مقالات عامة
الثلاثاء, 15 أيلول/سبتمبر 2015 09:06

مسيرة استكشافية من خلال الكتاب المقدس من موسى الى داود/ ج1

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
مسيرة استكشافية من خلال الكتاب المقدس من موسى الى داود المقدمة في هذه الدروس نقوم بمسيرة استكشافية من خلال الكتاب المقدس. نتمشى مع بني اسرائيل من خلال البرية، طالبين أرض الميعاد. نبتدئ بموسى،
مسيرة استكشافية من خلال الكتاب المقدس من موسى الى داود المقدمة في هذه الدروس نقوم بمسيرة استكشافية من خلال الكتاب المقدس. نتمشى مع بني اسرائيل من خلال البرية، طالبين أرض الميعاد. نبتدئ بموسى، لان قصة التحرير من مصر هي قصة التناخ الأساسية . لقد ولد إسرائيل شعبا في الخروج. متحررين من بيت العبودية وسالكين عبر البرية تعلم هذا الشعب من هو يهوه : ذلك الذي يتحيز إلى المظلومين، والذي يدعو الناس إلى أن يخرجوا من الاستعباد والظلم، ويدلهم على تعايش إنساني باسمه "انا أكون هناك من أجلكم" . والقصة تدعو الناس إلى تحقيق هذا الاسم في التعايش بينهم. هكذا قصة الخروج أساس العهد. فصارت هذه القصة نموذجاً تأويلياً أساسياً لخبرات جماعة الله الإيمانية "على الطريق"، حتى في إنجيل يسوع، بل حتى اليوم. أو ما أشار يسوع نفسه لتلميذي عماوس إلى موسى والأنبياء، حين أراد أن يوضح لهما معنى حياته وموته (لو27:24)؟ نبتدئ بموسى إذن، ثم نواصل القراءة في أسفار الخروج وعدد ويشوع وصموئيل. نحن في الطريق مع جماعة الله، من موسى إلى داود، وسنكتشف رويداً رويداً ان هذه القصص تخصنا.لأن التناخ ليس كتاب تاريخ، إنما هو كتاب إيمان. القصص تأتي من التوراة والأنبياء: إنها إرشاد للحياة، وتدعونا إلى فحص الذات ونقد الذات. إنها تحكي تاريخاً لن يصبح ماضياً، بل يبقى راهناً وفاتحاً للمستقبل. كما قال العالم هان رنكنس: "القارئ يصبح قارئاً حقيقياً للكتاب المقدس فقط عندما يدور 180 درجة: يجب أن بفهم الماضي كل مرة كمستقبل أيضاً ويكشفه في نص بعد نص: ما صنعه الله حسب القصة في الماضي، هو إرشاده، توراته، كيف ينبغي أن يصنع الناس مستقبلاً بعضهم مع بعض" (1988، ص189). في هذه الدروس استعملت شاكراً سلسلة من المقالات نشرها زميلي في الدراسة، بول كيفرس، وهو بدوره يسلم إلينا نتائج دراسات علمية. غني عن القول إن الكتاب المقدس يجب أن يكون دائماً تحت اليد عند قراءة هذه القصص… 1) دعوة موسى "هذه اسماء بني إسرائيل الذين دخلوا مصر مع يعقوب، كل واحد مع بيته دخلوا: رأوبين وشمعون ولاوي ويهوذا، ويساكر وزبولون وبنيامين، ودان ونفتالي وجاد واشير. وكان مجموع النفوس الخارجة من صلب يعقوب خمسة وسبعين نفساً. وأما يوسف فكان في مصر" (خر1:1-5). بهذه الطريقة يصنع في بدء سفر الخروج انتقال من رواية الآباء إلى رواية الخروج. "الاثنا عشر" (أبناء يعقوب) يصبحون "سبعين" : اسرة تصبح شعباً. نوسع الآفاق: حتى الآن كانت قصة التناخ قصة أسرة. في الخروج سوف يولد إسرائيل شعباً. "ونمى بنو إسرائيل وتوالدوا وكثروا وعظموا جداً جداً، وامتلأت الأرض منهم" (7). هنا نسمع مرة أخرى بعض الكلمات من قصة الخلقة، حرفياً: "انموا وأكثروا وأملأوا الأرض" (تك28:1). قصة الخليقة تتواصل. هنا تخطى خطوة جديدة نحو تحقيق حلم الخلقة. أما ملك مصر فرأى في ذلك تهديداً. اولى فكرة تخطر في باله هي احتمال حرب (10). فيلح في "تدابير حكيمة (11-14). يظهر من 12 ان تلك التدابير لا تأتي بالنتيجة المرجوة. لم يذكر الله مرة بعد في القصة، ولكن القارئ الفهيم قد خمن إن الله واقف على طرف المظلومين. الظلم في مصر (خر1: 1 – 14) الفصل الأول من سفر الخروج قصة استغلال وظلم. إنها قصة كل الأزمة. "مصر" لا تعود في القصة تلعب دور اسم جغرافي. المقصود الحقيقي ليس أرضاً معينة أو شعباً معيناً، بل هو عقلية توجد في كل مكان. صارت "مصر" رمزاً إلى مجتمع يعتمد على السلطة وعلى حق الأقوى، على تنافس مميت بلا رحمة. يظن إنسان واحد (أو جماعة واحدة) انه لا يمكنه الوجود والسعادة إلا على حساب الآخر. فإذن، راح يحاول أن يظلم أو يلاشي ذلك الإنسان الآخر (أو الجماعة الأخرى). يتجلى من قصة قايين وهابيل (تك4) ما أرسخ هذا الفكر التنافسي في روح الإنسان. "مصر": مجتمع فيه سادة وعبيد. فرعون يملك كل الأرض، ومرؤوسوه هم مماليكه حرفياً. في كذا أوضاع يجد إسرائيل نفسه. "إسرائيل" يعني: جميع الناس الذين يشعرون أنفسهم مخاطبين من قبل الكتاب المقدس، نحن اليوم أيضاً، إذن. قصة الخروج توضح أن سعادة الإنسان الحقيقية لا تقع في "مصر"، وأن الناس مدعوون إلى مجتمع مختلف، مجتمع تضامن وتماسك. فيه لا يسري حق الأقوى، لكن حق الكل- إذن حق الأعوز أولاً. فيه يعيش الإنسان ليس على حساب غيره، بل بفضل غيره. لا يوجد فيه سادة ولا عبيد، لكن أخوة وأخوات. بلغة الكتاب المقدس يسمى ذلك المجتمع: "أرض الميعاد". نموذجان مختلفان للتعايش. تجاوبهما صورتان مختلفتان لله. "آلهة مصر" هي آلهة السلطان والجبروت. إنهم أنداد الإنسان الكبار. هم دائماً من طرف الأقوياء والمتسلطين. يشعر إسرائيل في أعماق شعوره أن الإله الحقيقي يختلف عن تلك الآلهة: يهوه ينحاز إلى الضعفاء. يهوه إله ينزل من عرشه العالي فيقف أسفل الأسافل إلى جانب الإنسان الصغير. يهوه ليس منافساً. إنما هو إله متضامن. رضى لبه أن ينمو كل إنسان ويبلغ قوامه الإنساني الكامل. بكلمة واحدة: إنه إله العهد الذي يدعو إلى تماسك إنساني. تضامن النساء (خر15:1-10:2) والآن تبتدئ في الرواية حركة تضامن. أول من يدرك ما يجري ومن يرفض أن يعتقد أن فرعون والآلهة سلاطين لا يمكن تحديهم، هم نساء. لا يستسلمن إلى"نصيب" العبودية، ولكنهن يحاولن فطنات شاطرات، بإمكانياتهن الصغيرة، أن يقلبن ذلك "النصيب". ترفض القابلتان العرانيتان أن تتنازلا أمام فرعون القدير. يخربن مخططاته للإبادة. أم موسى وأخته، بل ابنة فرعون وخادماتها، يتعاون في إنقاذ موسى الصغير. في الكتاب المقدس نرى مرات كثيرة النساء صائنات الحياة المهددة كل مرة. "لكن القابلتين خافتا الله ولم تصنعا كما قال لهما ملك مصر" (17:1). "مخافة الله" لا تعني "الارتجاف" أمام الله. إنها تعني: تهيب الله وحده، وعدم انحناء لأية سلطة أخرى إذن، لكن القيام في سبيل القريب المظلوم. اسما القابلتين شفرة وفوعة. لهما أسم !! ولا يذكر اسم فرعون ملك مصر القدير مرة واحدة في كل قصة الخروج. يكون للقابلتين نسل (21:1)، أما فرعون وجميع المصريين فسوف يتثكلون أبكارهم (خر12). يشعر المؤلف بهذه الطريقة كيف الأمور حقيقتها أمام الله. لا اسم للنظام "المصري". لا مستقبل لتسلط فرعون في آخر أمره. تضامن موسى (خر11:2-22) موسى إنسان عبراني صار له حظ. حصل في مصر على مكانة مرموقة. لكنه لا يتصرف كمثل إنسان مثقف محدث النعمة ناسي أصله. يخرج موسى من وراء حيطان قصره الآمنة، يخرج ليرى الشعب المستعبد إخوته واخواته. "رؤية" موسى هذه ليست مشاهدة محايدة من عن بعد، إنما هي بصيرة عاطفة معتنية. لا يتهرب، بل يقبل أن يتأثر مما يراه. فما يراه موسى وقع في نفسه موقعاً عميقاً كذا وأثار ثائرته بدرجة أنه لا يتحمل الرؤية من بعد. برد فعل تلقائي عفوي يقتل رقيباً مصرياً. يستنكر كثيرون من قراء الكتاب المقدس تصرف موسى هذا "فالتفت إلى هنا وهناك فلم ير أحداً فقتل المصري وطمره في الرمل"(12). هل موسى قاتل خلسة؟ لكن لا حاجة أن نفهم العبارة"لم ير أحداً" بمعنى مكر. في إش16:59 تستعمل تماماً نفس العبارة عن الله:"ورأى أنه ليس انسان ، ودهش ان لا يتدخل احد ، فذراعه أنجدته وبره هو أيده ... " موسى إذن ينظر إلى مساعدة… لكنه لما رأى أن ما من أحد يتدخل، يعمله بنفسه. أنه يقاوم الظلم ويدافع عن المظلومين. يعمل موسى ذلك ثلاث مرات. في اليوم التالي يرى رجلين عبرانيين يتخاصمان، ومرة أخرى يتدخل (13). وفي البرية، عند البئر، قام بشأن البنات السبع اللواتي يسقين قطيع أبيهن. الرعاة يطردونهن من البئر، ولكن موسى يسرع إلى عونهن فيسقي المواشي (17). رؤية شقاء الشعب والتعطف على الناس المتألمين: إنها خبرة مؤثرة مثيرة لا تعود تترك له راحة. ما يحدث هنا هو الدفعة الأولى في دعوته، الدفعة الأولى في كل دعوة إلى الإيمان. تضامن الله (خر23:2-25) الآن فقط-وليس من قبل!! –نسمع أن الله أيضاً يظهر نفسه متضامناً. كأن الراوي يقصد بذلك أن الله لا يقدر أن يستغني عن البشر. بعدما شعر ناس شعوراً فقط يمكن أن يتدخل. ليس لله عينان ولا أذنان ولا يدان ولا رجلان غير عيوننا وآذاننا وأيدينا وأرجلنا. يسمع الله ويرى الله ما سمعه موسى ورآه: "وصعد صراخهم إلى الله من العبودية، فسمع الله أنينهم، وذكر عهده مع إبراهيم مع اسحق ومع يعقوب. ورأى الله بني إسرائيل واعتنى بهم" (24-25). الله يذكر عهده. لا يعني هذا أن الله قد نسي عهده. إنه يعني أنه على وشك أن ينشط الآن ويوفي عهده. "أن يذكر" في لغة الكتاب المقدس يتضمن نشاطاً، عملاً. يقول يوسف في السجن للساقي. "إذا حسن أمرك فتذكرني وأصنع إليّ رحمة واذكرني لدى فرعون.." (تك14:40). بالطبع لا يقصد يوسف أن على الساقي أن يكرس له فكرة، إنما يقصد أن يخرجه من السجن!! الأمر الذي لم يصنعه الساقي: "ولم يتذكر رئيس السقاة يوسف فنسيه" (تك23:40). موسى يصبح واعياً إلى دعوته (خر3-4) طواف موسى في البرية، مع أوجه المشهد عند النار، هو الدفعة الثانية في دعوته: ساعة الخلوة إلى النفس والوعي. قصة العليقة الملتهبة تعبير عن التأمل الإيماني في اختيار موسى. البرية والجبل والنار: صور لعملية الوعي الداخلية عند موسى. البرية: المكان الذي أنت وحدك مع نفسك، أنت أمام ذاتك العميقة، حيث لا توجد طرق مطروقة، حيث عليك أن تفتش عن الاتجاه المضبوط. –الجبل: قمة، حيث أنت أقرب إلى الله، وحيث بصرك يكتسب نطاقاً أوسع. –النار: شيء مكتنف بأسرار لا يمكنك أن تمسك به. يصور هنا تصوير لمجابهة أساسية بين الخبرة التي صارت لموسى في مصر وبين ذاته العميقة. يسمع موسى في ضميره صوتاً. فيكسب الاعتقاد أن لا يمكن أن يكون في تصميم الأمور أن يذلل ناس بالأعمال الشاقة وأن يسحقوا بالعبودية. ليس الناس موجودين لكي يعتدي واحد على الآخر متنافسين. ينبغي أن يتحرروا فيتحدوا ويعيشوا معاً هادفين مستقبلاً أفضل. شعبه يمكن بل يجب أن يصبح شعباً حراً. هلا يجب عليه أن يعود إلى مصر فيفعل شيئاً؟ "فالآن، أذهب" (10:3) من ضيق شعبه الواقعي الملموس ترن أعلى وأوضح واكثر إلحاحاً دعوة، صوت يخاطبه شخصياً ولا بد أن يعطي عليه جواباً. هذه الدعوة تأتيه بطريقة مطلقة كذا أنه يبصر فيها دعوة من "المطلق". الذي يدعوه هو إله الآباء: "أنا أرسلك إلى فرعون" (10:3). في تأمله الإيماني في خبرته يتخذ صراخ إخوته في مصر أكثر فأكثر شكل دعوة، دعوة من الله نفسه. في هذه القصة يجري الكلام عن الله بطريقتين، ولا يجوز فصل وجه واحد عن الثاني 1) الله هو صوت يدعو من وسط النار، 2) الله هو وعد بقربٍ أمين. يختبر موسى الله صوتاً يدعوه ويخاطبه شخصياً. هذا الصوت يسمع ما قد سمعه موسى في مصر بأذنيه: "سمعت صراخه بسبب مسخريه" (7:3). وهذا الصوت يطالب الانتباه، لما رآه موسى بعينيه: "رأيت مذلة شعبي في مصر" (7:3). ممكن سماع صوت الله في صراخ الناس . طلب الله يقرأ في "روعة" الناس . الانسان الآخر هو السكة الحقيقية الى الله ، وصوت الله هو الباعث العميق على رؤية الإنسان الآخر والسماع له. الله يعطي صوتاً لمن لا صوت له. سوف يعطي موسى في حينه ما عليه أن يقول (10:4-16). في القصة يسمع صوت الله من وسط النار. رمز إلى واقع مكتنف بأسرار لا يمكن القبض عليه. إنك تعرف أنه موجود ولكنك لا تعرف ما هو بالضبط. إنه حي لكنه لا هيئة ثابتة له. ثم للنار معنى رمزي مزدوج. أنها جذابة ومخطرة بنفس الوقت. تفتن ناساً لكنهم قد يحترقون بها. الدعوة الحقيقية لها نفس المعنى المزدوج: تجتذبك إلى أن تلبيها، لكن إذا لبيتها قد عرفت أين تبتدئ ولا تعرف أين تنتهي. الله صوت يدعو. لكنه وعد ايضاً بأن يكون بقربك بأمانة. صوت الله طلاب ، صوت الله واعد أيضاً. من لبى دعوة هذا الصوت أمكنه الاعتماد الهادئ أن الله نفسه يعطي هذه التلبية مستقبلاً. قد اختبره الآباء: أن الذي يدعو موسى هو "إله الآباء"، إله إبراهيم اسحق ويعقوب (15:3). الوعد بالقرب الوفي مضمون في الاسم الجديد أيضاً الذي يناله الله في قصة الخروج: "يهوه" يعني "أنا أكون هناك لصالحك" (3 : 14) . الأيمان يعني لموسى: أن يسمع لهذه الكلمة، أن يصغي لهذا الصوت، أن يعود إلى مصر ليحرر شعبه، بالاعتقاد ان هذه مشيئة الله، وبالثقة أن الله يكون معه. ليست مهمة سهلة. موسى لا يستسلم حالاً. يعترض شتى الاعتراضات ويفضل أن يرسل الله واحداً غيره (11:3و13 ،1:4و10و13). لكن الله لا يفعل شيئاً بمكان موسى، على موسى أن يذهب بنفسه. من ناحية أخرى لا يجبر الله موسى على شيء –الله نار لا تحرق- ولكنه يدعوه إلى ان يقول "نعم" بروح الحرية والمسؤولية الشخصيتين. وفوق ذلك ليس موسى وحده: "هناك أخوك هرون أيضاً" (14:4). وحالاً تظهر في القصة نظرة أصيلة للواقع الذي نسميه "الكشف" (أو "الوحي"). الكشف ليس شيئاً يقع من السماء هكذا. كشف الله هو حدث يحدث وينمو في وعي الرائي الذي يتأمل في خبراته. عندما يسمح إنسان بأن تخاطبه-في عمق ضميره- الدعوة التي تسمع نفسها في وسط الحياة، يتفتح أمامه الواقع الحقيقي. حينئذ يعلن نداء الله علناً وفيه يعلم سر الله أي موقف الله من الإنسان. الشعور الكتابي بالله مرتبط دائماً باختبارات ناس يتقبلون التحدي العميق الذي يعنيه الضيق الواقعي لناس آخرين. ليست غمور الطبيعة للإنسان نقطة انطلاق للتكلم عن الله، لكن التفتح من قبل الإنسان لأصحابه الناس المخلوقين على صورة الله. "إجراء الحكم للبائس والمسكين، أليست هذه هي معرفتي؟-نطق يهوه (إر16:22). يتبع ...
قراءة 9392 مرات آخر تعديل على الإثنين, 30 تشرين2/نوفمبر 2015 03:38

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *