مقالات عامة
الثلاثاء, 05 كانون2/يناير 2016 01:12

مسيرة استكشافية من خلال الكتاب المقدس من موسى الى داود /ج 16

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

16) أمد الملك شاول

رحابة صدر داود واستعداده للصفح لم يأتيا بمصالحة دائمة مع شاول. القصتان في داود الذي أبقى على شاول تنتهيان بالذكر ان الندين يسلك كل منهما طريقه. "ثم انصرف داود في سبيله، ورجع شاول الى مكانه" (25:26، أنظر ايضا 23:24). الفصول الاتية تشكل نقطة انحطاط لكل من شاول وداود. مصير داود سوف يتحول الى احسن. اما شاول فسيهلك في الحرب ضد الفلسطيين.

 

يرتد داود الى العدو (1صم 1:27-2:28)

يطلب داود حماية عند الفلسطيين وهم اعداء اسرائيل اللداد. يلتحق مع جيشه الصغير باكيش ملك جت احدى المدن الفلسطية ويقدم له خدماته. قد حاول في السابق نفس الشيء هو وحده، لكن عندما عرفته حاشية اكيش تظاهر بالجنون فطردوه (أنظر 1صم 11:21-16). اما هذه المرة فيرحبون بداود ورجاله فيستقرون مع عوائلهم في المنطقة الفلسطية. ينتج منه ان داود انتهى من الخوف من شاول : لا يعود هذا يطارد المرتد. هذا من جهة. ولكن من جهة أخرى داود في خطر ان يرتبك في حرب الفلسطيين ضد شعبه.

بحيل ومقدار كبير من الحظ يتملص من الخيانة العظمى. يطلب مكان اقامة بعيدا عن مقر اكيش. ومن هناك يقوم بغزوات على قبائل مجاورة ومعادية ليهوذا، ويتظاهر امام اكيش انه ينجز انتصارات على جماعات يهوذية او على قبائل مصادقة لهم. يأتي بالغنائم الى اكيش، لكنه لا يبقي ناسا على الحياة – ليس لانها "حرب مقدسة" – لكن لكي يكمن الامر. البهائم لا تتكلم !! الحيلة تنجح أكثر من اللازم. يكتسب اكيش ثقة بداود ويعينه خفيرا له. فعلى داود ان يزحف مع اكيش على اسرائيل. المشيح اصبح مرتزقا عند العدو !!!

 

شاول عند ساحرة عين دور (1 صم 28)

شاول ايضا في بؤرة عميقة. نقرا للمرة الثانية ان صموئيل مات (3 – قارن 1صم 1:25). ليس داود وحده بل شاول ايضا فقد مرشده الروحي. يحاصر الفلسطيون اسرائيل. شاول يائس فاقد صوابه. لا يعلمه يهوه بما عليه عمله، لا في حلم ولا بنبي ولا بالاوريم (طريقة لمعرفة مشيئة الله بواسطة سحب القرعة). متحيراً مشدوها يتعدى شاول على قانون اشترعه هو فيستشير مستحضرة ارواح في عين دور. يريد منها ان تستحضر روح صموئيل لكي يقول له ما عليه ان يعمل.

بالواقع، هذه القصة تبرز ميزة مستمرة في حياة شاول كلها وهي طريقة معاملته لما يخص الله. لا توجد عنده علاقة ثقة. اساء شاول استعمال الله وما هو ديني وسائل سلطوية. لا تهم شاول وصية الله، تهمه ضمانات فقط لمستقبله هو. فيصبح الله هكذا قضاء وقدرا، او "روحاً شريرة" (انظر ص 50 وشرحنا لـ 1 صم 14:16، وشرحنا لـ 1صم 13-15 في ف12).

يتواضع شاول ويسجد امام روح صموئيل، ولكن لا فائدة له. يظهر له صموئيل "مرتديا برداء" (14). النبي يعرف من ردائه. ولكن الرداء يذكر شاول بحادثتين مؤلمتين كانتا ترمزان الى نبذه كملك
(انظر 1صم 27:15-28 و5:24). للمرة الثالثة ينبئ صموئيل بهلاك شاول، لكن هذه المرة بصورة أوضح من ذي قبل : يهوه صار عدوك، ينتزع المملكة من يدك ويسلمها الى داود، وسيسلم يهوه اسرائيل معك الى ايدي الفلسطيين، غدا تكونون معي انت وبنوك (16-19/قارن 13:13-14 و28:15).

قضي أمر شاول. الشخص الاخير الذي يظهر له في حياته قليلا من اللطف والانسانية هي المدعوة "ساحرة عين دور"، وهذه تسمية غير صالحة بالنظر الى خدمة الرحمة التي تقوم بها تجاه شاول. تقدم له ولحاشيته مأدبة آخر علامة تقدير للملك. بعدئذ يتوارى شاول في الليل (25).

 

نجاة داود (1 صم 29-30)

ينفلت داود بطريقة عجيبة من الاشتراك مع العدو في القتال ضد اسرائيل. عند استعراض الجنود الفلسطيين المتأهبين للحرب يرتاب القادة الفلسطيون في "هؤلاء العبرانيين" – داود ورجاله. يدافع عنهم اكيش، سدى : يترك داود واصحابه في البيت. واذا صار داود ملكا على اسرائيل بعدئذ فلا يرجع الفضل في ذلك اليه بل ارتياب رؤساء الفلسطيين. هكذا يصان من الخيانة. كاد ينتهي هذا المشيح يهوذا مسلما !! لا تخلو القصة من المزح، الذي يظهر ايضا في ان الفلسطيين بالذات يتذكرون ترتيلة النصر التي رتلتها نساء اسرائيل بعد انتصار داود على جليات (5:29 / قارن 1صم7:18 / 12:21).

وعند عودة داود الى صقلاغ المدينة التي اعطاه اياها الفلسطيون، يظهر ان العمالقة مروا بها : احرقوا المدينة واخذوا معهم جميع النساء والاطفال اسرى. يكاد داود يفقد ثقة رجاله، فيتسارع الى المطاردة. من عبد مصري تركه العمالقة لحاله مريضا منهكا يتعلم داود الوضع واين ضرب العمالقة مخيمهم. قصة القتال قصة جدعونية. كمثل عند جدعون يسمح للرجال المتعبين بالبقاء خلف (قارن قض 3:7-6) فيغلب داود مع جيش صغير قدره 400 رجل على العمالقة الذين هم لقمة سائغة في ساعة تمتعهم بالغنائم. يسمي داود الانتصار "عطية من يهوه" (23:30).

قصة النساء والاطفال المأخوذين اسرى والعبد المريض المهجور قد ذكرتنا بطبع العمالقة الحقيقي : انهم اولئك الذين دائما ابدا يطأون الضعفاء والمساكين (ص47-48). داود ينقذ العبد المريض ويتخلص من العمالقة نهائيا – بعد هذه القصة لا يعودون في الكتاب المقدس من بعد – فهكذا يكمل العمل لذي كان في الاول موكولا الى شاول (1 صم 3:15 / 18:28) فيبين اصالة ملوكيته المشيحية.

تتجلى هذه الملوكية المشيحية ايضا مما يصنع داود بالغنيمة. حاول شاول ان يحفظ جزءا من الغنيمة لنفسه خفية (1 صم 9:15). اما داود فيلح في ان الغنيمة بكاملها تقسم بين الجميع. وليس المنتصرون وحدهم، بل المئتا رجل المتروكون في القافلة ايضا ينالون حصتهم. "بعض الاشرار ممن لا خير فيهم" (22:30) يحتجون، تقريبا مثل عمال الساعة الاولى في مثل يسوع (متى 1:20-16)، لكن كلمة داود تحسم الأمر : الجميع يتقاسمون معا (25:30 / قارن عد 27:31).

 

موت شاول (1 صم 31)

يروى موت شاول وثلاثة من ابنائه في 1 صم 31 برزانة وبلا عاطفية. يسقطون على جبل الجلبوع في القتال مع الفلسطيين. اولا يسقط يوناثان وابيناداب وملكيشوع ابناء شاول. ثم يثخن الرماة بالقسي شاول بالجراح. التشنيع من قبل العدو اهانة كبيرة لا تمحى، فيطلب شاول من حامل سلاحه ان يقتله. يرفض هذا. يسقط شاول نفسه على سيفه وحامل سلاحه يقتدي به.

الانتحار امر نادر في الكتاب المقدس. ما عدا شاول وحامل سلاحه هناك شمشون (قض 30:16)، احيتوفل (2صم 23:17)، وزمري (1مل 18:16)، ويهوذا (متى 5:27). لكن لا يجوز جمع كل هذه الحالات بدون تمييز. موت شاول ليس فعلا من اليأس، انه محاولة اخيرة للحفاظ على كرامته. مع ذلك، يصح القول ان موت شاول بيد سيفه هو أمر رمزي. مذ دخل داود في خدمة الملك شاول تميز شاول رجلا "بيده رمحا" (1صم 11:18 / 10:19)، اما داود فكان الشاب الذي "لا سيف بيده" (1 صم 50:17) او "في يده الكنارة" (1 صم 10:18 / 9:19). اكثر من مرة حاول شاول مقتل داود بذلك الرمح، فانفلت منه داود كل مرة. مرة واحدة انتزع داود من شاول رمحه (1 صم 12:26). اخر صورة يعطينا الكتاب المقدس عن شاول صورة ذات معنى جدا عميق : الملك المغلوب المعتمد على سيفه. ما قاله داود لجليات يصح لشاول ايضا : "ليس بالسيف والرمح يخلص يهوه" (1 صم 47:17).

رواية موت شاول، وان كانت واضحة رزينة غير عاطفية، فانها لا تخلو من رحمة. فكما انه لاقى حنانا من قبل ساحرة عين دور، هكذا يحاط الملك المنبوذ القلق في ساعة موته ايضا بوفاء خدامه : حامل سلاحه وسكان يابيش. هؤلاء لم ينسوا ما صنعه اليهم شاول انذاك محررا مشيحيا حقيقيا (انظر 1 صم 11). الان، هم يأتون ويأخذون جثث شاول وابنائه من المكان الذي علقها فيه الفلسطيون دليلا على انتصارهم. يدفنون شاول وهكذا يصونونه من اكبر عار : عار التلاشي التام. وما كان للفلسطيين "بشرى سارة" (9) لم يكن كذلك لداود البتة. ذاك الذي ابى ان "يرفع يده على مشيح يهوه" (1 صم 7:24 / 9:26)، لا يفرح ايضا بموته، ولكنه يرثي شاول ويوناثان بمرثاة تبكي (2 صم 17:1-27).

يندب شاول ويوناثان ويعتنى بهما قدر الامكان. فعل شاول المجيد الواحد، تحرير يابيش، يرفعه فوق نبذه. منبوذ هو وفاشل كملك مشيحي، لكن ليس كانسان. لا ينهار شاول ولا يتلاشى مغمورا بلا اسم ولا ذكر. انما يظل قسما من تاريخ اسرائيل. سقط في القتال، على الطريق الى ارض الميعاد.

قراءة 4474 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *