كانَت لَه خَيراتُ الدُّنْيا ورأَى بِأَخيهِ حاجَةً فأَغلَقَ أَحشاءَه دونَ أَخيه فكَيفَ تُفيمُ فيه مَحبَّةُ الله؟ يا بَنِيَّ، لا تَكُنْ مَحبَّتُنا بِالكلام ولا بِاللِّسان بل بالعَمَلِ والحَقّ." (1 يوحنّا 3: 17- 18)، "أَيُّها الأحِبَّاء، فلْيُحِبَّ بَعضُنا بَعضًا لأَنَّ المَحَبَّةَ مِنَ الله وكُلَّ مُحِبٍّ مَولودٌ لله وعارفٌ بِالله مَن لا يُحِبّ لم يَعرِفِ الله لأَنَّ اللّهَ مَحبَّة." (1 يوحنّا 4: 7-8). من هنا جاء طلبُ الرسول بولس إلى كنيسة أفسس في أن يكون لهم مشاعرُ المسيح: (أفسس 1: 8)، فيندمجون في حركة الرحمة الإلهية التي قبلوها من الله الآب هبةً بيسوع المسيح، وهكذا تكون الجماعة (الكنيسة) كنيسة الرحمة. ربّنا يسوع يُريد من كنيستهِ ان تكون جماعة الرحمة لا الذبيحة مؤكداً بذلك على أولية الرحمة في حياة الكنيسة، وتكون معياراً لمُصداقيتّها. فتُمارس أعمال الرحمة الروحية: التعليم والنُصح والتعزية والتشجيع والمغفرة والإحتمالَ بصبرٍ، مثلما تلتزم بأعمال الرحمة الجسدية: الإحسان وإطعام الجياع وإيواء المُشرَدينَ وإكساء المُحتاجينَ والعناية بالمرضى وزيارة المسجونين ودفن الموتى.  

هل يُمكن للإنسان أن يُمارِس هذه الرحمة؟

صلاة الله إلى إبراهيم (تك 18: 16- 33)

11. لربما يقول البعض أن مثل هذه الرحمة يهبها الله ولن يُمارسها إلا هو نفسهُ!

نحن نؤمن بأنَّ الله  خلقَ الإنسان على صورتهِ كشبههِ (تكوين 1: 26)، فيُمكن للإنسان إذن أن يعيش هذه الرحمة إذ يُصغي إلى الله في طاعة الإيمان. ينبغي لنا أن نتأمل في كلمة الله التي تُحدثنا عن أن مسيرته مع الإنسان، وهي مسيرة رحمةٍ بامتياز، من خلال روايات كتابية كثيرة، نتوقّف عند واحدة منها، وهي "صلاة إبراهيم من أجل مدينة سدوم" كما وردت في سفر التكوين (تكوين 18: 16- 33).

فبعدَ أن غادرَ الرجال الثلاثة خيمة إبراهيم،وقد حملوا له أخباراً سارّة عن ساراي، يقولُ الرَّبُّ: "أَأَكتُمُ عن إِبْراهيمَ ما أَنا صانِعُه، وإِبْراهيمُ سيَصيرُ أُمَّةً كبيرةً مُقتَدِرةً وتَتَبارَكُ بِه أُمَمُ الأَرضِ كلُّها؟ وقدِ اَختَرتُه لِيُوصِيَ بَنيه وبَيته مِن بَعدِه بِأَن يَحفَظوا طَريقَ الرَّبِّ لِيَعمَلوا بِالبِرِّ والعَدْل، حتَّى يُنجِزَ الرَّبُّ لإِبْراهيمَ ما وَعَدَه بِه))." (تكوين 18: 17- 19) أمانة للعهد الذي قطعه الله مع إبراهيم يجعله يجد صعوبة في أن يُخفي على شريكهِ ما يُفكر فيه، ولاسيما أن الأمرَ يتعلّق بشعبٍ مدينةٍ، وابراهيم اختيرَ لتتبَارَك به جميع الشعوب. والبركة التي يقبلُها إبراهيم يقبلها كمسؤولية جسيمة وُضِعَت على عاتِقه وعليه أن يلتزمها تكليفا لا افتخاراً، فيُعلَّم أهل الأرض أن يسلكوا بالعدل والإنصاف. أبوّة إبراهيم شاملة لكل الأرض.

وصلت إلى مسامع الله شكاوى عن أهل سدوم فالعدل والإنصاف غائبٌ مُغيّبٌ عمداً عن هذه المدينة، لذا، لزِمَ الأمر تدخلاً إلهيا حاسماً، وقرر الله أخيراً أن يفتحَ ملف التحقيقات أمام إبراهيم الذي كان يعيش في منطقة حبرون قربَ مدينة سدوم، المدينة التي لا تعرف مصيرها ولا تعلم بالشكاوى التي رُفعَت ضدّها إلى الله ولم تتعرّف على شفيعها إبراهيم. من الواضح جداً أن "سدوم" ليست مدينة خارج العهد الذي أبدعه الله مع الإنسانية من خلال إبراهيم، وإبراهيم الذي يعلم مصير هذه المدينة ليس مُهتمّاً بإنقاذ حياة إبن أخيه لوط وعائلته فحسب، بل تحدّث إبراهيم إلى الله عن الإنسانية الواقفة أمام الله. لم ينزل الله إلى سدوم ليُعاقبها، بل نزلَ ليتحقق بنفسه من حقيقة هذه الشكاوى والتُهَم: "وَقَالَ الرَّبُّ: ":((إِنَّ الصُّراخَ على سَدومَ وعَمورَةَ قدِ آشتَدَّ وخَطيئَتَهم قد ثَقُلَت جِدًّا. أَنزِلُ وأَرى هَل فَعَلوا أم لا بِحَسَبِ ما بَلَغَني مِن صُراخٍ علَيها، فأَعلَم))." (تكوين 18: 20- 21). قصد الله كان ليتعرّف على حقيقة هذه الشكاوى، فصُراخ المظلومين يصلَ مسامع الربِّ، فلابد من أن ينزل ويعرف وينصفهُم (خر 3: 7-8). ويعرف كلٌ من الله وإبراهيم نتيجة التحقيقات: سدوم مدينة مُذنبة وتستحق العقاب، ولكن هذا لا يمنع من أن يسأل إبراهيم نفسه: إذا ثبُتَ أن هذه المدينة مُذنبة فهل سيُعاقب الله المدينة ويُهلكها عن بكرة أبيها؟ وإذا فعل الله هذا عقاباً لخطاياهم، تُرى ما إختلافُ الله عن الإنسان؟ وما الذي يُحدد تعامل الله مع الإنسان: أعمال الإنسان أم قداسة الله؟ شرُّ أهل سدوم أم برُّ الله وعدالتهُ؟

لذا، وّقفَ إبراهيم أمام الرب حاملاً إنسانيّته كلّها أمامهُ: "أنا تُرابٌ ورماد" (تكوين 18: 27). في محاولة للدفاع عن شريكه: الله، وعن الإنسان قريبهِ، لئلا تسوء هذه العلاقة بينهما. وقف حاملاً اختيار الربِّ له بما يتضمّنه من بركة ووعدٍ ومسؤولياتٍ لاسيما في سلامة حياة الناس ورفاهيتهِم. إنسانية إبراهيم تحتضن إنتمائه القومي وتتجاوزهُ، فشعرَ بأنه مسؤول عن إنسانية الآخر الذي يختلَف عنه ديناً وثقافةً. هو مسؤول عن إنسانية العالم كلّه. وهذا يُعطينا صورة عن أن برَّ إبراهيم لا ينحصر في طاعةٍ عمياء فحسب، بل في عطفٍ مسؤول تجاه الآخرين. هنا يتكامل البُعد الأفقي للإيمان: إبراهيم مع الله، مع البُعد العمودي، وإبراهيم مع الآخرين مع البُعد الأفقي، فيُظهِر تضامناً مع الجميع، ويسأل الله أن تتوسع حدود رحمته لتسوعِبَ عدله إلى أن يصلَ إلى بشارة مُفرحة: يا إبراهيم يُمكن لصديقين قلائل أن يُخلصوا مدينةَ أشرارٍ. فبيّنَ الربُّ من جهتهِ أنه مُهتمٌ بخلاص البار أكثر من هلاك الأشرار: "لا أُزيلُ المدينة إكراماً للعشرةِ" (تكوين 18: 32). وأرادَ إبراهيم في دفاعهِ عن "الصدّيقين" أن يُدافع أيضاً عن قداسة الله وبرّه، فإذا لم يُدمّر الله المدينة فهذا لأنه قُدّوس، وقداسة الله لا تعتمد على "شرِّ" أفعال الإنسان، لكن لأنه قدّوس في جوهره ومحبة في طبيعته ورحمةٌ في خروجهِ عن ذاتهِ.

12. بعد حوار إبراهيم مع الله، وبعد عناد أهل سدوم وعمورة ومواصلة العيش بعيداً عن العدل والإنصاف والاخلاق السليمة، سينالون نتيجة عصيانهم. ووقفَ إبراهيم عن بُعدٍ وتطلّع ورأى دُخان الأرضِ صاعداً من جهةِ سدومَ وعمّورة (تكوين 19: 27- 28). إنها وقفةٌ تُطلعنا على الماسي التي تحلُّ في كلِّ زمانٍ ومكان بالإنسانية من جرّاء قساوة قلب الإنسان، وتؤكد على ضرورة التضامن مع الجميع، ونعمل كل ما بوسعنا لإنقاذ الإنسان من اليأس والدمار ولتحسين سُبل الحياة الكريمة له. فهذه هي مسؤوليتُنا، مثلما اختبرها إبراهيم الذي ذكّرَ الله في بدء القصة بعدلهِ ورحمته وقداسته، وسعى ليُؤكّدَ له أنه ليس مثلُ الإنسان. لقد صلى إبراهيم لا من أجل خلاص حياته، بل من أجل خلاص حياة الاخرين. انه شعر بمسؤولية دعوته: بك تتباركُ الأمم. انها بركة مصدرها نعمة الله التي اختارته، الله الذي ليس إلهاً غضوباً، بل له قلبٌ يضطربُ ومراحمه تتّقد، فلن يُعاقبَ في  شدّةِ غضبه لأنه قدّوس (هو 11: 8- 9). وعلينا نحن المسيحيين أن نعيش إيماننا كمسؤولية عن حياة الآخرين ليعيشوا بكرامة أبناء الله الآب، الرحوم الرؤوف، فنحن كنيسة المسيح، كنيسة تخدُم.

كنيسة الرحمة؛ كنيسة الخدمة

13. الكنيسة، جماعة المؤمنين وملكوت الله العامِل على الأرض، هذا الملكوت الذي يعني في جوهره: أن يعيش الإنسان حضور الله في حياته، الله معه: عمانوئيل. الله الذي بشّرنا به ربّنا يسوع المسيح لم يكن فكرّة، بل إلهٌ له علاقة شخصيةٌ معنا، إلهٌ طيّب ويُريدنا أن نتذّوق هذه الطيبة. إلهٌ يتأثر لألم الناس ويسمع صُراخ المأسورين ويُشفِق على أرملةٍ فقدت إبنها، وعلى أختٍ سرق الموت أخيها. هكذا إستحضَر ربّنا يسوع حُب الله في كل ما عَمِل وما علّمَ، ففي يسوع بدء ملكوت الله الخلاصي: "فلَمَّا ظَهَرَ لُطْفُ اللهِ مُخَلِّصِنا ومَحَبَّتُه لِلبَشَر" (طيطس 3: 4). 

ملكوت الله، حسبما بشّرنا به ربّنا يسوع، ليس عُبودية، بل رعايةُ الإنسان وخدمته، فيتجلّى حضور الله المُحِب من خلال دخوله تاريخنا الإنساني متضامناً مع الفقير والمجروح والمريض والجائِع والحزين، وحريُّ بالكنيسة دوماً أن تتبع خُطاهُ، فتكون كنيسة رحمة من خلال خدمتها وتبشيرها أولئك الذين هم الأشد عوزاً والأكثر إنتظاراً للتحرر، وهذا التحرر علامة أصيلة لصدق خدمة الكنيسة. هم ليسوا "موضوع أعمال الخير والإحسان والرحمة التي نقوم بها" فحسب، بل هم حاملوا وعد الله الخلاصي، هم المُحسنونَ إلينا وليس العكس. إلهنا موجود حيثما يُخدَمُ الفقير ويُعتنى بالجائع والعطشان والمريض. هناك الله، وعلى كنيسة يسوع أن تواصِلَ هذا الكشفَ من خلال محبة القريب الخدومة.

يُلخِص ربّنا يسوع كل ذلك من خلال قصّة السامري الرحيم (لو 10: 30- 37) التي جاءت جواباً على سؤال طرحهُ عالم التوارة: "ومَن هو قريبي؟"

ثلاثة رجال (كاهن ولاوي وسامري) في طريقٍ قد ألقيَّ على قارعتهِ إنسان تعرَّض لأعمال إرهابية تركتهُ "جُثةٌ هامدة" لا تقوى على الصراخ لطلبِ المُساعدة، ولا يُمكن لهم التنكّر لهذا المشهد أو التهرّب منه، عليهم أن يتخذوا موقفاً إزاء ما شاهدوا، فالمشهدُ كان لهم بمثابة "دعوة ونداء" لتحمّل مسؤولية بقاء حياة هذا المجروح على الطريق.

مالَ الكاهن واللاوي عنه في حين مالَ السامري نحوهُ وأوقفَ رحلتهُ الشخصية ليُضمدّ جراحاتهِ من دون أن يسأل مَن السبب فيما حصل للرجل؟ ولا البحث عن تفاصيل ظروف هذا الحادِث؟ وقيِلَ عن موقف السامري أنه عمل "رحمةٍ" بإمتياز: "أشفقَ عليه" (لوقا 10: 33، 37). رحمة جاءت استجابةٍ إلى نداء صامتٍ أصغى إليه السامري، لأنه أحسَّ بألمهِ فقرر أن يحمل معهُ هذا الألم، فكّرس كل وقتهِ وإمكانياتهِ له وبسخاءٍ تام، فكل ما يملُك هو في خدمة الآخر، مُتخليا ًفي الوقت ذاتهِ عن مشاريعهِ وبرامجه الخاصّة، في خدمةٍ تامّة ومتواضعة، من دون أن ينتظر المكافأة من أحدٍ، أو أن يتطلّع إلى مجازاة من الله على فعلتهِ. هي رحمة خدومة، رحمةٌ مكلفةٍ، فصارَ مُخلصاً لمَن وقع بين أيدي اللصوص، وما أكثرهم اليوم. فأحبّ الله بكل القلب وكل النفس وكل القوة وكل الذهن، وقريبهُ أيضاً". 

نُصلي جميعاً لرحمة الله

14. أسس إسحق النينوي تعليمه عن الرحمة الإلهية النابعة من المحبة: "الله محبة"، فليس في الله إلا الرحمة، ومحبة الله هي من دون مقياس أو حدٍّ. لقد فعل الله كل ما بإمكانه أن يفعله وأعطى كل ما يمكنه أن يعطي بسخاءٍ تام وما احتفظَ لنفسهِ بشيءٍ، حتّى انه قدّم لنا أثمنَ ما عنده: إبنهُ. ستقبل رحمة الله كل الكائنات في العالم الآتي مثلما يفعل الآن في عالمنا الحاضر. إن رحمة الله أبدية، وتعبّر عن الجوهر الإلهي. "إذا كان هناك فترة زمنية حيث لم تكن الخليقة في الوجود، أحب الله الخليقة، حتى في فترة غير زمنية". فالإنسان مقبولٌ لديه لأن يدهُ المليئة رحمة تُصالِحُ الإنسان، وحنانهُ يشفعُ للإنسان، بل أن رحمةَ الله تُمكّن الإنسان من التوبة (تسبحة أسابيع الدنح).

أكّد مار أفرام، أن الله الذي لا يتغيّر بحسب طبيعته، برحمته تحنن علينا وأرسل ابنه: "الأزلي الأسمى من الكل، تنازّل بُحبهِ ليرفَع المتضعينَ إلى إسم عظمتهِ ويُصعِد الأرضيين إلى الدرجة الإلهية ... نزلَ إلى الأرض برحمتهِ ليرفعَ أبناء الأرض" (مدراش الأحد الأول من البشارة). فهدف التجسد إذن كان إصلاح الطبيعة الإنسانية وتجديدها، مثل ولادة بكر المخلوقات. لكن سبب التجسد لم يكن بالدرجة الأولى لغفران الخطايا، بل للتعبير عن الحب الإلهي: ليفهم الإنسان إلى أية درجة يحبه الله، حتى الصلب. ربّنا يسوع إنحنى ليُصلِح صورة الله التي صارت تشّوهت بالأثمِ ويُجددها بهبةِ الروح القُدس، وفيعيد الإنسان إلى المحبّة التي هو بحاجة إليها، وهذا كلّه عملُ محبّة الله (مدراش عيد الدنح)

15. يعرِف الإنسان أنه خاطئ، وممتلئٌ من الأثم والإفتخار الباطِل، والقسوة على الآخرين، والحسد من نجاح القريب، بل الفرحَ لسقوطهِ وفشلهِ. إلا أنه يقف مندهشاً أمام رحمة الله التي توبِخ من دون أن ترفض، وتحتضنِ عدالتهُ التي تطالِب بهلاك الإنسان بسبب كثرة خطاياه وعنادهِ" (مدراش الجسلة الأولى لإثنين الباعوثا). هذه الخطايا أضعفَـت الإنسان وجعلتهُ غير قادِرٍ على مواصلة الجهاد الروحي المطلوب، فعقلهُ وهُنَ وذراعهُ تراخّت، وكلّت يداهُ عن الإمساك بقوس الحق، صارَ قريباً من السقوط ليكون إضحوكة خصمهِ. فليس له إلا الله ليأتيه برحمتهِ ويٌعينهُ في جهادهِ. (مدراش الجلسة الأولى لأربعاء الباعوثا). إلهنا لن يتغافَل عن طلبِ فقرائه، بل يقبَل بمحبتهِ توبةَ الإنسان. فإذا طلب الإنسان الرحمة والحنان، فسينالها بوفرةٍ. فعليه (أي الإنسان) أن يُسرِع في طلبها بالصوم والصلاة (مدراش الجلسة الأولى لاثنين الباعوثا).

16. يقول مار نرساي: "عندما تصل إلى باب الملكوت السماوي، قبل أن تدخل سيسألك حارس الباب: هل تحمل واحداً معك؟ لأن الذي يحمل شخصاً آخر سيدخل، والا، تبقى عند الباب". فالإنسان الرحيم هو على صورة الله، لأن رحمة الله تجسدت فيه، وأصبح هو رحمة كلياً. إن رحمة الله هي بلا حدود، وهي الصورة التي يحاول الإنسان أن يحققها في الحياة. هذه الرحمة هي مصدر الخلاص. وخلاص الإنسان متعلق بخلاص العالم كله. بحسب قول مار اسحق: "إن الإنسان الكامل هو مستعدّ أن يقدّم نفسه للنار عشرة مرات يومياً، من أجل حبه للبشر. ولا يتعب أن يبذل حياته، على مثال موسى القائل لله: "إِن غَفَرتَ خَطيئَتَه... وإِلاَّ فآمحُني مِن كِتابِكَ الَّذي كتَبتَه))." (خروج 32: 32). الذي يحب الآخر، يبذل نفسه كلياً من أجل الآخر على مثال الله الذي سلم إلينا أغلى ما له: إبنه الوحيد الحبيب! فلا يُمكن للإنسان الرحيم أن يُفكِر في خلاصهِ بمعزلٍ عن الآخرين، لأنه إنسان متواضع يعرِف هشاشة إنسانيتة.

17. الإنسان المتواضع، الذي يُشبُه الله (فيلبي 2: 5)، سيعمل على تجديد العلاقات الأصلية مع الله ويُعيد الإنسجام الذي فُقِد بالخطيئة. إنسانٌ تعلّم في حياتهِ أن يُجسّد رحمة الله. إنه الإنسان الصالح ذو القلب المستقيم المُحِب على مثال الله الخالقِ. فالله بحبه خلق العالم وبحبه يقودهُ إلى التجلي. إن الحب هو أساس الخلق، كما أنه يشرق على كل شيءٍ. فالله بحبه منحنا معرفتهُ ، كما يتبين من العهد القديم، وعلى أساس هذا الحب أيضاً يهتم بالأبرار والأشرار دونَ تمييز. حُبه المُتجلّي في رحمته يفوق عدله، "لأن المسيح قد مات من أجلنا، نحن الخطأة". هذه المحبّة خلّصت الإنسان وحررتهُ وشفت أوجاعهُ وغفرت ذنوبه فأحياهُ الله من جديد (تسبحة تقديس الكنيسة). قصدُ الله من الخليقة هو أن تصبح مثله، مشابهةً له. فالمطلوب من الإنسان أن يكون له قلب رحيم، على صورة رحمة الله، قلبٌ يحترق من أجل الخليقة كلها. والله أمينٌ في محبتهِ".

كيف نعيش هذه الرحمة؟

18. باب الرحمة سيُفتَح من خلال فتح أبواب الكنائس الكاتدرائية في كل أرجاء العالم في الأحد الذي يلي الثامن من شهر كانون الأول 2015، ليعبر المؤمنون ويختبروا في الكنيسة محبّة الله التي تنتصر دوما على خطيئة الإنسان، وتتجاوز رفضه الذي يظهَر من خلال: تديَن ظاهري لا عُمَق فيه، أو في تعبّد مشروط، أو في سلوكيات لا تتوافق مع متطلّبات الإيمان بيسوع المسيح، وجه رحمة الله، والذي يدعونا لأن نعيش في حياتنا صورة الآب المُحِب، فنرحَم ونرأف بالآخرين. فمَن قَبِلَ الرحمة شاكراً سيعيشها بتواضِعٍ مع القريب. فتحُ الأبواب فرصة لفتح أبوابِ قلوبنا ليعبرُ الله والآخر إلينا: "فلْنتَقَدَّمْ بِثِقَةٍ إِلى عَرْشِ النِّعمَة لِنَنالَ رَحمَةً ونَلْقى حُظْوَةً لِيَأَتِيَنا الغَوثُ في حِينِه." (عبرانيين 4: 16)

19. الدعوة واضحة: أتُريد أن تختبِر غفران الله؟ أصغِ إلى بشارة الله بيسوع المسيح: "كونوا رحماء، كما أن أباكم السماوي رحيم (لوقا 6: 36). آمن بالبشارة وأبدأ المسيرة لأن ربّنا يقول لك: هذا ممكِن. صلِّ إليه. لا تدن ولا تسمَح لنفسك، مهما كُنتَ، بأن تجلس مكان الله وتُحاكِم الآخرين (لوقا 6: 37). لا تُثرثِر حسداً، ولا تنقل تفاهات الكلام عن الناس، ولا تتكلّم بالسوء عن الإخوة، لاسيما في غيابهم، ولا تُسىء إلى اسمهم وسمعتهِم. إِغفر الإهانات التي توجه إليك جهلاً أو عمداً. سامح وتخلَّ عن الحقِد والغضَب والعنف. لا تبحث كيف تثأر لنفسِك، ولا تسع في الإساءة مَن تجاوزَ عليك. أفرِغ ما في قلبِك من مرارة ونم براحةٍ: "((اِغضَبوا، ولَكن لا تَخطَأُوا))، لا تَغرُبَنَّ الشَّمْسُ على غَيظِكم." (أفسس 4: 26). لا تكن مرائيا وأنانياً وغيرَ مُبالٍ بأوجاوع الآخرين. لا تُلقِ كلاماً وتزرع شكّ والريبة والحيرّة في قلوب الآخرين. نقّ نظركَ فترى الخير الذي زرعهُ الله في الاخوة، فيتنقّى قلبُك من الخُبث والرياء والحسد والغضب والكبرياء. "لا تسمح بأن يتألم الشخص بالدينونة الجزئية وبالإدعاء بمعرفة كلِّ شيءٍ، فتحكم على الآخرين وفقَ مقاييس ضيّقة ومحدودة.

20. تحرر من عبادة آلهة العصر المزيفة: الشُهرة والتسلّط والغنى والمتعة، وآبحث عن كل السُبل التي تجعلُك صورة نقية لوجه الآب الرحوم. فمسيحيتنا ليست دعوة شخصية لنا فحسب، بل هي رسالة رحمة للآخرين. إلهنا يمنحنا فرصة "خدمته بمحبة" من خلال "خدمة الآخرين" : "((الحَقَّ أَقولُ لَكم: كُلَّما صَنعتُم شَيئاً مِن ذلك لِواحِدٍ مِن إِخوتي هؤُلاءِ الصِّغار، فلي قد صَنَعتُموه))." (متّى 25: 40). فيصير الفقراء سبب غنانا، ويعلموننا أننا واحة للرحمة وللنعمة من خلال الخير الذي زرعهُ الله فينا والذي نتقاسمهُ بمحبةٍ مع الآخرين. كُن أخاً حقيقياً وصديقاً أميناً. كُن قريبا من الفقراء، ورفيقاً للمرضى، ومُعزيا للمتألمين، وسنداً للمهجرين الذي باركنا الله في حضورهم في إيبارشيتّنا. قدّم النُصحَ الأخوي بمحبةٍ، وصلِّ لأجل مَن لم يتذوقوا طيبة الحياة. إزرع السلام بين العائلات المُتخاصمة، وأسعَ إلى تحقيق المُصالحة بينهما مهمّا كلّفك ذلك من جهدٍ. نبّهِ الخاطئين بتواضعٍ، واحتملَ مَن يزعجونكَ بصبرٍ، وصلَّ طالباً الرحمة (الغفران) عن الخطايا الكثيرة التي لا تراها في حياتِك وعن الخداع الذي تعيشه مع الآخرين، ليُساعدنا إلهنا في أن نرفع عن وجوهنا الأقنعة التي تُخفي خلفها إنسانية هشّة وخاطئة. هذه السنة فرصة مهمّة لنفتح قلوبنا بشفافية ونزاهة أمام الآب مؤمنين أنه أبونا المُحِب وهو ينتظرنا، وهو يثقُ بنا على الرغم من فشلنا ومحدوديتنا وخطايانا.   

الأهم إذن في كل هذه المسيرة هو أن نعمل على أن تتجلىَّ فينا صورة الآب المُحِب فينا. فالدعوة هي لنا: "كُن رحوماً مثل الآب. كُن مُحباً لأن الله خلقَك على صورته كمثالهِ، مُحباً، فالرحمة تقودنا إلى الله: المحبة. إرحَم ببشاشةٍ (روم 12: 8)، وأشكر الله على نعمة العائلة والأخوة والأصدقاء.

التقّرب من سّر التوبة

21. وبعد أن وصلّنا إلى ربّنا بأجاجينَ فارغة تُشيرُ إلى ضُعفنا وتقصيرنا، تتطلّع أمنا مريم وتُوعِز إلينا قائلة: "إفعلوا ما يقوله لكم"! ودعوتهُ واضحة: التوبة. هذه السنة زمن مُباركٌ فيه يفتح الله الباب لنا للعودة إليه حاملين له قلوباً إمتلأت بأمور غريبة عن الله. فيها كل شيءٍ إلاَّ الله. "لقد خلقنا الله بدوننا، ولا يُريد أن يُخلصنا بدوننا"، هذا ما كان يُردده القديس أوغطسينوس. وتقبلُ رحمتهِ يقتضي منّا الإقرار بذنوبنا. "إِذا قُلْنا: ((إِنَّنا بِلا خطيئة)) ضَلَّلْنا أَنفُسَنا ولَم يَكُنِ الحقُّ فينا.  وإِذا اعتَرَفْنا بِخَطايانا فإِنَّه أَمينٌ بارّ يَغفِرُ لَنا خَطايانا وُيطَهِّرُنا مِن كُلِّ إِثْم." (1 يو 1: 8-9) (ت م ك ك 1847). لذا، أدعو الجميع للتقّرب من سرّ التوبة والتقّدم إلى الإعتراف الفردي، والذي فيه سيستقبلُكم الكاهن فرحاً، فرحة الآب بعودة إبنه الضال. ففي منبر الإعتراف عُرسٌ سماوي إن شعرنا حقيقة بأن خطايانا لم تكن مخالفةً لوصية أو تشريع كنسي، بل إهانةٌ للآب وإبتعادٌ عنه. وهو ينتظر رجوعنا إليه ليُصالحنا معهُ، ويزرع سلامهُ في قلوبنا، إذاك نختبرُ شفاءَه وخلاصهُ.

22. لتكن هذه السنة مُكرسّة للعودة إلى بيت الآب الرحيم. فنحن نؤمِن أنه ينتظرُنا، وفي عودتنا فرحٌ سماوي. لندنُ من سرّ التوبة ومن منبر الإعتراف شاكرين الله أولاً على محبتهِ، ومُعترفين بنعمهِ علينا، وواضعين أمامهُ عوزنا وخطايانا مؤمنينَ أنه يغفِر لنا برحمتهِ. لتُكن كلمة الله نوراً لسبيلنا وتحدونا إلى تخصيص وقت لقراءة الكتاب المُقدس ومُتابعة برامج التنشئة الروحية واللاهوتية التي تُقدمها رعايا الإيبارشية. هنا، أدعو الآباء الكهنة، مسؤولي الرعايا ليُخصصوا أوقاتاً مُعلنة لسماع الإعترافات، وإعداد إحتفالات متواترة بسر التوبة لاسيما في زمن الصوم الكبير. والتعاون معاً من أجل تهيئة أكثر عدد ممكن من الكهنة لسماع الإعترافات من خلال تنسيق مواعيد هذه الآحتفالات ما بين الرعايا. البابا فرنسيس، وفي برائته الرسولية "وجه الرحمة" يُوصي الكهنة قائلاً: "

 ... دعونا لا ننسى أبدا أن كوننا معرّفين يعني أن نشارك في رسالة يسوع وأن نصير علامة ملموسة لاستمرارية المحبة الإلهية التي تغفر وتخلّص. كل واحد منا نال هبة الروح القدس من أجل مغفرة الخطايا، ونحن مسؤولون عن هذا. ليس أي منا سيد السرّ، بل إننا خدام أمناء لمغفرة الله. ... ينبغي ألا يتعب المعرفون من التوجه أيضا نحو الابن الآخر الذي بقي في الخارج والعاجز عن الشعور بالفرح، ليشرحوا له أن حُكمه القاسي ليس عادلا ولا معنى له إزاء رحمة الآب التي لا تعرف حدودا. يجب ألا يطرحوا أسئلة خارجة عن الموضوع بل عليهم مقاطعة الخطاب الذي أعده الابن، كما فعل الأب في المثَل، لأنهم يعرفون كيف يقرأون في قلب كل تائب طلب المساعدة والمغفرة. المعرفون مدعوون إذا لأن يكونوا دائما وفي كل ظرف ومكان وعلى الرغم من كل شيء علامة لتفوّق الرحمة. (17)

لنسعَ أيضا إلى ترجمةِ عملية لرحمة الله لنا من خلال أفعال الرحمة للمحتاجين لاسيما وأن الله باركنا بوجود المُهجرين قسراً من مدينة الموصل وقُرى سهل نينوى، فنتقرّب منهم ونُصغي إلى إحتياجاتهم الروحية، ونفهَم أن مودَّتنا الصادقة لهم أهم من كل الحاجات المادية التي نُفكّر في تقديمها لهم.

مريم أم الحنان

23. يروي لنا إنجيل يوحنا أن ربّنا يسوع دُعي إلى عُرسٍ في قانا الجليل مع تلاميذه وأمهِ. إنتبهت الأم ومن دون أي مُقدماتٍ إلى نفاذ الخمر، فبادَرَت بدافع الحنان، وأطلعت إبنها على ذلك وقالت له: "ما بقيَّ عندهم خمرٌ!". لم تصف حالة مُعينة، بل دعت ربنا يسوع ليتدخل ويُنقِذ أهل العُرس في تلك الحالة الحرجة، بل أمرت الخدم: "إعملوا ما يأمركم به"، وكأنها لم تسمع ما قاله ربنا: "ما لي ولك يا أمرأة لم تأتِ ساعتي بعدُ"، ولكنها فهِمَت أمراً واحداً: إن هؤلاء الناس يحتاجون إلى فعل رحمة، إلى مساعدة، وأن ساعة ظهور إبنها للعالم قد حانت، وكانت الأعجوبة الأولى يرويها الإنجيلي يوحنّا بقوله: "هذه أولى آيات يسوع، صنعها في قانا الجليل. فأظهرَ مجده، فآمن به تلاميذهُ" (11).

حنانُ أمنا مريم وشفقتها كان سبب ظهورِ ربّنا يسوع للعَلن فآمنَ به تلاميذهُ. إيمان أمنا مريم هو الذي أعطى ربنا يسوع، المُخلَص للعالَم. لقد وُلد إيمان التلاميذ وولدت معه الكنيسة، فكانت هذه الآية علامة لحضور الله العامِل من أجل ديمومة فرح الإنسان. في عُرس قانا أصبحت أمنا مريم أول مَن آمنت بيسوع المسيح إبنها وبكونهِ قادراً على أن يفعلَ كل شيءٍ، فلم تنتظرِ بل بشّرت به: "إعملوا ما يأمرُكم به". وهكذا صارَ الإيمان بيسوع المسيح مُمكناً بمريم. حنانها كان إصغاء وانتباهاً كليا إلى الآخر المحتاج، وربما لم يكن قادراً على التعبير عن إحتياجهِ، فالتمست من إبنها بإيمان وخدَمت بثقة فأبهجت العالم.

عالمنا اليوم بحاجة إلى نظرة حنان تحتضنهُ بالمحبة وتُصغي إلى حاجتهِ، ولنا في مريم أمنّا خير مثالٍ. دُعينا لأن نكون رُحماء كالآب، ورحمتهُ تدعونا لنقبل غفرانهُ، وننظر بعيون الرأفة إلى مَن هم من حولنا، لاسيما إلى المُهجرين قسراً والمُهمشينَ والذين حاولَ الإرهاب أن يسلبهم فرحَ الحياة. فيا أمنا مريم، أم الرحمة والرأفة، ساعدينا لنُجسّد في حياتنا رحمة الله بطاعة الإيمان، إجعلينا أن نكون على مثال إبنك، وجه رحمة الله المنظورة، وقناة تحمل حنان الله في عالمٍ تعتريه الظلمة والعداوة والعنف. نأتيكِ حاملين حياتنا أجاجينَ فارغة، بل مليئة بالغضب والخطيئة، اطلبي لنا من إبنكِ، ربّنا يسوع المسيح، أن يملأها محبة وحناناً ورأفة وصبراً وسلاماً وطيبةً، ويحوّل شكوانا وتذمرنا إلى نشيد تمجيد لله الآب. علّمينا أن نكون منتبهينَ إلى حضور إبنكِ، ربّنا يسوع المسيح، الذي يحتاجهُ العالم دوماً، لأنه وجهُ رحمة الله الآب. علمينا أن لا نهتمَّ بما نحتاجهُ نحن بل بما يُمكن أن يُسعِد العالم من حولنا، ربّنا يسوع المسيح. آمين.

 

المطــــران بشّــــار متّي وردة

رئيس أساقفة إيبارشية أربيل الكلدانية

أعطي في عنكاوا (أربيل)

8 كانون الأول 2015

 

المصادر

1-    الكتاب المقدس، طبعة يسوعية، دار المشرق 1991.

2-    التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية.

3-    البابا فرنسيس، براءة رسولية، "وجه الرحمة"، 2015.

4-    مُعجم اللاهوت الكتابي، دار المشرق، ط 6، 2008.

5-    حوذرا، الجزء الأول.

 

الرسالة الثانية2 copy

 

:PDF File

الرسالة الرعوية - المطران بشار متي وردة

 

 

المطران بشار متي وردة

 

الأحد الرابع من البشارة:

ثمار النور: الخير والبر والحق (أفسس 5: 5- 21)

 

يُوصي الرسول بولس أبناء كنيسة أفسس، ويُوصينا من خلالهم، أن نسعى لأن نكون دوماً أبناء النور الذين تتميّز حياتهم بالخير والبر والحق، فيكنوا بذلك أبناء النور. فما أكثر المعلمين الذين يسعون لإغراء الناس اليوم فيما خيرٌ وحق، وعالمنا بحاجةٍ إلى قديسيين يؤمنون بالخير ويُحبونَ الحق، ويعملون ما يُرضي الله، فيُحققوا في حياتهم اليومية ما يؤمنون به في قلوبهم وأفكارهم. ولنا في يوسف البار خيرٌ مثال اليوم لما يطلبهُ بولس في رسالتهِ إلى كنيسة أفسس.

رأى يوسف أن ما تختبره مريم خطيبتهِ ليس أمراً مقبولاً إجتماعياً، وهو يُؤمِن بالله الذي هو محبّة، فأعطى الشريعة محبة بالإنسان ومن أجل حياة أفضل. فراح يبحث عن حلِّ مثالي فيه يحافظ على حياة هذه الفتاة، التي يؤمن ببرائتها، فلا تُرجَم لتموت وفقاً لما توصي به الشريعة، فصلّى الليل يتأمل هذا الحل، وفي صلاته يدعو الله ليُعينهُ في ذلك، ولم يبخل الله عليه بالمساعدة، فجاء إليه الملاكُ في الحلم، وطمئنهُ أن مريم تعيش سرّ تجسّد الله فيها خلاصاً للإنسان. هي مُلكُ الله وهيكلهُ المقدس، وأختار الله يوسف ليكون حارس هيكل الله، حارساً على الفتاة.  آمنَ يوسف بالدعوة التي سُلِّمت له، غير عارفٍ بما تتطلّبه هذه الدعوة من إلتزام ومسؤولية وتضحياتٍ. صارَ خير الآخر، مريم، هو هدف حياته، وهذا هو ما يُطلَب من الإنسان البار، وهو غاية كل زواج مسيحي. فالزواج الكنسي ليس مؤسسا على البحث عن الراحة الشخصية، بل عن خير الآخر.

خير الآخر ليس محددا بأن نعمل له ما يُسعده ويُبهج قلبهُ، فالخير يبدأ من القلب لينتهي بعمل الرحمة والإحسان الذي تقوم فيه أيادينا. خير الآخر يكون بالحفاظ عليه وعلى سمعتهِ وعلى إسمهِ ومكانته بين الناس، فيكون الإنسان الخيّر والبار والحق هو الإنسان المُسالِم واللطيف والمسامح. وإن كان لنا من حقيقة تُقال، يُمكن أن نقولها بلطفٍ ومودة، فهذه هي من ثمار الروح القُدس (غلا 5: 22- 23). يروي لنا آباؤنا الروحيون عن ملِك: حلمَ حلماً مزعجاً فأستدعى مُفسر الأحلام في مملكته وروى له حلمهُ: رأيتُ في حلمي أن أسناني بدأت تتساقط الواحد تلو الآخر"، فما تفسير الحلم.

فأجاب المفسر: سيموت كل أقرباؤك يا سيدي الملك، وتبقى أنت وحدك في هذه الدنيا من دون قريب أو صديق. فأنزعج الملك من تفسير المفسر هذا وطرده وأمر بأن يُغادِر المملكة. ثم أستدعى مفسراً ثانياً، وروى له الحلم أيضا: فردَّ قائلاً: ستعيش طويلاً ولسنين كثيرة ياسيدي الملك أكثر من كل أصدقائك وأقرباؤكَ، فحسنَ لديهِ هذا التفسير. وهو ذات التفسير الأول بعبارات أكثر لطفاً.

إنسان الخير والبر والحق، هو ما يبحث عن الله دوماً، مؤكداً له أنه سيواجه مصائب كثيرة ولكنه لن يتركهُ ولن يخذلهُ (مز 34: 20). لذا، قام يوسف من نومهِ وبدأ خطوات حقيقة في تحقيق حلم َالله، فترجم الإيمان الذي قبلهُ إلى أعمال، فأصيح إنسان الحق. الكتاب المقدس، وهو قصة الله مع الإنسان، يؤكد على أن الإنسان الحق، هو إنسان يعيش الإنسجام التام ما بين القول والعمل. هو إنسان يُفكر أفكار الله، ويسلكَ بحسب ما يُرضي الله، لا بحسب ما يحلو له، أو ما يرغبهُ حتّى وإن كان هو حق حسب أعراف البشر. الحق والعدالة في إطار علاقتنا بالله ليس أن أحصل على حقوقي، بل أن ينعمَ الآخر بالحياة الكريمة، وهذا يتطلب أحيانا أن نتجاوز حقوقنا، ليهنأ الآخر.

الخير والبر والحق، ثلاثة فضائل تُميز أبناء النور حسبما يُوصي بولس كنيسة أفسس. هي ليست فضائل فلسفية نفتخر بها، بل مواقف حياتية نعيشها إقتداء بالمسيح، الذي يُضيء بحياته علينا، ونحن نخضع واحدنا للآخر بحبِ المسيح. هذا يعني، أن على المسيحي أن يعرِف أن المسيح يسوع هو الطريق الحق. فلا نبحث عن خير إلا ذلك الذي يجعلنا أكثر قُربا من المسيح يسوع، ولا نسعى نحو حقٍ إلا ذلك الذي يُرضيه، وما يُرضي ربنا هو الخير والبر والحق الذي يهبُ الآخر الحياة، وبوفرةٍ. لذلك، يطلب بولس الرسول من كنيسة أفسس: أن يسلكوا كأبناء النور. فالمسيحية بالنسبة له حياةٌ حقيقية، فيها يكون الإنسان ما يُؤمِن به، فيرى الناس ويختبروا فيها: حضور المسيح الذي أشرقَ عليه.

لا مسيحية من دون يسوع المسيح، وهذا يعني أن لا مسيحية من دون صليب، من دون صعوبات، وهو ما تعارضهُ حضارتنا اليوم بشدة، نحن الذين نبحث عن الراحة والحلول السريعة، والأقل كلفة، والأكثر متعة. ليكون لصوتَ بولس اليوم أهمية أكثر: ميّزوا ما يُرضي ربنا في حياتكم. وما يُرضيه لا يُرضينا، بل يُتعبنا ويتطّلب منّا الكثير، ولكن ليس لنا اختيار في هذا، لأن الله اختارنا لنكون في عالم الظلمة أبناء النور. ولا يُمكن للظلمة أن تتغلّب على أبناء النور.

 

 

03 San Giuseppe 19 marzo sint

بمناسبة بدء سنة الرحمة وإستعدادا لأعياد الميلاد، أعدت لجنة التعليم المسيحي المركزية في إيبارشية أربيل الكلدانية رياضة روحية لمعلمي التعليم المسيحي تحت عنوان: "معلم التعليم المسيحي وكيل للرحمة". يوم السبت الموافق 12 كانون الثاني 2015 في كابلة دير مار يوسف للإبتداء لرهبانية بنات مريم الكلدانيات. 

تضمن برنامج الرياضة رتبة صلاة ومحاضرة للأب ريان عطو (معلم التعليم المسيحي وكيل الرحمة)، أعقبها رتبة توبة وسماع الإعترافات الفردية.

السبت, 12 كانون1/ديسمبر 2015 13:41

دورة الرحمة للتثقيف اللاهوتي

بدأت يوم أمس الجمعة 11 كانون أول 2015 في الجامعة الكاثوليكية في أربيل دورة الرحمة للتثقيف اللاهوتي والموجهة لمؤمنينا المهجرون قسرا من الموصل وسهل نينوى.
ستقدم الدورة فعاليات روحية وثقافية وراعوية خلال الستة أشهر القادمة بواقع 4 ساعات كل يوم جمعة وبمجموع 96 ساعة دراسية، يتلقى فيها الطالب محاضرات في الكتاب المقدس واللاهوت الأساسي والأدبي والروحانيات، يُقدمها آباء وراهبات متخصصون.
السبت, 12 كانون1/ديسمبر 2015 13:31

لقاء مجلس الكهنة

عقد مجلس كهنة إيبارشية أربيل إجتماعهم الدوري برئاسة سيادة المطران بشّار متّي وردة يوم السبت الموافق 12 كانون أول 2015 في مبنى المطرانية في عنكاوا. بدأ اللقاء برتبة صلاة في كابلّة المطرانية بعدها تدارس المجتمعون قضايا المُثبتة على جدول الأعمال منها:
 
  1. إستعراض برنامج أعياد الميلاد ورأس السنة الميلادية الجديدة.

  2. مناقشة مُقتّرح: إستقبال عائلة مُهجرة اليوم الأول من عيد الميلاد كنشاط خورني بمناسبة سنة الرحمة وأعياد الميلاد.

  3. تقرير عن مُشاركة الإيبارشية في الأيام العالمية للشباب (الأب ريّان).

  4. البدء بتحضير سجّلات الزواج والعماذ والوفاة لسنة 2015 لتُسلّم في الأسبوع الأول من شهر كانون الثاني إلى "الأرشيف".

  5. البرامج الروحية المُقتّرّحة لسنة الرحمة.