الصور
Adiabene

Adiabene

البابا بندكتس السادس عشر

القداس في كابيلا سكستينة

الاحتفال بسرّ العماد

موعظة البابا بندكتس 16

(عيد عماد الرب في 8  كانون 1 2006)

الأقارب الأحباء

الأشابين والإشبينات

(العرّابين والعرّابات)

الاخوة والأخوات

 

ماذا يجري في العماد؟ وماذا يُنتظر من العماد؟ لقد أعطيتم جواباً عند مدخل هذا المصلى (كابيلا): ننتظر لأطفالنا الحياة الأبدية . هذه هي غاية العماد. ولكن كيف يمكن أن تتحقق؟ وكيف يسع العماد أن يعطي الحياة الأبدية؟ وما الحياة الأبدية؟

ويسعنا أن نقول بكلمات أكثر بساطة: ننتظر لأطفالنا حياة صالحة، الحياة الحقيقية، والسعادة حتى في مستقبل ما يزال مجهولاً. لسنا قادرين أن نضمن هذه الهبة طوال الزمان الذي يستمر هذا المستقبل المجهول، وبالنتيجة نلتفت إلى الرب لكي ننال منه هذه الهبة.

 

وعلى السؤال: كيف سيحدث ذلك؟ يمكننا أن نقدِّم جوابين:

الأول: في العماد، كل طفل يُدخل في صحبة من أصدقاء لن تتخلَّى عنه قط في الحياة ولا في الموت، لأن هذه الصحبة من الأصدقاء هي عائلة الله، تحمل فيها وعد الحياة الأبدية. وهذه صحبة الأصدقاء، وهذه عائلة الله، التي فيها الطفل الآن، سترافقه دوماً حتى في أيام الآلام، وفي الليالي المظلمة من الحياة، وستوليه التعزية والقوة والنور. وهذه الصحبة، وهذه العائلة ستعطيه كلمة الحياة الأبدية. إنها كلمات النور التي تجيب على تحدِّي الحياة الكبير وتعطي الإشارة الصحيحة للطريق التي يجب السير فيها. وهذه الصحبة تقدّم للطفل التعزية والقوة ومحبة الله، حتى عند عتبة الموت، وفي وادي الموت المظلم. ستعطيه الصداقة والحياة. وهذه الصحبة هي موضع ثقة لن تختفي أبداً. لا يعلم أحد منا ماذا سيجري على كوكبنا، في أوربا (وفي العالم كله) بعد خمسين أو ستين أو سبعين سنة قادمة. إلا اننا متأكدون من شيء: ستكون عائلة الله حاضرة دوماً، ومن يعود إلى هذه العائلة لن يكون وحده أبداً، ستكون له دوماً الصداقة الأكيدة لذاك الذي هو الحياة.

 

الثاني: ان عائلة الله هذه وهذه صحبة الأصدقاء أبدية، لأنها شركة مع ذاك الذي غلب الموت والذي له بين يديه مفاتيح الحياة. فإن يكون المرء في صحبة الله وعائلته يعني أن يكون في شركة مع المسيح الذي هو حياة ويمنح المحبة الأبدية ما وراء الموت. وإذا نستطيع أن نقول أن المحبة والحقيقة هما مصدرا الحياة، بل إنهما الحياة –وحياة بلا محبة ليست بحياة- نقدر أن نقول ان هذه الصحبة مع ذاك الذي هو الحياة حقاً، مع ذاك الذي هو سر الحياة. سيكون هذا جواباَ على انتظاركم وعلى رجائكم.

أجل، إن العماد يُدخل الإنسان إلى شركة مع المسيح، وهكذا فهو يعطي الحياة. وهكذا أوَّلنا الحوار الأول الذي صار لنا ههنا، على عتبة كابيلا سكستينة. والآن، بعد بركة الماء، سيأتي حوار آخر على أهمية كبيرة. ومضمونه هو هذا: العماد –كما رأينا- هبة، إنه هبة الحياة. إلا انه يجب ان يتلقاها المرء وأن يحياها.. فهبة صداقة يقتضي "نعم" للصديق ويقتضي "لا" لكل ما ليس ملائماً مع هذه الصداقة ولا ملائماً مع حياة عائلة الله أو مع الحياة في المسيح. وهكذا، في هذا الحوار الثاني يُقال ثلاث مرات "لا" وثلاث مرات "نعم" يُقال "لا" ويتخلَّى المرء بذلك عن التجارب والخطيئة والشيطان. ونعرف هذه الأمور معرفة جيدة، وقد نكون سمعناها مرات كثيرة، ولهذا باتت هذه الكلمات دون تأثير. فعلينا إذا أن نعمّق قليلاً محتويات هذه "لا". فلماذا نقول "لا"؟ وهكذا يمكننا أن نفهم لماذا نريد أن نقول "نعم".

 

في الكنيسة القديمة، كانت هذه المرات من "لا" توجَز بكلمة كانت مفهومة لأناس من ذلك الزمان. كانوا يتخلون، حسب قولهم، عن "أباطيل الشيطان" وهذا يعني عن الوعد بحياة باذخة، أي الحياة التي كانت تبدو وكأنها آتية من العالم الوثني والحريات الكاذبة فيه وطريقة العيش حسب ملذات الدنيا. فكانت إذاً "لا" لثقافة فيها تكون الحياة في رخاءٍ وغزارة. إلا أنها كانت "ثقافة معاكسة" تؤدي إلى الموت.

كانت "لا" لهذه المشاهد حيث الموت والقساوة والعنف قد أصبح نوعاً من التلهية. لنفكر في ما كان يُنظم في "الكوليزيوم"، أو هنا، في حدائق نيرون حيث كان الناس يُحرقون مثل مشاعل حية. كانت القساوة والعنف من الأمور المسلية ونوعاً من انحراف الفرح وعن معنى الحياة الحقيقي. إن "أباطيل الشيطان" هذه، وهذه ثقافة الموت كانت انحرافاً للفرح ومحبة الكذب والخداع فيها أصبح الجسد بضاعة مبتذلة وموضوع تجارة.

وإذا نفكر الآن، نستطيع أن نقول، إن في عصرنا أيضاً من الضروري ان نقول "لا" لثقافة الموت السائدة في زماننا. انها ثقافة زائفة تظهر، مثلا، في المخدرات، وفي التهرب من الواقع والسعي وراء الأوهام ووراء سعادة كاذبة تعبّر عن ذاتها بالكذب والخداع والظلم واحتقار الآخر والتغافل عن التضامن وعن المسؤولية تجاه الفقراء والمتألمين، أو تجد لها تعبيراً في الأمور الجنسية التي أضحت مجرد تلهية دون مسؤولية، وفيها يُعتبر الإنسان مجرد "شيء" وليش شخصاً جديراً بالحب الشخصي الذي يقتضي الأمانة، بل لقد أصبح مثل بضاعة ومجرد غرض. فلهذا الوعد بسعادة ظاهرية، ولهذه أباطيل الشيطان لحياة زاهية ظاهرياً ولكنها تؤدي إلى الموت. فنقول "لا" لهذه الثقافة الزائفة ونتبنَّى ثقافة الحياة. لذا فإن "نعم" المسيحي، من عصور القيامة وحتى اليوم هي "نعم" كبيرة للحياة. انها "نعم" للمسيح، "نعم" للمنتصر على الموت، "نعم" للحياة في الزمان وفي الأبدية.

وكما في حوار العماد هذا، تُقال "لا" لثلاثة تخليات، كذلك تُقال "نعم" حول ثلاثة انضمامات: "نعم" للإله الحي، أعني للإله الخالق ولعقل خلاق يُعطي معنى للكون والحياة. و "نعم" للمسيح أعني الإله الذي لم يبقَ مختفياً، بل له اسم، وله أقوال، وهو من جسد ودم، الإله واقعي يمنحنا الحياة ويرينا طريق الحياة، و "نعم" لشركة الكنيسة التي فيها المسيح هو الإله الحي، يدخل في زماننا وفي مهنتنا، وفي حياة كل يوم.

ويسعنا أيضاً أن نقول ان وجه الله، ومحتوى ثقافة الحياة هذه، ومحتوى "نعم" الكبيرة التي نقولها، يأتي التعبير عنها في الوصايا العشر، التي ليست مجموعة من النواهي "لا" بل يمثِّل حقاً رؤية كبيرة للحياة. انها "نعم" للإله الذي يعطي معنى لوجودنا (الوصايا الثلاث الأولى) و "نعم" للعائلة (الوصية الرابعة) و "نعم" للحياة (الوصية الخامسة) و "نعم" للحب المسؤول" (الوصية السادسة) و "نعم" للتضامن، والمسؤولية الاجتماعية، وللعدالة (الوصية السابعة) و "نعم" للحقيقة (الوصية الثامنة) و "نعم" لاحترام الآخر وما يعود إليه (الوصيتان التاسعة والعاشرة). هذه هي فلسفة الحياة، وثقافة الحياة، التي تصبح واقعية وعملية وجميلة مع المسيح، الإله الحي، الذي يسير معنا في صحبة أصدقائه، في عائلة الكنيسة الكبيرة. فالعماد هبة الحياة. انه "نعم" لتحدِّي الحياة، إذ نقول "لا" لتعلّق الموت الذي يقدِّم ذاته تحت قناع الحياة. انه "نعم" للهبة الكبيرة للحياة الحقة التي هي حاضرة في وجه المسيح الذي يعطي لنا ذاته في العماد، ثم في الإفخارستيا.

قلت هذا بمثابة شرح وجيز للكلمات التي، في حوار العماد، تؤَوّل ما يتحقق في هذا السر. وما وراء الكلمات، لدينا الحركات والرموز، ولكني ساكون وجيزاً جداً في تقديمي. لقد قمنا بالحركة الأولى: انها علامة الصليب التي تُعطى لنا مثل ترس يحفظ الطفلَ في حياته. وهو نوع من "الدليل" لطريق الحياة، لأن الصليب موجز حياة يسوع: ثم هناك العناصر: الماء والمسحة بالزيت، والثوب الأبيض ونور الشمعة. فالماء رمز الحياة. فإن العماد حياة جديدة في المسيح، والزيت رمز القوة والصحة والجمال، لأنه لشيء جميل حقاًالعيش في شركة مع المسيح. ثم الثوب الأبيض كتعبير عن ثقافة الجمال وثقافة الحياة. وأخيراً يأتي لهيب الشمعة أو نورها مثل تعبير عن الحقيقة التي تشعّ في ظلمات التاريخ وتؤشر لنا وتقول من نحن، ومن أين نأتي، وإلى أين يجب أن نذهب.

أيها العرّابون (الأشابين) والعرّابات (الاشبينات) الأحباء، والأقارب والاخوة الأحباء، لنشكر الرب هذا اليوم، لأن الله لا يختفي وراء سحب سرّ لا يُسبر، بل، كما قال انجيل اليوم، فتح السماوات، وظهر، وتكلَّم معنا وهو معنا. إنه يحيا معنا ويقودنا في حياتنا. لنشكر الرب على هذه الهبة، ولنُصلِّ لأجل أطفالنا لتكون لهم الحياة الحقة، الحياة الأبدية.

 
 
ترجمة عن النص الأب ألبير ابونا
تنضيد الشماس مارتن متّي

 

pope baptism

 

 

صور للوفود المهنئة: 

صور لأحتفالات ايبارشية أربيل الكلدانية بمناسبة عيد الميلاد

بمناسبة أعياد الميلاد ورأس السنة الميلادية الجديدة، جرت مساء يوم الأحد 27 كانون الأول 2015 سحبة يناصيب الجمعية على حدائق كاتدرائية مار يوسف في عنكاوا، وبحضور سيادة المطران مار بشار متي وردة والأب سليم توما البرادوستي، وإدارة الجمعية وجمع غفير من المؤمنين. خصص ريع اليانصيب لدعم أنشطة الجمعية الخيرية.
 
وتتمنّى الجمعية من أصحاب البطائق الفائزة مراجعة مقر الجمعية مساء كل يوم من الساعة 5- 7 لإستلام الجوائز، لمدة أسبوع من تاريخ السحبة، مع أمنياتنا للجميع بميلاد مبارك وسنة مليئة بالخير. 
السبت, 26 كانون1/ديسمبر 2015 12:44

عيد تهنئة العذراء مريم

المطران بشار متي وردة

 

عيد تهنئة العذراء مريم

 

جئنا اليوم لنُهنئ أمنا مريم على عطية الله لها: ربّنا يسوع المسيح، الذي قبلتهُ نعمة وأعطتهُ للعالم مُخلصاً، وعلّمتنا كيف لنا أن نسمح لله بأن يتدخل في حياتنا مثلما يشاءُ هو، حتّى لو كلّفها هذا أغلى ما عندها: إبنها.

فالله بمحبتهِ أختارها لتكون الهيكل له، فقبِلَت هذا الاختيار وسألت الملاك: كيف لها أن تُكمِل إرادة هذه. هي لم تسأل متشككة بل وقفت أمام الله متعلمة. أنا مُستعدة، على الرغم من ضعفي وصُغري لأُكمل ما تطلبهُ منّي يا الله، لكنّ أريد أن تعلمني الطريق، وأكّد لها الملاك أن الروح القُدس سيكون مُعلمها ويساعدها في تتميم إرادة الله. عليها أن تكون مُستعدة لقبول يسوع، ليتجسد من خلالها، ويحولها من إلى أم. فالأبن هو الذي يُعطيها خبرة الأمومة. تماماً مثلما يطلب الله منّا في كل مناولة نتقدم إليها. فربنا يسوع لا يُريد أن نتناولهُ كما لو أننا نُكمّل وصية كنسية، بل، أن نكون مُستعدين للتغيير الذي يُحدثهُ فينا، وكم نأسف "للإجهاضات الروحية" التي نُقدِك عليها في حياتنا، كلما تناولنا جسد يسوع، وجعلنا ذلك واجباً ليس إلا.

عرفت أمنا مريم من أنها أصغر من أن تُكمّل هذا كلّهُ. وقفت أمام الله خادِمة، وقد طلب منها أن تكون أماً لملك الملوك. وبدء الله عملهُ فيها، وكانت هي تحفظُ كل ما تسمعهُ وتتأمل فيه؛ أي، تسعى جاهدة لتتعرّف على تدبير الله في أحداث دخول الله هذا في حياتها. هذا الدخول لم يكن مُبهجاً، بل جاء حاملاً معه شكوك أقرب الناس لها: يوسف الذي فكّر بأن يتخلّى عنها. أن تعاني السفر وهي حُبلى بيسوع. أن تبحث عن كان ليقبلها، فلم تجد. أن تستقبل الغرباء وتسمع منهم رسالة السماء. خبرات يذكرها الإنجيلي من ذاكرة الجماعة المسيحية الأولى، فصارت موضوع تأمل للكنيسة الناشئة التي تعلّمت من أمنا مريم الثبات في الإيمان، فكانت لهم تعزية في بدءِ المسيرة.

إلهنا اختارنا بنعمتهِ لنكون له أبناء، ويتدخل في حياتنا طالبا منّأ أن نُغيير مشاريعنا ورؤيتنا على نحو قاسٍ أحيانا، لكننا مؤمنون به، ونُصلي إليه دوماً: أبانا ... والأب لا يطلب ما هو سيءٌ من أبنائه، بل يتعبُ ويكدُّ ليُفرحهم، فكم بالآحرى أبانا السماوي. 

السبت, 26 كانون1/ديسمبر 2015 00:28

عظة عيد الميلاد 2015

المطران ميشال قصارجي

 

رسالة سيادة المطران ميشال قصارجي السامي الوقار

رئيس الطائفة الكلدانية في لبنان

بمناسبة عيد الميلاد المجيد للعام 2015

"إنَّ الى الأبد رحمته!"

     (المزمور 135/6)

حضرة الآباء الأجلاّء

حضرة الشمامسة الأفاضل والراهبات المحترمات

رؤساء وأعضاء المجالس والحركات والجمعيّات الفاعلة في أبرشيتنا المباركة

أيُّها الإخوة والأخوات الأحباء

يتزامنُ حلولُ عيدِ الميلادِ المجيد هذا العام، مع افتتاح "سنة الرحمة" التي اطلقها قداسةُ البابا فرنسيس في الثامن من كانون الأوَّل الجاري.

والميلادُ الإلهيّ خيرُ تعبيرٍ عن رحمةِ الآب تجاه بني البشر؛ إذ بعد ان كشف "الغنيُّ بالرحمة"1 ذاته لموسى على أنّهُ "إلهٌ رحيمٌ وحنونٌ، ملؤه المحبّة والحق"2 ، لم يتوانَ عن إظهار طبيعته الإلهيَّة بطُرُقٍ شتّى وفي أوقاتٍ مختلفةٍ. ولمّا حان "ملءُ الزمن"3حينما كان كلُ شيءٍ قد أُعّدَ بحسب تدبيره الخلاصي، على ما يقول الحبرُ الأعظم في رسالته الأخيرة عن الرحمة MisericordiaeVultus ؛ حينئذٍ أرسل ابنَه مولوداً من العذراءِ مريمَ ليُعلِن لنا بأجلى بيانٍ حبّه. من رأى وشاهدَ هذا الابن الوحيدَ، يُضيفُ قداستُه، فقد رأى الآب4. من خلال أقواله وأعماله، من خلال شخصِه برمّته، يكشفُ يسوعُ الناصريُّ رحمةَ الله.

والكنيسةُ أيُّها الإخوة هي جماعةُ المؤمنين؛ هي الإكليروس والمعمَّدون، وهم مدعوون جميعاً لتلقيّ علامات الله أينما كانت وبأيّ شكلٍ ظهرت. هذا أيضاً ما يشيرُ إليه قداستُه في رسالته الخاصة بيوبيل الرحمة قائلاً: "الحقيقةُ الأولى للكنيسة هي محبّة المسيح وهي خادمةُ هذه المحبّة ووسيطتُها، وصولاً الى الغفرانِ وبذل الذات. وبالتالي، حيث تتواجدُ الكنيسةُ، هناك تظهرُ رحمةُ الآب5.

1- (افسس 2/4)     2- (خروج 34/6) -   3- (غلاطية 4/4)  - 4 - (يوحنا 14/9)  - 5-  (MisericordiaeVultus/12)

أيُّها الإخوة والأخوات،

لمّا كانت الكنيسةُ هي الفردوسَ الأرضيَّ وعلامةَحضورِ الله بين البشر في مسيرتهم نحو الملكوت، فإنَّ العلامةَ الحسيّة لافتتاح "سنة الرحمة"، هي فتحُ "الباب المقدس" للكاتدرائية، أي الكنيسة الأمّ، كإشارةٍ واضحةٍ الى دور البيعة في توزيع رحمةِ الله ومحبّته وغفرانِهِ في عالمٍيطغى عليه سلطانُ الحرب والأنانيّة ويسوسُهُ شيطانُ الحقد والكراهية والانتقام والتفرقة!

فتحُ الباب المقدّس هو طقسٌ خاصٌ بأحداثٍ روحيّةٍ هامّةٍ تريدُ الكنيسة تسليطَ الضوء عليها في فترة زمنيّةٍ. ففي خلال هذه المدّة الفاصلةِ بين الثامن من كانون الأول 2015 والعشرين من تشرين الثاني من العام 2016، تريدُنا الكنيسةُ أن نتأمّل من جديدٍ وبشكلٍ جدّي في أهميّة سرّ التوبة والمصالحة لنجني من ممارسته الثمار الروحية الوافرة. تريدُنا الكنيسةُ أيضاً أن نتأمّل من جديدٍ في معنى أعمالِ 

الرحمة الجسديّة والروحيّة، عسانا نضعُها حيّز التنفيذ، لمواجهةِ ثقافة الأنانية  واللامبالاة التي تُغرِق عالمنا.

أمّا أعمالُ الرحمةِ الروحيةُ فهي نُصح الخطأة وتعزيةُ الحزانى ومغفرة الإساءة واحتمالُ الآخرين والصلاةُ للأحياء والأموات، في حين أنَّ أعمالَ الرحمةِ الجسديّةِ هي اطعامُ الجياع وإرواءُ العطاش وكسوُ العراةِ وايواء الغرباء وعيادةُ المرضى وزيارةُ السُجناء ودفنُ الموتى.

أيُّها الأحباء،

إنَّ الموضوعَ الذي يطرحُ نفسهُ حينما نتحدَّثُ عن الرحمة، إنّما هو مفهومُ العدالة. الرحمةُ تتخطّى العدالة على ما يقوله النبيُّ عاموص في العهد القديم. لئن أردنا أن نمارس الرحمة كما يمارسُها الآبُ وبحسبِ ذهنيّة الإنجيل، وجب علينا ألاّ نكتفي بالعدالة المتعارَف عليها بل أن نتبنّى عدالة الله التي هي رحمةٌ ومغفرةٌ لا ينضُبُ مَعينهما أبداً. محبّتُه تُسامحُ الخاطىء سبعينَ مرَّةً سبعَ مرّاتٍ وتتركُ للمحتاجِ الرداءَ والثوب معاً... عدالةُ اللهِ لا تكتفي بإعطاءِ كُلّ ذي حقٍ حقَّه في مناخٍ قضائيٍ جاف، بل تقبلُ الزانيةَ والعشّار والابن العاق... تُعطي بلا حسابٍ إنَّها "تفضّل الأمانة على تقديم الذبيحة"1... "فالسيّد سخيٌّ يقبلُ الأخير كالأوَّل، يُريحُ عامل الحادية عشرة كعامل الأولى... يُعطي لذاك ويُنعم على هذا... يقبلُ الأعمالَ ويرتاحُ الى النيّة، يقدّر العملَ ويمتدحُ العزم...!"2.

1- (عاموص 6/6)  - 2  (القديس يوحنا الذهبي الفم / عظةٌ في الفصح) 

أيُّها المباركون،

إنَّ ما يحدثُ اليوم في العراقِ وسوريا وفلسطينَ ولبنان، وما يشهدُه العالمُ كلُّه من انتشارٍ للعنفِ واتّساعٍ لرقعةِ الشلل الإقتصادي وما يستتبعُ ذلك من ازديادٍ لأعدادِ المهجّرين وارتفاعٍ ملحوظٍ في نسبة الفقراء... يشكّل أرضيةً خصبةً جداً لممارسة شتىّ أعمال الرحمة الروحيّة والجسديّة التي ذكرناها. واليوم ننظر بألم وحسرةالى ما آلت عليه أوضاع المسيحيين في العراق وسوريا من تهجير قسري، وفي لبنان نعيش فراغ سدّة الرئاسة لأكثر من سنة ونصف وما يخلفه ذلك من قلق وحيرة وفقدان الثقة.

لذلك فإننا نرفع الصوت عالياً ونطلب من كل مؤسسات الدولة اللبنانية خاصة المجلس النيابي أن يعمدَ فوراً الى أخذ مبادرة تاريخية ويقرّ قانوناً انتخابياً ينصف كل الطوائف ويعطي كل طائفة حقها في التمثيل النيابي.

فاذا كان لبنان يتألف من 18 طائفة، فأين هم الكلدان والسريان والاشوريون وغيرهُم؟ أين تمثيلهم النيابي؟ فالعدالة هي أن يكون لكل طائفة تنتمي الى ما يُعرف بالأقلّيات نائب يمثلها وإلاّما نفع قوانينَتستثني وتبعد وتهمش فئات في هذا البلد؟ انصفوا شعوبكم حتى ينصفكم التاريخ. ولن نقبل أن يفاوض باسمنا كائن من كان، الا يكفي تهميشُ المسيحيين في العراق وغيرِه من البلدان؟

هذا الواقع الأليم الذي يتخبّط فيه شعبُنا قد انعكس بشكلٍ ملحوظٍ على أبرشية بيروت الكلدانية التي تستقبلُ اليوم أكثر من ثلاثة آلافٍ وخمسمئة عائلةٍ عراقيةٍ مهجّرةٍ، ناهيك عن السوريين واللبنانيين الذين يقرعون جميعُهم أبواب مركز سيدة الرحمة الإلهيّة الذي افتتحته كنيستُنا بمناسبة "سنة الرحمة" وأبواب مركز "سان ميشال" الصحي الإجتماعي ورعايا مار الياس- الدكوانة ، ومار يوسف الروضة، وسيدة النجاة  رأس الدكوانة، ومركز سعادة السما ومبنى المطرانية في بعبدا... بهدف طلب المساعدات الغذائية والماديّة والصحيّة بالاضافة الى الخدمات الروحيّة والمتابعة الإنسانية!

إننا ندعو الجميع الى المثابرة على المشاركة في الصلوات وعيش الأسرار في رعيّتهم هذه، التي تفتقرُ الى وجودهم، وترغبُ أن تلتقي وإياهم في سنة الرحمة. كنيستكُم هي الفندقُ المشارُ إليه في إنجيل السامريّ الرحيم، تفتحُ قلبها لاستقبالكم وإن تركتم لها الدنيارَين، فلسدّ حاجة ذوي الفاقة وبُنيانِ هيكل الله!

أحبّائي،

دعاؤنا أن يتحقّق في الجميع، بشفاعةِ العذراء مريمَ سيّدة الرحمة الإلهية والملاك روفائيل، قولُ الرب بلسان حزقيال النبيّ: "اجعل في احشائكم روحاً جديداً وانزعُ من لحمكم قلب الحجر وأعطيكم قلباً من لحمٍ وأجعلُ روحي في أحشائكم!1

ألا أعاد الله  على أبناء الكنيسة الكلدانية في العالم، وعلى أبنائنا واخوتنا في العراق وسوريا وفلسطين ولبنان، هذه المواسم الخلاصيّة بالخير واليُمن واستبداد السلام ووفرة البركات السماوية!

نشكرُ وسائل الإعلام ومجالس كنيستنا الكلدانية وحركاتها المختلفة وجوقة الكاتدرائية وجميع الذين يتعاونون معنا في نقل بُشرى الخلاص السّارة الى عالمنا الحزين، ولا سيّمااخوتنا الكهنة والشمامسة والراهبات. عليكم جميعاً وعلى عائلاتكم وذويكم والمختصّين بكم من قريبٍ أو من بعيدٍ نستمطرُ بركات الثالوث القدوس الآب والابن والروح القدس، له المجدُ الى الأبد. آمين.

وكل عامٍ وأنتم بخير

البابا بندكتس السادس عشر

"ها أنا آتي إليك كطفل صغير لكي تستطيع أن تقبلني وتحبني"

 

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء،

يلمس جمال هذا الإنجيل مرارا وتكرارًا قلبنا- هذا الجمال هو بهاء الحقيقة. حقيقة أن الله جعل نفسه طفلا صغيرا، لكي نستطيع أن نحبه، وكطفل صغير يلقي نفسه بثقة بين أيدينا، ويلمسنا من جديد. فكأنه يقول: أنا أعرف أن بهائي يخيفك، وأنك تبحث عن إثبات نفسك أمام عظمتي. ها أنا آتي إليك كطفل صغير لكي تستطيع أن تقبلني وتحبني.

 

تؤثر بي دائما كلمات الإنجيلي التي تقول بأنه لم يكن لهما موضع في المضافة. فيطرح السؤال نفسه، ما كانت الأمور لتؤول إليه لو أن مريم ويوسف طرقا بابي: هل سيكون هناك مكان لهما؟ ومن ثم، نتذكر بأن يوحنا الإنجيلي قد شرح هذه الفكرة عن عدم وجود موضع لهما في المضافة فقال: "الى خاصته جاء وخاصته لم تقبله" (يوحنا 1، 11). وهكذا، تصبح المسألة الأخلاقية التي تختص بوضع الأشخاص المشردين، والمهاجرين أساسية أكثر: هل لدينا حقًّا مكان لله عندما يسعى للدخول عندنا؟ هل لدينا الوقت والمكان له؟ ألا يمكن أن يكون الله من نرفض استقباله؟ هذا يبدأ من حقيقة أنه ليس لدينا الوقت له. كلما أمكننا أن نتحرك بسرعة، كلما أصبحت الطرق التي تساعدنا على توفير الوقت فعالة أكثر وقلّت أيضًا أوقات فراغنا.

 

وما مكان الله؟ المسألة المتعلقة به لا تبان أبدًا طارئة. فنحن لا نملك وقت فراغ له. ولكن الأشياء تأخذ منحى عميقًا أكثر. هل يملك الله فعلا مكانا في تفكيرنا؟ أساليب تفكيرنا منظمة بطريقة أنه في العمق لا يجب عليه أن يتواجد. على الرغم من أن الله يظهر وكأنه يطرق على باب تفكيرنا، فلا بد أن تبعده عنه بعض الأفكار. لكي يعتبر التفكير منطقي عليه أن يكون مبنيا على إلغاء "فرضية الله." لا يوجد مكان له. حتى في أحاسيسنا وإرادتنا لا مكان له. نحن نريد أنفسنا. نحن نريد الأشياء الملموسة، والسعادة المعاشة، ونجاح مشاريعنا الشخصية ونوايانا. نحن "ممتلئين" كليًّا من أنفسنا، لدرجة أنه لا يبقى مكان لله.ولذلك لا يبقى مكان للآخرين، وللأطفال، وللفقراء، وللغرباء. انطلاقا من واقع عدم وجود موضع لهما في المضافة يمكننا أن نعي ضرورة دعوة القديس بولس لنا: "تبدلوا بتجدد عقولكم" (رومة 12، 2). يتحدث بولس الرسول عن التجديد وعن انفتاح تفكيرنا؛ يتكلم بشكل عام عن الطريقة التي نرى بها العالم وأنفسنا. إن الارتداد الذي نحن بحاجة اليه، يجب أن يطال حقا أعماق علاقتنا مع الواقع. فلنصل الى الرب لكيما نصبح مدركين لوجوده، ولنسمع كيف يطرق سرًّا ولكن بإصرار على باب شخصنا وإرادتنا. فلنصل له لكي يخلق في أنفسنا مكانا له، ولكي نستطيع أن نتعرف اليه في أولئك الذين يظهر وجهه لنا من خلالهم: في الأطفال، والأشخاص الذين يعانون، والأشخاص المهجورين، والمهمشين، وفي فقراء هذا العالم.

 

أود أن اتأمل معكم حول عبارة ثانية من نص الميلاد: نشيد التسبيح الذي أنشده الملائكة بعد ولادة المخلص: "المجد لله في العلى والسلام في الأرض للناس أهل رضاه". إن الله ممجد، الله نور نقي، روعة الحقيقة والمحبة. هو طيب، هو الخير الحقيقي، الخير بامتياز. نقلت الملائكة التي تحيط به ببساطة أولا فرح معاينة مجد الله. نشيدهم إشعاع للفرح الذي ملأهم. يمكننا أن نسمع في كلماتهم، إن جاز التعبير، شيء من نغمات السماء. هنا لا يوجد أي سؤال ضمني حول الهدف، توجد ببساطة السعادة التي غمرتهم إذ عاينوا بهاء حقيقة الله النقي ومحبته. نحن نود أن يلمسنا هذا الفرح: الحقيقة موجودة. الخير النقي موجود. النور النقي موجود. الله طيب وهو القدرة العليا، فوق كل القدرات. يجب على هذا أن يكون سبب فرحنا هذه الليلة، مع الملائكة والرعاة.

 

يرتبط السلام على الأرض بين البشر بمجد الله في أعالي السماوات. حيث لا نمجد الله، وحيث يكون الله منسيًّا أو منفيًّا، لا يوجد سلام. مع ذلك، اليوم، تدعم عدة تيارات سائدة العكس: الأديان، بخاص الديانة التوحيدية، ستكون سبب العنف والحروب في العالم؛ ينبغي أولا تحرير البشرية من الأديان، لكيما يولد السلام؛ ستكون الديانة التوحيدية، الإيمان بالإله الواحد ظلمًا، وسببا للتعصب، لأنها بحسب طبيعتها ستفرض على الجميع تحت غطاء الحقيقة الواحدة. صحيح أنه في التاريخ، كانت الديانة التوحيدية بمثابة ذريعة لعدم التسامح والعنف. صحيح أنه يمكن لديانة أن تمرض وبالتالي تصل الى معارضة طبيعتها الأعمق، عندما يظن الإنسان أنه يجب عليه أن يأخذ على عاتقه هدف الله، جاعلا الله كجزء من أملاكه الخاصة. علينا أن نكون يقظين إزاء هذه التشويهات التي تمس بالمقدس. إذا برز في التاريخ سوء استخدام للدين لا يمكن إنكاره، فمن غير الصحيح أن رفضنا لله يُحل السلام. إذا انطفأ نور الله، تنطفئ معه كرامة الإنسان الإلهية، فلا يعود إذا على صورة الله التي يجب أن نكرمها في كل شخص، في الضعيف، في الغريب، وفي الفقير. إذا نحن لم نعد إخوة وأخوات، أولاد الآب الأوحد، متصلين بعلاقة متبادلة من خلاله. ما أنواع العنف التي تظهر إذا، وكيف تسحق الإنسان أخيه الإنسان، لقد رأينا ذلك بكل قسوته خلال القرن الماضي. فقط إن لمع نور الله على الإنسان وفيه، وإن فقط أراد الله كل إنسان وأحبه، حينها فقط، مهما كانت حالة بؤسه، تكون كرامته مصانة. في ليلة الميلاد جعل الله نفسه إنسانا، كما أعلن النبي أشعيا: الطفل المولود هنا هو "عمانوئيل"، الله معنا (راجع أشعيا 7، 14). وخلال هذه القرون كلها، لم يساء استخدام الدين فحسب، بل لطالما أتت قوى مصالحة وخيرة من جديد من الإيمان بالله الذي جعل نفسه إنسانا. في ظلمات الخطيئة والعنف، أدخل هذا الإيمان شعاعا منيرا من السلام والخير لا يزال يلمع.

 

وهكذا، المسيح هو سلامنا، وقد أعلن السلام للبعيدين وللقريبين (أفسس 2، 14. 17). فكيف لا نصلي له في هذا الوقت: نعم يا رب، أعلن لنا أيضًا السلام الآن، للقريبين وللبعيدين. حوّل اليوم أيضًا السيوف الى سكك (أشعيا 2، 4)، ولتحل المساعدات للمحتاجين بدل أسلحة الحرب. أنر الأشخاص الذين يمارسون العنف باسمك، لكي يفهموا عبثية العنف ويتعرفوا الى وجهك الحقيقي. ساعدنا لكي نصبح بشرًا "من أهل رضاك" بشرا على صورتك، وبالتالي أهل سلام.


ما إن انصرف الملائكة حتى قال الرعاة في ما بينهم: فلنذهب الى بيت لحم ولنر هذه الكلمة التي تجسدت لأجلنا (راجع لوقا 2، 59). يروي الإنجيلي أن الرعاة ذهبوا بعجلة الى بيت لحم (2، 16). كان يدفعهم فضول مقدس ليذهبوا ويروا هذا الطفل الصغير في مذود، الذي قال عنه الملاك بأنه المخلص، المسيح، الرب. والفرح الكبير الذي تحدث عنه الملاك لمس قلوبهم، وأعطاهم أجنحة.

تقول لنا ليتورجية الكنيسة اليوم، فلنذهب الى بيت لحم. تترجم باللاتينية Transeamus أي "العبور"، إذهبوا الى هناك، تحلوا بجرأة الخطوة للعبور، هذه الخطوة التي من خلالها نخرج من عادات تفكيرنا وحياتنا، ونتخطى العالم المادي لنصل الى الأساس، بعده، نحو الله، الذي من ناحيته أتى الى هنا، نحونا. نود أن نصلي للرب، لكي يعطينا القدرة لنتخطى حدودنا، وعالمنا؛ ليساعدنا كي نلتقي به، بخاصة عندما يضع نفسه في سر الإفخارستيا بين أيدينا وفي قلبنا.

 

فلنذهب الى بيت لحم: هذه الكلمات متحدين مع الرعاة نقولها بعضنا لبعض، لا يجب علينا أن نفكر بالعبور الكبير نحو الله الحي، بل أيضًا بمدينة بيت لحم الملموسة، بجميع الأماكن التي عاش بها الرب، وعمل وتألم. فلنصل في هذا الوقت للأشخاص الذيين يحيون اليوم ويتألمون. فلنصل من أجل إحلال السلام فلنصل لكي يستطيع الإسرائيليون والفلسطينيون أن يعيشوا حياتهم في ظل سلام الله الأوحد والحرية. كما فلنصل أيضًا للبلدان المجاورة، للبنان، وسوريا، والعراق، والبلدان الأخرى: لكي يحل السلام. لكي يستطيع مسيحيو هذه البلاد التي تأسس فيها إيماننا أن يستمروا بالعيش؛ فليبن المسيحيون والمسلمون معا بلادهم في سلام الله.

 

ذهب الرعاة على عجل. فضول، وفرح مقدسان دفعا بهما لذلك. نحن نادرا جدا ما نسارع الى أشياء تتعلق بالله. اليوم لا يشكل الله جزءًا من الوقائع الطارئة، فنحن نظن أن الأشياء المتعلقة بالله يمكنها الانتظار. ومع ذلك، هو الحقيقة الأسمى، هو الأوحد الذي يحمل الأهمية الكبرى. لماذا لا يدفعنا الفضول لنذهب نحن أيضًا ونرى ونتعرف الى ما يريد الله أن يقوله لنا؟ فلنصل له لكي يلمسنا فضول الرعاة وفرحهم المقدس في هذا الوقت، ولنذهب بفرح الى بيت لحم نحو الرب، الذي أتى اليوم أيضًا إلينا. آمين.

 

الفاتيكان, (ZENIT.org)

البابا بندكتس السادس عشر

 

أيها الإخوة والأخوات الأحباء

 

إن القراءة المستقاة من رسالة القديس بولس الرسول إلى طيطس، التي سمعناها الآن، تبدأ، احتفالياً، بكلمة "ظهرت" وهي تعود من جديد في قراءة قداس الفجر: "ظهرت" إنها كلمة برمجية، بها تريد الكنيسة أن تعبّر، بنوع تأليفي عن ماهية عيد الميلاد. في الماضي، كان البشر قد تكلموا وخلقوا، بأنواع عديدة، صوراً بشرية عن الله. والله نفسه كان قد تكلم بأنواع شتّى (راجع عبر1: 1: قراءة قداس النهار). إلا ان شيئاً جديداً قد جرى الآن: لقد ظهر! لقد تراءى! لقد خرج من النور الذي لا يمكن البلوغ إليه والذي يسكن فيه. هو نفسه جاء وحلَّ في وسطنا. وكان هذا للكنيسة القديمة فرح الميلاد العظيم: الله قد ظهر! فهو لم يعد فكرةً، ولا شيئاً يمكن التكهّن به انطلاقاً من الأقوال. لقد ظهر! ولكن لنتساءَل الآن: كيف ظهر؟ ومن هو حقاً. وتقول قراءة قداس الفجر في هذا الشأن: "لقد ظهر لطف الله مخلصنا ومحبته للبشر" (طيطس3: 4). ولدى الأناس الذين عاشوا قبل العهد المسيحي؛ والذين شاهدوا أهوال العالم ومتناقضاته كانوا يخشون ألا يكون الله أيضاً كلياً صالحاً، بل كان في وسعه أن يكون أيضاً قاسياً واعتباطياً. فكان الأمر "ظهوراً" حقاً، والنور العظيم الذي ظهر لنا: الله محض صلاح. واليوم أيضاً، الذين لا يفلحون في التعرف الى الله في الإيمان يتساءَلون هل ان القدرة القصوى التي تؤسس العالم وتحمله هي حقاً صالحة! أو هل ان الشر ليس قديراً وقديماً مثل الخير والجمال اللذين في أوقات منيرة من عالمنا. "ظهر لطف الله ومحبته للبشر": إنه يقين جديد ومعزٍّ أُعطي لنا في الميلاد!

 

في القداديس الثلاثة التي تُقام في عيد الميلاد، تستشهد الليتورجيا بمقطع مستمَدٌّ من سفر اشعيا النبي يصف أيضاً بنوع أكثر واقعية "الظهور" الذي حدث في الميلاد: "لأنه قد وُلدَ لنا ولد وأُعطي لنا ابن. وصارت الرئاسة على كتفه، ودُعي اسمه عجيباً مشيراً إلهاً جباراً، أبا الأبد، رئيس السلام، لنمو الرئاسة والسلام لا انقضاء له" (اشعيا9: 5). بهذه الأقوال، لا ندري هل فكر النبي في طفلٍ ولد في زمانه. إلا ان الأمر يبدو مستحيلاً. فإن هذا النص هو الوحيد في العهد القديم فيه قيل عن طفل، وعن كائن بشري: سيكون اسمه إلهاً جباراً وأبا الأبد. نحن أمام رؤية تمضي إلى أبعد بكثير من الزمن التاريخي، نحو ما هو سرِّي وُضع في المستقبل. طفل، في كل ضعفه، يكون إلهاً جباراً. طفل في كل فقره واحتياجه إلى غيره يكون أبا الأبد! ولا يكون انقضاء لسلامه. وكان النبي سبقَ وتكلم عنه مثل "نور عظيم"، وعن السلام الآتي منه، كان قد أكَد عنه "أن قضيب المسخِّر وجميع أحذية الجنود التي تُحدث جلبةً على الأرض، وكل ثوب متلطَخ بالدماء تصير للحرق ووقوداً للنار" (راجع اشعيا 9: 1، 3 – 4).

 

لقد ظهر الله، مثل طفل. وبذلك فهو ضد كل عنف ويأتي برسالة السلام. وفي هذا الوقت حيث العالم مهدَّد دوماً بالعنف في أمكنة عديدة وبأشكال شتّى، حيث ما تزال قضبان الطغاة ترتفع مهدِّدة، والأثواب متلطِّخة بالدماء، نصرخ إلى الرب ونقول: أنت، الإله الجبار ظهرت مثل طفل وأظهرت لنا نفسك مثل ذاك الذي يحبنا، وذاك الذي به ستنتصر المحبة. وأفهمتنا أننا معك يجب أن نصبح صانعي سلام. فنحن نحب كونك طفلاً، وعدم عنفك، ولكننا نتألم لأن العنف ما يزال مستمراً في العالم. لذا فإننا نسألك أيضاً: اللهمَّ، أظهر قدرتك. في زماننا، وفي عالمنا، إجعل قضبان الظالمين والثياب المتلطخة بالدماء وأحذية الجنود الصاخبة تُحرَق، وأن ينتصر هكذا سلامك في عالمنا.

 

إن الميلاد ظهور، ظهور الله ونوره العظيم في طفل ولد لنا. ولد في اصطبل بيت لحم وليس في قصور الملوك؟ حينما احتفل القديس فرنسيس سنة 1223، بالميلاد، في غريشيو، مع ثور وحمار ومعلف مملوء تبناً، ظهر بعدٌ جديد لسر الميلاد. ودعا القديس فرنسيس الميلاد "عيد الأعياد" (اي العيد الأعظم) أكثر من جميع الاحتفالات الأخرى. وقد أقام هذا العيد بعناية لا تُوصف. وكان، بتعبّد عميق، يقبِّل صور الطفل يسوع ويتلفّظ بكلمات الحنان على طريقة الأطفال، كما يروي لنا توما دي شيلانو. للكنائس القديمة كان عيد الفصح (القيامة) هو عيد الأعياد. ففي القيامة كان المسيح  قد فتح أبواب الموت، وهكذا غيَّر العالم تغييراً جذرياً. وكان قد خلقَ في الله نفسه موضعاً للإنسان. ولم يرد القديس فرنسيس أن يغير هذه المرتبة الموضوعية للأعياد، وخلق بنية الإيمان كلها متمحورة حول السر الفصحي. ومع ذلك، به، وبطريقة إيمانه حدث شيء جديد: لقد اكتشف فرنسيس إنسانية يسوع بعمق جديد. أن يصبح الله إنسانا، فقد صار هذا الأمر له بديهياً إلى أقصى حد، حينما لُفَّ ابن الله، المولود من العذراء مريم، بقمط ووُضع في مذود حيوانات. والقيامة تفترض التجسد. فإن ابن الله مثل طفل، مثل ابن انسان حقيقي، أثر تأثيراً عميقاً في قلب قديس أسيزي وأحال إيمانه إلى محبة "ظهرت جودة الله (...) ومحبته للبشر". وكانت جملة القديس بولس هذه تكتسب عمقاً جديداً جداً. ففي الطفل الراقد في اصطبل بيت لحم يمكننا، نوعاً ما، أن نلمس الله وأن نلاطفه. وهكذا، فإن السنة الليتورجية حصلت على محور جديد في عيد هو، قبل كل شيء، عيد القلب!

 

إن هذا كله ليس من قبيل الإحساس، ففي الخبرة الجديدة لحقيقة إنسانية يسوع ينكشف بالضبط سر الإيمان العظيم. وكان فرنسيس يحب يسوع، الطفل الصغير، لإنه، لكونه طفلاً، كان تواضع الله يصبح بديهياً. لقد صار الله فقيراً. فوُلد ابنه في فقر اصطبل. وفي الطفل يسوع، صار الله خاضعاً ومحتاجاً إلى محبة أشخاص بشريين، ويفتقر إلى التماس محبتهم ومحبتنا أيضاً!

 

أما اليوم فقد أضحى عيد الميلاد عيداً تجارياً تخفى أضويته القوية سرَّ تواضع الله، وهذا التواضع يدعونا إلى التواضع والبساطة: لنصلِّ إلى الرب، ونسأله أن يجعل نظرتنا تتجاوز جميع هذه المواجهات اللامعة في هذه الفترة، لنرى وراءها الطفل في اصطبل بيت لحم، فنكشف هذا الصراخ الحقيقي والنور الحقيقي.

 

فوق المذود (المعلف)، بين الثور والحمار، كان القديس فرنسيس يحب أن يُحتفل بالإفخارستيا المقدَّسة. وبعد ذلك، على هذا المعلف نفسه أقيم مذبح، لكي هناك، حيث كانت الحيوانات زماناً تأكل التبن، يتسنى للبشر الآن، أن يتلقوا لخلاص نفسهم وجسدهم، جسدَ الحمل الطاهر يسوع المسيح، كما يروي توما شيلانو.

 

وفي ليلة غريشيو المقدسة، رتَّل فرنسيس شخصياً، وكان ما يزال شماساً إنجيلياً، إنجيل الميلاد بصوته الجهوري. وبفضل تراتيل الميلاد الرائعة التي أداها الاخوة الرهبان، كان الاحتفال يبدو مثل فرحة عارمة. فإن اللقاء بتواضع الله يستحيل فرحاً. وجودته تخلق العيد الحقيقي.

 

إن من يدخل اليوم إلى كنيسة الميلاد (وتسمى كنيسة المهد) في بيت لحم، يكتشف أن المدخل الذي كان زماناً مرتفعاً خمسة أمتار ونصف المتر، ومن خلاله كان الأباطرة والخلفاء يدخلون إلى البناية قد هُدم معظمه. وظلت فتحة واطئة بمقدار متر ونصف المتر. ومن المحتمل أن النية كانت حماية الكنيسة من الهجمات المحتملة ولا سيما لتجنب دخول الفرسان مع خيولهم إلى بيت الله. ومن يرغب في الدخول إلى موضع ميلاد يسوع، عليه أن ينحني ويدخل. ويبدو لي أن في الأمر حقيقة أعمق بها نريد أن نتأثر في هذه الليلة المقدسة: إذا أردنا أن نجد الإله الذي ظهر مثل طفل، علينا أن ننزل من حصان عقلنا "المتحرر". علينا أن نتخلّى عن تاكيداتنا الزائفة، وعن كبريائنا الفكري الذي يمنعنا من أن نلمح قرب الله. علينا أن نتبع طريق القديس فرنسيس الباطني، وهو الطريق الى هذه البساطة القصوى، الخارجية والداخلية، التي تجعل القلب قادراً ان يرى. علينا أن ننحني وأن نسير روحياَ على أقدامنا ليسعنا اجتياز مدخل الإيمان والتقاء الله الذي يختلف عن أحكامنا المسبقة وعن آرائنا: الله الذي يختبىء في تواضع طفل وُلد الآن. لنحتفل هكذا بليتورجيا هذه الليلة المقدسة، ولنتخلَّ عن التركيز على ما هو مادي يُقاس ويُلمس. لندع الله يجعلنا بسطاء، هو الذي يظهر لنا بقلب قد أصبح بسيطاً. ولنصلِّ في هذا الوقت وقبل كل شيء لكي الذين عليهم أن يعيشوا الميلاد في الفقر وفي الألم وفي اوضاع المهاجرين، ليظهر لهم شعاع من جودة الله لكي تمسهم وتمسّنا نحن أيضاً هذه الجودة التي أردا الله بميلاد ابنه في الإصطبل أن يحملها إلى العالم. آمين.

 

الفاتيكان, (ZENIT.org)

البابا بندكتس السادس عشر

 

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء،

"أنت ابني، أنا اليوم ولدتك"، بكلمات المزمور الثاني هذه، تبدأ الكنيسة ليتورجية عشية الميلاد. وهي تعرف أن هذه الكلمة كانت تنطبق أصلاً على طقس تتويج ملك إسرائيل. الملك، الذي هو بحد ذاته كائنٌ بشري نظير كل البشر الآخرين، يضحي "ابن الله" من خلال الدعوة و التربع على عرش ملوكيته: إنه نوع من تبنٍ من قِبل الله، فعل قرار، يمنح الله من خلاله لذلك الرجل وجودًا جديدًا، ويجذبه نحو كيانه الذاتي.

 

تقدم العمليةَ نفسها بشكل أوضح قراءةُ النبي آشعيا التي سمعناها لتونا، فتتحدث في حالة اضطراب وتهديد وتقول: "ولد لنا ولدٌ، أعطي لنا ابن. فصارت الرئاسة على كتفه" (9: 5)التربع على عرش الملوكية هو مثل ولادة جديدة. وتمامًا مثل الولادة الجديدة من قرار الله، ومثل ولد آتٍ من الله، يضحي الملك منبع رجاء. على كتفيه يقوم المستقبل. وهو حامل وعد السلام. في ليلة بيت لحم، هذه الكلمة النبوية تضحي واقعًا بشكل لم يكن ممكن تخيله في زمن آشعيا. نعم، الآن هو حقًا طفل ذاك الذي يحمل على كتفيه السلطان. وفيه تظهر الملوكية الجديدة التي يقيمها الله في العالم. هذا الطفل هو حقًا مولود من الله. هو كلمة الله الأزلي، الذي يجمع البشرية بالألوهية. تنطبق على هذا الطفل ألقاب الكرامة التي يتلوها أشعيا: مشيرًا، عظيمًا، إلهًا جبارًا، أبا الأزل، رئيس السلام (9، 5). نعم، هذا الإله لا يحتاج إلى المستشارين المنتمين إلى حكماء هذا العالم. فهو يحمل في ذاته حكمة ومشورة الله. في ضعف كيانه كطفل هو الله الجبار، ويبين لنا هكذا قوة الله الخاصة أمام سلاطين العالم المتعجرفة.

 

كلمات طقس التتويج في إسرائيل، في الحقيقة، كانت دومًا وفقط طقوس رجاء، وكانت تتطلع من بعيد إلى مستقبل سيهبه الله. ما من ملك تمت تحيته بهذا الشكل كان مطابقًا لسمو هذه الكلمات. كانت كل الكلمات بشأن البنوة الإلهية، التربع على عرش إرث الأمم، والسلطان إلى أقاصي الأرض (مز 2، 8) كانت كلها إشارة فقط إلى مستقبل، وكأنها إشارات طريق الرجاء، إشارات تقود إلى مستقبل لم يكن ممكنًا تصوره حينها. وهكذا، فاكتمال الكلمة التي تبدأ في عشية بيت لحم هي في الوقت عينه كبيرة جدًا – بنظر العالم – وأكثر تواضعًا مما كانت الكلمة النبوية تعنيه. إنها أكبر، لأن هذا الطفل هو حقًا ابن الله، حقًا "إله من إله، نور من نور، مولود غير مخلق، مساوٍ للآب في الجوهر". لقد تم تجاوز المسافة اللامتناهية بين الله والإنسان. لم ينحن الله نحو الأعماق وحسب، كمنا تقول المزامير؛ إن الله قد "نزل" حقًا، ودخل العالم، وأضحى واحدًا منا لكي يجذبنا جميعًا إلى ذاته.

 

هذا الطفل هو حقًا عمانوئيل – الله معنا. ملكوته يمتد حقًا حتى أقاصي الأرض. في وسع كون الافخارستيا المقدسة، لقد أقام حقًا جزر سلام. فحيث يتم الاحتفال بالافخارستيا هناك جزيرة سلام، ذلك السلام الحق الذي هو خاصية الله. هذا الطفل قد أشعل في البشر نور الصلاح وأعطاهم قوة أن يقاوموا سلطان الظلم. في كل جيل يبني ملكوته من الداخل، انطلاقًا من القلب. ولكن صحيح أيضًا أن "عصا الظالم" لم يُكسر. فاليوم أيضًا يسير الجنود بأسلحتهم ومن جديد ودومًا "الثياب مضمخة بالدماء" (أش 9، 3).

 

وهكذا فقرب الله منا هو جزء من فرح هذه الليلة. نشكر لأن الله، كطفل، وهب ذاته في أيدينا، ويستعطي – إذا جاز التعبير – حبنا، ويفيض سلامه في قلبنا. لكن هذا الفرح هو أيضًا صلاة: يا رب حقق وعدك بالكامل. حطم عصا الظالمين. احرق أحذية الحروب. إنه زمن الثياب المضمخة بالدم. حقق وعدك: "السلام لن ينته أبدًا" (أش 9، 6). نشكرك لأجل صلاحك، ولكننا نتضرع إليك أيضًا: أظهر قوتك. أقم في العالم سلطان حقيقتك، سلطان حبك – "ملكوت العدالة، الحب والسلام".

 

"ولد مريم ابنها البكر" (لو 2، 7). بهذه العبارة، يخبر لوقا، بشكل بشكل خالٍ من الانفعال، الحدث الكبير الذي سبقت فرأته الكلمات النبوية في تاريخ إسرائيل. يصف لوقا الطفل بـ "البكر". في لغة الكتاب المقدس في عهده القديم، البكر لا يعني الأول بين أولاد آخرين. كلمة "بكر" هي تعبير شرفي، بغض النظر عما إذا تبعه إخوة وأخوات آخرون أم لا. وهكذا فكتاب الخروج (خر 4، 22)،يُسمي الله إسرائيل "إبني البكر"، ويعبّر بذلك عن الانتخاب، عن كرامته الخاصة، عن حب الله الآب الخاص. الكنيسة الناشئة كانت تعرف أن هذه الكلمة في يسوع قد تلقت عمقًا جديدًا؛ أن الوعود التي أعطيت لإسرائيل قد تمت فيه. وبهذا الشكل تسمي الرسالة إلى العبرانيين يسوع "البكر" ببساطة لكي تنظر إليه، بعد إعدادات العهد القديم، كابن الله المرسل إلى العالم (راجع عب 1، 5 – 7). البكر ينتمي بشكل خاص إلى الله، ولهذا – وفي ديانات كثيرة – يجب تسليمه بشكل خاص إلى الله لكي يتم افتداؤه من خلال ذبيحة تعويضية، كما يخبرنا لوقا في حدث تقديم يسوع إلى الهيكل. ينتمي البكر إلى الله بشكل خاص، وهو، إذا جاز التعبير، مخصص للذبيحة. في ذبيحة يسوع على الصليب، يتحقق مصير البكر بشكل فريد. ففي ذاته، يقدم يسوع البشرية إلى الله ويوحد الله والإنسان بشكل يضحي فيه الله كلاً في الكل. لقد وسع وعمق القديس بولس في رسالتيه إلى أهل كولوسي وأهل أفسس فكر يسوع كبكر: يسوع، كما تقول لنا الرسالتان، هو بكر الخلائق – المثال الحقيقي للإنسان والذي انطلاقًا منه خلق الله الإنسان. يستطيع الإنسان أن يكون صورة الله، لأن يسوع هو إله وإنسان، صورة الله والإنسان الحقة. يسوع هو بكر الأموات، بحسب هذه الرسائل.

 

في القيامة، اقتحم يسوع جدار الموت لأجلنا جميعًا. فتح للإنسان بعد الحياة الأبدية في الشركة مع الله. وأخيرًا، يقال لنا: هو بكر إخوة كثيرين. نعم، الآن هو الأول بين إخوة كثيرين، أي الأول الذي يفتتح للجميع الشركة مع الله. هو يخلق الأخوة الحقة – لا الأخوة التي عكرتها الخطيئة بين قايين وهابيل، رومولو وريمو، بل الأخوة الجديدة التي نكون نحن فيها عائلة الله بالذات. هذه العائلة الجديدة، عائلة الله، تبدأ في اللحظة التي تلف فيها مريم البكر في اللفائف وتضعه في المذود. فلنصلي له: أيها الرب يسوع، أنت الذي أردت أن تولد كأول بين إخوة كثرين، أعطنا الأخوة الحقة. ساعدنا لكي نضحي شبيهين لك. ساعدنا لكي نرى وجهك في الآخر الذي هو بحاجة إلي، في الذين يتألمون والمهجورون، في جميع البشر، ولكي نعيش سوية معك كإخوة وأخوات لكي نضحي عائلة، عائلتك.

يخبرنا إنجيل الميلاد، في الختام، أن حشدًا من الملائكة من جيش السماء كان يسبح الله ويقول: "المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام والرجاء الصالح لبني البشر" (لو 2، 14). لقد وسعت الكنيسة هذا التمجيد الذي أنشده الملائكة في الليلة اللمقدسة، وجعلت منه نشيدًا لمجد الله. "نشكرك لأجل عظمتك السامية". نشكرك لأجل جمال، عظمة وصلاح الله، الذي أضحى في هذه الليلة مرئيًا. ظهور الجمال يجعلنا حبورين دون أن نهتم بنفعيته. مجد الله، التي منها يأتي كل جمال، تفجر فينا الدهشة والفرح. من يرى الله يشعر بالفرح، وفي هذه الليلة نرى شيئًا من نوره. ولكن رسالة الملائكة في الليلة المقدسة تتحدث أيضًا عن البشر: "السلام للبشر الذين يحبهم الله". الترجمة اللاتينية لهذه الكلمات التي نستعملها في الليتورجية والتي تعود للقديس هيرونيموس: "السلام للبشر ذوي الإرادة الصالحة". وقد دخلت هذه العبارة بشكل خاص في العقود الأخيرة في لغة الكنيسة. ولكن أي ترجمة هي الصحيحة؟ يجب أن نقرأ كلي النصين معًا؛ فبهذا الشكل فقط نفهم كلمة الملائكة بشكل صحيح. من الغلط أن نفسر النص بطريقة تعترف بعمل الله وحده، كما وكأنه لم يدع الإنسان للإجابة بحب حرّ. ولكن من الغلط أيضًا أن نفسر النص بطريقة أخلاقية فقط، يستطيع بواسطتها الإنسان من خلال إرادته الصالحة أن يفدي نفسه. الأمران يسيران سوية: النعمة والحرية؛ حب الله، الذي يأتي إلينا والذي من دونه لا نستطيع أن نحبه، وجوابنا، الذي ينتظره الله والذي طلبه منا عندما ولد ابنه. التواصل بين الحرية والنعمة، الارتباط بين الدعوة والجواب هو أمر لا يمكننا أن نفصل فيه الواحدة عن الآخر. كلا الأمران لا ينفصلان. وهكذا هذه الكلمة هي في الوقت عينه وعد ودعوة. الله وافانا بهبة ابنه. ومن جديد يأتي الله إلينا بشكل غير منتظر. هو لا يتوقف عن البحث عنا، ويرفعنا كل مرة نحن بحاجة إليه. لا يتخلى عن خرافه الضالة في الصحراء. الله لا يسمح لخطيئتنا أن تضيّعه. فهو يبدأ معنا دومًا من جديد. وكل مرة ينتظر حبنا. يحبنا لكي نستطيع أن نضحي أشخاصًا يحبون معه، وهكذا يمكن أن يكون هناك سلام على الأرض.

 

لا يقول لوقا أن الملائكة غنوا. فهو يكتب بطريقة يقظة جدًا، فيقول: "جيش السماء كان يسبح الله ويقول: "المجد لله في أعالي السماوات..." (لو 2، 13). ولكن لقد عرف البشر دومًا أن كلام الملائكة هو مختلف عن كلام البشر؛ وأن في هذه الليلة الرسالة الفرحة هي نشيد يشع فيه مجد الله. وهكذا فنشيد الملائكة هو موسيقى تأتي من الله، بل هي دعوة لكي ننضم إلى النشيد، في فرح القلب بأننا محبوبون من الله. يقول القديس أغسطينوس "الإنشاد هو أمر يتعلق بالمحبين" (Cantare amantis est). وهكذا، على مر الأجيال، يضحي نشيد الملائكة من جديد نشيد حب وفرح، نشيد الذين يحبون. في هذه الساعة ننضم بعرفان إلى إنشاد الأجيال هذا، الذي يجمع السماء بالأرض، الملائكة والبشر. نعم، نشكرك يا رب لأجل مجدك العظيم. نشكرك لأجل حبك. أعطنا أن نصبح أشخاصًا يحبون معك وبالتالي رجال سلام. آمين.

)، الفاتيكان ZENIT.org(

        إستعداداً للإحتفال بعيد الميلاد، أحيا فريق العمل الرسولي رتبة توبة يوم السبت الموافق 12 كانون الأول 2015. أفتتحت بتأمل للميلاد قدّمه سيادة المطران بشار وردة أعقبه رتبة السجود للقربان وبركة القربان إحتفلَ بها حضرة الأب ريّان عطّو.
 
تخللت الإحتفالية التقدّم إلى الإعتراف الفردي، وأختتمت الرتبة بإحتفالية اختيار "شفيع السنة"، وأختير القديس منصور دي بول شفيعاً للفريق لسنة 2016، كما وتم اختيار العوائل والمستشفيات والاديرة التي سيقوم اعضاء الفريق بزيارتها ضمن برنامج اعمال الرحمة الذي ينضمه الفريق كل سنة قبل اعياد الميلاد ورأس السنة حيث يشمل البرنامج زيارة المرضى والمسنين والايتام والحزانى.