مقالات عامة
الأربعاء, 06 كانون2/يناير 2016 22:29

مسيرة استكشافية من خلال الكتاب المقدس من موسى الى داود /ج 17

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)

17) داود يصبح ملكا

        ينتهي 1 صم بقصة موت شاول. في بدء 2 صم يوصف كيف كان رد فعل داود على موت شاول، وكيف صار ملكا، على سبطه يهوذا اولا، ثم بعد بضع سنين على اسباط اسرائيل الشمالية التي بقيت بعد موت شاول على حافة الفوضى. مرارا وتكرارا تلح هذه القصص في ان داود لم يكن له يد ابداً في خراب بيت شاول وانه اذن لم يغتصب الملكية. قد نرى فيه محاولة لجعل ملكية داود امرا سياسيا شرعيا. ولكنه دون اي يشك عنصر مهم في لاهوت القصص الداودية : لم يتول داود الملكية بنفسه، انما اختاره يهوه.

 

(كيف سقطت الابطال ؟) (2 صم 1)

        يصل الى داود خبر موت شاول وابنه يوناثان من رسول يزعم انه لقيه في ساحة القتال خاسرا يؤوساً، وانه على طلبه قتله بنفسه. فيظهر التاج والسوار، شارتي الملك، برهانا لصدق كلامه. ان القارئ الذي يعلم جيدا من الفصل السابق حقيقة ميتة شاول يستنتج ان الرجل ليس الا نهاب جثث حقير يترقب مكافأة كبيرة على "بشراه". ولكن يحدث ما لا ينتظره : يمزق داود ثيابه ويصوم الى المساء. هو والرجال الذين معه ينوحون ويبكون على شاول ويوناثان ابنه وعلى اسرائيل شعب يهوه. ثم، عندما يتبين ان الرسول عماليقي – وتعلمنا من الكتاب المقدس من هم "العمالقة" : استغلاليون مصاصو دم الضعفاء، أنظر 17:25 – 19 – ينال اجره المستحق. دمه على رأسه. ذاك الذي زعم انه قتل مشيح يهوه يقتل هو نفسه.

        ثم يرثو داود شاول ويوناثان رثاءه المشهور. احد النصوص القديمة جدا في الكتاب المقدس. يذكر مؤلف القصة المصدر الذي اقتبسه منه : "قصيدة القوس" مكتوبة في "سفر المستقيم" (2صم 18:1).

"سفر المستقيم" هذا يذكر في يش 13:10 أيضا مصدرا لما يسمى "اعجوبة الشمس" ليشوع. المرجح انه كان مجموعة من النصوص الشعرية من عصر الدخول وبداية الملكية فقدت مع الاسف الشديد.

        "كيف سقطت الابطال ؟". ترد هذه الردة في المرثاة ثلاث مرات : في البدء، في الوسط، في النهاية (19 و25 و27). بها تقسم المرثاة الى مقطوعتين. المقطوعة الاولى تطوقها اشارتان الى اغاني النساء.
"لئلا تفرح بنات الفلسطيين وتبتهج بنات القلف" (20) – كما غنت آنذاك نساء اسرائيل من اجل انتصار داود على الفلسطيين (1صم 7:18). غناء يتذكره الفلسطيون جيدا جداً! (1صم 12:21 / 5:29). "يا بنات اسرائيل، ابكين على شاول" (24). في هذه المقطوعة الاولى ينوح داود على سقوط الاب والابن معا في القتال : شاول مع ترسه الملطخ، ويوناثان مع قوسه (هل لهذا السبب تسمى المرثاة "قصيدة القوس في
 18 ؟). "شاول ويوناثان، محبوبان عزيزان، في الحياة وفي الممات لم يفترقا" (23). في المقطوعة الثانية يركز الانتباه على يوناثان وحده، لا على مميزاته في القتال بل على حبه لداود : "قد ضاق صدري عليك ، يا اخي يوناثان لقد كنت عزيزاً عليّ جداً وكان حبك عندي اعجب من حب النساء" (26). هذه الجملة جعلت البعض يتكلمون عن وجود علاقة حب للمجانس بين داود ويوناثان. لكنه من المستبعد للغاية ان هذه الفكرة كانت في ذهن المؤلفين الكتابيين. انه هنا الحب والوفاء النجيبان المستبسلان اللذان اداهما يوناثان لداود في قصة 1 صم 20 واللذان كانا اكثر من كل شيء اخر عونا لداود في طريقه الصعب الى الملكية المشيحية. كذا حب أمين وفي فعلا "أعجب" (26) من أي شكل آخر من العطف تذوقه داود.

 

داود وايشبوشث (2 صم 2)

        يذهب داود مع عائلته ورجاله الى حبرون مدينة الاباءالقديمة في يهوذا ويقيم هناك. فيجتمع أهل يهوذا ويمسحون داود ملكا على سبطهم. وماذا عن سائر اسباط اسرائيل؟ قبل ان نتعلم كيف الاحوال السياسية هناك بعد موت شاول، نسمع خبرا قصيرا بل هاما عن يابيش في جلعاد. كانت يابيش المدينة التي حررها شاول انذاك (1 صم 11). واهل يابيش جاءوا واخذوا جثث شاول وابنائه من عند الفلسطيين ودفنوها مبجلين (1 صم 31). يابيش اذن مدينة لها علاقة خاصة بشاول وهي في هذا السياق صالحة جدا لتمثل كل اسرائيل. فيرسل داود رسلا الى يابيش ويمدحهم على ما صنعوه. "مباركون انتم لدى يهوه، لانكم صنعتم هذه المبرة الى سيدكم شاول ودفنتموه. والان ليصنع اليكم يهوه برا وامانة. وانا ايضا اصنع اليكم خيرا، لانكم عملتم هذا الامر. والان فلتتشدد ايديكم وكونوا ذوي بأس، لانه قد مات سيدكم شاول، ولكن بيت يهوذا مسحوني ملكا عليهم" (5-7). ان داود يقدم نفسه ملكا. ولكن بفعله بغاية الحشمة والخشوع : يهوه يأتي بالمكان الاول، ثم "سيدكم شاول"، واخيرا فقط هو نفسه.

        وفي الاثناء اقام ابنير قائد جيش شاول ابن شاول ايشبوشث ملكا في محنائم، وهي مدينة عبر الاردن. اذن يبقى بيت شاول يملك مؤقتا على اسباط اسرائيل الاخرى. فتضرم الحرب بين بيت شاول وبيت داود يلعب فيها دورا رئيسيا قائدا الجيشين ابنير ويوآب. انهما يلتقيان عند جبعون ويقترح ابنير مبارزة بين اثني عشر رجلا من كل جيش. يوافق عليها يوآب. ولكن المبارزة تنتهي بالتعادل لان جميع المبارزين ماتوا. ثم يتفجر قتال فوضوي شديد تتفوق فيه جماعة يوآب. الا ان أخا ليوآب اسمه عسائيل يقتله ابنير بعدما حاول ان لا يقتله. في الاخير يقنع ابنير يوآب بان يمتنع عن المطاردة. تنتهي القصة بالخبر الملخص : "طالت الحرب بين بيت شاول وبيت داود. ولم يزل داود يتقوى. وبيت شاول يضعف" (1:3).

 

ابنير ويوآب

        يظهر ضعف بيت شاول في ضعف الملك ايشبوشث الذي ليس الا العوبة بيد ابنير. ينشأ خلاف بين الملك وقائد الجيش في امر رصفة سرية من سراري شاول. لقد دخل ابنير عليها، وهذا فعل له مغزى سياسي. كان التقارب الى امراة من حرم المك الفقيد الراحل يعتبر محاولة للقبض عل السلطة، لان حرم الملك تنتقل عادة الى خليفته (2 صم 8:12 / 22:16). ابنير غضبان على كلام ايشبوشث في هذا الامر، ويعلن انه سيختار طرف داود. وفعلا يقدم ابنير خدماته لداود الذي يقبل على شرط ان يأتي ابنير بميكال. هنا ايضا نعثر على دور النساء السياسي في بيت الملك. ميكال بنت شاول صارت امراة داود واحبته حقيقة
(1 صم 18-19). ولكن بعد هروب داود اعطى شاول ابنته لواحد اسمه فلطيئيل (1 صم 44:25). فيريد داود ان تعود اليه الان ليثبت شرعية ملكيته في وجه انصار شاول. وبالفعل، يرسل ايشبوشث ميكال الى داود. ما تفتكر ميكال نفسها عن الامر يبدو غير مهم البتة. العاطفة الوحيدة في القصة تأتي من طرف فلطيئيل الذي يشيع امرأته بدموع : "فمضى بعلها معها، وهو يسير ويبكي وراءها، حتى بحوريم". ولكن ابنير يأمره دون تكلف بالعودة الى بيته (16).

        ثم يناشد ابنير شيوخ اسرائيل ان يتبعوا داود، خاصة سبط بنيامين الذي منه شاول. فيأتي ابنير حبرون بتقرير المفاوضات، فيقيم داود مأدبة فاخرة اكراما له. ثم يصرف داود ابنير فيمضي بسلام. ولما يسمع يوآب ذلك بعدئذ يغضب جدا. هل يحسد يوآب ابنير ؟ ام يحتسبها سياسة غير حكيمة، كما يقول لداود (24-25)؟ يتبين من تابع القصة ان في الامر "أخذ الثأر". لقد قتل ابنير عسائيلفسينتقم يوآب لاخيه. يرسل رسلا وراء ابنير يسألونه ان يرجع الى حبرون. فيغتاله يوآب غدرا.

يستهجن داود هذا الفعل صراحة ويحمل يوآب كل المسؤولية. تشيع الجنازة الرسمية في حبرون. فيصنع داود الى ابنير ما صنعه الى الملك شاول : ينوح عليه ويرثوه بمرثاة ويصوم حتى المساء. مرة ثانية يوضح لنا ان داود لم يرد هلاك بيت شاول ولا يفرح به. ولكنه واضح ايضا ان داود لم يكبح تصرف عبيده العنيف بعد. يوآب وابيشاي ابني صروية : لا يقاويهما الملك مؤقتا.

 

مقتل ايشبوشث وداود ملك على جميع اسرائيل (2صم 4-5)

        بعد موت ابنير يبقى ايشبوشث وحده قلقا غير محمي عرضة لدسائس حاشيته. فكان في خدمته رئيسا عصابة. بعنة وريكاب، يتآمران كيف يقتلان ملكهما. يتسللان الى بيته ويقتلانه وهو نائم. يقطعان رأسه ويأتيان به داود في حبرون. كمثل العماليقي المخبر بخبر موت شاول هما ايضا يحتسبان بمقابلة ترحاب ومكافأة ولكن امالهما تتخيب : "حي يهوه الذي افتدى نفسي من كل ضيق ! ان الذي اخبرني وقال لي : ان شاول قد مات، وهو يظن انه يبشرني بخير، قبضت عليه وقتلته في صقلاغ، وقد كان يستوجب جائزة البشرى. فما يكون بالاحرى لرجلين شريرين قتلا رجلا بارا في بيته على سريره ! افلا اطلب الان دمه من ايديكما وابيدكما من الارض"؟ (9:4-11). يقتل المجرمان ويوضع رأس ايشبوشث في قبر ابنير في حبرون. يجب ان يكون واضحا للجميع ان داود يشمئز من المكر والخداع. انه يظل يحترم شاول مشيح يهوه حتى بعد موته. يتجلى ذلك ايضا في موقفه تجاه مفيبوشث، ابن يوناثان المعوق الذي يقدم لنا عابراً في 4:4. فيروي في 2 صم 9 باسهاب ان داود يعيد الى مغيبوشث حقول شاول ويدعوه الى اورشليم يأكل على مائدة الملك "كواحد من ابناء الملك" (11:9).

        لقد ذكر عابرا بجملة واحدة ان داود صار ملكا على يهوذا (4:2أ). ولكن يروي باسهاب ان جميع الشيوخ لسائر اسباط اسرائيل كلها يأتون الى حبرون لمقابلة داود. فيقطع معهم داود عهدا امام وجه يهوه فيمسحون داود ملكا على اسرائيل (1:5-3). فيختم هذا العرض بملاحظة اخبارية : "كان داود ابن ثلاثين سنة يوم ملك، وملك اربعين سنة. ملك في حبرون على يهوذا سبع سنين وستة أشهر، وملك في اورشليم ثلاثا وثلاثين سنة على كل اسرائيل ويهوذا" (4:5-5). كيف اثبت داود ملكه ؟ نقرأه في الفصول التالية لسفر صموئيل الثاني.

قراءة 6335 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *