مقالات عامة
 الإكليريكي ميلان صباح عوديش

الإكليريكي ميلان صباح عوديش

الثلاثاء, 29 تشرين2/نوفمبر 2016 16:12

لنبني بيتنا من جديد

"لنبني بيتنا من جديد"
​عيون لا تبصر وآذان لا تسمع... هذا ما نختبره في الأوضاع المقلقة التي نعيشها ولاتزال مستمرة في بلدنا. إنسان اليوم مليء من التحديات، وخاصاً المؤمن المسيحي المضطهد، فالتحديات التي يواجهها تبين أن لا مستقبل له ولا حاضر، ولكنه يملك ماضي مؤلم.
إن المسيحي يتساءل دائماً ويقول: على ماذا أبني بيتي ومستقبلي؟ وأين الأرض التي أبني عليها؟ وأين الحرية التي عليها أستمر في البناء؟ وأين النور الذي به أرى "ذاتي" في الحياة؟
​بناء البيت ليس بالأمر السهل، لأنه بحاجة إلى القوة والتضحية والوقت أيضاً، ولكن بالرغم من ذلك نحاول البناء كي نلتقي مع بعضنا البعض من جديد، عاملين بما يطلبه منا الإنجيل، وهذا ما فقدناه مدة من الزمن. حاولوا كثيرون أن يهدموا بيوتنا، ويفنوا أراضينا، حتى يغيّبوا حضور الله في حياتنا، لكنهم نسوا بأننا مثل البذرة التي تموت لتحيا من جديد، وهذا ما يؤكده يوحنا الرسول في إنجيله "إنَّ حَبَّةَ الحِنطَةِ الَّتي تَقَعُ في الأَرض إِن لَم تَمُتْ تَبقَ وَحدَها. وإذا ماتَت، أَخرَجَت ثَمَراً كثيراً" (يو 14-24).
الأرض التي نعيش فيها لنا الحق بأن نبنيها ونبني بيوتنا عليها، ونحن نلتزم أن نبني بيوتنا من جديد مهما كانت العواقب والصراعات، ففي كثير من الأحيان يكون الخراب والدمار ولادة جديدة وانطلاقة نحو الأمام، وهذا نوع من اختبار للإيمان فينا، لأن إيماننا ورجاءنا يعطياننا الفرصة لنقوم في بناء المستقبل من جديد، حتى نعود إلى أراضينا وتاريخنا ونعمر بيوتنا يداً بيد، فأننا نؤمن أن الحياة هي أقوى من الموت.
لقد حان الوقت اليوم أن نقوم على أكتافنا من جديد لأننا نملك القوة، قوة المحبة والغفران تجاه الآخر، التي نستمدها من المسيح.. وهذا ما يمكّننا لبناء مستقبلنا على الصخرة التي لا تزول أبداً. تماماً كما أكد المسيح ذلك بقوله لبطرس: "أَنتَ صَخرٌ وعلى الصَّخرِ هذا سَأَبني كَنيسَتي، فَلَن يَقوى عليها سُلْطانُ الموت" (مت18:16). فبالرغم من كل التحديات والمعوّقات التي نعيشها يبقى رجاء المسيحي حاضراً ومعاشاً، لأن يبني من جديد كل ما تهدم (أرض، تاريخ، ثقافة، علاقة..)، لأن أساس هذا البناء هو المسيح الصخرة الحقيقية الثابتة، وهذه الصخرة التي لا تتغير و لا تزول.

الخميس, 27 تشرين1/أكتوير 2016 13:28

المحبة تجعلني خادماً

    

المحبة هي شرط لممارسة الحرية المسيحية. وهي علامة صادقة ومستمرة للحياة المسيحية. إنها المعيار الأساسي للمسيحي، فهي تتجاوز كل الفضائل، بسبب ديمومتها، وبسبب كمالها، ولأنها تمثل أسمى القيم الإنجيلية. فتكون حضور الله نفسه في العلاقات مع الآخرين.



    هي حب اختياري يريد خير الآخرين، ينبوعها في الله الذي أحبنا أولاً، وأسلم أبنه الذي من حبه مات لأجلنا. وبثمرة هذه المحبة أصبحنا مختارين كأبناء الله في الروح القدس لنغدو خداماً له وللآخرين.

    

​والخدمة، هي فرح العطاء عند الخادم الذي كرّس نفسه لها، خدمته تفيض من محبة الله له. أن الخادم هو الدليل الذي يرشد الناس إلى الله من خلال محبته وعطائه، فبدون المحبة والعطاء تتحول هذه الخدمة إلى مجرد كلام، فالخادم الحقيقي هو ليس من ينطق بكلمة الله فقط، بل هو المدعو أن يحيا هذه الكلمة ويعيشها فيلتذ بها والآخرين.

  

​الخدمة أيضًا مسؤولية تجاه الله والكنيسة، هذه المسؤولية التي عاتقها على الإنسان وحده، فهو الذي يستطيع أن يخدم بمحبة وتكون ثمرة المحبة أن يتذوق الآخرين طيبة الرب من خلالها، وهذا ما يردّده المزمّر: "ذوقوا وأنظروا ما أطيب الرب" (34 : 9).

    

الخدمة تولد في قلوبنا كشعلة نار فتغدو مبدأً نتبعه دائماً، بل هي أسلوب حياتنا الذي من خلاله تثمر وتعطي ثماراً صالحة. الخدمة عطاء ينزع عنا الأنانية، الخدمة فرح يجردّنا من التسلط والغرور، الخدمة محبة تزيح الكبرياء وتنفي من نفوسنا حب الظهور، الخدمة تواضع يقربنا من الله ويمد الجسور بيننا وبينه، وبيننا وبين القريب، فلا نغدو بعيدين أو غرباء عن الملكوت، الخدمة صخرة ثابتة نبني عليها بيوتاً لا تقوى الرياح والسيول على زعزعتها.



    وحتى أوقات الشدة والألم، تعلمنا أن نتمسك بالخدمة بفرح ومحبة وعطاء وأن نرى في القريب المتألم وجه الله، منتظرين برجاء ثابت أن يكون لنا مع المسيح القائم النصر والفرح والقيامة.

  
 
​فالمسيح معلمنا الأول وقدوتُنا في الخدمة، هو القائل "ما جئت لأخدَم بل لأخدُم" متى (20 : 28). تواضع في الخدمة بمحبة نابعة من قلبه الأقدس ليقربنا من الله الآب ويغذينا من طعامه "طعامي أن أعمل بمشيئة الذي أرسلني وأُتمم عمله" متى(4 : 34). لكي يوصلنا إلى الله ويملأنا إيماناً حياً، تُجسّده الأعمال الصالحة، لا كلاماً أجوف، فتغدو حياتنا شهادة حية للمسيح من خلال خدمتنا ومحبتنا على مثال آبائنا القديسين الذي كرّسوا أنفسهم لخدمة كلمة الله بأمانة واخلاص.

الخميس, 13 تشرين1/أكتوير 2016 14:22

لستُ وحيداً.. لأنك معي!

لستُ وحيداً.. لأنك معي!

يهلل المزمور 27 : 10 "إذا تركني أبي وأمي فالربّ يَقبَلُني".

في حياتنا أحياناً كثيرة نشعر بأننا وحيدين، وعلى الخصوص عندما ندخل في أزمة معينة، أو نمرّ بموقف عدم معرفة للآخر والله بسبب انغلاقنا على ذاتنا والضجر من واقعنا، لهذا نشعر بأن الله لا يساعدنا وهو بعيد عنا. الإنسان الوحيد هو الذي يشعر بأنه منعزل ومنفرد ومتروك.. لماذا؟ لأن الأزمات والمشاكل التي تواجهه تقوده لهكذا شعور.
الوحدة تشير إلى الترك أو الرفض من قبل المجتمع والآخرين، أي عدم وجود رفيق للدرب الذي أنا به، وعدم تقبل الآخرين لي. وهذا يعطي طابع الإهمال للإنسان فيكون متعباً ومثقلاً. ولهذا نرى اليوم الكثيرين ممن يصلون لمرحلة الانتحار والاكتئاب.

شعور الوحدة الذي يعاني منه إنسان اليوم هو واقع مؤسف جداً في حياتنا، لأنه أصبح شعور يتجسد بحياة هدفها أشباع الذات من الماديات الدنيوية، والرغبات الجنسية، وإلخ.. وأيضاً هو شعور بعدم التواصل في علاقة مع الآخرين، بمعنى العيش مع أشخاص جامدين قد يكونوا أحياناً عبارة عن أصنام في حياتنا.

واجبنا نحن اليوم كمسيحين هو مهم جداً، محاولين أن نرسم صورة حقيقية للآخر، لهذا ينبغي أولاً أن نخرج من ذواتنا وانانيتنا حتى نحقق صورة الله فينا، ونكتشفه من خلال الآخر في حياتنا. والكنيسة تدعونا للعيش كجماعة لا كالأفراد، لهذا يبقى الآخر هو مهم، وبدونه لا نستطيع أن نكمل حياتنا بشكل الأفضل والصحيح. وهذا ما يوضحه لنا أيضاً مارتن بوبر في عبارته "أنا_ أنت"، فعلاقتي مع الأخر تجعلني أعيش حياة فرح وسعادة، لأن الإنسان مكوّن من قبل الأخر وهو مُصاغ منه. عند بوبر العلاقة مع الأخر هي نعمة، فتؤدي هذه العلاقة إلى توليد الحبّ الذي هو مسؤولية العلاقة وهو الذي يعطي للإنسانية قيمتها الصحيحة.

أحياناً نسأل أنفسنا لماذا الله تركنا عندما وقعنا في مشاكل وصعوبات كبيرة، ولا يساعدنا أن نتعامل معها بطريقة صحيحة، فنصبح أشخاصاً معوّقين؟ ولكن على العكس تماماً، لأنه إذا دخلنا أعماقنا قليلاً، سنفكر بأنه يجب علينا أن نثق بأن الله يعرف كيف يتعامل مع معوّقاتنا وصعوبات حياتنا، ويساعدنا من خلالها ومن الآخر ليجعله أداة تقودنا للخروج من هذه الصعوبات والعواقب البائسة. فالله أقرب إلينا من ذواتنا ويعرف ما نحن بحاجة إليه أكثر منا.

ختاماً أقول: يارب، أننا لسنا وحيدين، وشعورنا كبير في وجودك معنا، لأنك أنت "عمانوئيل"، "الله معنا" في أفراحنا وآلامنا وقراراتنا المصيرية. ونعرف أنك لا تتركنا أبداً ولا تجعلنا أن نكون يتامى من حبك وإنسانيتك وتواضعك وسعادتك ... آمين.

الأربعاء, 07 أيلول/سبتمبر 2016 16:48

الخلاص عبر الصليب

    ​الصليب هو كل مشقة نتحملها حباً من أجل الآخرين، وهو الطريق والباب الضيق الذي يقودنا إلى بيت الآب السماوي الذي هو الملكوت، وهو التعب والاحتمال والصبر والتوبة أيضاً لتحقيق كلمة الله في حياتنا، لأنه هكذا يقول لنا الرب يسوع "من لا يحمل صليبه ويتبعني فلا يستحقني" (متى 38:10)، ولهذا سنكون من المستحقين لأننا نحمل أسمه في حياتنا. ​يعلمنا الصليب بأننا مدعوون إلى الرجاء، وهذا الرجاء هو علامة الانتصار على قوى الشر التي هي مبعث للنور في ظلمات الحياة. ويعطي القوة والخلاص والفداء لمن يحملون الصليب. الصليب الذي نحتفل به نحن اليوم ليس هو مجرد تكرار للتقليد التاريخي الكنسي، بل هو مشاركتنا نحن المؤمنين بالإيمان الواحد الذي جمع الإخوة الذين سبقونا وأوصلوا إلينا معنى إكرام الصليب المقدس. وأهمية هذا الإيمان المتوارث اليوم، تكمن بأن يكون نوراً يُضيء لنا الدرب ومن خلالنا يٌضيء للآخرين؛ به ننقي أفكارنا ونغيّر طريقة تفكيرنا، حتى نعمل على عدم مقابلة الشر بالشر بل بالمحبة.

 

    الصليب الذي نكرّمه في كنائسنا، ونضعه فوق أبواب بيوتنا، وعلى صدورنا وفوق قلبنا.. لماذا؟ لأن الصليب بالنسبة لنا هو ضمانة حبّ الله المجاني لكل واحد منا. ولابد أن تكون علاقة حبنا للأخرين وخدمتنا من أجلهم، إذا لم نضع التضحية والخدمة وبذل الذات من أجل الأخر يُصبح الصليب عقيماً في حياتنا، ولا يعطي ثمار الخلاص لنا. إن عيش معنى الصليب في حياتنا لا يعني عيش الألم والعذاب والموت، وأنما عيش علاقة الإنتصار الذي اعطانا إياه المسيح بأنتصاره هو على الموت، وبأنتصار الرجاء على اليأس.

 

    أختم كلمتي بهذه الصلاة : ربي أعطنا أن نحمل الصليب معك حباً بك، فبالصليب ننتصر ونتقوى، آمين.

الأربعاء, 24 آب/أغسطس 2016 21:25

كيف أختار طريقك

كيف أختار طريقك

      نقول في المزمور 4:25 "يارب عرفني طُرقك، وسُبلك علمني".

     أختيار طريق الرب ليس بالشيء السهل، لان الحياة فيه ليست فقط للعيش وإنما هي للعمل وبذل الذات من أجل الآخرين. وطريقك يارب الذي نفكر به ونسعى له فهو في الكثير من الأحيان يكون صعباً وشاقاً، لأنه الطريق الوحيد الذي يقودنا الى القداسة، ولأننا فيه لا نكون في الظلال بل في الحق والحياة. إذن المسيح هو طريقنا، الطريق الصالح، الطريق الذي يفتح ملكوت السماوات للمؤمنين.. وهذا ما يدعونا إليه في إنجيله قائلًا: " أَنا الطَّريقُ والحَقُّ والحَياة. لا يَمْضي أَحَدٌ إِلى الآبِ إِلاَّ بي" (يو14:6(.

      كثيراً من شهداء الإيمان استشهدوا لأنهم اجتهدوا للعمل في طريق الرب ونالوا أكليل الشهادة، وكثيراً من الناس اضطهدوا، ومنهم من ناموا ولا يزال ينامون في الخيم، والكرفانات، والشوارع، وهذا ما يجعلنا أن نسأل.. لماذا؟ فتأتي أجابتنا.. من أجل طريقك يارب. لأن طريقك فعلاً يستحق المعاناة لأجل الحياة معك ومع إبنك، هذه الحياة التي تزرع فينا الأمل والفرح، وتعطي لوجهنا أن يكون مملوءاً من البهجة والرجاء لبعضنا البعض. طريقك ينورنا لكي نعكس هذا النور في كنيستنا ولمن هم حولنا، محاولين أن ننزع عداوة الأعداء ليصيروا لنا أحباء. ويهدينا أيضاً لننمسك أيادينا ونعمل على تتميم مشيئتك في حياتنا.

     اليوم نحن مدعوون لا فقط أن نكون معك في الطريق بل أن نسير برفقتك في كل لحظات حياتنا مهما كانت "الآلام، والأفراح والأحزان ..."، لنكون أقرباء منك.نصلي ونطلب من أجل الذين هم خارجين وبعيدين عن طريقك يارب، لكي تنور عقولهم حتى يدركوا ويكتشفوا ما هو الطريق الصائب والمؤدي للاتحاد بك.

الثلاثاء, 21 حزيران/يونيو 2016 13:02

الجسد في الحبّ

الجسد في الحبّ

                من حق كل جسد أن يُحب لأن الجسد ليس شراً في ذاته، لأنه لو كان شراً ما كان الله خلقه، بل هو عطية من الله، وهذه العطية يصبح لها معنى عندما تكرم صورة الخالق فيها وتمجدها. ففي هذه العطية أرادة الله أن يُكرم المخلوق ويعطي الكرامة لهذه الصورة التي خلقها على مثاله. والتي بها يعتز المخلوق ويُكرم هذه الصورة البديعة التي جعلها الخالق جميلة بين الخلائق الأخرى الغير الناطقة، لأنه راى إن هذه الصورة كريمة على صورته الجميلة.

إن حياتنا الإنسانية تقوم في الأساس على علاقتنا بالشخص الآخر، ومعاً نشعر بوجودنا وتعطي لحياتنا معنى. في صميم حياتنا نشعر كُلنا بالنقص، وهذا النقص هو إحساس بالفراغ الداخلي وعدم الأكتمال، حيث يشير النقص إلى رغبتنا العميقة في الآخر الذي يجعلنا نجد ذواتنا، ويولّد بداخلنا صوراً عن الآخر.

يتحقق معنى علاقة الجسد في الحب لدى الإنسان، حيثما تجمّع شخصين بوجود الحب المتبادل والصادق والملتزم، وإذا غاب هذا الحب أو توهّم المرء بوجوده، فسيكون معنى هذه العلاقة هو غريزي وجسدي فقط. إن غاية العلاقة بين الرجل والمرأة هي للإنجاب والتكاثر وتأسيس عائلة مقدسة. وهكذا فإن جسد الإنسان خُلق أصلاً عضوياً لكي يكون هيكلاً للروح القدس، فلا يوجد في المسيحية موقف مضاد للجنس لكن الجنس هذا يجب أن يكون موجّه بالمحبة، وكل إتصال جنسي خارج المحبة والزواج هو خطيئة ضدّ الغير.

إن الخوف في هذه الأيام من بعض الناس الذين لا يُكرمون الجسد، فيكون بالنسبة لهم كالسلعة المتداولة في التجارة، معرضة لأياد غير طاهرة، بل ملوثة وإن الجسد الطاهر قد تلوث وابتذر كبضاعة معروضة لسوق المنتمين الذين يلعبون في مقدرات هذا الهيكل الجميل، عكس ما يجب أن يعطونه من  الاكرام وتلك الهيبة والتقدير تمجيداً لأسم باريه وتقديم الشكر والكرامة.

الخطر اليوم هو هذا الانهيار الذي قد يزداد يوماً بعد يوماً في محيطنا البشري، وقد نعزو ودون الاعلان عن الكارثة البشرية ضدّ الجسد، لأن الجسد أصبح فقط لإفراغ شهواتنا وغرائزنا، وتحطيم صورة الآخر. وليس فقط أن يكون جسدنا شهواني من الناحية الجنسية بل من شهوة أمور حسية قد  تتحول إلى عادة مسيطرة أو إلى الأدمان كالتدخين والمخدرات. إذاً العلاقة الجنسية التي تجمع شخصين من جنسين مختلفين هي التعبير الأعمق عن علاقة الحب الملتزم بينهما. يسمى الجنس عند الإنسان حاجة، لأنها تحتاج الى أشباع، فهي غريزة، لكن فرق الإنسان عن الحيوان هو كيفية التعامل معها واعطاء لها قيمة ومعنى.

الجمعة, 22 نيسان/أبريل 2016 11:01

الحياة في الحبّ

الحياة في الحبّ

        الإنسان يجد معنى لحياته من خلال العلاقة التي تجمعه بالآخرين. فيها يُحقق ذاته ويبذل حياته من أجلهم. فالحياة تنمو وتزداد كلما ينمو العطاء، والإنسان يعرف الفرح والسلام حين يبذل نفسة في سبيل من يحبّ. الحياة بدون الحبّ تجعل الإنسان يعيش في عالم الأوهام الخالِ من المعنى. بالحبّ نتحرر من الأنانيّة الإنسانيّة، وبه ومن خلاله نشترك مع الآخر، لأن أساس الحبّ هو العلاقة. كثيراً ما يُفهم الحبّ على أنه عاطفة وشفقه أو رغبة جنسيّة، لكنه في الحقيقة، قوة تُخرج الشخص نحو الآخر، وهذا الآخر هو الله والإنسان، فيقودنا إلى أن نكون أحرارًا.

 

        الحبّ أساس حياتنا وسبب سعادتنا، وهذه السعادة التي لا تنبع من الحبّ تكون باطلة ومُزيفة. وهكذا ينبغي علينا أن ننزع ثيابنا الباليّة ونلبس الثياب المليئة بالحبّ كي نعيش في هذا العالم ونتمتع من لذة الحياة، فكل من فقد الحبّ فقد معنى وجوده، فالإنسان مخلوق بالحبّ ولأجل الحبّ.

 

        الحبّ هو علاقة حضور الروح القدس فينا، ويُصبح هذا الحبّ علاقة الفرح لحياتنا الجديدة، فالحبّ هو الخير الأسمى، إذا لم يكن لنا الإيمان بالحبّ، نبقى غارقين في الخطيئة، وفي عدم المعرفة لله "من لا يحبّ لا يعرف الله لأن الله هو المحبّة" (1رسالة يوحنا 8:4). مع الحبّ نبدأ بالشعور بأننا موجودين، فهو عمق وجودنا، وهو تلك القوة الحيويّة التي تغذي كل خلايا وجودنا. الإنسان ولد لكي يُحبّ وهذه المحبّة تولد من الله، (يو 12:15).

الثلاثاء, 15 آذار/مارس 2016 10:56

الفرح في وسط الآلام

الفرح في وسط الآلام

                يقول الفيلسوف الدنماركي سورين كيرككارد: "إنّ كلّ امرىء يبتغي الإتصال بالله ومعاشرته حقيقةً، فأمامه خيار واحد، هو أن يظلّ فَرحِاً دائماً أبداً". إنّ الحياة المسيحيّة لا ترتكز على الألم بل على الفرحِ المُعاش وسط الألم. فكل معمذ مدعو اليوم على مثال ما عمله يسوع، بأن يختار الحبّ، ومن يختار الحب يعيش صميم الألم. فمع الصليب نصل إلى قمّة الإختبار الروحي، حيث وصل القديسون. فالحب مرتبط بسر الآم وموت وقيامة ربنا يسوع، لأننا من خلاله نكتشف معنىًلحياتنا، ونسلك على خطى ألم يسوع ليبلغ بنا الحب أقصى حدوده.

إن الأحداث التي نعيشها في حياتنا اليومية من إضطهادات وموت، نشترك من خلالها بآلام المسيح ويُمتحن إيماننا بما يحتويه من حب وصبر الذي يؤول بنا إلى طريق الخلاص والقداسة. ففي الصليب يـتحوّل الشر إلى خيرٍ ويصبح اداةً نُدخل من خلالها الفرح إلى قلوب الآخرين. شخص يسوع المتألم والمصلوب هو الذي يُعطي جميع ممارساتنا معنىً جديداً وخلاصياً، وهو  علامة الفرح في كل الأوقات المؤلمة. أن يرافق الولادة ألم لا يبرح أن يتبدّد ليحلّ مكانه فرح في حياة تنمو لأنها تختبر دائماً الحبّ المجاني الذي يتجلىّ بموت يسوع على الصليب.

إن قلب الأب يتألم لألم الإبن، فهكذا عندما ينظر الله إلينا ونحن نقترف الخطيئة ونؤذي ذواتنا ويصيبنا الألم في صميمنا يتألم لألمنا لأنه هو الحبّ المطلق. لذلك يتألم الله معنا ويعاني همومنا لأنه هو المحبة بالذات، ولكن كيف نؤمن بأن الله محبة إن كنّا نظن أنّ ألمنا لا يصيبه في صميم كيانه الأزلي؟ إن صورة الإله الذي لا ينتابه الألم وينظر مطمئناً هادئاً من علياء سمائه إلى شرور الناس وتعاستهم، هذا الإله ليس إله الحب وليس حقاً إله المسيحيين، لمن يعتقد ذلك.

كثيرون منا يريدون أن يعيشوا حياة ترضي قلب الله على خطى إبنه، ولكن كثيراً ما نخشى حمل الصليب، لأننا نريد بأن نقدّس نفوسنا بدون أن نتألم. لذا ردّد كتاب الإقتداء بالمسيح: "كثيرون يتبعون يسوع إلى كسر الخبز، أمّا تابعوه إلى شُرب كأس الآلام فقليلون". فحمل الصليب بصبر ومحبة وفرح يؤول بنا وحده إلى القداسة.

الثلاثاء, 15 كانون1/ديسمبر 2015 00:45

مغارة الميلاد

 

"ولد لكم اليوم مخلّص في مدينة داؤدوهو المسيح الربّ" (لوقا 11:2).

يقول البابا بنديكتوس السادس عشر: إن وضع المغارة في البيت هي وسيلة بسيطة وفعّالة في آن معاً للتعبير عن الإيمان ونقلُهُ إلى الأولاد. والمغارة تُساعدنا على التأمل في سرّ حبّ الله لنا الذي تجلى في مغارة بيت لحم بصورة الفقر والبساطة.

بشارة مريم هي علامة رجاء في حياتنا، لأن بكل تواضع قَبِلتْ بمشيئة الله وقالت "أنا خادمة الرب فليكن لي كما تقول" (لو 38:1). كم بحاجة نحن اليوم إلىأن نسلم ذواتنا إلى الله بكل ثقةٍ وطاعة. ولد يسوع في بيت لحم ولايزال يولد في قلب كل مسيحي مؤمن حيث يتم الخلاص عندما يَقبل يسوع في حياته. فيكون ميلاد يسوع عيد لكل واحد منا ويبدأ عهدٌ جديدٌ فينا، ويعطينا الروح القدس قوةً تغير ما في داخلنا، ويوجهها نحو حياة جديدة لا تموت بل تبقى حياة أبدية مع الله.

تقول لنا مريم اليوم في الضروف الصعبة والأزمات، تعالوا وأفرحوا أيها المسيحيين فإنني أحضن قمح الحياة خبزاً أبدياً للجياع والمحتاجين إلى الحياة الحقة. إنني أحمل ماءً إلهياً للعطاش إلى البرّ. إنني أحمل لكم الفرح الأبدي. ونحن اليوم يجب علينا أن نفرح ونبتهج في ضروفٍ صعبة كانت أم سهلة، لأن الطفل يسوع هو نور العالم الذي يبدد الضلمات في حياتنا، وهذا النور يقودنا إلى الآب ويدخلنا إلى نور الحياة الأبدية.

بالحقيقة نحن محتاجين إلى ولادة جديدة في أفكارنا وأعمالنا، ولادة يسوع غايتها  أن تُخبر الإنسان أنك أحببته من خلال تجسدك، وهذا الحب قادر على الغاء كل ولادات سيئة تولد في افكارنا واذهاننا. لكي نعبر من الظلمة إلى نور، من الظلال إلى حقيقة، من الجهل إلى المعرفة، من عالم الخطيئة إلى عالم النعمة، ومن عالم الموت إلى عالم الحياة.

إذ نقف اليوم أمام مغارتك يا يسوع التي موجودة في بيوتنا وكنائسنا، نتأمل بأنك كُنت طفلاً ونوراً للأمم، ومغارتك ترمز إلى قلب الإنسان الثابت في الله أمام كل الصعوبات التي تعترضه. ونحن اليوم واقفون أمام مغارتك مليئة من البركة والشكر لنا. انت من نقلنا من الضلام إلى النور الحقيقي. بهذا العيد نحتفل بولادة الطفل المغارة فمن خلال الإيمان به نجعل عالمنا عالماً أفضل، ونزرع الفرح في قلوب الآخرين. 

الإكليريكي ميلان صباح عوديش

الصفحة 2 من 2