مقالات عامة
الجمعة, 29 كانون2/يناير 2016 02:13

مسيرة استكشافية من خلال الكتاب المقدس من موسى الى داود /ج 20

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)

20) ذنب داود و استيعابه للذنب

        صار ملكوت داود ثابتاً وطيداً. إنه ركّز مملكة إسرائيل و يهوذا الحديثة. أعطاها عاصمة جديدة أورشليم. ضرب الفلسطيين ضربة قاضية. نقل إلى أورشليم تابوت العهد وهو رمز سكنى الله في وسط شعبه. فوعده النبي ناثان ببركة الله على سُلالته. فيبدو داود كأنه الملك المشيحي المثالي: مختاراً وممسوحاً ومثبَّتاً بيد النبي ، غير ِمطماع في التسلُّط ، خادماً متواضعاً لإلهه و لشعبه. ولكن تأتي الساعة التي فيها داود أيضاً يستسلم لتجربة السلطة .

 

خطيئة داود

        أخذ داود يشنّ حروباً ليوسِّع سلطته. في 2 صم8 جدْول من انتصاراته: إنه يضرب الفلسطيين، والموآبيين، وهَدَد عازر من صوبة، والآراميين، والأدوميين. جميع هذه الشعوب يجعلها دافعة الجزية. وفي الفصل العاشر والفصول التالية يشن الحرب على عمّون. فهكذا تحصل "مملكة داود" التي سوف يُخلَِّفها وراءه لإبنه سليمان شيئاً فشيئاً على شكلها : مملكة تمتد من النهر إلى أرض الفلسطيين وإلى حدود مصر"
(1مل5 :1). وفي وسط هذه الأخبار الحربية نقرأ الرواية المشهورة ، رواية داود وبتشابع وأوربا. ولما كان مدار السنة في وقت خروج الملوك إلى الحرب، أرسل داود يوآب وضبّاطه معه وكل إسرائيل، فأهلكوا بني عمّون وحاصروا ربّة، و أما داود فبقي في أورشليم. وكان عند المساء أن داود قام عن سريره وتمشي على سطح بيت الملك " (2 صم 11: 1-2). يظهر كأن داود صار سلطاناً موسِراً مستمتِعاً : يُكلَّف ضابطه بشغل الحرب ويبقى هو في البيت. يريد أن يتمتع بقصره وبالحياة. بعد القيلولة يقع نظره على بتشابع الجميلة امرأة الحثي أوريا وهو جندي في جيش الملك. إنه يريد هذه المرأة فيأخذها: لأن مشيئة الملك قانون. تجلب بتشابع، فيضاجعها الملك ، فتصير حاملاً .

        ثم يلي تراكم من الشر. يستدعي داود أوريا إلى أورشليم و يحاول أن يدفعه إلى أن يذهب ينام عند امرأته، لأنه يريد أن يُنسَب المولود إلى أوريا لا إلى الملك . ولكن أوريا يرفض هو متمسك بالفرائض ومتضامن مع أصحابه الجنود في ميدان القتال : " إن التابوت وإسرائل و يهوذا مقيمون في الأكواخ، ويوآب سيدي وضبّاط سيدي مُعَسكِرون على وجه الحقول ، وأنا أدخل بيتي وآكل  وأشرب وأضاجع امرأتي؟ لا، وحياتك وحياة نفسك، إني لا أفعل هذا " ( 2صم 11:11). نلاحظ الفرق الصارخ بين الوفاء والتضامُن من قِبَل هذا الجندي المرتَزَق الأجنبي وبين استغلال ملك إسرائيل لسلطته! فالملك مشدوه مرتبك جداً بالأمر يلتجيء إلى الوسائل الكبرى: الإغتيال المباشر. ومن النقط المأساوية في القصة أن أوريا نفسه يحمل المكتوب الذي فيه أمضي على حكمه بالإعدام ...فيُجعَل الضابط يوآب شريكاً في الجريمة: عليه أن يقوم ببلاهة استراتيجية ويُضحّي بقسم من جنوده ، بأن يجعلهم يتقاتلون بقرب متزايد للسور. فيحضّر يوآب الرسول الذي سوف يأتي داود بتقرير ما حدث  : قد يغضب الملك من الحماقة الاستراتيجية  ومشيراً إلى ما روي في قض 9: 50-54 حيث قاتل أبيملك قريباً جداً من سور المدينة فوقع على رأسه حجر رحى. فيَحِفِّز يوآب الرسول على أن يذَّخر أهم خبر و يقوله في الآخر: إن عبدك ارويا الحثي أيضاُ قد مات" (21و24) . رد فعل داود متهكّم للغاية: " لا يسؤ ذلك في عينيك، لأن السيف يأكل هذا وذاك " (25). لقد حقق داود هدفَه. فالأن يتمكن من إدخال بتشابع إلى بيته، بعد فترة الحداد، وأن يعترف بالولد ولدَه . والقاريء يفتكر: أجل، هذا هو ما يجري عادة مع ملك متسلّط مستبدّ: إنه قادر على كل شيء، وكل شيء يُسمَح له، إنه يعتبر مَواليَه مماليك له ويفعل ما يشاء. ولكن هناك يهوه ونبيَّه بعدُ:"وساء ما صنعه داود في عيني يهوه. فأرسل يهوه ناتان إلى داود" (11 : 27-12 : 1) .

مثل ناتان

        يدخل ناتان قصر داود بدون مقدمات. لايخاف النبي الحقيقي شيئاً أو أحداً، حتى الملك يصارحه بجرأة. إلا أنه يستعمل أسلوباً ملتوياً: يروي قصته المشهورة عن الرجل الغني والرجل الفقير اللذين كانا يقيمان في نفس المدينة. كان للغني غنم بكثرة. وكانت للفقير نعجة واحدة فقط يعتني بها جداً. فيأخذ الغني نعجة الفقير ليقدِّمها لضيوفه. الملك داود الذي كان يصغي إلى القصة بانتباه بالغ يردّ باستنكار شديد:"حي يهوه! إن الرجل الذي صنع هذا يستوجب الموت. يردّ عوض النعجة أربعاً جزاء أنه فعل هذا الأمر ولم يشفق" ( 12 : 5-6 ). داود الذي بنفسه وطأ التوراة وطأةً باهظة، يبدو الآن حسن الإطلاع على تفاصيل التوراة. نقرأ في خر 21 : 37 : " إذا سرق رجلٌ ثوراً أو شاةً فذبحه أو باعه، فاليُعَوِّض بدلَ الثور خمسةً من القطيع وبدل الشاة أربعاً من الخراف". إلا أن داود لم يشعر بعد أن قصة ناتان تقصده هو. فيصارحه بها ناتان : " أنت هو الرجل" – ثم يُسهِب النبي عن الشكوى و الحكم من قبل الله ( 7-12). يتفتح بصر داود فيعترف  حالاً بذنبه :" قد خطئت إلى يهوه " (13) .

 

        أعطانا ناتان مثالاً مما هو" مثل". الكلمة العربية واسعة المعنى و متنوعة التطبيق.فالنأخذها بالمعنى التقني في علم التفسير :

  1.  parable تأتي من اليونانية وهي تعني حرفياً: "وضْع جنباً إلى جنب"، ثم "مقابلة"، "مشابهة". كأن ناتان يضع قصته إلى جانب تصرٌّف داود .
  2. المثل ليس صورةً أو تشبيهاً فقط ، إنه قصة أيضاً مأخوذة من الحياة اليومية و مروية بالتفاصيل اللازمة. هذا واضح في قصة ناتان. رٌبّما ظن داود أن ناتان أتاه يروي حادثةً حدثت فعلاً. إلاّ أن المثل يتسِّم بنوع خاص بالفرق الصارخ الملحوظ بين الغني والفقير، بين كل من سلوكَيهما .
  3. في المثل الحقيقي لا توجد نهاية. إنها قصة مفتوحة وعلى المستمع أن ينهيها بنفسه. وفي مثل ناتان يحدث هذا حرفياً: استنكار داود شديد بدرجة أنه يختم القصة بنفسه : يحدد قصاص الغني ويلفظ هكذا-بغير وعي منه- الحكم على نفسه.
  4. ينبغي أن يكتشف سامع المثل أنه هو-بطريقة ما- يلعب دوراً في القصة. الذي يسمع إلى مثل لا يمكن أن يبقى غير مبالٍ.؟لا يبلغ مثل ناتان هدفه إلا عندما يقول داود متندماً:" قد خطئت إلى يهوه". راوي الأمثال البارع يأخذ محاوره مسافة كبيرة من طريقه قبل أن يحس به. مثل وسيلة للقيام بحوار صعب رغم صعوبته، بفضل ملتوَىَ القصة. لو كان ناتان أخذ يقول:"يا ملك، أنا جئت أتهمك بإساءة استعمال السلطة، لما كان وصل إلى نتيجة ملحوظة...

أعطانا ناتان مثالاً ممتازاً عن المثل. وبين لنا بوضوح ما هو نبي. النبي هو قبل كل شيء آخر راءٍ، شخص ينظر إلى الناس وإلى تصرفاتهم بعيني الله ( قارن ما يقوله يهوه لصموئيل في 1 صم16 : 7 " ... لأن يهوه لا ينظر كما ينظر الإنسان، فإن الإنسان إنما ينظر إلى الظواهر، وأما يهوه فإنه ينظر إلى القلب"). لقد أبصر ناتان ببالغ الحِدّة لماذا وكيف صار داود ينحرف عن الطريق المضبوط. ثم النبي هو قائل، شخص حاذق في أن يلفظ الكلمة المناسبة في المكان المناسب. وأخيراً، النبي هو مُرْءٍ، شخص يجعل آخرين يبصرون، إنه ببراعةٍ يفتح عيني داود و يجعله يبصر ما في تصرُّفه من سوء و هلاك .

 

هل يهوه إله يقاصص

        اتَّهم ناتان داود وهدَّده بقصاص. إنه صنع ذلك بمقتضى مبدأ المعاملة بالمثل. هل استخدم داود السيف؟ فلا يفارق السيف بيته للأبد. أخذ داود امرأة قريبه؟ فتؤخذ نساءْ داود منه وتسلَمن إلى قريبه
(12: 9-12). هذا ما يصنعه أنبياء إسرائيل دائماً: يفضحون الظلم ويهدّدون بقصاص. ولكنهم يصنعون ذلك خاصةً مستهدفين حمل مستمعيهم على التفكير وعلى التوبة. فإذا تابو فلا تنفَّذ العقوبة. نتذكَّر قصة يونان المشهورة. يهدِّد النبي نينوى بالهلاك في خلال أربعين يوماً. لكن أهل نينوى يتوبون، فلا ينفِّذ الله القضاء. يسوء ذلك يونان جداً. إلا أنه ليس نبياً مثالياً، إنه بذل مجهوداته ليتخلص من الرسالة التي كلَّفه بها الله. فيفسر له الله بطول الأناة أن نيته كانت من الأول أن يستبقي نينوى ( يونان 3-4).

        لم يلبث تهديد ناتان حتى يأتي بنتيجة: يتوب داود ويعترف بذنبه. فحالاً يلفظ له غفران الله ويخفَّف له القصاص:" إن يهوه أيضاً قد نقل خطيئتك عنك، فلا تموت. ولكن، إذ إنك بهذا الأمر أهَنتَ يهوه إهانةً شديدة، فالإبن الذي يولد لك يموت موتاً "(13-14) .

        هذا على الضد من ميلنا ومزاجنا الفطري. هل إله الكتاب المقدس إذن إله يقاصص؟ فعلاً، تظهر الرواية كأنها تعبّر عن هذا الموقف، وفي الوهلة الأولى يرد داود رداً على هذا الموقف. عندما يمرض الطفل، يبتديء داود يصلّي ويصوم صوماً صارماً وينام مضطجعاً على الأرض: إنه يحاول أن يلطِّف الله. ولكن في هذه القصة البدائية الخشنة على ما يبدو يوجد شيء أعمق: الصورة السلبية للإله المقاصِص تُطهِّر وتُزكِّى وتلغى. هذا يتبين خصوصاً في رد فعل داود المفاجيء بعد وفاة الطفل. تماماً بخلاف ما تنتظر منه حاشيته يتوقف عن الصوم ويستحم ويتطيب ويغير ثيابه ويدخل بيت يهوه ليصلي... وأخيراً يذهب يعزي بتشابع.

        مَثَل هذه القصة كمثل قصة نقل التابوت إلى أورشليم _(2صم6): قصة لها بالأصل ملامح بدائية خشنة ( في 2صم6: مَحْرَم التابوت الذي "لا يُمَس"، وهنا: صورة إله يقاصص) حصلت في النهاية بفضل السياق على معنى جديد. في الرواية تحرُّك وتطوُّر على صعيد صورة الله أيضاً .

        فمن هذه الناحية نستطيع أن نقول إن الرواية إنما تروي عملية إلغاء تحويل الفكر السلبي إلى الله. تبدأ الرواية فعلاً لدى صورة الإله المقاصص، إلا أنها تروي التطهُّر. بتدخُّل ناتان يشعر داود بذنبه. ففي الأول يحاول أن "يعوذ بالله" من المصيبة، و لكنه في آخر الأمر يجد طريقاً إلى قبول ذنبه. بعد وفاة طفله أصبح واضحاً أن "التحويل السلبي" قد تفوَّق عليه. فداود باعترافه بذنبه وبقبول ذنبه وجد نفسه واقفاً في علاقة جديدة بالله ويرى مستقبلاً جديداً ينفتح أمامه : بتشابع تلد ابناً، ويهوه يحب الولد فيُسمَّى "يديديا" ("حبيب ياه").

لا يمكن الاستمرار على هذا الدرب

        مع ذلك، ما زالت القصة مشكِلة على القاريء المعاصر: طفلٌ بريء يموت لأن داود خطىء. ولكن علينا أن نتذكر أن في أيام داود لم يكن الإنسان الفرد في مركز الإهتمام، بل الآل و العشيرة. كانوا يحسون بالعشيرة كائناُ واحداً: إذا أُصيبَ أحد من عشيرتك فأنت مصاب. ثم، أمر وفاة الطفل في الكتاب المقدس رمزٌ قوي يقول إن ما بدأ به داود لا يمكن أن يستمر. سلوكه لا مستقبل له: البكر يموت كما أن الأبكار في مصر يموتون. في تعبير حضارتنا نستطيع التمييز التالي: على صعيد الأحداث مات طفل داود الأول نتيجة مرض ما مثلاً، لا نتيجة ذنب داود ولا نتيجة تدخل إله مُقاصِص. لكن على صعيد القصة الكتابية نتعلم منها أن الشر لا مستقبل إنساني له .

        أهم رسالة في القصة واقعة في طريقة وصول داود إلى الشعور بالذنب وطريقة معاملته له. بعون من ناتان يرى غلطة سلوكه. يشعر بأنه "مستوجب" الموت لأنه قتل أوريا. و يشعر بأنه بذلك خطىء إلى الله. يعترف بذنبه و يأخذ المسؤولية عنه على عاتقه. من فعل هكذا، يمكنه أن يعرف نفسه مقبولاً من الله: ينال غفراناً ، ينال فرصة جديدة .

قراءة 4610 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *