مقالات عامة
الخميس, 17 كانون1/ديسمبر 2015 15:58

مسيرة استكشافية من خلال الكتاب المقدس من موسى الى داود /ج 14

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

14) داود وشاول ويوناثان

 

        في بدء 1صم 18 نقرأ رد فعل الملك شاول وابنه يوناثان على انتصار داود. نلاحظ الاختلاف بين الموقفين. شاول يريد أن يعلق داود بنفسه : "امسكه في ذلك اليوم (في خدمته) ولم يدعه يرجع الى بيت ابيه". اما يوناثان فـ "يقطع مع داود عهدا" : انه معجب بداود ويحبه. علامة لاعجابه يعطي داود هدايا : رداءه وسيفه وقوسه وحزامه. انها هدايا ذات معنى. يتنازل يوناثان عن اسلحته ويبين انه يقبل على داود معروضا مكشوفا بلا سلاح، ليس فحسب بل يعطيه رداءه ويمكننا ان نرى فيه رمزا الى الملوكية. اذ ان الرداء يشير الى منصب حامله (أنظر رداء ايليا في 1 مل 19 : 19) ويوناثان ابن شاول البكر هو ولي العهد !.

 

حسد شاول

        تعلمنا من قصص 1صم 13 و14 ان يوناثان مختلف جدا عن ابيه. شاول حريص على ذاته وهيبته وسلطته، فلا يرى في توفيق داود الا تهديدا. نشيد النساء : "قتل شاول الوفه وداود ربواته" يرن في اذنيه لعنة. يغضب جدا ويستاء : "جعل لداود ربوات، واما لي فجعل الوف، فلم يبق له الا الملوكية ! "
(18 : 7-8). شاول يحسد. شاول يخاف داود. ذات مرة، لما لم يتمكن من ان يتماسك بعد (تقول القصة : "اعترت شاول الروح الشريرة" 10) رمى برمحه الى داود العازف على الكنارة. تفادى داود، مرتين. ثم يطلب شاول طرقا اخرى ليتخلص من داود. يعينه رئيسا للجيش ويرسله الى الجبهة. يعرض على داود الامكانية ان يصبح صهر الملك اذا بين نفسه شجيعا في القتال. يفتكر شاول : "لا تكن يدي عليه، وانما تكون عليه يد الفلسطيين" (17:18). لكن لما بلغت ميراب ابنة شاول الكبرى عمر الزواج اعطيت لرجل اخر. ثم ميكال الابنة الثانية تولع بداود. مرة أخرى يحاول شاول استغلال الوضع. يطلب من داود مهرا قدره "مئة قلفة من الفلسطيين". ما كان الفلسطيون يمارسون الختان، خلافا لاسرائيل ومعظم الشعوب في المشرق القديم. فعلى داود اذن ان يقتل مئة فلسطي ويأتي بقلفهم كـ "فروة الرأس". بالطبع، شاول يأمل ان داود سوف يقع في ايدي العدو. ولكن داود يخرج مع رجاله ويقتل مئتي فلسطي ويأتي شاول بقلفهم. (المزح الخشن في هذه القصة يطلب من القارئ العصري قليلا من طيبة الخاطر). فلا يبقى لشاول الا ان يعطي ابنته ميكال زوجة لداود. ينظر شاول نظرة شزراء الى حب ميكال لداود والى نجاح داود "في كل ما يصنعه" (5:18 و14 و15 و30). الفعل المستعمل هنا هو "يسكيل" ومعناه يقارب "العمل بانتباه واحكام". لا يقصد الكاتب اذن ان داود "سوبرمان"، بل انه يحسن الاستفادة من طاقاته وقابلياته. وفوق ذلك يكثر القول ان "الله معنا" (12:18 و14 و28).

 

صداقة يوناثان ووفاؤه

        افتهم يوناثان ذلك من اول لحظة. خلافا لابيه لا يرى في فلاح داود تهديدا. يوناثان انسان يضع مركز ثقل حياته خارج نفسه فيستطيع ان يفرح دون اية صعوبة بالخير الذي يصيب غيره. منذ أول لقاء "بدأ يوناثان يحب داود حبه لنفسه" (1:18).

        عندما تعلم يوناثان ان اباه يريد قتل داود يخبره حالا بالأمر ويدبر له الفرار. ثم يدافع عن داود امام ابيه (1:19-5). في عصر وحضارة حيث كانت مشيئة الاب، ومشيئة الملك بالتأكيد ، قانوناً ، وحيث لم يكن من البديهي والمعقول ان الابن يجيب اباه معارضاً ، كان تصرف يوناثان شجيعاً للغاية . ولكنه يحصل على نتيجة : يحلف شاول بأن لا يقتل داود فيعود هذا يخدم الملك كالاول (6:19-7). اهتداء شاول قصير المدى. "كان شاول جالسا في بيته والرمح في يده، وكان داود يعزف بيده" (9)، ومرة أخرى يحاول ان يسمّر داود بالرمح في الحائط، ومرة أخرى ينفلت داود. يرسل شاول رسلا يقبضون على داود فلا ينجحون. اولا تخدعهم امرأة داود ميكال، ثم – بعدما هرب داود الى صموئيل في الرامة ويفتشه هناك رسل الملك، يقعون ثلاث مرات مسحورين منخطفين بروح النبوة في وسط الجماعة النبوية حول صموئيل. حدث عجيب مضحك. في آخر الامريذهب شاول شخصيا الى تلك الجماعة فهو ايضا ينخطف. فيقال ان هذه المناسبة انتجت المثل : "أشاور ايضا من الانبياء؟" (24:19).

        تزداد قصة الفصل 20 جدية واثارة حيث يتجلى كامل محمل الجد لعهد الصداقة بين يوناثان وداود. يقسم يوناثان بانه سوف يعمل كل ما في وسعه لينجي داود. فيأخذ على عاتقه الاخطار الممكنة من جهتي الطريق الضيق الصعب الذي يختاره : طريق الوفاء تجاه ابيه شاول ووفاءه تجاه صديقه داود. مما يؤثر ويبكي دفاع يوناثان عن ابيه في الاول. يقول لداود : "حاش ! انك لا تموت فهوذا ابي لا يصنع أمرا كبيرا ولا صغيرا ما لم يكاشفني به، فكيف يكتمني أبي هذا الامر ؟ ليس هناك شيء من هذا" (2:20). لكن داود يعرف أحسن. فيدبر الصديقان معا سيناريو كاملا. في العيد القادم للبدر يغيب داود بحجة ذهاب الى اهله في بيت لحم. اذا غضب شاول اتضح انه قرر هلاك داود، فسيعلم يوناثان داود بذلك عن طريق علامة متفق عليها بقوس وسهم. الاتفاق يتم في الحقل الفسيح. يقول الصديقان لبعضهما : "هلم نخرج الى الحقل" (11:20). في الحقل الفسيح لا يوجد شهود ولكنه حرفيا الكلام الذي كلم به قائن هابيل قبلما قتله (تك 8:4). لا ننسى ان يوناثان وداود ندان للملوكية. تتجلى من هذا المقطع كله الثقة الكبيرة التي لكل من الصديقين بالاخر.

ويشعر يوناثان انه يخاطر بحياته بمخالفته اباه : "وان بقيت حيا، فكن الي وفيا وفاء يهوه" (14:20).

        ويحصل ما كان داود يخشاه. ينفجر شاول على يوناثان مغضبا قائلا : "يا ابن الفاسدة المتمردة، الم اعلم انك قد تحزبت لابن يسى لخزيك وخزي عورة أمك ؟ لانه مادام ابن يسى حيا على الارض، فلا تثبت أنت ولا مملكتك. ارسل الان فاتني به، لانه يستوجب الموت." (30:20-31). يحاول يوناثان محاولة أخيرة : "لماذا يقتل ؟ ما الذي صنعه ؟". فيرمي شاول برمحه الى يوناثان ليقتله كما صنع بداود مرتين"
(32:20-33). يكفي ذلك ليوناثان. ينذر داود، فيودع الصديقان واحد الاخر. يهرب داود الى البرية ويعود يوناثان الى المدينة. لا يلتقيان من جديد، ولكنهما يبقيان مرتبطين في الصداقة والوفاء عبر الموت : "اذهب بسلام ! اننا قد حلفنا كلانا باسم يهوه وقلنا : ليكن يهوه بيني وبينك، وبين ذريتي وذريتك للابد" (42:20).

 

خيار يوناثان الصعب

        في خلفية هذه القصة "العلاقة المثلثة" بين شاول ويوناثان وداود. بين هؤلاء الاشخاص نوعان من العلاقات. من جهة واحدة الارتباط او "علاقة الواجب". ينشأ الارتباط من القرابة الدموية، او من علاقات خدمة. هكذا بين شاول ويوناثان، بين الاب وولي العهد، ارتباط شديد جدا، وهكذا بين الخادم داود وسيده شاول علاقة وظيفية. ومن جهة اخرى العهد، علاقة الصداقة الاختيارية بين يوناثان وداود. نوعا العلاقات هذان يمكن كل واحد منا ان يكشفهما في حياته الشخصية. مرارا ينشأ بين الاثنتين توتر او تضارب. ما من أحد يستطيع ان ينكر ارتباطاته بالناس حواليه دون ان يمزق شيئا في نفسه. ولكن الانسان بحاجة ايضا الى "علاقات عهد"، بحاجة الى اناس يحبهم خارج كل ارتباط ويقبلهم من صداقة او حب مؤثرين في مصير حياته.

        ليست الصداقة الناشئة بين يوناثان وداود أمرا بديهيا. كان الارتباط بين الاب والابن في المشرق القديم اشد من اليوم. كانت الحلقة الحامية من الاسرة والعشيرة ضرورية للحياة وما من احد استطاع ان يخاطر بها دون عواقب سيئة. في صداقة داود ويوناثان اخطار كبرى اذن. اذا كان داود يطمح فعلا الى الملوكية فكان من مصلحته ان يتخلص من ولي العهد ونسل شاول برمته. ولاول وهلة الحق لشاول عندما يدعو داود منافسا ليوناثان (31:20). نشعر بالمخاطرة على طول القصة. على الصديقين ان يأخذا مواعد سرية. اكثر من مرة يقسمان بالوفاء. يحلف يوناثان بان سوف لا يسلم داود ويحلف داود بانه يجوز له قتله ان خانه في شيء (8:20)، واخيرا يلعن شاول يوناثان من اجل هذه الصداقة ويهدده بالموت (30:20-33).

 

        يوناثان في كل القصة الممثل الرئيسي. هو واقف في نقطة تقاطع الارتباطات بابيه وعلاقة العهد مع داود. وكان شغلا صعبا على يوناثان ان يحترم كلا من العلاقتين. وانه لعجب انه ينجح في حفظ توازن الوفاء في شفرة السكين. هو أمام الخيار بين أبيه والملوكية من جهة وبين صداقة داود من جهة أخرى. اذا اختار لداود اختار بطريقة انجيلية دون ان يسقط اباه. يوناثان يظل امينا لابيه شاول ايضا. يظل يحاول الحوار مع ابيه. لا يفجر الجسور. ولما لا ينجح في المصالحة مع ابيه وداود، يحزن حزنا (34:20). اما كان اسهل ليوناثان لو هرب مع داود ويثور على الملك ؟ (انظر 1صم17:23). لكنه يعود الى شاول ويسقط اخيرا في القتال الى جنب ابيه (1صم31). يبقى يوناثان أمينا وفيا حتى النهاية.

 

مدرسة للصداقة

        ممكن أن نقرأ هذه الرواية درساً للصداقة الحقيقية. فيها نمو : من اعجاب وتبادل الهدايا عبر الثقة والوفاء الى المخاطرة بالنفس.

        الصداقة تفترض ثقة. يثق داود بابن عدوه (1:20). اشرنا الى المخاطرات التي يعرض الصديقان نفسيهما لها وهي علامة واضحة الى ثقتهما المتبادلة. مثلا مخاطرة الذهاب معا الى الحقل الفسيح. يفعل داود ما يسأله يوناثان. اكبر بيان انه يؤمن بان يوناثان لن يكون قاتل الاخ. يوناثان انسان يريد هو – خلافا لقاين – ان يكون حارسا لاخيه. كذلك موعد اللعبة مع القوس والسهم (تذكر بنوع من وحي الهي بواسطة السهم). السهم وهو سلاح مميت يصبح علامة لانقاذ الاخ.

 

        في هذه الثقة ينمو الوفاء الذي يتجلى فقط بكامله في الوداع. لم يعد الصديقان يريان بعضهما قط بعدئذ (1صم16:23-18 يتأتى من تقليد آخر). لكن الوفاء الحقيقي ينمو حتى عبر الموت. تفعل الصداقة مفعولها الى نسل يوناثان. بعدما صار داود ملكا يحيط ابن يوناثان سقيم الرجلين بحب واحترام "من اجل يوناثان" صديقه (أنظر 2صم1:9-7).

 

        لا تبلغ الصداقة اشدها الا اذا قدرت على اطلاق السراح ولا تجعل الوداع امرا مستحيلا. في علاقة رحيبة لا يقبض واحد الثاني ابدا. الفرح الكبير من اجل الكون معا لا يفوق ابدا الدعوة الشخصية لكل من الشريكين. الصداقة الحقيقية تتحمل وجع الوداع، لان الواحد يعرف الاخر قريبا في عهد باسم يهوه. الله نفسه ينتمي الى الصداقة والوفاء : يهوه هو اله العهد. يلاحظ ان القصة التي قليلة التدين انما تذكر اسم الله في عهد الصداقة (8:20 و13-14 و22-23 و42). الله نفسه شاهد وضمان : لان الله وفي، الناس قادرون على الوعد بالوفاء. اذا كان الله اساس العلاقة قدرت العلاقة ان تكون أعمق. يجب ان يصنع اسم الله بايد بشرية. الله حاضر في ما يفعل الناس.

قراءة 10193 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *