مقالات عامة
الأربعاء, 10 شباط/فبراير 2016 18:09

مسيرة استكشافية من خلال الكتاب المقدس من موسى الى داود /ج 21

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)

21) داود و أبشالوم

        تشكل قضية داود مع بتشابع ومقتل أوريا نقطة انعطاف في ملكية داود. فالنبي ناتان الذي في 2 صم 7 أعلن إليه موعد يهوه لصالح سلالته ، يجب عليه في 2 صم 12 أن يهدده بقصاص. فداود الذي حتى ذلك الحين كان "رجلاً على حسب قلب الله " وملكاً ناجحاً، يواجهه منذ الآن فصاعداً قتلٌ وثأرٌ وانقلابات، وذلك في حضن بيته. النحس الذي تنبأ به ناتان يبتدىء ينزل على داود. "والآن فلا يفارق السيف بيتك للأبد .... إني مثيرٌ عليك الشر من بيتك" ( 2صم 12 : 10-11).

        هذه الرواية الكتابية لها شيء من المأساة اليونانية القديمة وشيء من الرومانس الفروسي من القرون الوسطى وشيء من المسلسلة " الصابونية" من تلفزيون اليوم في آن واحد. عدد كثير من الأشخاص يمثلون على المسرح، ومن المفيد لك أن تصنع خلال القراءة جدولاً لئلا تضيع سلك القصة. نحن هنا في ما يدعى "تاريخ خلافة داود على العرش( 2صم9-20+1مل 1-2). مسألة الخلافة على العرش تتوضح فيها مسألة تاريخية حقيقية. النص مفعم بتفاصيل واقعية تاريخية، يفحص عن تشابكات اجتماعية وسياسية، يصف طباع الممثلين، عندنا هنا شكل فريد من كتابة التاريخ في المشرق القديم، من المرجح أن شاهد عيان كتبها، إنسان مثقف يتردد على البلاط وتحت يده سجلات رسمية ومعلومات شفهية.

        لا تبدو الرواية "دينية" جداً: كأنها رواية دنيوية. لا يذكر يهوه كثيراً ولا يوصف كسيد التاريخ أبداً. إلا أن بين السطور الرأي النبوي المشيحي للمنقحين الآخرين الذين نحو وقت المنفى ألفوا التاريخ الديوترونومي (الأسفار يشوع إلى 2 ملوك)كإعادة نظر نقدي إلى ملكية الماضي وإلى أنتظار المستقبل المشيحي. إنها رواية إيمانية لم تُختَتَم بعد، بل ما زال قاريء اليوم متورط فيها.

تامار (2صم13)

        داود كمثل جميع الملوك في المشرق القديم كان له نساء عدّة (2صم 3 : 2-5/5 : 13-16). الأولى اسمها أحينوعم ولدت له بكره أمنون. أما معكة وهي أميرة من جشور (منطقة صغيرة شمال شرقي كنعان) فولدت له ابناً ابشالوم، وابنةً تامار. فشغف أمنون بأخته تامار غير الشقيقة حباً حتى سقم. فما كان يسهل لأمنون أن يلتقي بتامار، لأن الأميرات غير المزوجات بقين مقفولاً عليهن باب حريم النساء. ولكنه بحيلة ينجح في أن تأتي تامار إلى غرفته. فيغتصبها. ثم، حالاً، يبتديء يكرهها كراهة شديدة فيرميها في الشارع. إنه عار مضعف على تامار: أولاً منتهكة ثم مطرودة. فلا يمكن أبشالوم ترك الأمور على حالها: يجب أن ينتقم لأخته. بفارغ الصبر ينتظر فرصته. بعد سنتين، لمناسبة عيد جزّ الخرفان، يقتل أمنون. ثم يهرب إلى جده من جهة أمه. لا بد من الهروب إلى ملجأ لأن قانون الثأر كان قانوناً من حديد في تلك الأيام: كان على أقرب قريب لأمنون المقتول، وهو داود أبوهما في هذه الحالة ، أن يقتل القاتل. هذا مطلب الحق القبائلي في إسرائيل. ولكن الزمن يشفي جروحات عدة.بعد ثلاث سنين تَعزَّى الملك داود عن حبيبه أمنون. وصار أيضاً يشتاق إلى إبنه أبشالوم. ولكن لا يمكن أن يُبَيِّنه. لا يجوز للملك أن يصبح عاطفياً، ثم قانون الثأر لا يعرف الرحمة . يوآب ضابط جيش داود ومستشاره يلاحظ ما يحدث . و هو يفهم أن كذا صراع في حضن البيت الملكي لا ينفع الدولة الجديدة كثيراً. فيريد أن يساعد الملك في ترك قانون الثأر وشأنه وفي تصالحه مع أبشالوم. فمن في تلك العمليات أصلح من امرأة ؟

 

المرأة الحكيمة من تقوع(2صم14)

        يوآب في تنفيذ خطته يستخدم خدمات امرأة حكيمة من تقوع. هي متنكرة أرملة فقيرة ترفع قضيتها إلى داود الذي ملكاً صالحاً يخصص في كل يوم وقتاً لاستقبال الفقراء والمحتاجين ولسماعهم. فتروي المرأة أن كان لها ابنان وأن واحداً قتل الثاني وأن أهل الفقيد رجلها يريدون قتل الإبن الثاني بحجة أن يأخذوا الثأر، ولكن بالواقع لكي يستولوا على الميراث. فحينئذ لا يعود يكون لها أحد ولا شيء !

        تستجلب المرأة انتباه داود فيعدها بأنه سوف يعتني شخصياً بشأنها. ولكن المرأة لا تستحيي بسهولة. فتلحّ، تلحّ ... فتأتي بالملك إلى أن يحلف يميناً غالية باسم الله. "حي يهوه ! إنها لا تسقط شعرة من ابنك على الأرض" (14 :11). ثم تروي المرأة أنها كانت قصدت القصة مثلاً على شأن أمنون وأبشالوم. فتسأل لماذا لا يسمح الملك إلى ابنه أبشالوم بالعودة. فداود افتهم أن يوآب وراء هذه القضية فيستسلم ويقول:"هاءنذا أفعل هذا الأمر، فاذهب و رد الفتى أبشالوم "(21). فيسمح لأبشالوم بالعودة والإقامة في أورشليم. ولكن سنتين أخريين تفوتان قبل أن يرى وجه أبيه، مرة أخرى عن طريق حيلة .

        ماذا تصنع امرأة تقوع؟ إنها تصنع ما صنعه النبي ناتان: تحكي مثلاً يصغي إليه الملك مفتوناً ويجعله على بصيرة من سلوكه: إنه يفتهم أن القصة تقصده هو. في القصة ملامح أخرى تبين أن امرأة تقوع نبية حقيقية. هي تدير الحوار وتأتي بالملك حيثما تريده. تشرح الحياة شرحاً إيمانياً وتجعل تصرُّف داودإلى جانب تصرف الله مقارنةً. من المدهش كم مرة تذكر اسم الله:"لم نويت مثل هذا على شعب الله ؟" (13)،
"ما دام الله لا يأخذ نفساً ، يخطط له تخطيطاً حتى لا ينفى عنه المنفي"(14)،"فإن الملك سيرضى بإنقاذ أمته من يد الرجل الذي يريد أن يفصلني، أنا وابني معي، من ميراث الله "(16)، "وليكن يهوه إلهك معك"(17). فهذه الطريقة تجعل الملك داود امام مسؤوليته. الا انها تؤمن بداود ايضاً تثق به، توقظ ما فيه الاحسن والامثل. حتى تعطيه اسماً جديداً: سيدي الملك هو كملاك الله (17) فهكذا تأتي بداود إلى أن يتجاوز قانون الثأر القاسي الصارم وأن يصنع شيئاً جديداً بديعاً: صنيعةً من صنائع الملك المشيحي، فعل غفران عظيماً.

 

داود هربان (2صم15-17)

        ولكن أبشالوم يطلع ابناً عاقاً. أصابه مس من عطش السلطة. يبتديء يتظاهر تظاهرات ملكية، يدبّر لنفسه مركبة فخمة وحرساً شخصياً يواكبه وخيلاً–شيء جديد مجهول سابقاً-وينتحل لنفسه القضاء في الباب. ويكتسب تأييداً أكثر فأكثر لمؤامرته. فانقلب أحيتوفل مستشار داود الشخصي إلى المتآمرين. وأخيراً يذهب أبشالوم إلى حبرون مدينة الآباء المقدسة، حيث بدأت ملكية داود، فيُعلَن ملكاً (2صم15: 1-12). ربما استفاد أبشالوم من استياء أهل حبرون من استبدال داود مدينتهم بأورشليم كعاصمة المملكة. على كل حال استغل التوترات الباقية بين داود وبين انصار بيت شاول.إن "رجال إسرائيل"- إذن الأسباط الشمالية- هم الذين يمشون وراء ابشالوم (2صم15 :10و13). وحتى مفيبوشث ابن يوناتان الذي كان داود قد عامله بكثير من التكريم (2صم9) تنعش فيه ثورة أبشالوم طموحات جديدة ( 1صم 16 : 3).

        يهرب داود بعجلة من أورشليم هو وبعض الأولياء وقسم من الجيش. أما سراري الملك فيتركهن في القصر. مما يلاحظ أن الذين ظلوا أمناء لداود هم خصوصاً المرتزقة الأجانب، مثلاً قائدهم إتّاي أصله من مدينة جت الفلسطية ( 15: 19-22). فيعبر داود وادي قدرون ويصعد مرتقى الزيتون باكياً –لابد هنا من أن نفتكر في قصة آلام يسوع. ثم يعاد الكاهنان صادوق وأبياتار مع تابوت عهد الله إلى أورشليم. فيرسل داود إلى أورشليم صديقه حوشاي كذلك، لكي يتسلل إلى حلقة المستشارين حول أبشالوم فيبطل نفوذ أحيتوفل المنقلب (15: 23-37). الشخصان اللذان يلاقيهما داود في طريق هروبه نموذجان للإنقسام الموجود في الشعب، صيبا خادم مفيبوشث حفيد شاول وقهرمان جميع أملاك شاول الوراثية، يمشي مع داود ويقدم له الهدايا ( 16 : 1-4).أما شمعي وهو من عشيرة شاول فيرجم الملك وحاشيته بالحجارة وهو يلعن ويشتم. ولكن داود يرفض أن يقابل اللعنات المخيفة بعنف (16: 5-14).

        ما في باقي الفصل 16 وفي الفصل 17 يعود بنا إلى أورشليم. ونسمع مبارزة كلامية بين مستشاري أبشالوم أحيتوفل وحوشاي. فأولاً يسجّل أحيتوفل إصابة: يتبع أبشالوم نصيحته فيضاجع سراري أبيه علناً- فيتم قول ناتان(2صم 12: 11). ولكن نصيحته الثانية بمطاردة داود حالاً يخفق أمام نصيحة حوشاي. بسفاسف ملبسة بفن ( 2صم17 : 13 " وأن انصرف إلى مدينة، يحمل كل إسرائل إلى تلك المدينة حبالاً ونجرها إلى الوادي، حتى لا يبقى هناك ولا حصاة") يحصل هذا الأخير على أن هجوماً مباشراً يؤجل فتترك لداود مهلة نافعة لإعادة تنظيم جنوده. فيستاء أحيتوفل من هذه الدرجة من الحماقة فيفقد كل أمل. يذهب إلى بيته ويخنق نفسه (17 : 23) .

        وفي الأثناء لقي داود ملجأ في محنائم في عبر الأردن. كانت محنائم في منطقة أنصار شاول (انظر2صم 2 : 8-9)، إلا أن الموضع متعلق أيضاً بالروايات القديمة حول المواجهة بين يعقوب وعيسو (تك 32-33). والأردن بكونه نهراً حدودياً بين البرية وبين أرض الميعاد ينعش ذكريات شتى كذلك. فيكتسب مكوث الملك داود مع جماعته في عبر الأردن ملامح ترحلات إسرائيل في القديم الغابر.
مشهد 17: 15-21 عن البشيرين اللذين تخبئهما امرأة في بئر لينفلتا من رجال أبشالوم يذكّر رواية الجاسوسين لدى راحاب (يش2) وعندما يأتي في منطقة عبر الأردن المعادية إلى حد ما إلى داود وجهاء يعطون له و لصحبه أثاثاً وبالأخص أشكالاً كثيرة من الطعام (17 : 27-29)، يفعلون ذلك بكلام يبدو كأنه يشير مباشرة إلى رحلة إسرائيل في البرية:"لأنهم قالوا: إن الشعب جائع، وقد تعب وعطش في البرية "(29)

 

يا بني يا بني أبشالوم....(2صم 18-19)

        يتصادم الجيش الذي ذهب وراء أبشالوم مع الجنود الذين ظلوا أمناء لداود. يوصي داود ضباطه باستبقاء أبشالوم. إلا أن يوآب، قائد جيش داود، يتبع حكمة الحصيف: لايمكن تجنب مجزرة كبرى إلا بالتخلص من مدبر الثورة. على بغته تأتي فرصة فريدة عندما يقع أبشالوم ضحية لشعر رأسه الطويل المشهور: في غابات أفرائم حيث تشتد المعركة يتشابك شعر رأسه مع أغصان بلوطة فيبقى متعلقاً من الشجرة ( 18: 9 / قارن 14 : 25-26). أبشالوم يقتله يوآب فيتوقف القتال فيخبر داود بأن الثورة قد كبحت. ولكن هم داود هم واحد فقط:"هل سلم الفتى أبشالوم؟" (18 : 32). وعندما يسمع داود أن أبشالوم مات يتفطر قلبه حزناً :يا بني أبشالوم، يا بني أبشالوم، يا ليتني مت عوضاً منك، يا أبشالوم ابني يا ابني !"(19 :1). أعيدت السلطة إلى الوضع الأول، ثبت العرش، قتل الثائر ولكن أبا فقد ابنه. إنه يوآب مرة أخرى الذي يعيد الملك إلى صوابه (19: 2-9).

        وفعلاً من باب الاستراتيجية تشتد الحاجة إلى تحرك سريع. في أورشليم ما زال يوجد أنصار لداود، كمثل صادوق وأبياتار وحوشاي. فعليهم أن يتحركو. يجعل داود عماسيا، قائد جيش أبشالوم على رأس جيشه بدلاً من يوآب. يريد بهذا الفعل أن يربط عماسيا بنفسه، وأن ينكر يوآب على سفكه الكثير للدماء
(19 : 10-15). مرة أخرى يظهر داود نفسه ملكاً يريد السلام والمصالحة. يتصالح مع شمعي الذي كان قد عيره وشتمه جداً، ومع مفيبوشت الذي يتهم الأن خادمه صيبا بخيانة وسوء النية ( 19 : 16-31). فيعبر داود الأردن كرجل السلام ويعود إلى أورشليم، لكن في الجلجال، عند معبر الأردن، يتبين مرة أخرى النزاع بين اليهوذيين الجنوبيين وبين الأسباط الشمالية. يتجادلون في السؤال من منهم أكثر إخلاصاً ووفاءاً تجاه الملك (19 :32-44). هذا االنزاع يؤدي في خاتمة المطاف إلى الإنفصال النهائي الدائم بين الشمال والجنوب بعد وفاة سليمان .

 

إنسانية داود المدهشة

        في القصص حول أبشالوم نلاقي مرتين خلافاً بين ما ينتظر من داود بصفته ملكاً ورجلاً سياسياً وبين ما يشعره كإنسان وكأب. هل يجوز لملك أن يظهر مشاعره؟ أكان يحل له أن يبين اشتياقه إلى أبشالوم قاتل الأخ المنفي؟ وحزنه على موت أبشالوم؟ ذلك الإبن الذي قتل أمنون، والذي خدع أباه وحاول الاعتداء علية: إنه يظل أبشالوم، ولده الحبيب أبشالوم. فينقلب الملك الكبير العظيم رجلاً صغيراً باكياً يحتاج إلى كل قدرة يوآب على الإقناع فيروض نفسه على قبول الواقع .

        ردود فعل داود في كثير من المرات  إنسانية جداً ومفاجئة ومدهشة أيضاً. مما يلاحظ كم يتغلب الوجه الانساني على الوجه السلطوي صورة داود الكتابية. لم يصنع الرواة الكتابية من داود إنساناً فائقاً "سوبرمان" داود رجل على حسب قلب الله بقدر ما يفسح في قلبه هو مجالاً للصداقة والحزن، مجالاً للندامة والغفران، مجالاً للثقة بالناس وبالله. عندما ينقاد ملك للعطش إلى السلطة يركض إلى هلاكه لم تكن ساعة قط كان فيها داود أكثر قوة وقدرة من ساعة مجابهته العملاق جليات وفي يده بضعة حصيات وكثير من التوكل على الله. ولم تكن ساعة كان فيها داود أكثر ضعفاً وعجزاً من ساعة أمره بالتخلص من أوريا وساعة موت أبشالوم. في قصة أبشالوم داود صغير في الإنتصار لكنه كبير عظيم في حزنه على ابنه .

        مما يلاحظ أن داود أكثر من مرة يخرق العرف العام والأخلاق الجارية في أيامه. إنه يفتش عن مخرج من الحلقة المميته للتجاوب العنف بالعنف. صداقته ليوناتان أقوى من التنافس على الملكية. وفي قصة بتشابع يعترف بخطيئته و يتخذ العواقب على عاتقه بصورة واقعية . إنه يهمل قانون الثأر و يتصالح مع ابنه أبشالوم حزنه على ابنه الفقيد أعمق من الفرح العقيم لانتصار عسكري . موقف داود هذا في الحياة موقف أصيل و مشيحي . لا عجب أن كلام يوآب الموبخ داود على أنه يحب أعداءه (2صم 19 : 7) يتناغم و يتساجع مع مطلب يسوع المطلق في الخطبة على الجبل (متى 5 : 44 ).

        ملكية داود وفنه في شؤون الدولة تابعة للماضي الغابر. أما إنسانيته الأصيلة التي جعلته رجلاً على حسب قلب الله فهي تابعة لكل الأزمنة. إن قصة داود لمرآة ممكن أن ننظرفيها كل مرة من جديد إلى أنفسنا.

قراءة 31088 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *