مقالات عامة
الخميس, 10 كانون1/ديسمبر 2015 15:34

مسيرة استكشافية من خلال الكتاب المقدس من موسى الى داود /ج 13

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)

الأب كوب

13) داود : رجل على حسب قلب الله

        نبذ يهوه شاول كملك. فيمثل داود على مسرح الاحداث. مرة أخرى يحدث هذا المثول "ثلاثا". نقرأ 1صم 16-17.

التعلم ان يبصر بعيني الله (1صم 16 : 1-13).

        خابت أمال صموئيل في شاول، ولكنه لم يحفظ له حفيظة. عكس ذلك. يتألم هو من وراء اخفاق ملوكية شاول : هو حزين. "ظل صموئيل يحزن على شاول، لان يهوه ندم على انه ملك شاول على اسرائيل" (1صم 15 : 35). حزن صموئيل هذا عاطفة شريفة، لكن لا يجوز ان تطول فوق الحد. يساله يهوه : "الى متى تحزن على شاول؟" (16 : 1). لا يجوز لصموئيل ان يظل قانطا. لم يكن اختياره ناجحا. لكن لا يعني ذلك ان الطريق مسدود ولا يمكن مستقبل جديد. دعي صموئيل طفلا صغيرا في شيلو. لكن الدعوة ليست شأن آن واحد، انها تدوم طول الحياة. فيدعى صموئيل من جديد. القصة التالية قصة دعوة كلاسيكية.

        اولا ينال صموئيل أمرا من يهوه : عليه ان يملأ قرنا زيتا ويذهب الى بيت لحم يدهن ابنا من ابناء يسى ملكا. يعارض صموئيل كلام يهوه كما عارض موسى وجدعون وارميا لدى دعوتهم : "كيف أذهب ؟ ان سمع شاول، يقتلني" (2). مسح ملك جديد في حين شاول جالس بعد على العرش هو فعل ثوري يعرض حياته للخطر. لكن يهوه يلح. على صموئيل ان يذهب الى بيت لحم نبيا كاهنا يقرب قربانا. يهوه يكون معه فيعطيه آية. "أنا اعلمك ماذا تصنع، وامسح لي الذي اسميه لك" (3). يطيع صموئيل. يذهب الى بيت لحم. مجيئه تعمل ضجة : اذا جاء نبي زيارة، فلابد ان له هدفا !! يهدئ صموئيل الشعب ويدعو يسئ الى الذبيحة مع ابنائه. الابن الكبير، الياب، قامته كقامة شاول، هو في الحال رجل على حسب قلب صموئيل : "لا شك ان امام يهوه مسيحه" (6). لكن يسمع صموئيل صوت يهوه في قلبه : "لا تراع منظره كما ينظر الانسان، فان الانسان انما ينظر الى الظواهر ، واما يهوه فانه ينظر الى القلب (7) .

        ما كان صموئيل يظنه علامة لصالح الملوكية يبدو انه علامة ضدها . اما كان شاول ايضاً رجلاً "يزيد طولاً على الجميع من كتفه وما فوق " ؟ (انظر 1صم 9 : 2 /10 : 23 ). اولم يخفق الامر لان شاول اراد بكل ثمن ان يبقى هو الاكبر والاقوى ؟ كلا يا صموئيل ، لا تخطأ مرة ثانية . عليه ان يتعلم ان ينظر بعيني الله. "يهوه ينظر الى القلب" (7). النبي هو واحد ينظر الى اعمق ويبصر اكثر مما يرى على السطح فقط. ولا يخدع باعتبارات بشرية الامتياز والمرتبة والاصل. يقدم يسى سبعة من ابنائه لصموئيل. يرفض صموئيل سبعتهم. لا شك ان الرقم سبعة رقم رمزي، لان ما عدا داود لا يذكر من ابناء يسى الا ثلاثة اسميا (6-9/انظر كذلك 1صم 17 : 13-14). "سبعة" يعبر عن الملء والتمام. فيحصل الانطباع ان لا ابن آخر ليسئ. يبدو كأن جميع الامكانيات نفذت. ولكن صموئيل لا يقطع الامل : عند الله ما من مستحيل. يسأل يسى : "ا هؤلاء جميع الفتيان؟" – فيباغتنا ابن ثامن : داود، الاصغر، وهو يرعى الغنم. "كان أصهب، جميل العينين، وسيم المنظر" (11-12). الا صموئيل عارف : هو هو. فيمسحه في وسط اخوته. فانقض الروح عليه.

        من سائر القصة لا يتبين ابدا ان هذه المسحة لداود "في وسط اخوته" حدثت فعلا. اخوته لا يعلمون شيئا (1صم 17 : 28). بعد ذلك بمدة طويلة فقط يمسح داود ملكا على يهوذا اولا ثم على جميع اسرائيل (2صم 2 : 4 و5 : 3). هذه القصة الاولى عن داود ليست قصة تاريخية بل قصة لاهوتية. تعبر عن الاعتقاد بان يهوه اختار داود "مشيحا" (مدهونا) لاسرائيل منذ البدء. تبين ان يهوه يستخدم مقاييس غير اعتيادية في اختياره. لا يختار الكبير ولا الاطول ولا الاقوى، انما يختار الاصغر. يختار من لم يحصى بعد – أين هو؟ آه، يرعى الغنم . يهوه رأى فيه الملك الحقيقي. على صموئيل، النبي، ان يتعلم النظر بعيني الله، وقراء القصة أيضا يدعون الى أن ينظروا الى الناس والعالم هذه النظرة. الاية 7 هي جملة مفتاح، للقصص التالية أيضا : "يهوه لا ينظر الى كما ينظر الانسان، فان الانسان انما ينظر الى الظاهر، واما يهوه فانه ينظر الى القلب".

العازف على الكنارة (1صم 16 : 14-23)

        انفضّ روح يهوه على داود وانصرف الروح عينه عن شاول. أسوا من ذلك : تعذبه "روح شريرة""ارسلها يهوه(14). كيف نفهم هذه الجماة ؟ هل يرسل يهوه أرواحا شريرة الى الناس فعلا ؟

        لابد ان الاساس التاريخي هو في ان شاول اصبح رجلا يميل الى الانقباض يصاب بحالات كآبة. وقد رأينا في الفصول السابقة ان الملك توحش أكثر فاكثر وسوف نسمع عنه اشياء اخرى في ما يلي. كذا ظواهر نفسانية نسبت في القدم بطبيعة الحال الى أرواح شريرة. ان الروح الشريرة ارسلها يهوه، يمكن فهمه بطرق مختلفة. ممكن انه أثر باق من اعتقاد بدائي ان الله يقدر ان يقاصص انسانا هكذا. ممكن انه قول لاهوتي يقول ان كل ما يحدث، ما هو سلبي ايضا، له مكان في خطة الله. ارادوا بهذه الطريقة ان يبعدوا كل نوع من الثنائية : لا شيء يحدث خارج ارادة الله. هكذا نقرأ في قصة الخروج ان يهوه "قسى قلب فرعون" (مثلا خر4 : 21/ 14 :4) لكن هذه التفسيرات لا ترضينا ارضاءا تاما. لان الكتاب المقدس نفسه يتباعد عن التعبير : مثلا في 2صم 24 : 1 نقرأ ان يهوه حرض داود على بني اسرائيل، اما 1 أخ 21 : 1 (أحدث) فيقول ان الشيطان فعل ذلك. فمن الممكن ان العبارة "أرسل يهوه الى شاول روحا شريرة" لها معنى أعمق. تقول ايضا شيئا عن صورة الله الخاصة لشاول. في الفصول السابقة قرأنا ان شاول أساء استعمال ما هو ديني بل الله نفسه وسيلة للتسلط. بذلك قطع شاول بالواقع علاقته بيهوه. صار يهوه عنده "موضوعا" يحاول التصرف فيه. اذا لم يعد يكون لانسان ما علاقة صحيحة بالله، فجائز جدا ان "الله ينتهي عنده وهما مخيفا، "شبحا مفزعا"، روحا شريرة".

        على كل حال، تشفق عليه حاشيته. يفتشون عن عازف يفرح الملك. فيجدون داود وهو شاب موهوب : "ابنا ليسى من بيت لحم، يحسن العزف، وهو ذو بأس ومحارب باسل، فصيح الكلام، حسن المنظر، ويهوه معه" (18). فيدخل داود في خدمة شاول عازفا على الكنارة وحاملا لسلاح الملك ايضا. فمتى ما ازعجت الروح شاول عزف داود الكنارة. فيهدأ الملك وتنصرف الروح عنه. يترجح ان لهذه القصة، خلافا للقصة السابقة، اساسا تاريخيا.

انتصار دون استخدام السيف (1صم 17)

        قصة "داود وجليات" المعروفة. فلنصنع اولا تحليلا ادبيا مختصرا عن القصة. النص مؤلف من قصتين : قصة أ وقصة ب.

        قصة أ نجدها في 1-11 و32-54. انها تفترض القصة السابقة في 1صم 16. داود معروف وهو في خدمة شاول. القصة مبنية بناءً متماثلا. الجيشان الفلسطي والاسرائيلي مصتفان واحدا بازاء الثاني من جهتي واد (1-3). ثم القصة مبنية بناءً متراكزا:

        A يتقدم جليات (4)

                B وصف جهاز جليات (5-7)

                        C تحدي جليات (8-11)

                        C’ جواب داود (32-37)

                B’ وصف جهاز داود (38-40أ)

        A’ يتقدم داود (40ب)

ثم يقدم للمبارزة بحصر المعنى جدال بين جليات وداود. في كل من الخطابين ثلاثة عناصر متجاوبة :

A يسخر جليات من جهاز داود (43أ)         A’ يشير داود الى سلاحه الحقيقي : ثقته بالله (45)

B يلعن جليات داود بالهته (43ب)             B’ يؤكد داود ثقته بيهوه (46أ)

C يهدد جليات داود (44)                     C’ يجيب داود على تهديد جليات (46ب)

نهاية جواب داود لا يتوازى معه شيء في تحدي جليات. قمة خطاب داود تعطي القصة منعطفا لاهوتيا : "حتى تعلم الارض كلها ان لاسرائيل الها. وتعلم هذه الجماعة كلها ان ليس بالسيف والرمح يخلص يهوه. لان ليهوه القتال وهو يسلمكم الى ايدينا" (46جـ-47) المبارزة نفسها توصف باختصار دون اهتمام كثير 
(48-51أ). واخيرا يذكر ان الاسرائيليين ينتصرون على الفلسطيين وان داود يأخذ معه رأس جليات واسلحته (51ب-54) ذكر اورشليم في غير زمانه الصحيح : داود سوف يفتح المدينة وهو ملك فيما بعد.

        قصة ب" نجدها في 12 – 31 و55 – 58 وتنتهي في 18 : 2. في هذه القصة داود شاب غير معروف فلا تفترض القصص السابقة معروفة. عكس ذلك. هذه القصة تقول بطريقة مختلفة عن 1صم16 كيف دخل داود في خدمة شاول. المنسقون حاولوا ان يوحدوا القصة مع ما سبق. الايات 15 و16 و23ب محاولات تنسيق لاحق. تبتدئ قصةب بتقديم داود واهله. يرسله ابوه الى الجبهة حاملا زادا الى اخوته الثلاثة الذين أكبر منه. عند وصوله يتقدم جليات. تتخذ القصة ملامح الخرافة. من ضرب العملاق نال ثلاث مكافآت من الملك : غنى ويد الاميرة والحرية (25). اسئلة داود وجرأته واهتمامه تزعج اخوته : يغضب الياب (26-30) لم تحفظ في هذه القصة المبارزة نفسها. نسمع النتيجة فقط : يستعلم شاول من هذا الشاب الشجيع فيتخذه في خدمته (55 – 58 / 18 : 2) من الملاحظ اننا لا نجد قصة ب في السبعينية، وهي الترجمة اليونانية القديمة للكتاب المقدس. نقرأ فيها قصة أ فقط خطأ متواصلا. مرجح ان المترجم كان يشتغل على نص عبري لم يولج فيه نص قصة ب.

الى هنا التحليل الادبي النقدي. الان نلفت النظر الى معنى القصة كوحدة واحدة.

1)  يتقابل جيشان قويان يتحدى بعضهما بعضا. المقصود هو ان يجعلوا الطرف الاخر عبيدا (9). شاول والاسرائيليون يموتون من الخوف. تدوم هذه الحالة "أربعين يوما" (16) : حالة ميئوسة مشلة.

2)  تفاجئ النجاة من زاوية غير متوقعة : داود. ما من احد كان ينتظر منه شيئا : داود؟ هو مع الغنم (28). لكن داود يتجاسر على النظر المنتقد الى الوضع (26 و30). لا يفقد صوابه لسبب هوى جليات المنفوخ للتسلط. كأن بصر داود ينفذ درعه : "من عسى ان يكون هذا الفلسطي الاقلف حتى يعير صفوف الله الحي؟" (26). بنفس الوقت يذكر بني اسرائيل بدعوتهم : اليسوا صفوف الله الحي ؟! ينظر داود نظرة الله : ليس الى الظاهر، بل الى القلب (16 : 7 !) يفضح داود غرور الفلسطي بنفسه، "جليات" رمز جميع السلطات التي يجثو امامها البشر. انه يحرر اسرائيل من الفزع المشِلّ ويدلهم على طريق جديد.

3)  هناك مقطع ذو معنى عميق هو المقطع الذي يريد فيه شاول ان يلبس داود درعه هو. ولكن داود لا يطيق التحرك في هذه العدة الغريبة عليه : يفضل ان يتقدم راعيا كما هو (38-40). يريد شاول ان يفرض رأيه وتفكيره واسلوبه على داود : عنفا وبطشاً مقابل عنف وبطش !! يريد ان يصنع من داود جليات ثانيا. لكن داود يختار طريقا آخر. بخمسة حجارة ملس من الوادي ومقلاعه – امكانياته المتواضعة – وبثقة كبيرة بالله يسقط العملاق.

4)  يلح في ان "لم يكن في يد داود سيف" (50) ولكن المقلاع والحجارة ايضا ليست السلاح الحقيقي الذي يسقط به العملاق. السلاح الحقيقي هو شجاعته واقتناعه بأن يهوه لا يمكن ان يكون سوى اله اناس احرار، اعتقاده بان لا يجوز للانسان ان يخضع لملوك متكبرين، لاسلحة ولعمالقة. يشير داود بذلك الى خبرته الشخصية، وخاصة الى يهوه (انظر 34-37 و45-47).

يهوه هو المنتصر. لا يهدف داود الى جني مجد شخصي، بل الى اعلان "ان لاسرائيل الها" وان "ليس بالسيف والرمح يخلص يهوه" (46-47). قصة داود وجليات تبدو لاول وهلة كانها قصة حربية مليئة عنفا. في الحقيقة هي قصة احتجاج واستنكار ضد الحرب وضد العنف.

داود، ملك على حسب قلب الله

        قدم الينا داود الشاب في ثلاث قصص. يظهر مرشحا مثاليا للملوكية المشيحية. حتى الان يجاوب تماما نموذج تث 17 : 14-20. أخذ "من وسط اخوته". لا يحسب نفسه متساميا عليهم. كان اصغرهم لا يفتكر فيه أحد ولا يعتبره. اختاره يهوه ومسحه النبي. لا يطمح الى السلطة. "لم يكن في يده سيف". يتصرف وفقا للتوراة متوكلا على يهوه. يظهر نفسه رجل تحرير، في المكان الاول لشاول – اعتناؤه الاول يخص الملك المنبوذ – بل رجل تحرير لكل اسرائيل ايضا. يمكن هذا الراعي الصالح للغنم ان يصبح راعيا صالحا لشعبه. لكن الامتحان الكبير لم يحدث بعد : الصراع مع الملك شاول. هذا موضوع الفصل الاتي.

قراءة 11780 مرات آخر تعديل على الخميس, 10 كانون1/ديسمبر 2015 16:27

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *