مقالات عامة
الخميس, 01 شباط/فبراير 2018 19:14

أين أنا؟

كتبه
قيم الموضوع
(5 أصوات)

في حياة كلِّ واحدٍ منا تساؤلات عديدة لابد أن نتوقف عندها، ومنها السؤال: "أين أنا؟" وربما يكون أكثرها إلحاحًا، لكن إجابته قد تكون صعبة للغاية لأنها لا تنتهي بكلماتٍ بسيطةٍ، بل لها احتمالات كثيرة، على سبيل المثال: أنا في البيت؟ أنا مع أصدقائي في مكانٍ ما؟ أنا في العمل؟

هذا السؤال يرجعنا إلى جوهر علاقتنا مع الله، الذات، القريب والعالم، فنتساءل: أين أنا من دعوتي، من حريتي، من تحقيق ذاتي، من تمجيد الله في حياتي؟ أين أنا من مسؤوليتي تجاه الآخر والعالم؟

في أحيانٍ كثيرةٍ لا نسأل أنفسنا هذا السؤال: "أين أنا؟"، بل الله هو من يسألنا: "أين أنت؟"، وأنا، ربما لا أستطيع إجابته، فأنا في الأصل لم أكن أعلم بأن لله قد يسألني هذا السؤال، لأني منغمسٌ في الأمور المادية والدنيوية التي تبعدني عن الله، وقلما أفكر فيه وأحاوره.

لكن الله دائم البحث عن الإنسان وكثير السؤال عنه، ففي بدء الخليقة حينما يسقط آدم (الإنسان - أب البشرية) في الخطيئة، فيبتعد عن الله ويحاول الاختباء منه، نجد الله يسأل: "أين أنت؟"، فهل نظن أن الله الذي خلق الإنسان (آدم) لم يكن يعرف أين هو ليسأله: "أين أنت؟".

لكن الله لا يسأله عن موقعه الجغرافي بل أراد أن يوجه تفكير آدم وشعوره ليتساءل: أين هو من ذاته؟ أين هو من الله؟ لماذا يبتعد؟ وأين سيختبئ من خالقه؟ هكذا كان الله منذ بداية الخليقة، وما يزال، يسأل كلَّ واحدٍ منّا: "أين أنت؟"، وينتظر من كلِّ واحدٍ جوابًا.

كيف أستطيع الإجابة عن هذا السؤال "أين أنا" اليوم؟ في الحقيقة، نحن بحاجة إلى جهدٍ كبيرٍ كي ندخل في علاقة صادقة وحميمة مع أنفسنا، ومن ثم مع الآخر وبالنتيجة مع الله، بغية اكتشاف ذواتنا محاولين الاقتداء بمثال بيسوع المسيح، فنسلم لله طاقاتنا وإمكانياتنا بمجملها حتى نعيش بحسب مشيئته فنكون أناساً صادقين ومحبين لذواتنا وللآخرين.

زمننا مليء بالصعوبات والتجارب وغارق في المادية، لكنه لا يخلو أيضا من مدعي المثالية، فلننتبه اليوم إلى سلامنا الداخلي، وكيف نكون محافظين على عالمنا الداخلي فنصير أقوياءَ به وفيه، ومن ثم نستطيع التعامل مع العالم الخارجي المغري والشهواني دون أن نغرق في شروره. إذا علمنا "من نحن" لن نبتعد عن العالم، بل سنكون مع العالم ونعيش بفرحٍ ورجاءٍ كاملين "لا أَسأَلُكَ أَن تُخرِجَهُم مِنَ العالَم بل أَن تَحفَظَهم مِنَ الشِّرِّير" (يو ١٧: ١٥).

أين أنت؟ وأين أنا؟ أين نحن؟ هل نعيش في حديقةٍ غنّاء نَطرَب لتغريد البلابل والعصافير مستمتعين بأعذب الأصوات؟ أم أننا في صحراءَ مليئةٍ بالغربان السود تصمُّ آذاننا بنعيقها المزعج؟

هكذا نحن في الحياة، فأيهما نختار، أن نكون مع الله الذي هو ملء المحبة؟ أم مع العالم المادي الزائل الذي يريد أن يتحكم فينا ويقودنا إلى الهلاك؟ خلاصة القول: إن الكنيسة تدعونا أن نكون في العالم، ولكن متحدين مع المسيح ونحيا معه، لأن الحياة بدون المسيح لا طعم لها ولا معنى. وتدعونا أيضاً إلى أن نفسح المجال واسعاً ليسوع، لكي يدخل في حياتنا (الأنا) وينعشها حتى لا نتعثر ونغرق في هذا العالم الصعب ومغرياته الباطلة.

في الختام، من الضروري جداً أن نجدد علاقتنا مع يسوع يومياً، فكل مسيحي مطلوب منه أن يعيش زمن التجديد، ويكتشف كل ما هو جديد، لأن هذا التجديد يساعدنا على اكتشاف (الأنا) الداخلي فتمكن من الإجابة عن السؤال: "من أنا؟".

أطلب من الرب أن يدخلنا في عالم المسيح كي نكتشف ذواتنا بحسب طريقته ومشيئته، ويبعدنا عن إغراءات العالم الزائل المسببة لابتعادنا عن المسيح. وأسأله أن لا يجعلنا غرباء عن ذواتنا، بل يساعدنا على فهم حقيقتها و يرشدنا إلى كيفية تحقيق دعوتنا... آمين.

 

IMG 6240

قراءة 2883 مرات آخر تعديل على الجمعة, 02 شباط/فبراير 2018 09:53

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *