مقالات عامة
 الإكليريكي ميلان صباح عوديش

الإكليريكي ميلان صباح عوديش

الإثنين, 10 نيسان/أبريل 2017 14:02

داعش، وقتك قد أقترب!

  مع بداية كتابة هذه الأسطر، أود أن أنوه، بأنني لستُ من سكان سهل نينوى ولا مدينة الموصل، لكن راودتني كتابة هذه المقالة، عن طريق زيارتي لقرى سهل نينوى المدمّرة، وأيضاً من خلال سماعي ببعض التفاصيل عن ما يسمى "داعش" وعن أفعالهم.

لذلك أبدأ بعبارة وقتك قد أقترب لنهاية هويتك وصور أعمالك، أعمالك التي حاولت كثيراً أن تمسح بها هويتنا، لكنك لم تستطيع. لأن هويتنا المسيحية هي محفورة داخل هيكل أجسادنا، وليس الرسم على جدران مثلما يعتبرها البعض. دَمرت بيوتنا وسلبت حريتنا في بعض المرات وشوهت جغرافيتنا وكسرت صلباننا وإيقوناتنا، لكنك لم تستطيع أن تأخذَ يسوع منا، ولم تستطيع أن تمنعنا من إيماننا ورجاءنا ومحبتنا تجاه الآخر، والله.

  أتيت بشكل مرهب وغير مقبول، ولم تقدّم صورة إنسانية مشرّفة تجاه أخيك الإنسان. وأحياناً كثيرة نسمع من الآخرين بأنهم يعملون الأشياء بدون وعي ولا تفكير، وهذا غير ممكن، لأنه ينبغي أن يأتي اليوم ويفكر الإنسان بحالته بوعي ومسؤولية.

أنت أتيت لدمار وهلاك التاريخ، والآثار المسيحية، وإزالة صورة المسيح، لأنك لا تعرف بأن يسوع المسيح هو إله حيّ ويستطيع أن يفعل كل شيئ. وهذا ما يؤكده بولس في رسالته "أستطيع أفعل كل شيء بالذي يقويني". (فيليبي 4 : 13).

  كتبت حرف النون على جدران بيوتنا، وكتبت الآيات على جدران كنائسنا ولم تعرف بأنك مؤيد للمسيح من خلال كتاباتك. "يقال على سبيل المثال، بأن الملحد هو من يؤمن بعدم وجود الله، لكن كل كلامه يدور حول الله". لقد نقضت كلامك ولهذا كان حبلك قصير، ونهايتك قد أصبحت تأريخ لنا، وعندما نرى صور أفعالك والدمار الذي قمت به، فأنك تُزيد إيماننا ورجاءنا لأننا نحن نؤمن بأن الله لا يتركنا في أيام صعوباتنا وضعفنا.

  أسمع يا أخي "داعش" كلما تحاول أن تلغينا من هذا العالم الذي أنت فيه، فنحن لدينا العالم الآخر مع المسيح، وهو عالم السعادة والفرح. وكلما تحاول أن تدمر كنائسنا وتهلك صلباننا، فنحن عندما نجتمع مع المسيح فهذه هي  كنيستنا وبها صليبنا.

17888210 1699874946696526 323808224 n

الأحد, 02 نيسان/أبريل 2017 17:58

هل حقاً أنا مسيحي؟

هل حقاً أنا مسيحي؟

هذه العبارة تقودني لطرح السؤال التالي: إن كان الشخص مسيحياً، فمن هو المسيحي في عالم اليوم؟ ولماذا هو مضطهد؟

المسيحي هو مَن يتتلمذ على يد المعلم الحقيقي "المسيح"، ويكوّن له علاقة شخصية ومباشرة معه، ويجعله الأول في حياته. وهذا التلميذ كي يكون تلميذاً حقيقياً، عليه أن لا يخدع نفسه ولا يخدع ضميره، بل يعمل بمشيئة المعلم. المسيحي الحقيقي له أتكال كامل على الله لأنه مصدر لحياته، بحيث يصبح ذو قيمة أخلاقية وروحية في مسيرته اليومية.              

المسيحي اليوم، ليس هو مسيحي الهوية، بل مَن يعيش الفضيلة مع الآخر مثلما تعلمها من معلمه يسوع المسيح، "ليس كل من يقول لي: يارب يارب! يدخل ملكوت السماوات. بل الذي يفعل إرادة أبي في السماوات" (مت 7 : 21)، هذه هي دعوتنا المسيحية. العيش بالمحبة والتواضع والقناعة حتى تغدو أجمل هوية، فتنمو بالحكمة والقامة مع المسيح الذي هو هويتها الحقيقية.              

لذلك صار المسيحي مضطهد لأنه حامل هوية مسيحية، أي حامل فضيلة إنسانية، ولأنه ينطق بالحق ويحيا بإستقامة. وهذا الأضطهاد لا يعني إنه ضعيف، بل إنه مميّز، سعيد، حرّ، وقوي. فكل إنسان مؤمن بالمسيح لا يخاف أبداً من أي تحديات وأضطرابات، ولا يستسلم حتى في حالة الموت، على مثال سيّده الذي أعطى ذاته من أجل خلاصه. لهذا نحن اليوم مدعوون أن نتحمل الالآم من أجل يسوع المسيح.

أجيب عن سؤالي أعلاه: نعم، أنا حقاً مسيحي لأنني حرّ.. لأنني سعيد .. لأنني قويّ.. لأنني مميّز.

فالمسيحي الحقيقي هو من يجعل السعادة حوله بتواضعه ووداعته ودعوته للسلام، منقي ذاته كي يستطيع أن يترك الكراهية والحقد ويعيش في العالم مجسّداً الأخوة والأمان مع من يعيش معهم ويلتقي بهم. آمين.

الإثنين, 06 شباط/فبراير 2017 13:32

إن كنت لا أحبّ أخي الإنسان فمن أحب؟

يقول البابا فرنسيس في لقائه مع شباب تورينو "دعوة الشباب هي الحب، والحب يبنى على الحوار فهو ليس مجرد شعور رومانسي وإنما هو فعل ملموس يدفعنا للتضحية في سبيل الآخرين".

عيش المحبة مع الآخر ليس أمرا سهلاً، لأنك تحتاج إلى فهم عميق لمعنى المحبة كما تحتاج ايضا الى الخروج من ذاتك الأنانية حتى يتجسد فعل الحب هذا مع الآخر. كم نحن اليوم بحاجة إلى عيش هذا الفعل مع عائلاتنا وأصدقائنا وفي أعمالنا، فنستطيع أن ننضج في مسيرتنا الحياتية اليومية.

اليوم عوائلنا تعيش تحت تبعات أزمة المحبة، لماذا؟ لأن الماديات المحيطة بنا سيطرت علينا وأصبحت حاجزا يرتفع بيني وبين أخي أو بيني وبين صديقي، بل يجعلنا في عزلة عن الله أبينا، فنصنع إلهاً جديداً لذواتنا هو "التكنولوجيا" مع كل ما ولدته من آلهة وأصنام تسيطر علينا فنغدو منقادين مسلوبي الارادة، ولهذا تموت بذرة المحبة في تربة دواخلنا غير الجيدة، بسبب عدم عيشها مع الإنسان الآخر الذي هو عضو في جسد المسيح الذي أنا عضو فيه أيضا، فكيف إذاً لا أحبه، ولا أبذل ذاتي وكل ما في وسعي لأجله؟ إن لم أبذل محبتي وذاتي لأخي فلمن أبذلها؟

العطاء المتبادل بيني وبين أخي يبني عائلاتنا ويقودنا نحو القداسة وتكريس ذواتنا للرب، لكن ما يدعو الى القلق اليوم أن البناء أصبح موجها نحو بناء الذات فقط أو "الأنا". علينا أخذ هذه المسؤولية على عاتقنا عبر نشر المحبة في العائلة على وجه الخصوص، ومنها ستنتشر في الخارج ونعيشها في المجتمع، فتنتصر المحبة ويغلب منطق الحب الذي سينهي كل الحروب وأولها "الحرب ضد المحبة".

لنطلب من الرب أن ينضج فينا المحبة فنكون قادرين على المساهمة في بناء مجتمعات نتنعم بفرح المحبة وتعيش السلام، مثلما علمنا يسوع "أحبوا بعضكم بعضاً" (يو 13 : 34). ومن خلال هذا الحب نستطيع أن نكون عناصر فاعلة في بناء كنائسنا ومساهمين في خير عوائلنا، ممزقين بالمحبة شرنقة الأنانية فنخرج عن ذواتنا متقوين بالروح لخدمة اخوتنا وعائلاتنا.

أختم بقول للأب جان باول اليسوعي: "الحبّ ليس بأعمى، بل هو ثاقب النظر جدّا؛ فالإنسان الذي يحبّ يُبصر في الآخر أشياء تبقى خفية على عيون لا يشع فيها الحبّ".

السبت, 24 كانون1/ديسمبر 2016 00:15

نولد معك من جديد

نولد معك من جديد

​كيف يجب علينا أن نولد مع المسيح من جديد؟ حدث الولادة الجديدة هو دعوة لكي نفلح ذواتنا بسكّة الغفران والتوبة، ليشرق النور في الظلام، حتى نفرّغ نفوسنا من سموم الخطيئة. هي دعوة أيضاً ، لنسأل فيها ذواتنا ما الشيء الذي خسرناه من أجل المسيح؟ لأننا إن لم نخسر شيئاً لا نستطع أن نربح الحياة الأبدية المعدّة لنا مع الله. ولا يمكننا أن نصبح أمناء، إلا من خلال اكتشاف مشروع الله الخلاصي في حياتنا. ننال الخلاص بالمخلّص وحده وليس بالأشياء الدنيوية. 

إن العالم الذي نعيش فيه مملوء بالعبادات المادية وعبادة الشهوات الجنسية ... والخ، لكن، في الولادة الجديدة "ميلاد يسوع" نحن مدعوون أن نموت عن روح هذا العالم الذي لا يتماشى مع إرادة الله. فالولادة تعني الابتعاد عن الشهوات الأرضية والسير مع الله بحسب إرشاد روحه القدوس، وأن يكون المسيح حالّاً فينا ومالك حياتنا وكياننا. كي لا نجهض الولادة الجديدة فتكون ولادة حية وحاضرة فاعلة في حياتنا كقوة جديدة ترفعنا إلى ملء قامة المسيح، لابدّ أن تتنامى في دواخلنا بذور الإنسان الجديد، و يواصل طفل المغارة نموه في قلوبنا، كما قال يوحنا المعمذان "ينبغي له أن يزيد ولي أنانقص" (يو 30:3).

فنحن نولد من جديد في حدث الميلاد لنؤسس بداية جديدة، معلنين من خلال ميلادك يارب، فرحك، تواضعك، كلمتك المتجسدةونعلن من خلاله أيضاً، أنّ الكون ينبغي أن يكون حسناً جدا، لأنّه المكان الذي حلّ فيه الله متجسّدا، ويحلّ فيه كلّ يوم من خلال التزامنا بمنطق التجسّد. 

يقول الأب ميثودوسيوس في إحدى عظاته "فكل قديس يتمتع بشركة مع المسيح كأنما يولد المسيح فيه من جديد"، يسوع الّذي يولد اليوم، يولد ليضع في قلوبنا الفرح والسعادة، ورغبة ملحة في التجدد. كوننا مدعوين لنكون رعاة خرافه، فكلّ إنسان مدعو لأن يهيئ في داخله مذوداً ليولد فيه يسوع، فيكون كلّ فقير مسؤوليّتنا، كلّ محتاج، كلّ مهمّش وضعيف وخائف نصادفه في حياتنا هو صوت يقول لنا، إن علينا أن نفعل شيئاً، لا بدّ أن نبادر إن كنّا نؤمن بيسوع راعياً، وإن كنّا نريد أن نكون من خرافه.

فمسؤوليتنا تدعونا كي نجعل عالمنا عالماً أفضل، خاصةً في هذا الزمن المؤلم، وأن نزرع الفرح في قلوب الآخرين، لكي نكون رعاة حقيقيين ونعيش في حالة السلام والاطمئنان.

IMG 3193

الثلاثاء, 29 تشرين2/نوفمبر 2016 16:12

لنبني بيتنا من جديد

"لنبني بيتنا من جديد"
​عيون لا تبصر وآذان لا تسمع... هذا ما نختبره في الأوضاع المقلقة التي نعيشها ولاتزال مستمرة في بلدنا. إنسان اليوم مليء من التحديات، وخاصاً المؤمن المسيحي المضطهد، فالتحديات التي يواجهها تبين أن لا مستقبل له ولا حاضر، ولكنه يملك ماضي مؤلم.
إن المسيحي يتساءل دائماً ويقول: على ماذا أبني بيتي ومستقبلي؟ وأين الأرض التي أبني عليها؟ وأين الحرية التي عليها أستمر في البناء؟ وأين النور الذي به أرى "ذاتي" في الحياة؟
​بناء البيت ليس بالأمر السهل، لأنه بحاجة إلى القوة والتضحية والوقت أيضاً، ولكن بالرغم من ذلك نحاول البناء كي نلتقي مع بعضنا البعض من جديد، عاملين بما يطلبه منا الإنجيل، وهذا ما فقدناه مدة من الزمن. حاولوا كثيرون أن يهدموا بيوتنا، ويفنوا أراضينا، حتى يغيّبوا حضور الله في حياتنا، لكنهم نسوا بأننا مثل البذرة التي تموت لتحيا من جديد، وهذا ما يؤكده يوحنا الرسول في إنجيله "إنَّ حَبَّةَ الحِنطَةِ الَّتي تَقَعُ في الأَرض إِن لَم تَمُتْ تَبقَ وَحدَها. وإذا ماتَت، أَخرَجَت ثَمَراً كثيراً" (يو 14-24).
الأرض التي نعيش فيها لنا الحق بأن نبنيها ونبني بيوتنا عليها، ونحن نلتزم أن نبني بيوتنا من جديد مهما كانت العواقب والصراعات، ففي كثير من الأحيان يكون الخراب والدمار ولادة جديدة وانطلاقة نحو الأمام، وهذا نوع من اختبار للإيمان فينا، لأن إيماننا ورجاءنا يعطياننا الفرصة لنقوم في بناء المستقبل من جديد، حتى نعود إلى أراضينا وتاريخنا ونعمر بيوتنا يداً بيد، فأننا نؤمن أن الحياة هي أقوى من الموت.
لقد حان الوقت اليوم أن نقوم على أكتافنا من جديد لأننا نملك القوة، قوة المحبة والغفران تجاه الآخر، التي نستمدها من المسيح.. وهذا ما يمكّننا لبناء مستقبلنا على الصخرة التي لا تزول أبداً. تماماً كما أكد المسيح ذلك بقوله لبطرس: "أَنتَ صَخرٌ وعلى الصَّخرِ هذا سَأَبني كَنيسَتي، فَلَن يَقوى عليها سُلْطانُ الموت" (مت18:16). فبالرغم من كل التحديات والمعوّقات التي نعيشها يبقى رجاء المسيحي حاضراً ومعاشاً، لأن يبني من جديد كل ما تهدم (أرض، تاريخ، ثقافة، علاقة..)، لأن أساس هذا البناء هو المسيح الصخرة الحقيقية الثابتة، وهذه الصخرة التي لا تتغير و لا تزول.

الخميس, 27 تشرين1/أكتوير 2016 13:28

المحبة تجعلني خادماً

    

المحبة هي شرط لممارسة الحرية المسيحية. وهي علامة صادقة ومستمرة للحياة المسيحية. إنها المعيار الأساسي للمسيحي، فهي تتجاوز كل الفضائل، بسبب ديمومتها، وبسبب كمالها، ولأنها تمثل أسمى القيم الإنجيلية. فتكون حضور الله نفسه في العلاقات مع الآخرين.



    هي حب اختياري يريد خير الآخرين، ينبوعها في الله الذي أحبنا أولاً، وأسلم أبنه الذي من حبه مات لأجلنا. وبثمرة هذه المحبة أصبحنا مختارين كأبناء الله في الروح القدس لنغدو خداماً له وللآخرين.

    

​والخدمة، هي فرح العطاء عند الخادم الذي كرّس نفسه لها، خدمته تفيض من محبة الله له. أن الخادم هو الدليل الذي يرشد الناس إلى الله من خلال محبته وعطائه، فبدون المحبة والعطاء تتحول هذه الخدمة إلى مجرد كلام، فالخادم الحقيقي هو ليس من ينطق بكلمة الله فقط، بل هو المدعو أن يحيا هذه الكلمة ويعيشها فيلتذ بها والآخرين.

  

​الخدمة أيضًا مسؤولية تجاه الله والكنيسة، هذه المسؤولية التي عاتقها على الإنسان وحده، فهو الذي يستطيع أن يخدم بمحبة وتكون ثمرة المحبة أن يتذوق الآخرين طيبة الرب من خلالها، وهذا ما يردّده المزمّر: "ذوقوا وأنظروا ما أطيب الرب" (34 : 9).

    

الخدمة تولد في قلوبنا كشعلة نار فتغدو مبدأً نتبعه دائماً، بل هي أسلوب حياتنا الذي من خلاله تثمر وتعطي ثماراً صالحة. الخدمة عطاء ينزع عنا الأنانية، الخدمة فرح يجردّنا من التسلط والغرور، الخدمة محبة تزيح الكبرياء وتنفي من نفوسنا حب الظهور، الخدمة تواضع يقربنا من الله ويمد الجسور بيننا وبينه، وبيننا وبين القريب، فلا نغدو بعيدين أو غرباء عن الملكوت، الخدمة صخرة ثابتة نبني عليها بيوتاً لا تقوى الرياح والسيول على زعزعتها.



    وحتى أوقات الشدة والألم، تعلمنا أن نتمسك بالخدمة بفرح ومحبة وعطاء وأن نرى في القريب المتألم وجه الله، منتظرين برجاء ثابت أن يكون لنا مع المسيح القائم النصر والفرح والقيامة.

  
 
​فالمسيح معلمنا الأول وقدوتُنا في الخدمة، هو القائل "ما جئت لأخدَم بل لأخدُم" متى (20 : 28). تواضع في الخدمة بمحبة نابعة من قلبه الأقدس ليقربنا من الله الآب ويغذينا من طعامه "طعامي أن أعمل بمشيئة الذي أرسلني وأُتمم عمله" متى(4 : 34). لكي يوصلنا إلى الله ويملأنا إيماناً حياً، تُجسّده الأعمال الصالحة، لا كلاماً أجوف، فتغدو حياتنا شهادة حية للمسيح من خلال خدمتنا ومحبتنا على مثال آبائنا القديسين الذي كرّسوا أنفسهم لخدمة كلمة الله بأمانة واخلاص.

الخميس, 13 تشرين1/أكتوير 2016 14:22

لستُ وحيداً.. لأنك معي!

لستُ وحيداً.. لأنك معي!

يهلل المزمور 27 : 10 "إذا تركني أبي وأمي فالربّ يَقبَلُني".

في حياتنا أحياناً كثيرة نشعر بأننا وحيدين، وعلى الخصوص عندما ندخل في أزمة معينة، أو نمرّ بموقف عدم معرفة للآخر والله بسبب انغلاقنا على ذاتنا والضجر من واقعنا، لهذا نشعر بأن الله لا يساعدنا وهو بعيد عنا. الإنسان الوحيد هو الذي يشعر بأنه منعزل ومنفرد ومتروك.. لماذا؟ لأن الأزمات والمشاكل التي تواجهه تقوده لهكذا شعور.
الوحدة تشير إلى الترك أو الرفض من قبل المجتمع والآخرين، أي عدم وجود رفيق للدرب الذي أنا به، وعدم تقبل الآخرين لي. وهذا يعطي طابع الإهمال للإنسان فيكون متعباً ومثقلاً. ولهذا نرى اليوم الكثيرين ممن يصلون لمرحلة الانتحار والاكتئاب.

شعور الوحدة الذي يعاني منه إنسان اليوم هو واقع مؤسف جداً في حياتنا، لأنه أصبح شعور يتجسد بحياة هدفها أشباع الذات من الماديات الدنيوية، والرغبات الجنسية، وإلخ.. وأيضاً هو شعور بعدم التواصل في علاقة مع الآخرين، بمعنى العيش مع أشخاص جامدين قد يكونوا أحياناً عبارة عن أصنام في حياتنا.

واجبنا نحن اليوم كمسيحين هو مهم جداً، محاولين أن نرسم صورة حقيقية للآخر، لهذا ينبغي أولاً أن نخرج من ذواتنا وانانيتنا حتى نحقق صورة الله فينا، ونكتشفه من خلال الآخر في حياتنا. والكنيسة تدعونا للعيش كجماعة لا كالأفراد، لهذا يبقى الآخر هو مهم، وبدونه لا نستطيع أن نكمل حياتنا بشكل الأفضل والصحيح. وهذا ما يوضحه لنا أيضاً مارتن بوبر في عبارته "أنا_ أنت"، فعلاقتي مع الأخر تجعلني أعيش حياة فرح وسعادة، لأن الإنسان مكوّن من قبل الأخر وهو مُصاغ منه. عند بوبر العلاقة مع الأخر هي نعمة، فتؤدي هذه العلاقة إلى توليد الحبّ الذي هو مسؤولية العلاقة وهو الذي يعطي للإنسانية قيمتها الصحيحة.

أحياناً نسأل أنفسنا لماذا الله تركنا عندما وقعنا في مشاكل وصعوبات كبيرة، ولا يساعدنا أن نتعامل معها بطريقة صحيحة، فنصبح أشخاصاً معوّقين؟ ولكن على العكس تماماً، لأنه إذا دخلنا أعماقنا قليلاً، سنفكر بأنه يجب علينا أن نثق بأن الله يعرف كيف يتعامل مع معوّقاتنا وصعوبات حياتنا، ويساعدنا من خلالها ومن الآخر ليجعله أداة تقودنا للخروج من هذه الصعوبات والعواقب البائسة. فالله أقرب إلينا من ذواتنا ويعرف ما نحن بحاجة إليه أكثر منا.

ختاماً أقول: يارب، أننا لسنا وحيدين، وشعورنا كبير في وجودك معنا، لأنك أنت "عمانوئيل"، "الله معنا" في أفراحنا وآلامنا وقراراتنا المصيرية. ونعرف أنك لا تتركنا أبداً ولا تجعلنا أن نكون يتامى من حبك وإنسانيتك وتواضعك وسعادتك ... آمين.

الأربعاء, 07 أيلول/سبتمبر 2016 16:48

الخلاص عبر الصليب

    ​الصليب هو كل مشقة نتحملها حباً من أجل الآخرين، وهو الطريق والباب الضيق الذي يقودنا إلى بيت الآب السماوي الذي هو الملكوت، وهو التعب والاحتمال والصبر والتوبة أيضاً لتحقيق كلمة الله في حياتنا، لأنه هكذا يقول لنا الرب يسوع "من لا يحمل صليبه ويتبعني فلا يستحقني" (متى 38:10)، ولهذا سنكون من المستحقين لأننا نحمل أسمه في حياتنا. ​يعلمنا الصليب بأننا مدعوون إلى الرجاء، وهذا الرجاء هو علامة الانتصار على قوى الشر التي هي مبعث للنور في ظلمات الحياة. ويعطي القوة والخلاص والفداء لمن يحملون الصليب. الصليب الذي نحتفل به نحن اليوم ليس هو مجرد تكرار للتقليد التاريخي الكنسي، بل هو مشاركتنا نحن المؤمنين بالإيمان الواحد الذي جمع الإخوة الذين سبقونا وأوصلوا إلينا معنى إكرام الصليب المقدس. وأهمية هذا الإيمان المتوارث اليوم، تكمن بأن يكون نوراً يُضيء لنا الدرب ومن خلالنا يٌضيء للآخرين؛ به ننقي أفكارنا ونغيّر طريقة تفكيرنا، حتى نعمل على عدم مقابلة الشر بالشر بل بالمحبة.

 

    الصليب الذي نكرّمه في كنائسنا، ونضعه فوق أبواب بيوتنا، وعلى صدورنا وفوق قلبنا.. لماذا؟ لأن الصليب بالنسبة لنا هو ضمانة حبّ الله المجاني لكل واحد منا. ولابد أن تكون علاقة حبنا للأخرين وخدمتنا من أجلهم، إذا لم نضع التضحية والخدمة وبذل الذات من أجل الأخر يُصبح الصليب عقيماً في حياتنا، ولا يعطي ثمار الخلاص لنا. إن عيش معنى الصليب في حياتنا لا يعني عيش الألم والعذاب والموت، وأنما عيش علاقة الإنتصار الذي اعطانا إياه المسيح بأنتصاره هو على الموت، وبأنتصار الرجاء على اليأس.

 

    أختم كلمتي بهذه الصلاة : ربي أعطنا أن نحمل الصليب معك حباً بك، فبالصليب ننتصر ونتقوى، آمين.

الأربعاء, 24 آب/أغسطس 2016 21:25

كيف أختار طريقك

كيف أختار طريقك

      نقول في المزمور 4:25 "يارب عرفني طُرقك، وسُبلك علمني".

     أختيار طريق الرب ليس بالشيء السهل، لان الحياة فيه ليست فقط للعيش وإنما هي للعمل وبذل الذات من أجل الآخرين. وطريقك يارب الذي نفكر به ونسعى له فهو في الكثير من الأحيان يكون صعباً وشاقاً، لأنه الطريق الوحيد الذي يقودنا الى القداسة، ولأننا فيه لا نكون في الظلال بل في الحق والحياة. إذن المسيح هو طريقنا، الطريق الصالح، الطريق الذي يفتح ملكوت السماوات للمؤمنين.. وهذا ما يدعونا إليه في إنجيله قائلًا: " أَنا الطَّريقُ والحَقُّ والحَياة. لا يَمْضي أَحَدٌ إِلى الآبِ إِلاَّ بي" (يو14:6(.

      كثيراً من شهداء الإيمان استشهدوا لأنهم اجتهدوا للعمل في طريق الرب ونالوا أكليل الشهادة، وكثيراً من الناس اضطهدوا، ومنهم من ناموا ولا يزال ينامون في الخيم، والكرفانات، والشوارع، وهذا ما يجعلنا أن نسأل.. لماذا؟ فتأتي أجابتنا.. من أجل طريقك يارب. لأن طريقك فعلاً يستحق المعاناة لأجل الحياة معك ومع إبنك، هذه الحياة التي تزرع فينا الأمل والفرح، وتعطي لوجهنا أن يكون مملوءاً من البهجة والرجاء لبعضنا البعض. طريقك ينورنا لكي نعكس هذا النور في كنيستنا ولمن هم حولنا، محاولين أن ننزع عداوة الأعداء ليصيروا لنا أحباء. ويهدينا أيضاً لننمسك أيادينا ونعمل على تتميم مشيئتك في حياتنا.

     اليوم نحن مدعوون لا فقط أن نكون معك في الطريق بل أن نسير برفقتك في كل لحظات حياتنا مهما كانت "الآلام، والأفراح والأحزان ..."، لنكون أقرباء منك.نصلي ونطلب من أجل الذين هم خارجين وبعيدين عن طريقك يارب، لكي تنور عقولهم حتى يدركوا ويكتشفوا ما هو الطريق الصائب والمؤدي للاتحاد بك.

الثلاثاء, 21 حزيران/يونيو 2016 13:02

الجسد في الحبّ

الجسد في الحبّ

                من حق كل جسد أن يُحب لأن الجسد ليس شراً في ذاته، لأنه لو كان شراً ما كان الله خلقه، بل هو عطية من الله، وهذه العطية يصبح لها معنى عندما تكرم صورة الخالق فيها وتمجدها. ففي هذه العطية أرادة الله أن يُكرم المخلوق ويعطي الكرامة لهذه الصورة التي خلقها على مثاله. والتي بها يعتز المخلوق ويُكرم هذه الصورة البديعة التي جعلها الخالق جميلة بين الخلائق الأخرى الغير الناطقة، لأنه راى إن هذه الصورة كريمة على صورته الجميلة.

إن حياتنا الإنسانية تقوم في الأساس على علاقتنا بالشخص الآخر، ومعاً نشعر بوجودنا وتعطي لحياتنا معنى. في صميم حياتنا نشعر كُلنا بالنقص، وهذا النقص هو إحساس بالفراغ الداخلي وعدم الأكتمال، حيث يشير النقص إلى رغبتنا العميقة في الآخر الذي يجعلنا نجد ذواتنا، ويولّد بداخلنا صوراً عن الآخر.

يتحقق معنى علاقة الجسد في الحب لدى الإنسان، حيثما تجمّع شخصين بوجود الحب المتبادل والصادق والملتزم، وإذا غاب هذا الحب أو توهّم المرء بوجوده، فسيكون معنى هذه العلاقة هو غريزي وجسدي فقط. إن غاية العلاقة بين الرجل والمرأة هي للإنجاب والتكاثر وتأسيس عائلة مقدسة. وهكذا فإن جسد الإنسان خُلق أصلاً عضوياً لكي يكون هيكلاً للروح القدس، فلا يوجد في المسيحية موقف مضاد للجنس لكن الجنس هذا يجب أن يكون موجّه بالمحبة، وكل إتصال جنسي خارج المحبة والزواج هو خطيئة ضدّ الغير.

إن الخوف في هذه الأيام من بعض الناس الذين لا يُكرمون الجسد، فيكون بالنسبة لهم كالسلعة المتداولة في التجارة، معرضة لأياد غير طاهرة، بل ملوثة وإن الجسد الطاهر قد تلوث وابتذر كبضاعة معروضة لسوق المنتمين الذين يلعبون في مقدرات هذا الهيكل الجميل، عكس ما يجب أن يعطونه من  الاكرام وتلك الهيبة والتقدير تمجيداً لأسم باريه وتقديم الشكر والكرامة.

الخطر اليوم هو هذا الانهيار الذي قد يزداد يوماً بعد يوماً في محيطنا البشري، وقد نعزو ودون الاعلان عن الكارثة البشرية ضدّ الجسد، لأن الجسد أصبح فقط لإفراغ شهواتنا وغرائزنا، وتحطيم صورة الآخر. وليس فقط أن يكون جسدنا شهواني من الناحية الجنسية بل من شهوة أمور حسية قد  تتحول إلى عادة مسيطرة أو إلى الأدمان كالتدخين والمخدرات. إذاً العلاقة الجنسية التي تجمع شخصين من جنسين مختلفين هي التعبير الأعمق عن علاقة الحب الملتزم بينهما. يسمى الجنس عند الإنسان حاجة، لأنها تحتاج الى أشباع، فهي غريزة، لكن فرق الإنسان عن الحيوان هو كيفية التعامل معها واعطاء لها قيمة ومعنى.

الصفحة 1 من 2