مقالات عامة
الأحد, 22 تشرين2/نوفمبر 2015 11:00

مسيرة استكشافية من خلال الكتاب المقدس من موسى الى داود /ج 11

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الاب كوب

 

11) اعطنا ملكاً


في 1صم (سبعة) رسمت لنا عن صموئيل صورة يبدو فيها قائداً مثالياً دينياً لإسرائيل. في بداية 1صم 8 نسمع صوتاً مختلفاً أقل مؤاتياً. "لما شاخ صموئيل أقام ابنيه قاضيين لإسرائيل…, ولم يسر ابناه في سبله، ولكنهما مالا إلى الكسب وقبلا الرشوة وحرفا الحق" (1:8و3). كأن التاريخ يتكرر: كما حدث مع ابني عالي (1صم2) نرى الآن ابني صموئيل يحيدان عن الطريق المستقيم. في الكتاب المقدس حتى الأشخاص الأكثر وفاءاً وتماميةً يبقون ناساً بشريين معرضين للشر وللتجربة. ولا يجوز لأحد أن يعد نفسه متسامياً عن ذلك . يكتب بولس: "فليحذر السقوط من توهم أنه قائم" (1قور12:10). أنه غريب أن صموئيل يعين ابنيه قاضيين. لم يكن منصب القاضي وراثياً. إنها بداية سلالة مع كل التعقدات والمعضلات الملتصقة بها. قد أنذر جدعون: "لا أنا أتسلط عليكم ولا ابني يتسلط عليكم، بل يهوه هو يتسلط عليكم" (قض23:8).

ولكن الوضع الراهن يدفع شيوخ إسرائيل إلى أن يطلبوا نظاماً حكومياُ جديداً. إنك قد شخت، وابناك لا يسيران في سبلك. فأقم الآن علينا ملكاً يقضي بيننا كسائر الأمم" (5:8). كانت الحاجة القصوى آنذاك إلى تنظيم متين وحكم مركزي لكي يتمكن إسرائيل من البقاء. كان عصر القضاة متسماً بعدم الاستقرار السياسي (أنظر قض6:17و25:21) وبتهديد من قبل الشعوب المجاورة. فمن ثم المشاعر المختلطة بخصوص الملوكية في سفر صموئيل الأول: في الحقيقة لا يجوز ملك في إسرائيل لأن يهوه وحده الملك، ومع ذلك كان لابد من أن يأتي ملك. الفصلان 8و12 يعبران عن النقد النبوي للمؤلفين الديوتروسيين. أما القصص القديمة من الفصول 9-11 فتتخذ موقفا ودياً من الملوكية.

رجل جبار
الأسباب التي يريد بنو إسرائيل ملكاً من أجلها مشكوك فيها. "ونكون نحن كسائر الأمم، فيقضي لنا ملكناً، ويخرج أمامنا ويحارب حروبنا" (20:8). يبتغي إسرائيل أن يكون مثل جميع الشعوب الأخرى، فينسى رسالته المتميزة. في أوقات أزمة يريد الشعب رجلاً قوياً يدبر الأمور ويحل المشاكل. يقول بنوا إسرائيل: عليه أن "يحارب حروبنا"-ليست "حروب يهوه"، وهو فارق جوهري.

فيحذر صموئيل الشعب تحذيراً جدياً، بلغة الأنبياء. الملك الذي أنتم تريدونه ينتهي سلطاناً مطلقاً . سوف يريد لنفسه جيشاً وحريماً وعبيداً وإماءً. إنه سيصادر أحسن أراضٍ ويفرض ضرائب ثقيلة. سيجعلكم تشتغلون من اجله: يسخركم فتصبحون له عبيداً (انظر 11:8-18).

مع ذلك، امر يهوه صموئيل بأن يلبي طلب الشعب. حين كتب هذا النص كان تأسيس الملوكية قد صار امراً تاريخياً من الماضي . لم يكن في وسع المؤلفين الديوترونوميين ان يعيدوا الماضي وما حدث فيه كأنه لم يحدث. كان لابد لهم أن يعترفوا بأنه كانت للملوكية نتائج حسنة أيضاً. ولكنهم كانا يعلمون جيداً ما كانت النتائج السلبية لهذا النظام السياسي الجديد: شكلا مجتمعياً مقعداً فيه مراتب وطبقات، واتساع الهاوية بين الاغنياء والفقراء، وتلاشي القيم القديمة ، وملوك مستبدون يتناسون انهم في خدمة الملك يهوه.

يروى في ثلاث قصص مختلفة كيف ان شاول صار ملكا على اسرائيل، القصة الاولى أطولها: 1صم 9: 1 – 10 : 16. انها قصة بالاسلوب الرعوي عن ابن فلاحين يصبح ملكا نتعرف فيها على شاول ابن قيس من سبط بنيامين، يزيد طولا على الجميع "من كتفه فما فوق". فينطلق يفتش عن اتن ابيه التي ضلت. في نهاية القصة عادت الاتن الى مكانها ولكن قيس يقلق في أمر ابنه الذي يطيل الغياب (10 : 2). هل الاتن الضائعة وشاول الضائع رمز الى اسرائيل الضائع من تلك الايام؟ وفي الاثناء قد تلاقى شاول وصموئيل. هذا الاخير لا يلعب بعد هذه القصة الدور المهم للقاضي في اسرائيل. انه هنا راء، نوع من عراف يعطي معلومات مقابل مال (9 :6-10). وفي القصة يظهر نوع آخر بدائي من النبوة : انبياء مرتبطون بمقدس معين يقومون جماعيا ويتحمسون بواسطة الموسيقى والرقص. يبدو هذا الانخطاف كانه مرض معد (10: 5-6 و10 – 12). الشكلان، من جهة رجل الله او الرائي، ومن جهة اخرى "النبي" او الدرويش المنخطف، هما في اساس النبؤة في اسرائيل، ولكنها تطورت تطورا في اسرائيل.( )

في القصة عناصر مختلفة توحي ان دهن شاول ملكا يجري بمقتضى خطة يهوه. شاول لا يستطيع ان يجد الاتن ولكنه يصل الى صموئيل كانه بطريقة اوتوماتيكية صموئيل سبق يهوه ان يعلمه فيأتي الى لقاء شاول (9 :6-19). فيدعو شاول الى الوليمة القربانية في المقدس ويقدم له الحصة المتميزة من اللحم التي فرزت له خاصة (9 :22-24) واخيرا يدهن صموئيل شاول باسم يهوه ملكا على اسرائيل ويعطيه آية توكيدا : الرائي صموئيل يخبر شاول بما سوف يحدث له في طريق العودة (10 :1-12). ولكن شاول يبقى متواضعا بسيطا : لا يقول لاحد ان صموئيل كلمه عن الملوكية، وأقل بعد انه دهنه (10 :13-16). فهكذا صار ممكننا ان تلي قصة ثانية عن تنصيب شاول العلني ملكا.

شاول يقام ملكا بالقرعة
هذه القصة في 1صم 10: 17-27 هي أقصر الثلاث. وليست، كمثل الاثنتين الاخريين، ايجابية فقط بالنسبة الى الملوكية. تبتدئ بنقطة انتقادية بلسان صموئيل تلتحق بـ 1صم 8. "هكذا يقول يهوه: أنا الذي اصعد اسرائيل من مصر وانقذكم من يد المصريين … وانتم اليوم قد نبذتم الهكم… وقلتم له: أقم علينا ملكا…!" (10 :18-19).

قد جمع صموئيل كل الشعب في مصفاة احد الاماكن التي كان يقضي فيها قاضيا (1صم7: 16). فيرتب هناك القاء القرعة : من جميع اسباط اسرائيل يعين سبط بنيامين، ومن هذا السبط تعين عشيرة مطري … واخيرا يعين شاول. لكنه اختبأ. مرة ثانية يشار الى تواضع شاول علامة انه لم يطمح الى الملوكية. وبعدما انوجد ويقف في وسط الشعب يظهر مرة أخرى ان يزيد طولا على الجميع من كتفه فما فوق. وحسب صموئيل هذه علامة ان يهوه اختاره . (فيما بعد عند، اختيار داود، سوف لا يعود يعمل نفس الغلطة، أنظر (1صم 16 :6-7 !). الاختيار يؤيده الشعب كله بالهتاف: "يعيش الملك" (10: 24).

ثم يعلن "الحق الملكي" اعلانا ويسجله في وثيقة. قد يكون ذلك اشارة الى ما في تث 17 : 14-20. اذا كان لابد من ان يأتي في اسرائيل ملك، فليكن. ولكن بشروط مفصلة واضحة، واخيرا يعود كل واحد الى بيته. شاول ايضا يعود الى البيت بكل بساطة. خلافا لداود لم يبن شاول قصرا ولم يكن له بلاط ملكي واسع. كان يحكم بطريقة بسيطة انطلاقا من مزرعته في جبع.
تنتهي القصة بذكر رفض البعض لتنصيب شاول ملكا. هذا الذكر يعبر بنا الى القصة الثالثة والاخيرة.

شاول مخلص المظلومين
كان اسرائيل مهددا من قبل الفلسطيين المتغلغلين ليسوا فحسب بل من قبل جيرانه ايضا. فنسمع ان بني عمون، وهم جيران اسرائيل من جهة الشرق، يضربون الحصار على يابيش، وهي قاعدة اسرائيلية امامية في عبر الاردن. يشعر اهل يابيش انهم لا يطيقون مقاومة الضغط العموني ويقترحون استسلامهم ولكن بني عمون يربطون به شرطا شائنا : لكل سكان يابيش تقلع العين اليمنى. هذا الامر سوف يجعلهم غير بارعين لرمي السهام بالقوس ليس حسب، بل هو "عار على كل اسرائيل". لا يقدر بنو عمون شعور الاسرائيليين بالتضامن عاليا فيمنحون لهم مهلة سبعة أيام ليطلبوا عونا (11: 1-3) وفعلا يكتفي الشعب بالعويل، لما يسمعون الخبر. ولكن شاول يندفع الى العمل.

بسخط مقدس يقوم بطقس غريب. يأخذ زوجي ثيران يقطعهما ويرسل القطع الى أراضي اسرائيل كلها. كل من لا يخرج وراء شاول ووراء صموئيل يتحمل اللعنة : سيكون مصيره كمصير الثيران ! حالا يتجمع 330000 رجل من اسرائيل ومن يهوذا : الشمال والجنوب متضامنان. فليكن اهل يابيش في اطمئنان (11 :4-10). في اواخر الليل يدخل جيش شاول معسكر العمونيين. وبعد ذلك بنصف نهار نرى العدو في انهيار تام ويابيش محررة (11:11).

يبتهج الشعبُ لقد بين شاول نفسه قائدا مواهبيا. نجح في جمع الشعب وتوحيده بتضامن وحرر الضعفاء. وفوق ذلك لا يبين نفسه ناقما. يأبى ان يقاصص اضداده من القصة السابقة. وكمثل ملك مشيحي حقيقي يسجل الانتصار ليس في حساب نفسه بل في حساب يهوه (أنظر 11 :12-13). وباقتراح صموئيل تقام حفلة شكر عظيمة في مقدس الجلجال. وهناك يملك الشعب مرة أخرى (11 :14-15). الا ان هذه القصة كانت على الارجح مستقلة بالاصل عن الفصل السابق.

تقييم
في 1صم12 يلقي صموئيل خطابه للوداع. يطلب من الشعب ان يقيم قضاءه. فالشعب يعترفون بملء أفواههم بان صموئيل لم يسئ بهم شيئا (12 :1-5). قسم خطابه الثاني خطبة شاجبة متوعدة
(انظر 17-18 !) باسلوب ديوترونومي. يجتاز صموئيل تاريخ الخلاص كله منذ موسى وهرون ويبرز خطايا الشعب المتتالية، ومنها الاخيرة انه طلب ملكا. "فهذا الان ملككم الذي اخترتموه وطلبتموه قد اقامه يهوه عليكم ملكا" (12: 13).

الشعب – كما هو الحال دائما في النصوص العهدية للتقليد الديوترونومي – واقف امام الخيار. ان لم يسمعوا لكلام يهوه واحتقروا وصيته، تكون يده عليهم ثقيلة. لكن ان عبدوا يهوه من كل قلوبهم فلا ينبذهم (12 :14-25). واخيرا يؤكدهم صموئيل بانه مازال في خدمتهم، بعد استقالته كقاض ايضا: يظل يصلي من اجلهم ويرشدهم الى الطريق الصالح المستقيم (23).

بعد صموئيل يسعنا نحن قراء الكتاب المقدس ايضا ان نقيم الملوكية كما مارسها شاول حتى هذا الحين تقييما. لقد قرأنا ثلاث قصص، ايجابية بالعموم، محوطة بالنقد النبوي في الفصلين الـ 8 والـ12 بحق انذر إنذار بما ممكن ان يظهر في الملوكية من وجهات سلبية. قد ينتهي الملك طاغيا يحكم باسم نفسه وليس باسم يهوه، يحارب حروبه هو لتوسيع سلطته وليست "حروب يهوه" للنضال في سبيل البر كذا رجل تائق الى السلطة هو في نظر الكتاب المقدس صفر : "لا تحيدوا عن اتباع يهوه … ولا تميلوا الى الاباطيل التي لا تنفع ولا تنقذ لانها باطلة (1 صم 12: 21).

ولكن شاول حتى الان لم يزل في هذه التجربة بعد. شاول اختاره يهوه (القصة الاولى)، قبله الشعب (القصة الثانية)، وأظهر نفسه قائدا ممتازا في افعال حقيقية للتحرير (القصة الثالثة).
انه يحفظ قواعد التوراة في تث17 : 14-20 (انظر ص31). فشاول، وان كان يزيد طولا على الجميع من كتفه فما فوق، فانه يحسب نفسه أصغر الجميع ولا يتعالى على الاخرين (1صم 9 : 21/10 : 16 و22/ 11 :5 ). هو ممتلئ روح يهوه (1صم 10: 10/11 : 6). اختاره يهوه ودهنه النبي (1صم10 : 1). انه يقوم متحيزا للضعفاء (1صم 11 : 7-11) الا انه ليس رجل حرب ولا عنف (1صم 11 : 12-13).

يجاوب شاول النموذج المشيحي. هو ملك على حسب قلب يهوه. هل سيبقى كذلك ؟ لكي نعرفه ينبغي ان نقرأ الفصول الثلاثة الاتية من سفر صموئيل الاول.

قراءة 9080 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *