مقالات عامة
الأربعاء, 20 كانون2/يناير 2016 01:22

مسيرة استكشافية من خلال الكتاب المقدس من موسى الى داود /ج 18

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)


18) داود يرقص امام تابوت العهد

        بعدما مسح داود ملكا على يهوذا واسرائيل، فعل ثلاثة افعال هامة لتثبيت ملكيته. يفتح داود اورشليم ويجعلها العاصمة السياسية للمملكة الجديدة (2 صم 6:5-16)، انه يكسر ظهر الفلسطيين نهائيا ويخلص اسرائيل من اخطر عدوه (17:5-25)، انه يجعل اورشليم مركز المملكة الديني ايضا بنقل تابوت العهد الى المدينة (6).

داود يفتح اورشليم (2 صم 6:5-16)

        الى الان كان داود يقيم في حبرون وهي مدينة ذات تقليد ديني غني في سبط يهوذا. الى هناك اتى شيوخ الاسباط الشمالية ليمسحوا داود ملكا على كل اسرائيل. ولكن داود افتهم جيدا ان حبرون المدينة الجنوبية غير مقبولة كعاصمة للمملكة الجديدة. اذا اراد ان يحافظ على التوازن المتقلب بين الاثني عشر سبطا فعليه ان يختار عاصمة محايدة لا تنتمي الى أي سبط اسرائيلي ويكون موقعها مركزيا. فكانت اورشليم الكنعانية بعدها الواقعة في المنطقة الحيادية بين يهوذا وبين الاسباط الشمالية مدينة صالحة من كل النواحي.

        كان اليبوسيون المقيمون في اورشليم يحسبون مدينتهم حصنا منيعا فيستهزئون من داود وجيشه الصغير : "حتى العميان والعرج يصدونك !" (6). قال داود : "كل من اراد ان يضرب اليبوسي، فليصعد من القناة" (8). نستنتج من هذا القول انه فتح المدينة بحيلة. يرجح ان "القناة" هي الساقية تحت الارض التي كانت توصل ماء عين جيحون الواقعة خارج سور المدينة في وادي قدرون الى بركة ماء داخل المدينة (بقايا من امداد الماء المحسن في ايام الملك حزقيا – 2 مل 20:20 – موجودة حتى اليوم). نتصور ان داود ورجاله انسلوا الى داخل المدينة عن طريق هذه القناة ووثبوا بغتة على اليبوسيين. الجملة الفريدة "العرج والعميان الذين تبغضهم نفس داود" قد تقصد ان تكون جوابا تهكميا على ملاحظة اليبوسيين المستهزئة. ان موقف الاحترام الذي يقفه داود من مفيبوشث السقيم الرجلين (2 صم 9) يجعلنا لا ندرك القول ادراكا حرفيا. والملاحظة التالية "لذلك يقولون : لا يدخل البيت اعمى ولا اعرج" نضعها على حساب خطاط لاحق لقي في هذه القصة تبريرا لفريضة أح 18:21 القائلة بان من له نقص جسدي لا يصبح كاهنا. لان "البيت" هنا يقصد هيكل اورشليم طبعا.

        بنى داود في اورشليم قصرا بمساعدة حيرام ملك صور. هذا بيان ان ملكية داود كانت تتمتع باعتراف دولي.

 

داود يقضي على الفلسطيين (2 صم 17:5-25)

        في ايام شاول كان الفلسطيون السادة الواقعيين في البلاد. فداود الذي كان خلال "تدريبه العسكري" عند العدو (1 صم 27) قد تعلم اسرار تسليح الفلسطيين وتكتيكهم، يتخلص منهم بمعركتين. ويلح الراوي في ان داود لا يتحرك الا بامر من يهوه : قبل ان يذهب الى القتال يسأل يهوه، كما صنع قبل ذلك اكثر من مرة (1 صم 23: 2 و4 و9-12). كان هذا السؤال يحدث عن طريق "قرعة" بواسطة "الايفوذ" وهو على الارجح كيس يحمله الكاهن وفيه حجرتان تعني واحدة "نعم" والثانية "لا".

        يدفع داود الفلسطيين نهائيا الى منطقة الساحل، منطقة غزة. من الان فصاعدا لا يتمكنون من اخذ اية مبادرة سياسية او عسكرية. كان تفوق داود كذا حتى انه اضاف الى جيشه للمرتزقة جنودا فلسطيين تحت قيادة اتاي الجتي ( = مواطن من مدينة جت وهي احدى مدن الساحل الفلسطينة (انظر 2 صم 18:15-22 / 2:18).

داود ينقل تابوت العهد الى اورشليم (2 صم 6)

        لا يكفي ان تكون اورشليم عاصمة سياسية للمملكة، يجب ان تكون عاصمتها الدينية ايضا. لذلك يريد ان ينقل داود التابوت وهو مقدس يهوه المرافق لهم خلال الرحلة في البرية، نقلا الى اورشليم. قصة النقل هذه تواصل قصص التابوت ، في 1 صم 6:4 : في نهاية هذه القصص حصل التابوت على موضع في قرية يآريم. والالن، والفلسطيون مغلوبون، ما من شيء يحول دون نقل التابوت. في هذه القصة ايضا كمثل في قصص 1 صم 4-6 ملامح بدائية سحرية. خاصة في الاية 7 : تجاسر عزا على لمس التابوت، صعقه الله ميتا في مكانه. من الناحية التاريخية ربما كان ذلك حادثة : وقع عزا تحت دواليب العجلة ومات ؟ ففسروا هذه الحادثة بالاصل في سياق رأي بدائي مخيف في الله : انتهك محرم فيعاقب ذلك حالا بلا رحمة. وحين وضعت هذه القصة في سلسلة داود كان وقت تلك الصورة البدائية لله قد فات. فحصلت القصة مع ملامحها السحرية في سياقها الجديد على معنى اعمق نحاول الان توضيحه.

 

الله لا يقبل ان يوضع على عجلة

        يريد داود ان يجعل لله المكان المركزي في حياته وفي شعبه، في وسط الاثني عشر سبطا. يتجلى من رواية الخروج ان يهوه اله يريد ان يسكن بين الناس. فيقصد داود ان يعبر عن ايمانه وعن ثقته بهذا الاله بنقل تابوت العهد نقلا احتفاليا الى اورئليم عاصمته الجديدة. انها حفلة عظيمة فاخرة فرحة تعكر صفوها الحادثة المروعة عند بيدر ناكون حيث "اشتد غضب يهوه على عزا" (7).

        يتوضح المعنى العميق عندما ننتبه لبعض التفاصيل في القصة. هناك بين المحاولة الاولى والمحاولة الثانية لنقل التابوت الى اورشليم عدد من الفوارق الهامة:

1) في الاول تنطلق المبادرة من داود وحده. لا نقرأ هنا كمثل في القصص السابقة ان "يهوه كان معه" (10:5) او انه "فعل على حسب ما امره يهوه" (25:5). ان داود لينفذ مشاريعه هو فممكن الشك في ما اذا كانت هي منسجمة مع مشروع الله تماما. اما عند المحاولة الثانية فيفسح مجال لمبادرة يهوه : لا يتجاسر داود على تلك الا بعدما سنع ان "يهوه بارك عوبيد ادوم وكل بيته" حيث بقي التابوت بعد المصيبة (11-12).

2) تبدو بداية القصة كان عملية عسكرية تجري اذ ان داود ينطلق الى الطريق بكثير من المظاهر الطنانة – يذهب مع المنتخبين في اسرائيل : ثلاثين الف، تماما عدد الذين سقطوا انذاك حين استخدم التابوت سلاحا سريا ضد الفلسطيين. اما عند المحاولة الثانية فلا تعود الرحلة مهرجانا عسكريا بل هي زياح ليتورجي. لا تخطى الخطوة السابعة ببساطة بعد الست الخطوات. انما كمثلما يعملون ستة ايام ويتوقفون في اليوم السابع، هكذا الخطوة السابعة لله فيقربون قربانا (13).

3) عند المحاولة الاولى "جعلوا تابوت الله على عجلة جديدة" (3)، اما بعد المصيبة فـ "حملوا تابوت يهوه بالايدي" (13) – وهذا حسب الاصول، لانه هكذا عند سيرهم في البرية (خر 13:25 – 15 / 4:37 – 5).

        ما معنى "جعل الله على العجلة "مقابل حمل الله على الايدي" ؟؟ انه يعني انك تعتبر الله شيئا ميتا، عبارة واقفة خارج الحياة. هل هو اله لا يخرج من الخزانة الا للمناسبات الكبرى؟ هناك ناس يطلبون حفلة زواج كنسية بحضور الاكليروس كافة "لتزيد الافراح" (اية افراح؟). بعد انتصار جزائر فلكلاندزارادت الحكومة البريطانية حفلة دينية في كاتدرائية وستمنستر. اوكان داود بالاول يريد حفلة فاخرة لمجده هو ؟ واراد ان يبني هيكلا في اورشليم لتثبيت سياسته ؟ سوف نقرأ انتقاد النبي على مشاريعه المعمارية.

        ولكن الله لا يقبل ان يشده الناس امام عربتهم. لا يقبل ان يوضع على عجلة، انه ينزل منها – في قصتنا حرفيا. يريد الله ان يكون واقعا حيا في وسط الناس. يريد ان يحمل على الايدي. انه اله حي يرفض ان يحبس في صيغ متخشبة. "انت جالس في تسابيح اسرائيل" (مز 4:22). انه حاضر في الاشياء الاعتتيادية، في ما نصنعه بايدينا كل يوم. انه اله غير حصين قابل للانجراح يستودع نفسه في ايدي البشر. ومن اراد ان يخدم هذا الاله فلابد من ان يجعل نفسه قابلا للانجراح صغيرا كمثل داود في القسم الثاني من القصة : يخلع التاج ولباس البلاط ويصبح واحدا من الشعب (14)، يتواضع ويتصاغر وهو فرحان بين الاماء (22).

 

عزا وميكال وداود : ثلاثة مواقف اساسية مختلفة

        لكل من الشخصيات الثلاثة الرئيسية في القصة معنى رمزي خاص. نكتشف فيها ثلاثة مواقف مختلفة في الحياة، ثلاثة اشكال من الصلاة والعبادة نجدها ايضا في انفسنا.

        عزا "مد يده الى تابوت الله فامسكه … فمات هناك عند تابوت الله" (6-7). فكما ان التابوت علامة حضور الله، هكذا قصور اليد الكهنوتية عن العون هو علامة عجز الانسان عن التلاعب بالله. يحاول عزا ان قبض على ما لا يمكن ان يقبله الا كهدية. انه يمس ما لا يغار عليه. في حياة الانسان من الخبرات والساعات والذكريات ما لا يمس، "ارض مقدسة". ومن كان يسخر منها او يغصبها "مد يده" الى القدس. في حياة المؤمن اشياء لا تمس. الانسان الذي لا يصلي ابدا ينتهي انسانا سطحيا. المسيحي الذي يدفع الصغار جانبا ويستغل الفقراء ويفرض نفسه بالعنف، هو "يمسك تابوت يهوه".

        ميكال زوجة داود لا تشترك في الحفلة. تبقى داخل القصر و "تطل من الشباك". تخبئ نفسها. لا تجعل نفسها عرضة للجرح. انها تدرّع نفسها. تحتقر داود وتسخر من ايمانه (16). ميكال مغرورة. حريصة. لها فكرة مختلفة تماما عن الملكية. في رايها على الملك ان يبقى مباعدا فاترا متعجرفا ويصون منزلته الرفيعة في كل وقت. فبدلا من ان يضحي بنفسه في سبيل الشعب يجب ان يضحي بالشعب في سبيل مجده الشخصي. ولكن، ماذا ننتظر من ذلك الراعي الشريد غير هذا ؟؟ (20). ليس من باب الصدفة ان ميكال تدعى "ابنة شاول" حتى ثلاث مرات. انها بنت جديرة بابيها. تنتهي القصة بالقول : "ولم تلد مكيال ابنة شاول ولدا الى يوم ماتت" (23). هذه ايضا نقطة من صورة الاله المقاصص البدائية اكتسبت في القصة معنى اعمق. كون ميكال لا اولاد لها يعني ان سلوكها عقيم وان موقفها في الحياة لا مستقبل له. تمثل ميكال في القصة موقف الاعتراض على الله الذي يريد ان يسكن في وسط شعبه مستعرضاً . عندما اعزل نفسي متلددا متمسكا برأيي، عندما طقت الصلاة لانها ترقيني في تقدير الاخرين وتقدير النفس، عندما ارد ساخرا محتقرا على تعابير الاخرين عن ايمانهم الصادق، عندما اتباخل على ما عندي ولا الد حياة، عندما اكون عقيما، حينئذ اكون مثل ميكال.

        يا لبعد الفارق في موقف داود! "انما رقصت امام وجه يهوه. هو اقامني رئيسا على الشعب" (21). هذا الملك كاخ في وسط شعبه. انه يخلع ثيابه الملكية ويرقص بكل قوته "متمنطقا بافود من كتان فقط". "افود" يدل على ثوب ليتورجي قصير. الصلاة والايمان نوع من تعرية الذات : "يا يهوه قد سبرتني فعرفتني"
(مز 139). وداود مستعد ليتذلل اكثر (22). فيه يتبين ملكا مشيحيا حقيقيا يشير الى يسوع ابن داود الذي غسل اقدام تلاميذه، وكان يعاشر العشارين والخاطئين فيسخر به على الصليب. ينال داود بركة فيعطي هذه البركة (البركة مهمة في الفصل : 11 و12 و18 و20). والدين عنده كخدمة الله هو خدمة الناس، خدمة الشعب ايضا. تقريب المحرقات والذبائح السلامية ينتهي بكل بساطة الى توزيع عام للاطعمة (17-19). الالتزام العهدي بالله يعني تضامنا مع الناس فكما ان الله يريد ان يسكن في وسط الناس عرضة للانجراح، كذلك يريد داود ان يكون ملكا خدوما عرضة للانجراح في وسط شعبه.

قراءة 3980 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *