مقالات عامة
%AM, %25 %351 %2014 %10:%شباط

الشر والله

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
الشر والله طرح القس الجميل في حينه المشكلة: الناس يصلّون... والحرب لا تنتهي... ما الفائدة من الله بعد؟؟ فعلاً، عندنا هنا المشكلة الكبرى، لغير المؤمنين وللمؤمنين. ابيقورس يقول: لسبب وجود الشر يكون
الشر والله طرح القس الجميل في حينه المشكلة: الناس يصلّون... والحرب لا تنتهي... ما الفائدة من الله بعد؟؟ فعلاً، عندنا هنا المشكلة الكبرى، لغير المؤمنين وللمؤمنين. ابيقورس يقول: لسبب وجود الشر يكون الله إما قديراً وشريراً وإما عاجزاً وطيباً وإما عاجزاً وشريراً، لكنه لا يكون في اي حال من الأحوال قديراً وطيباً. إذا كان الله طيباً وقديراً (وإلا فلا يكون الله!) فلماذ يتركني، يتركنا، يترك ملايين من الأبرياء، في هذا التألم المفرط؟ في هذه المحاضرة نحاول ان نأتي الى هذه القضية العظمى بشيء من النور (فلا تعتبروا كلامي إذن جواباً يستوعب المسألة بكامل عمقها)، لكن التفكير، وإن لم يعط إلا قليلاً من النور، فإنه لا يحسن ان نحتقره. أقصد المحاضرة منطلقاً لنقاش في الموضوع. فأولاً أشير الى المعنى الإيجابي لكثير من التألم. يقول يسوع لبطرس في غسل الأقدام: "ما أنا فاعل، أنت لا تعرفه الآن، ولكنك ستدركه بعد حين" (يو 13: 7). الطفل الصغير الذي يريد ان يمسك السكين فتضربه أمه على يده، سيفهم "بعد حين" ان دموعه كانت لصالحه. ما من إنسان بالغ ينكر أن هناك أشكالاً من التألم قد تُغني إنسانية الإنسان، قد تُنضجه، فيصبح من جرائها شخصية طيّبة حكيمة مفيدة للآخرين. لو كان العالم عالماً بدون مجال لألم ووجع وحزن لكان عالماً ربوطياً لا إنسانياً غير واقعي. هناك فعلاً ما يسمى في كل اللغات: مدرسة التألم. يبدو كأن "البدائع" لا تولد إلا من خلال الألم. وهناك الإمكان ان مقداراً ما من الألم المحتمل بصبر يجعل الناس أكثر تعطّفاً على الاخرين. الفيلسوف الرواقي يرتقي فوق التألم، ولكنه يرتقي فوق التعطّف، فوق الحبّ الحقيقي أيضاً... هناك ألم له معنى. وهناك التألم الذي يأتي علينا "في سبيل القضية"، أي في سبيل قضية صالحة عادلة مقدسة. في هذا التألم لا يختار الإنسان التألم ولا يطلبه. إنما يطلب القضية ويلتزم بها مئة بالمئة. إنها دعوة، طاعة لما هو صالح، ما نحسبه أثمن من كل تألم وموت. ليس هذا التألم مراداً لذاته لكنه مقبولاً اختيارياً كنتيجة ممكنة من الالتزام. ونلاحظ ان الإنسان في هذا الشكل من التألم ليس مرتكزاً في ذاته ولا في تالمه، بل هو مرتكز في القضية العظيمة التي يلتزم بها. "افرحوا وابتهجوا في تلك الساعة". الالتزام المسيحي من هذا النوع: اشتراك في آلام المسيح. ولكن ثانياً، رغم كل هذه التأملات الحقيقية، هناك إفراط من الألم والشرّ في عالمنا يتحدّى كلّ تفسير وكلّ شرح. هناك الشرّ الفيزيائي والشرّ الاخلاقي والشرّ الاجتماعي. هناك تألم الأبرياء، التالم بلا معنى، وحتى التألم الذي لا يتألمه الناس "في سبيل قضية صالحة": عندما يصبح أناس ضحايا في سبيل قضية سيّئة تخدم آخرين. هناك... لماذا؟؟ هل يمكن ان نبرّئ الله؟ لا أظن. ما من إنسان يستحق اسم "الإنسان" ويقدر ان يعطي مكاناً معقولاً للبشرّ في مشروع إلهي يُدير عالمنا وتاريخنا. كما يقول إيوان في "الإخوان كرمازوف" من دستوييوسكي: "لو كان كل هذا العالم العظيم مع بدائعه وعجائبه طلب حق دمعةٍ واحدة من طفل بريء لكنتُ رفضت ان أقبل هذا العالم البديع العجيب بشكر من يد الخالق!". لا نطيق ان نفسر هذا الإفراط من الألم والشر. فهنا يبتدئ العثار الكبير الذي يمكن ان يؤدّي الى "الخلاص": الإله الذي يموِّت الأطفال الصغار والذي يبقى بارداً غير متأثر من كل هذا الظلم وكل هذا الألم وكل هذا الحزن، لا نريده! كل هذا الألم وهذا الشر في العالم هو ألمي وشري ونزاعي وموتي أنا أيضاً. يمكن إذن ان هذا العثار (عدم وجود فهم من قبل العقل النظري) يؤدي الى شيئين في واحد: ان نترك محاولة العقل للفهم النظري ونلتفت بالعمل الى محاربة الشر، وان نغيِّر بمقتضاه صورتنا عن الله. كلمة إيوان ليست منطقية متساوقة مع نفسها إلا إذا كان ملتزماً بمحاربة الشر في جميع أشكاله. لا يكفي ان نقول: لا يوجد مكان نظري معقول للشر في عالم الله. يجب ايضاً ان نرفض عملياً كل مكان للشر، يجب ان نتحيّز دائماً وأبداً الى جانب الخير، وان لا نعترف للشر بحق الوجود الى جانب الخير عملياً (= في كل أعمالنا). وفي هذا السلوك العملي لا بدّ من ان نتصوّر الله ايضاً محارباً الشر متحيّزاً للخير، كلّه إيجابية. ولكن الواقع يبقى: أنا، أنتم، نحن، جميع اجيال البشر لا نطيق ان نتغلّب على الشر (ليس ذلك نظريةً ما، وليس نتيجةً من الإيمان المسيحي، إنما هو خبرة واقعية): كيف "نرتِّب" الزلازل والفيضانات...؟ كيف نقنع الناس "الجهال" "العناد" بأن يتصالحوا "في غير وقته"...؟ كيف...؟ وحتى إذا أنجزنا تقدُّماً ما في طريق إنسانية أفضل... فهناك الواقع أننا نموت: غداً أموت فلا أعود أقدر أن أدفع العربة معكم... وهناك يسوع أما قتلوه...؟ حربنا ضد الشر يفشل إذن. فماذا؟؟ أين الله محارب الشر؟ هل يفشل هو أيضاً؟ أظن ان الوقت حان لإلقاء نظرة الى إيماننا بالخالق. في التنخ أيضاً (في النصوص القديمة) وضعوا الخير والشر معاً في الله. "يهوه يُميت ويُحيي" (1 صم 2: 6). ولكن ديانتنا تتطور. ففي الأنبياء يصبح يهوه إلهاً كلّه إيجابية: "لا أريد أن يموت الخاطئ بل أن يتوب فيحيا" (حز 33: 11). إيماننا بالخالق ليس شرحاً وتفسيراً: من اين جاء كل شيء. إنما هو فعل "إيمان"، فعل "ثقة": توطيد وتوثيق النفس في الله: هذا العالم في عمقه حسن، رغماً من الظواهر، رغماً من وجود الشر. الشر سوف يُغلَب عليه نهائياً. وهذا الإيمان ليس ثقة بالذات: الخبرة البشرية تنكر إمكاننا. إنما هو إيمان بالله: الإمكان يأتي من عند الله، الله يغلب على الفشل وعلى الموت. هذا بالضبط مضمون الإيمان المسيحي، هذا بالذات مضمون الإيمان بأن الله أقام يسوع المصلوب: مستقبلاً عبر الفشل لجميع الذي غلب عليهم الفشل (= نحن كلنا). وهنا يجب ان ننتقد لغتنا المسيحية، لأن هناك خطراً: ان نتصور موت المسيح (بفهم غير مهضوم لما يقوله العهد الجديد) كأنه الثمن الذي يطلبه الله لكي يغفر لنا. ليس الله قتل يسوع أو طلب موته، بل البشر ظلموا يسوع وقتلوه. بهذا المعنى يخلّصنا الله رغم موت يسوع. ولكن من ناحية أخرى يغلب الله الطيّب الإيجابي على هذا الشر الكبير (قتل يسوع) بمزيد من الخير. فهكذا يصبح موت يسوع، قمة تاريخنا الشرير، أكبر بيان لجودة الله (لمن يؤمن): إنه يبرِّر الكافر. موت يسوع (مع الانتصار عليه في قيامته) نموذج وأكثر من نموذج لكل ألم وشر "مغلوب عليه". "فرأى الله أنه حسن". توما الأكويني يلحّ في أسبقية الله في كل شيء: إنه العلّة الأولى لكل كائن. وهذا اللاهوتي بالذات يكتب: "العلّة الأولى لنقصان النعمة تأتي من عندنا" 1 . ويكتب كفيلسوف: "الإرادة (الإنسانية)، وإن كان الله علّتها خالقاً اياها من عدم، فإنها ليس لها هذا "الكون من عدم" من أحد غير نفسها. فلهذا السبب بالذات لا ينبغي أن تُنسَب نقائص الإرادة الناتجة من كونها مخلوقةً الى علّة أسبق" 2 . التناهي هو "العلّة الأولى" فيها. من حين توجد خلائق توجد إمكانية (ليس ضرورة) "ابتكار" سلبي من التناهي (التعبير من سخله بيكس). الله يخلق خيراً فقط، يخلق حرية. الشر، الظلم، العبودية، إمكانيات سلبية من الخليقة المتناهية المحدودة. ليس هذا شرحاً عقلانياً لمسألة الشر. إنما هو نتيجة منطقية للإيمان بأعماق مغامرة حب الله الإيجابية تجاه الخليقة مع ما يتضمّن كونها المخلوق وحريتها المخلوقة من أعماقٍ سلبية. "لا هذا خطئ ولا والداه، ولكن يجب ان تظهَر فيه أعمالُ الله". فنختم بالعودة الى دروس أجدادنا في الإيمان: الكتاب المقدس. إنهم اكتشفوا يهوه (أنا معكم) من خلال تاريخ من تحرير من بيت العبيد. خلاصة تاريخ الخلاص هي أن إلهنا يحرِّر، من خلال العوامل التاريخية. إلهنا "القدير" هو إله عبيد، إله مظلومين، إله مصلوب ومصلوبين. ويتجلى أخيراً – عن طريق طويل يجب ان نسلكه بالعمل من "رفع حمار عدوك الساقط تحت الحمل" (خر 23: 4-5) الى "أحبّوا أعداءكم" (لو 6: 27 ت)- أقول: يتجلى أخيراً أن إلهنا يُختَبر قدرةً صالحةً حيثما تغلّب الإنسان على الشر بالخير، حيثما تحرر الإنسان بحرية المسيح (غل 5: 1)، حيثما سمعنا المصلوب القائم في وسطنا يقول: السلام عليكم. ماذا بالنسبة الى تعزية الناس المتألمين؟ مهمّة صعبة للغاية. فلا ننسَ أبداً أننا بشر مثلهم. نحن القسان لسنا "سوبرمان"، لا نملك الأجوبة على كل الأسئلة. التواضع إذن، والامتناع عن ثرثرة "رجال الدين" في حضور الألم، الاحترام (الصامت مرات كثيرة) للإنسان المجروح. وخصوصاً التضامن الواضح الفعّال. والإيمان الهادئ القوى بإلهنا (الايمان الذي يمكن أن يستفيد كثيراً من خبرات أجدادنا. المزامير مثلاً)... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1 (summa The 1.1.11,q.112,a.3, ad 2). 2 (In 11 sent. , d. 37,q.2,a.1,ad 2).
قراءة 5718 مرات آخر تعديل على %AM, %30 %059 %2015 %03:%تشرين2

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *