مقالات عامة
الخميس, 24 كانون1/ديسمبر 2015 01:16

مسيرة استكشافية من خلال الكتاب المقدس من موسى الى داود /ج 15

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الاب كوب

 

15) تجربة داود

        قد يجعلك هذا العنوان تفكر في قصة الملك داود وبثشابع الجميلة. ولكننا في قراءتنا لسلسلة داود ما زلنا منشغلين بقصص داود الشاب. يريد الملك شاول مقتل خادمه الناجح، فلم يبق لداود – بعد محاولات فاشلة للمصالحة من قبل يوناثان – الا ان يهرب ويختبئ في برية يهوذا، منطقة قبيلته المألوفة له.

 

        "وانصرف داود الى مغارة عدلام. فلما سمع اخوته وكل بيت ابيه، نزلوا اليه الى هناك. واجتمع اليه كل صاحب ضيق وكل من كان عليه دين وكل من كان في مرارة نفس، فكان عليهم رئيسا وصار معه نحو اربع مئة رجل" (1:22-2). أصبح داود رئيس عصابة. منذ خبراته كراع عرف البرية حق المعرفة، فلا يعسر عليه الانفلات من شاول مرة بعد مرة. وفوق ذلك يهوه معه : "وكان شاول يطلبه كيوم، ولكن الله لم يسلمه الى يده" (14:23). يظل شاول يطارد داود، فهو مستعد ان يخصص لهذا الغرض جيشا من ثلاثة الاف رجل منتخبين من كل اسرائيل (3:24).

 

ايام داود اصبحت اياما صعبة عليه. قبل ان يتخذ مهمته المشيحية على عاتقه يمتحن في البرية. مثله كمثل المشيح يسوع فيما بعد تقريبا ("وكان مع الوحوش" مر13:1). رواية تجربة داود لوحٌ ثلاثي : تمتدّ على 1صم 24 و25 و26. القصة الاولى والقصة الثالثة متشابهتان : بصدر رحب يصمد داود في وجه التجربة. اما في القصة الوسطانية فلو لم يلتق بابيغائيل لكان قد وقع في التجربة.

 

طرف رداء شاول

        في القصة الاولى مسحة من المزح. شاول مع جيشه يطارد داود. وفي الطريق تباغته حاجة طبيعية ماسة فيعتزل الى مغارة ويجلس القرفصاء. وفي ذات المغارة قد اختبأ داود مع رجاله !! يسهل علينا تصور الوضع. شاول في هذه الحالة المكشوفة جدا لقمة سائغة لداود، فيشجعه رجاله على انتهاز الفرصة : "هذا هو اليوم الذي قال لك يهوه فيه : هاأنذا اسلم عدوك الى يدك، فتصنع به ما حسن في عينيك " (24: 5) الرسام الهولندي رمبرانت رسم هذا المشهد في لوحة رائعة . شاول جالس القرصفاء يبعد بيده رداءه الى الوراء لاسباب صحية . على مدخل المغارة خفير ينظر الى الخارج مخلصا، لانه لا يليق به ان ينظر الى قائده في هذه القعدة العاجزة. شخص شاول واضح في الضوء، أما داود ورجاله ففي العتامة خلفا. رجال داود يوضحون بلا كلمات ما في فكرهم. جمع يد مرفوعة تمثل ضربة خنجر في الظهر. اصبع تشير الى فوق، وكف سوي يدل على الحلق : أقطع رأسه ! انها مشيئة الله !.

 

        أهي فعلا مشيئة الله ؟ هل يريد الله ان يستغل داود الوضع ويغتال شاول ؟ كانت التجربة قوية على داود ان يفكر هذه الفكرة، ورجاله يلعبون دور الشيطان. ولكن داود يبصر جيدا انها ليست مشيئة الله ويقول : "حاش لي بيهوه ان اصنع هذا الامر بسيدي مشيح يهوه، وارفع عليه يدي، لانه مشيح يهوه" (7:24). لكن قبلما قال هذا يبين انه لا يخاف، وانه يريد ان يعطي شاول درسا. يقترب خلسة ويقطع طرفا من رداء شاول دون ان يحس به ذاك. حركة مليئة رموزا !! الرداء في الكتاب المقدس ليس قطعة ثوب فقط. انه متشرب بشخصية حامله. نذكر الرداء الذي اعطاه يوناثان لداود (1صم 4:18) ورداء ايليا النبوي (1مل 19:19) وتذكر حركة داود باليوم الذي فيه امسك شاول بطرف رداء صموئيل وشقه منه : هكذا انتزع الله الملوكية عن شاول (1 صم 27:15-28). اذن، ينتزع داود الملوكية رمزيا من شاول فيسبق المستقبل. وبنفس الوقت يظهر نفسه انسانا عاقلا متمالك النفس : خلافا لرغبة اصحابه لا يقتل شاول. رغم كل شيء ما زال شاول "مشيح يهوه" ولا يستملك داود الملوكية عنوة. يظهر توتر الساعة في بناء القصة المتراكز :

        A شاول بعد الخبر يأخذ معه الجيش ويطارد داود واصحابه (2-3).

                B الى داخل المغارة : شاول طالبا، داود مختبا في الخلف (4)

                        C حديث : الاصحاب يغوون داود (5)

                              X فعل فريد + لغة الجسم : يقطع داود طرفا من رداء شاول، يخفق قلب داود

                        C’ حديث : داود يأبى الاغواء (7-8أ)                                 (5-6)

                B’ الى خارج المغارة : شاول سائرا في سبيله، داود تابعا خلفه (8ب-9أ)

        A’ داود ينادي شاول، شاول ينظر الى الوراء ويرى داود (9ب)

سائر الفصل 24 تأمل في الحادث. في خطاب طويل ساخط يوضح داود لشاول انه ليس في أي خطر من قبله فالاحسن ان يوقف المطاردة (10-16). من جواب شاول يتضح تأثير موقف داود الكريم في الملك. "أهذا صوتك يا ابني داود ؟ - ورفع شاول صوته وبكى. ثم قال لداود : أنت ابر مني، لانك جزيتني خيراً وانا جزيتك شراً (17-18). شاول ، ذاك الذي لم يطق لفظ اسم داود من بعد وكان يتكلم عن "ابن يسى" مزدريا فقط (1صم 27:20 و30 و31 / 7:22 و8 و13)، يفاجئنا الان بتسميته "ابني داود". القشر القاسي لانانيته المتكبرة يذوب في الدموع، وفي لحظة من الاستبصار يعاد بشاول الى نفسه. لحظة يرى ويفهم كيف العلاقات في الحقيقة، وحتى يشهد لايمانه بملوكية داود المقبلة (21). الا ان اهتداءه يبدو قصير الاجل، ولا تسد الهاوية القائمة بين شاول وداود : "وانصرف شاول الى بيته، وصعد داود ورجاله الى الملاجئ" (23).

 

حكمة ابيغائيل

        تبتدئ القصة الثانية بالخبر المقتضب ان صموئيل قد مات فيدفن. ليس هذا الخبر عديم الاهمية. اذ ان صموئيل هو النبي الذي حتى الان كان يرافق تكون الملوكية في اسرائيل والذي مسح داود. من سيذكر داود بدعوته الرفيعة وصموئيل قد مات ؟ يتجلى من هذه القصة كم داود في حاجة ماسة الى اشخاص نبويين في حياته.

        في المنطقة التي يتجول فيها داود ورجاله يسكن رجل غني مقتدر صاحب مشروع ضخم للغنم والمعز. اسمه نابال الذي تفسيره الحرفي "غبي". قد نتساءل من ذا الذي يعطي ولده اسما كهذا. ولكن من الممكن ان الراوي يقصد به ان يجعلنا بهذا الاسم في سبيل فهم قصته المضبوط : يجب ان تقرأ القصة كمثل. نابال هو الغباوة المشخصة. اما امراته ابيغائيل فتقدم كالحصافة المشخصة (3:25).

 

        صار وقت جز الغنم عند نابال، وهذه مناسبة كبرى لعيد يدعى اليه كل الجوار. فداود ايضا يرسل رسلا الى نابال للاشتراك في العيد. اول كلمة منه لنابال سلام ثلاثي : انت سالم وبيتك سالم وكل ما لك سالم" (حرفيا في 6:25). داود يأتي رجل سلام. لكن جواب نابال واضح : "داود من هو ؟ ابن يسى من هو ؟ لقد كثر اليوم الخدام الذين فروا من عند سادتهم !" (10:25). المواطن نابال الراضي جدا بنفسه لا يريد أي شأن في رعاع كمثل داود. في وجه كذا عجرفة متغطرسة ينقلب انفعال داود تماما. رد فعله شديد. بدلا من "السلام" ترن كلمة "سيف" ثلاث مرات : "فقال داود لرجاله : تقلدوا كل منكم سيفه. – فتقلد كل واحد سيفه. وتقلد داود سيفه ايضا" (13). هل سينتهي داود الذي حتى الان "لم يكن في يده سيف" (1 صم 50:17 / 10:18 / 9:19) رجل سيف يأخذ حقه في قبضة يده ؟ "كذا يصنع الله بـ(اعداء – عبري) داود وكذا يزيد، إن ابقيت من كل ما له الى ضوء الصباح بائلا بحائط" (22). "بائل بحائط" كلمة خشنة غير لائقة. بدأ داود يتصرف باسلوب "نابالي" !

 

        لحسن الحظ تمثل ابيغائيل على المسرح. يعطيها خبرا احد العبيد الذي يشهد ايضا بأن داود ورجاله لم يؤذوهم قط، بل كانوا بالعكس يحمون الرعاة والقطعان : "كانوا سورا لنا ليلا ونهارا، كل ايام وجودنا معهم في رعي الغنم" (16). نستلخص من ذلك ان داود ورجاله التجأوا الى برية يهوذا ليس فحسب بل كانوا يحافظون فيها على النظام ويحمون الرعاة من اللصوص ومن اخطار اخرى ايضا. تتدخل ابيغائيل حالا. تأخذ هدايا وتسرع الى داود وتسجد الى الارض امامه. ثم تلقي خطابا طويلا (24-31) يستحق ان نتوقف عليه قليلا. تصنع ابيغائيل ثلاثا. اولا، تأخذ كل الذنب على نفسها وتعوض بهداياها عن اهمال زوجها : "علي انا يا سيدي هذا الذنب … اغفر معصية امتك" (24 و28). ثم، تلفظ اسم يهوه بتكرار، علامة انها تريد ان تنظر الى الامور من وجهة نظر الله، وفي هذا الضوء ترى داود ملكا مقبلا لاسرائيل (26 و28 و29
و30 و31). واخيرا توقظ بكلامها "الانا الاكرم" في داود : "حي يهوه وحية نفسك، فبما ان يهوه قد منعك من سفك الدم وانتقام يدك لنفسك … لان سيدي يحارب حروب يهوه …" (26 و28). بالواقع، داود في الساعة نفسها محارب حربه الشخصية وهو عازم على الانتقام. الا ان ابيغائيل على يقين ان موقف داود المشؤوم ممكن تغييره. هذه المرأة تلعب دورا نبويا في حياة داود. كمثل صموئيل آنذاك (1صم 11:16-12) ابصرت شيئا في داود : انها تؤمن به وتذكره بدعوته المشيحية وتصونه عن اساءة استعمال السلطة والعنف.

 

        ينجز تدخل ابيغائيل انجازاً مباشرا. "فقال داود لابيغائيل : مبارك يهوه اله اسرائيل، الذي ارسلك اليوم للقائي ! مباركة حكمتك، ومباركة انت … اصعدي الى بيتك بسلام" (32-35). يعود داود رجل بركة، وكمثل كلمته الاولى كذلك كلمته الاخيرة كلمة سلام. ثم نسمع ما يحدث لنابال. بعد ما قام من نوم السكر بعد الاحتفالات تتكلم معه امراته فتقول له ما صنعت. فيصاب بسكتة قلبية ويموت بعد أيام. ما من شيء يحول دون زواج داود وابيغائيل. يمكننا ان نفهم الامرين، على صعيد المثل، فهما رمزيا. يموت نابال : "سلوك نابالي" (عند داود ايضا !) لا خير فيه، انه "مكتوب للموت"، يجب ان لا تعطى له فرصة. وابيغائيل، حكمة الكتاب المقدس المجسدة، تصبح قرينة داود : هل للملك المشيحي زوجة أفضل من ابيغائيل هذه الحكيمة النبوية الناقدة ؟؟

 

احبب عدوك

        القصة الثالثة في الفصل 26 كانها صدى للقصة الاولى. مرة اخرى شاول في مطاردة داود، ومرة اخرى ينقلب الدوران. من جديد يحث داود واحد من اصحابه اسمه ابيشاي على انتهاز الفرصة وقتل شاول : "قد اسلم الله اليوم عدوك الى يدك، فدعني اطعنه بهذا الرمح الى الارض، طعنة واحدة، ولا اثنّي عليه" (8:26). ومن جديد يبقي داود على الملك ويبين له براءته. اذا قرأنا الفصل كله اكتشفنا الى جانب المشابهة الكبيرة اختلافات ملحوظة ايضا بحيث ان القصة الواحدة تتكامل مع الاخرى : "في ف24 يفاجأ داود نفسه بظهور شاول في المغارة فتسلله اليه ارتجالي. اما في ف26 فيتسلل الى الملك عمدا. في ف24 ينزع عن شاول الملوكية رمزيا بقطع طرف رداء الملك . أما في ف 26 فينتزع عنه سلطته وحياته (المزمور اليهما بالرمح وجرة الماء). في ف 24 الاثنان وجها لوجه. اما في ف26 فالتباعد الفيزيائي كبير فتحدد الظلمة الليلية الاتصال في ما يسمع فقط" (ي. فوكلمان).

 

        القصتان في السلطة التي لا تتحول عنفا تطوقان طوقا ذا معنى عميق حول القصة الرائعة لابيغائيل التي تتمكن من الحيلولة دون مجزرة فتعطي داود درسا في عدم اساءة استخدام السلطة. في القصة الوسطانية نرى داود انسانيا جدا في قبضة مشاعر انتقامية، لكنه مستعد ايضا للاصغاء الى ما تقوله امراة بطريقة نبوية. وفي القصتين المطوقتين نلاقي داود كريما صفوحا بطريقة تفوق القوى البشرية تقريبا. يعبر عنه شاول على هذا المنوال : "اذا تمكن المرء من عدوه، فهل يطلق سبيله بخير ؟ جزاك يهوه خيرا لما صنعت اليوم معي" (20:24). ان داود – في احترامه لشاول مسيح يهوه الذي يقصد قتله في كل وقت – يدل على الطريق الى الموقف الذي سوف يطلبه يسوع ابن داود من تلاميذه : "اما انا فاقول لكم : احبوا اعدائكم وصلوا من اجل مضطهديكم" (متى 44:5). احيانا يسع الناس كذا موقف كريم صفوح. داود قد ثبت في الامتحان. انه متأهب لاتخاذ مهمته المشيحية كملك اسرائيل.

قراءة 4227 مرات آخر تعديل على الخميس, 24 كانون1/ديسمبر 2015 01:21

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *