مقالات عامة
الأحد, 29 تشرين2/نوفمبر 2015 08:13

مسيرة استكشافية من خلال الكتاب المقدس من موسى الى داود /ج 12

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
الاب كوب
 
12) شاول : ملك منبوذ
بعد قصص 1صم9-11 التي يظهر فيها شاول ملكا مشيحيا حقيقيا تلي ثلاث قصص أخرى يضل فيها شاول السبيل الصحيح. ياخذ يتصرف اكثر فاكثر ملكا عنيدا متشبثا برايه معتنيا بسلطته وهيبته فقط. فيفعل افعالا حمقاء ويفقد الملوكية بالاخير. يعلمه صموئيل ان يهوه قد نبذه ويطلب ملكا جديدا، رجلا حسب قلبه. فلنقرا 1صم13-15.

 

شاول يقرب قربانا (1صم13)

عرفنا ان الفلسطيين كانوا في ايام شاول اكبر تهديد على اسرائيل. فلهذا السبب (ولغيره من الاسباب) كان لابد من اقامة الملوكية في اسرائيل لكي يستطيعوا ان يقاوموا هذا العدو المخيف. احد الاشياء الاولى التي يقوم بها شاول هو تشكيل جيش : ثلاثة الاف من الرجال المتميزين، ثلث منهم تحت قيادة ابنه يوناثان. هذه مرة اولى يذكر يوناثان في قصة الكتاب المقدس، وحالا يذكر منه عمل بطولي : "فضرب يوناثان عميد (ترجمات اخرى : حامية) الفلسطيين في جبع" (3). الكلمة العبرية المترجمة هنا "عميد" تعني على الارجح ما يقارب نصبا انتصاريا او تذكاريا. يقوم يوناثان اذن بفعل استفزازي للغاية. من الملاحظ ان شاول يحاول ان يستملك المفخرة لنفسه، اذ "نفخ شال في البوق في الارض كلها وقال : … ان شاول ضرب الحامية الفلسطية" (3-4).

الثلاثة الاف رجل من اسرائيل لا يوازنون تفوق الفلسطيين : ثلاثون الف مركبة وست الاف من الفرسان ومشاة لا يحصون. يوناثان وحده لا يخاف. فبنو اسرائيل اما خباوا انفسهم واما فروا هاربين. فيما بعد في القصة يبدو ان الباقين مع شاول ست مئة رجل فقط (15) فيفتش شاول عن واسطة ليتغلب على خوفه وينال حظوة الشعب. بعد انتظار سبعة ايام (تلميح الى موعد وضعه معه صموئيل فيما قبل : انظر 1 صم (10: 8) ، يقرب محرقة في مقدس الجلجال . بالكاد انتهى من القربان فمثل صموئيل على المسرح. يحاول شاول ان يبرر نفسه، لكنه لا يخبئ الباعث الحقيقي : "رأيت الشعب يتفرق عني … الان ينزل الفلسطيون علي الى الجلجال، ولم استرض وجه يهوه، فاكرهت نفسي واصعدت المحرقة" (11-12). رد فعل صموئيل صارم : "انك بحماقة فعلت … فلا يثبت ملكك، لان يهوه قد اختار له رجلا على حسب قلبه" (13-14).

 

لم تكن غلطة شاول انه قام كاهنا. انما غلطته هي انه يحاول ان يدير الله على كيفه ويستخدم ما هو ديني كوسيلة سلطة ليربط به الشعب. قد نرتأي ان حكم صموئيل على شاول اقسى من اللازم. اذ انه فعل ما في وسعه فقط ليصمد في وجه الفلسطيين. الا ان معنى هذه القصة الكتابية نجده في صعيد آخر. السؤال الحاسم هو هل يضع شاول، من حيث هو الملك المشيحي، ثقته اولا في يهوه ؟ هذه القصة تذكرنا بقصة جدعون في قض7 . حينذاك ايضاً كان بنو اسرائيل يقفون امام اغلبية ساحقة من مئة الف وعشرين الف رجل مديني. فنجح جدعون في ضربهم بزمرة قدرها ثلاثمئة رجل، بفضل حيلة، ولكن خصوصا بفضل ثقته الكبيرة بيهوه. فشاول لا يتجاسر ان يكون جدعون ثانيا. لا يصدق ان يهوه قادر على ان ينقذ بقوة ضئيلة ايضا. اما يوناثان فله هذه الثقة : يشهد له الفعل الباسل في بدء القصة. هذا الفعل بدوره يذكرنا بجدعون الذي دمر مذبح البعل والنصب الذي بجانبه (أنظر 6 : 25-32).

 

قسم الملك شاول السخيفة (1صم14)
القصة الثانية يلعب فيها يوناثان دور الاسد. اوضح من ذي قبل بعد يوصف يوناثان هنا جدعون ثانيا، في كلامه – " لا يعسر على يهوه ان يخلص بالعدد الكثير او القليل " (6) – وفي اعماله. كمثل جدعون يطلب من يهوه آية (قارن بين 9-10 وبين قض 6 : 36-40) ثم يزرع الرعب والذعر في معسكر الفلسطيين، هو وحامل سلاحه وحدهما. باضطراب تام يضرب الفلسطيون بعضهم بعضا فيصبحون لقمة سائغة لبني اسرائيل. لكن الراوي لا يترك أي شك في من ينسب اليه الانتصار : "هكذا خلص يهوه اسرائيل في ذلك اليوم" (23).

اما شاول فيريد ان يتباهى. في غروره يلزم الشعب بقسم سخيفة : "ملعون الرجل الذي يذوق طعاما الى المساء، حتى انتقم من اعدائي" (24). نلاحظ في كلام شاول بنوع خاص : "انا" و"اعدائي" شاول بعيد هنا من ان يكون ملكا مشيحيا ينفذ نضال يهوه التحريري انما يقوم بحربه الشخصية. مرة اخرى يسيء استعمال موضوع ديني – في القصة السابقة محرقة، والان قسم – تمجيدا لنفسه. العواقب لم تلبث ان تظهر : سوف تهجره روح يهوه، وعندما يستشير يهوه بعد قليل، بواسطة الكهنة، فلا ينال جوابا (37).

 

لا علم ليوناثان بيمين ابيه، ففي الطريق في الغابة ذاق قليلا من العسل. ولما يبدو في المساء ان الاتصال بين شاول ويهوه قد انقطع، يفتش شاول عن المذنب. "حي يهوه مخلص اسرائيل، ولو كانت في يوناثان ابني، ليموتن موتا" (39) الشعب باجمعه عارف بالحقيقة، لكن لا احد يحكي كلمة. تدل القرعة على يوناثان مذنبا، وحينئذ ايضا يلتزم شاول بيمينه السخيفة. ولكن الشعب يتحرك الان. يشعرون تلقائيا ان ما يصنعه شاول ليس برا وليس بمقتضى مشيئة الله.


ينقذ الشعب يوناثان من يد ابيه : "حي يهوه، انه لا تسقط شعرة من راسه على الارض، لانه عمل مع الله في هذا اليوم" (45). يتوحد شاول اكثر فاكثر. علاقته بيهوه وعلاقته بالشعب معا تمرضتا.

ينبذ شاول (1صم15)


القصة الثالثة لا تتكلم عن الفلسطيين بل عن عماليق. ينال شاول الامر عن يد صموئيل ليضرب عماليق "وينفذ فيهم التحريم". لقد اسهبنا عن التحريم في فصل سابق (ص23) انه عملية من عمليات " الحرب المقدسة " التي فيها كل مبادرة ليهوه المناضل في سبيل البر، وفيها لا يجوز لاسرائيل ان ينتفع من شيء. كان صموئيل يريد ان يعطي شاول آخر فرصة ليظهر نفسه ملكا مشيحيا حقيقيا، ملكا يناضل نضال الله ولا يحارب حروبه الشخصية.

ولكن شاول لا ينتهز هذه الفرصة. يحارب حربه الشخصية. يضرب عماليق لكنه أبقى على آغاغ ملكهم. لا ينفذ التحريم بالتمام، ويحظ قسما من الغنائم لنفسه : "خيار الغنم والبقر وكل سمين والحملان وكل ما كان جيدا" (9). وفوق ذلك نصب شاول لنفسه نصبا (12).

 

يعلم يهوه صموئيل بان شاول لم ينفذ أوامره : "اني قد ندمت على اقامتي شاول ملكا" (11). يحزن صموئيل جدا على ذلك فيصرخ الى يهوه طول الليل. ثم يذهب الى شاول الذي يخاطبه مرائيا : "عليك بركة يهوه. اني قد عملت بامر يهوه" (13) فيسأل صموئيل : "فما هذا الصوت، صوت الغنم الذي في اذني، وصوت البقر الذي أنا سامعه؟" (14). فيبلغ رياء شاول منتهاه الان : "الشعب قد ابقوا على خيار الغنم والبقر، ليذبحوا ليهوه الهك" (15) حتى ثلاث مرات ينسب شاول الذنب الى الشعب والى يهوه الذي يسميه "اله صموئيل" (انظر 15 و21 و24 و30).

ولكن صموئيل لا يخدع. انه يلفظ حكما حاسما نلاقيه بكل انغامه لدى الانبياء ولدى يسوع بالذات : "أترى يهوه يهوى المحرقات والذبائح، كما يهوى الطاعة لكلام يهوه؟ ان الطاعة خير من الذبيحة" (22، قارن بـ هو6:6/عا 5 : 21-25/اش 1: 10-17/ار 7: 21-23/متى9: 13/12 : 7). ثم يجلى بفعل رمزي ان شاول ينبذ من الملوكية، عندما يلتفت صموئيل لينصؤف يمسكه بطرف ردائه "فانتزع". صموئيل يفسر : "اليوم انتزع يهوه مملكة اسرائيل عنك وسلمها الى قريبك الذي خير منك" (28). انه آخر لقاء بين شاول وصموئيل (35). القطيعة كاملة تامة.

تنتهي القصة بمشهد عنف وحشي. يأمر صموئيل بأن يؤتى بآغاغ ملك عماليق اليه. يتوهم آغاغ انه سيعفى عنه، ولكنه غلطان. " قطع صموئيل آغاغ تقطيعا أمام يهوه في الجلجال" (33).
لابد من ان ينفذ التحريم بكامله، يجب اجتثاث عماليق. فلكي تفهم هذه القصة بالتمام ونهايتها بالذات نحتاج الى كلمة أخرى من الشرح.

 

عماليق
كان عماليق قبيلة بدوية في برية سيناء تقاتل معهم اسرائيل اكثر من مرة : أنظر، ما عدا قصتنا، خر 17، 1صم 30. لهذه القصص خلفية تاريخية ولكنها من حيث هي قصص كتابية اكتسبت معنى جديدا رمزيا. يوضح ذلك نص من سفر تثنية الاشتراع : " اذكر ما صنع بك عماليق في الطريق، عند خروجكم من مصر، كيف لقيك في الطريق وقطع عنك جميع المتخلفين الذين وراءك، وانت تعب مرهق، ولم يخف الله. فاذا اراحك يهوه الهك من جميع اعدائك الذين حواليك في الارض التي يعطيك يهوه الهك اياها ميراثا لترثها، فامح ذكر عماليق من تحت السماء. لا تنس" (تث 25: 17-19).
خلال الخروج من مصر – رواية الكتاب المقدس الكبرى للتحرير – هاجم عماليق مؤخرة اسرائيل في ظهرها، حيث كان النسوان والاطفال متلكئين تعبين مرهقين. اختار عماليق اذن أوهن الضعفاء ليرفسوه غدرا. لذلك عماليق في نظر اسرائيل أحقر عدو واخسه واخبثه ممكن تصوره. اضحى "عماليق" اسما آخر لاعلى درجة من الظلم. حيثما وقع الاكثر في المجتمع ضعفا ووهنا وعراء ضحية، رفع "عماليق" راسه من جديد. يجب أن يجتث هذا الشر بلا رحمة.

 

والان نفهم أحسن لماذا يحكم في تصرف شاول حكما كذا سلبيا في 1صم15. اذا أمر شاول بان يجتث كل عماليق، فلا يعني ذلك ان عليه ان يلاشي شعبا كاملا هكذا. لكنه يعني ان عليه ان يقطع كل صلة باية سلطة تضعف الضعفاء اكثر بعد. واذا لم يفعل شاول ذلك بل يبقي على الملك وعلى خير الغنم والبقر، فيعني ذلك في الحقيقة انه يبقي أصل الشر وجذره بل وانه ويتحالف مع الشر، خصوصا عندما يغتني هو من ورائه. يظن الملك شاول انه يقدر ان يتفق مع الملك آغاغ اتفاقا. هكذا بالضبط يصبح "ملكا كمثل ملوك سائر الامم" (انظر 1صم 8 : 5!) متسلطا يقرر هو في أمر الحياة والموت، كذا ملوكية لا حق لها في الوجود في الكتاب المقدس. لذلك ينبذ شاول الملك.

 

شاول شخصية مأساوية ؟
في التعاليق على النصوص الكتابية يكثر وصف شاول شخصية مأساوية. يقولون انه تصرف دائما باحسن النيات، ولكنه وقع ضحية للقدر والقضاء. فيشيرون الى القصص التي عالجناها في هذا الفصل بيانا لذلك.


اجل من الممكن ان تقرأ القصص هذه القراءة، ولكنني اشك في ان القصص تأخذ حقها بهذه الطريقة، ما يهم هذه القصص ليس السؤال عن الوجه المأساوي لبعض الافراد، لكن السؤال هل كانت الملوكية لاسرائيل أمرا نافعا ايجابيا ؟ ليس من السهل ان يكون احد ملكا مشيحياً على حسب قلب يهوه. اذا صار الملك لا يعود يخدم شأن البر بل يخدم شأن مجده هو وشأن سلطته وهيبته. تحيد الامور عن الطريق الصالح. وفوق ذلك توضع امام قارئ هذه القصص مرآة. اذ ان التجربة التي يستسلم لها شاول تحدث لكل انسان دعي الى مسؤولية بطريقة او باخرى. بكلمة أخرى : هذه القصص قصصنا نحن جميعا.
بالطبع، يمكن السوال هل يوصف شاول التاريخي وصفا منصفا في هذه القصص ؟ لا يوجد أي شك في ان مؤرخا معاصرا يحكم في شاول حكما اكثر مدققا. ولكننا قد قلناه أكثر من مرة:
هذه القصص ليست تقارير تاريخية، بل هي قصص ايمانية. زد على ذلك ان شاول وداود يوصفان في 1و2صم مضادة شديدة "أسود – أبيض" يوضح الخيار الذي يجد نفسه امامه ذاك الذي يدعى الى الملوكية المشيحية. من ناحية أخرى لا نهمل ان هناك جهات ايجابية ايضا تنسب الى شاول منها القصص في 1صم 9-11 وكذلك الملاحظات الاخبارية في 1صم 14 : 47-52 التي قد تأتي من مصدر خاص تساعد في تكوين صورة تاريخية اضبط عن شاول.

 

فيما بعد سيسقط شاول مع ابنه يوناثان في الحرب ضد الفلسطيين (1صم 31). هذه القصة تروى تنفيذ الدينونة، الا انها لا تعوزها الرحمة. يندب شاول. ويرثو داود له وليوناثان رثاء يبكي (2صم 1). اجل نبذ شاول كملك. ولكن افعال التحرير التي انجزها ترفعه فوق نبذه. لا ينهار انهيارا بلا ترك اسم. "شاول" اسم يحب بنو اسرائيل ان يدعوا به اولادهم، كمثل اسم داود تماما. ذاك الذي نسمع عنه لاول مرة في القصة التالية.

قراءة 16774 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *