مقالات عامة
الخميس, 01 أيلول/سبتمبر 2016 15:38

السنّ القانوني للزواج في الكنيسة الكاثوليكيَّة

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

السنّ القانوني للزواج في الكنيسة الكاثوليكيَّة


قبل كلّ شيء علينا أنْ نعرفَ أنَّ الحياة الزوجيَّة بمفهومها العامّ هي لقاءٌ بين شخصين تجمعهما عاطفةٌ الحبّ وتوحّدهما نيةٌ مشتركةٌ غرضها تأسيس عائلة مبنيَّة على أُسُسٍ سليمة ومتينة. أمّا نحن المسيحيّون، وحسب تعليم الكنيسة الكاثوليكية، فإنَّ مفهوم الزواج هو شركة حبٍّ وحياة كلّها، من طبيعتِه يهدف الى خير الزوجين، وإلى إنجاب البنين وتربيتهم. وأنَّ خاصّتاه الجوهريَّتان هما الوحدة وعدم الإنفصام. فالسؤال هو: إذا كانت مسؤوليَّة الزوجين ليست هيِّنة أو سهلة على الإطلاق، بل إنَّها مسؤوليَّة إنجاب الحياة، وتربية الأجيال (أب، أمّ) (مربّي، معلِّمة)، ورعاية البشرية جمعاء، فمَنْ هما الزوجان الجديران على أداء هذه المهمَّة أو الرسالة؟ مَنْ هما الشخصان اللّذان بمقدورهما أنْ يشاركا أفراح الحياة وأحزانها، همومها وشجونها، تطلّعات وآفاق الواحد للآخر، خاصّة إذا كان كلاهما غير بالغين، غير ناضجين، أو حتى لو كان أحدهما فقط؟ وهل الزواج هو أنْ يرتديَ العروسان آخر مودة من بدلة العرس وأن يضعا كمية كبيرة من الذهب لكي يراهما الناس؟ أو هو التفكير فقط بالحفلة ونوع السيارة التي ستستقلّهما لعملِ جولةٍ بعد إنتهاء المراسيم الطقسيَّة في الكنيسة، والهدايا التي سيحصلا عليها من الأهل والأصدقاء؟ أو هو قضاء شهر عسل في بلد أجنبي؟ أو يُنظر إليه فقط من جانبه العاطفي والجنسي، أو لكي نُحسَب بين عداد المتزوّجين ليس إلاّ؟ أو هو تهرُّب من الجوّ العائلي الذي أنتمي إليه حيث لم يعد لائقاً العيش فيه بسببِ تعدُّد الخلافات بين الوالدين وإستمراريّتها أو تسلّط الأخ الأكبر أو...؟ أو دافعه الغيرة والحسد من قريب (ة) أو صديق (ة) لأنَّه سبقني في الزواج؟ وهناك دون شكّ نوايا أو غايات أو أسباب أخرى لا مجال هنا لذكرها كلّها تدفع الشاب أو الشابة إلى إختيار الزواج كوسيلةٍ لتحقيق مآربٍ ما، أو يُرى فيه وسيلة لحلِّ مشاكل كأن تكون إقتصادية أو مادية أو رغبة في السفر خارج البلد أو.... مع ذلك، أتمنى أن تكون هذه الأفكار بعيدة من أبنائنا وبناتنا وخاصّة المقبلين منهم الى الزواج.

الزواج حقٌّ طبيعي:
يقرّر القانون/778 من مجموعة قوانين الكنائس الشرقية الكاثوليكيَّة مبدأً عاماً من مباديء القانون الطبيعي، وحقاً أساسيّاً وجوهرياً من حقوق الشخص البشري، ألا وهو حقّه في الزواج، ويستطيع كلُّ إنسانٍ أنْ يمارسَه بكامل حرّيته، ما لم يحلّ القانون، لأسبابٍ خطيرة هذا الحقّ. طبعاً بإمكان الشخص أنْ يتنازلَ عن هذا الحقّ (الزواج) بكامل حريَّته ورضاه. إنَّ حقّ الشخص البشري في الزواج، أقرَّه أيضاً ميثاق الأمم المتّحدة لحقوق الإنسان، المعلن في 10 كانون الأول من عام 1984 في المادة/16 –البند1. مع ذلك، إنَّ الحقّ الطبيعي هذا يتضمَّن:


1- الحقّ في عقد الزواج.
2- الحقّ في إختيار الطرف الآخر لعقد الزواج.
3- الحقّ في العدول أو التنازل عن هذا الحقّ. وبالتالي حقّ الشخص وحرّيته في إختيار نمط حياة أخرى، كالحياة الكهنوتية، أو الرهبانية، أو حتى العزوبيَّة الدائمة دون الإلتزام بأيَّة نذور رهبانية.

الحدّ الأدنى لسنِّ الزواج:
بموجب القانون/800 –البند1 من مجموعة قوانين الكنائس الشرقية والذي يقابله القانون/1083 –البند1 و2 من مجموعة الحقّ القانوني الخاصّ بالكنيسة اللاتينية، سنّ السادسة عشرة للشاب والرابعة عشرة للشابة هي الحدّ الأدنى للإحتفال بزواجٍ صحيح. لكن يضيف القانون نفسه في البند 2 أنَّه بإمكان الشرع الخاصّ بالكنيسة المتمتّعة بحكم ذاتي أو مجلس الأساقفة حسب القانون اللاتيني/1083 –البند2، تحديد سنّ أكبر للاحتفال بالزواج على وجهٍ جائز. وهذه قاعدة عامّة للكنيسة الكاثوليكية كلّها في جميع أقطار العالم. والأساس لهذه القاعدة هو أنَّ الإنسان قبل هذه السنّ لا يكون لديه من النضوج الجسمي والنفسي ما يكفي لكي يعي أبعاد عقد الزواج ومتطلّباته، ولا يكون قادراً على الإلتزام بمثلِ هذا العقد للحياة كلّها.


نُشدِّد قائلين بأنَّ العمر (16 للشاب و14 سنة للشابة) هذا هو فقط حدٍّ أدنى لعقدِ الزواج، ولا يعني حتماً الاحتفال به. لذلك قام مجلس أساقفة الكاثوليك في العراق منذ عدّة سنوات مضت على غرار مجالس الأساقفة في كافة أقطار العالم تقريباً، وإستناداً إلى البند2 من القانون المذكور أعلاه بتحديد 18 سنة لكي يكون بمقدورِ الطرفين الاحتفال بالزواج بشكلٍ صحيح. وبهذا أيضاً يتماشى القانون الكنسي مع أغلب القوانين المدنية في بلدان العالم.
لا ننسى أنَّ الزواج هو حقٌّ طبيعي للإنسان يقرّه القانون الكنسي ذاته كما ذكرنا أعلاه. لذا لا يستطيع القانون الكنسي منع ممارسة هذا الحقّ الطبيعي بداعي السنّ فقط، لا سيما إذا كان الطرفان قد بلغا درجة كافية من النضوج الجسمي والنفسي. لكن حسب نصّ القانون/800 ببنديه 1 و2، حقَّق المشرِّع الكنسي توازناً بين ممارسة الإنسان لحقِّه الطبيعي وبين متطلَّبات النضوج اللازم للزواج. إذن بإمكاننا أنْ نُحدِّد بشكلٍ واضح هدف هذا القانون ألا وهو توفير قدر كافٍ من النضوج الجسمي والنفسي. وهذا النضوج يجب أنْ يكونَ أساساً سليماً وصلباً لعقدِ زواجٍ صحيح، يستطيع أن يثبت أمام الصعوبات وتقلّبات الظروف والأحوال.

النضوج النفسي للزواج:
يتعلَّق القانون/800 بنوعٍ خاصّ بالنضوج الجسمي، الذي ليس كافياً لعقد زواج. لذلك يجب توفير عناصر أخرى لتحقيق ذلك ومن أهمّها النضوج النفسيّ. وهذا ما يؤكِّد عليه نصّ القانون/818 وخاصّة في الرقم 1 و2، إذ جاء فيهما: غير مؤهَّلٍ للاحتفال بالزواج:


(1) مَنْ ينقصه الإدراك الكافي؛
(2) مَنْ يعاني من نقصٍ جسيم في التمييز والحكم على الحقوق والواجبات الزوجية الجوهرية الواجب على كليهما تقديمها وقبولها؛


أحياناً يكون الشخص متمتّعاً بالإدراك العقلي الكافي والقدرة على التمييز في الحكم على الزواج وواجباته وحقوقه الأساسية وراغباً في عقد الزواج، ولكنَّه عاجز عن القيام والوفاء بما تعهَّد به: فتعهّده هو في الحقيقة كلام فارغ، إذ هو غير قادر وقت الاحتفال بالزواج على تحمّل الإلتزامات الجوهرية الخاصّة بالزواج، الذي به يُقيم الرجل والمرأة شركة حياة في ما بينهما، غايتها الطبيعيَّة هي خير الزوجين، إنجاب البنين وتربيَّتهم، هذه الشركة التي تفترض الوحدة وعدم الإنحلال.


إنَّ الإلتزام بالحقوق والواجبات الزوجيَّة وتحقيقها، دون شكّ، يتطلَّبان قدراً كافياً من الإدراك والرشد وكذلك النضوج الشخصيّ. إذن هناك فرق كبير بين إدراك هذه الواجبات والحقوق وبين الإلتزام بها وتحقيقها في الواقع: فالإنسان يستطيع أن يدرك ماذا يعني رفع ثقل وزنه 100كغم دون أن يعني هذا الإدراك إنَّه قادر على فعل ذلك، أي رفع هذا الثقل بنفسه. والإنسان لا يستطيع أنْ يلتزمَ بما لا يستطيع عمله أو تحقيقه. باختصار، المقصود بهذا القانون هو أنْ يكونَ الشخص الراغب في الزواج متمتّعاً بالقدرة على التفكير العقلي السليم، وعلى أخذ القرارات بطريقة مسؤولة، وبالقدرة على تحقيق ما قرَّره في الواقع، وعيشه بصورة فعليَّة. وكلّ هذا يجب أن يكون متوفراً فيه لحظة الاحتفال بالزواج. فهل شاب اليوم البالغ من العمر 16 -18 سنة أو الشابة البالغة 14-18 سنة، يمتلكان فعلاً هذه القدرة المسؤولة؟


الرضى في الزواج:
لكي يكون ثمّة رضى في الزواج لابدّ بأقلِّ تقديرٍ ألاّ يجهل مَنْ يحتفل بالزواج، أنَّه شركة دائمة بين الرجل والمرأة، يترتَّب عليه إنجاب البنين عن طريق مشاركة ما جنسيَّة (القانون/819). ما نقصده هنا هو:

1- أن يعرف الطرفان أنَّ شركة الزواج تتميَّز وتختلف كلّياً عن أيِّ إجتماع مؤقت آخر، وأنَّه أكثر من مجرَّد رابطة صداقة إعتيادية.
2- أن يعرف الطرفان على أنَّ الزواج الذي هو شركة دائمة يعني بالتأكيد الثبات والإستقرار والديمومة. وأنَّ مصير هذه الشركة ليس بين يدي الطرفين المحتفلين، بحيث يستطيعان أن ينقضاها متى أرادا ذلك، بل هي خاضعة –وهما أيضاً- لقوانين خارجة عنهما، وقد قبلا بها، عندما قبلا بإنشاء هذه الشركة.
3- أن يعرف طرفا الزواج أنَّ هذه الشركة بينهما إنَّما هي لإنجاب البنين. وبالتالي عليهما أيضاً أنَّ العلاقة الجنسية بينهما هدفها إنجاب البنين، وليس مجرَّد اللذة الجنسيَّة.
4- أن يعرف الطرفان بأنَّ الإنجاب يتمّ عن طريق إجتماع الرجل والمرأة والتعاون الجنسي بينهما. أي ليس مجرَّد الإقامة معاً أو أي تعبير محبة آخر...


لنطرح سؤالاً كبيراً هنا: شاباً بسنّ 16-18، وفتاة بسنّ 14-16 سنة، هل بإمكاننا اليوم أنْ نفترض بأنَّ لديهما المعرفة الكافية في مفهوم الزواج، غاياته، خواصّه الجوهرية والأساسيَّة، الحقوق والواجبات الزوجيَّة، والإلتزام بها وتحقيقها في الواقع، لكي يتمكنا من الاحتفالِ بزواجٍ صحيح؟


قبل أن أختم، أضيف شيئاً آخراً مهمّا ألا وهو: كلّنا يعلم أنَّ المؤسَّسات التربوية والتعليميَّة تفرض أن يكون المربيّ أو المعلّم قد أنهى دراسة خاصّة للقيام بهذه المهمّة وأن يكون قد بلغ من العمر 20- 21 سنة على أقلّ تقدير، فلماذا لا تُفرض على الأب والأمّ المستقبلَين، دراسة خاصّة فيما يتعلَّق بموضوع الزواج وجوانبه المتعدِّدة (دورة المخطوبين) أو سنّا أكبر، حتى يتهيّئا جيداً للقيام بمسؤوليَّتهما الزوجيَّة؟ أليس الأب والأمّ معلِّما الأجيال ومربّياها بامتياز؟ أخيراً أقول بأنَّ الكنيسة تضع سرّ الزواج بين الأسرار التي تمنحها للمؤمنين البالغين. فمَنْ هو البالغ برأيكم؟ ومتى يبلغ الشخص حتى نقول عنه إنَّه مستعدّ لقبول هذا السرّ المقدَّس ونعمةِ الخلاص التي يمنحها له؟

قراءة 1065 مرات آخر تعديل على الإثنين, 05 أيلول/سبتمبر 2016 14:58

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *