مقالات عامة
%AM, %06 %363 %2013 %10:%كانون1

التجسد

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
التجسد العبارة تأتي من يو 1: 4 والكلمة جسداً صار. هناك عبارة أخرى: التأنُّس. تأتي العبارة من قانون الإيمان (نيقية). بالطبع، هذه العبارات تجرّ وراءها تصوُّرات. فيهُمّنا ان نميّز بين معنى العبارا
التجسد العبارة تأتي من يو 1: 4 "والكلمة جسداً صار". هناك عبارة أخرى: "التأنُّس". تأتي العبارة من قانون الإيمان (نيقية). بالطبع، هذه العبارات تجرّ وراءها تصوُّرات. فيهُمّنا ان نميّز بين معنى العبارات وبين التصوُّرات المرافقة... نقطة الانطلاق من متى بدأ المسيحيون يتكلّمون عن تجسُّد وتأنُّس؟ بأية غاية؟ المنطلَق هو "الإيمان بيسوع المسيح ربنا". يهمّ ان نميّز بين التعبير وبين التصوّرات، ليس فحسب، بل بين التعبير وبين ما يعبَّر عنه أيضاً. كان وقتٌ يؤمن فيه مسيحيون... ولا يتكلّمون عن تجسُد... لا أقول هذا لأشجّع على العودة الى ذلك الوقت... بل لنهدف الهدف وليس اللبس! أعني الكلام "التجسُدي" ليس إلا نوعاً واحداً لمحاولة التعبير عن الإيمان المسيحي. يسوع هو المهمّ!!! وقد يكون ضرورياً ان نضيف الى "التجسُد" عبارات اخرى للحصول على فكرة متوازنة لسر المسيح. هناك كلام عن خريسطولوجيا "من فوق" وعن خريسطولوجيا "من تحت". "من فوق" يعني هنا "من الله"، و "من تحت" يعني "من الإنسان". أخاف ان في هذا الكلام توهُّماً... خريسطولوجيا هي "فرع" من علم اللاهوت، وهو توضيح "بأساليب العقل" للإيمان المسيحي. اللاهوت إذن ينطلق من الإيمان ويسلك في الإيمان وينتهي في الإيمان: لا يخرج من الإيمان لحظة... والإيمان هو؟ نور من الله. من الله... لكن نور واصلٌ في الشخص الإنساني الذي نسمّيه مؤمناً... "من فوق" طبعاً، "من تحت" طبعاً أيضاً. لأن في الإيمان يتحقق اللقاء بين "فوق" و "تحت". فما "موضوع" الخريسطولوجيا؟ الإنسان يسوع من الناصرة اليس كذلك؟ هل يمكن ان نتكلم "خريسطو-لوجيا" قبل يسوع؟ (مشيخولوجيا ليست خريسطولوجيا). نقطتنا للانطلاق ليست إذن إلا الإنسان يسوع الناصري. ذاك الذي نعرفه من خلال شهادة التلاميذ الأولين (بالواقع، من خلال الكتابات الرسولية: كتابات العهد الجديد). ولما أقول: الإنسان يسوع... لا أقول: الإنسان فقط! إلحاحي في "الإنسان" يهدف الى الكائن التاريخي الواقعي من الناصرة في القسم الأول من القرن الأول... عن هذا الإنسان كتبوا ما كتبوا معبرِّين عن إيمانهم به. ما معنى هذا؟ هل ممكن ان نقول: إيمانهم بما صنع إلهُهم، إلهُ إسرائيل، في يسوع الناصري...؟ لأنهم كانوا مؤمنين يهود... فيحاولون التعبير عن خبراتهم مع يسوع من عند الله بلُغتهم الدينية... وكان في متناولهم عدد من النماذج الفكرية للتعبير عن ما اختبروه. "صار جسداً" أحدها. نجده في فاتحة يو. في هذا الإنجيل نماذج حكمية. نزول – صعود... حمة الله - كلمة الله - التوراة... الوجود السابق... خيمة الله او المسكن بين الشعب... كل هذا مكّن كاتب يوحنا من أن يقدّم يسوع "ظهوراً أواخرياً لأُلوهية إلهنا بصورة ملموسة إنسانية واقعية"... كلمة الله – صار جسداً – سكن بيننا – رأينا مجده... هذا التقديم نادر في العهد الجديد. لما ننظر الى تاريخ اللاهوت، نرى ان هذا النموذج تسلّط بصورة كاملة تقريباً على الخريسطولوجيا... لاننسَ ان هذا النموذج الفكري لغةٌ بشرية (أين لغة الله؟؟!!). فيه أخطار إذن. هذه الأخطار لم يتجنّبوها كل مرة... هناك النموذج "الوجود السابق" مثلاً. هل نتجنّب كل مرة خطر الخلط بين الخالق والخليقة...؟ وجود سابق؟ في الزمن المخلوق؟ هل يسوع موجود قبل يسوع؟؟ الكلمة الإلهية قبل يسوع؟ وبعد: الكلمة الإلهية كشخص مستقل (أقنوم)؟... الكلام التاريخي والكلام بلغة الإيمان ديانتنا ديانة كشفية: العلاقة بين الله والإنسان، بين الإنسان والله، تعتمد على كشفٍ إلهي، كلام إلهي لنا، إعطاء الله ذاته لنا. سؤال: أين يعمل الله لنا؟ اين يكلّمنا الله؟ اين يظهر نور الله لنا نحن البشر؟ لليهودية والمسيحية: في نظرٍ إيماني الى التاريخ: التاريخ كتاريخ خلاصي. وفي المسيحية: في يسوع الناصري بصورة خاصة. لكن ما معنى: الله يعمل في التاريخ؟ هل هو كلام أسطوري؟ أعني كلام ظاهر عن "الله"، لكن بالواقع كلام عن الإنسان، وفي عصرٍ ناقد كعصرنا يبدَّل بكلام مباشر عن الإنسان؟ ام نقول فعلاً شيئاً عن الله نفسه، وإن كان بلغةٍ إنسانية ناقصة مُعزة "مماثلة"...؟ كلامنا عن الله دائماً مماثل غير مباشر: انطلاقاً من العالم وكوننا الإنساني نقول شيئاً عن الله نفسه، لكن بواسطة مفاهيم وعبارات معايَرة على واقعنا العالمي. الله لا يعمل في التاريخ كمثلما البشر يعملون فيه. الناس هم العاملون في التاريخ (وليس الأرواح والبروج كما كانوا يظنون في القديم). الكلام التاريخي عن التاريخ والعالم ليس نفس الشيء كالكلام الإيماني عن نفس التاريخ والعالم. "تاريخياً" لا نتكلّم عن الله. دينياً نعم. الكلام الديني له دور خاص متميّز عن الكلام التاريخي. من ثم عمل الله في التاريخ ليس عملاً "تدخُّلياً" يمكن المؤرِّخ ان يقيس نتائجه. عمل الله هو عمل إلهي: متسامٍ، خالق. وهو "متداخل" في التاريخ دون ان يفقد تساميه. يعني ليس عمل الله حلقةً من حلقات العوامل التاريخية الدُنيوية التي تشكِّل التاريخ: ليس عملاً يُعَدّ عداً مع عمل البشر. مع ذلك، نقول شيئاً حقيقياً عن الله نفسه في لغة الإيمان. اللغتان تتكلمان عن نفس الواقع. إذا كان كلامنا العلمي التاريخي حقيقياً وجب ان نجد في الواقع أساساً كافياً لكلامنا العلمي. كذلك يجب ان نجد في نفس العالم والتاريخ أساساً كافياً (آثاراً) لـ "قصتنا" الإيمانية الدينية اللاهوتية، فنتكلم بحق عن عمل الله الخلاصي في التاريخ. نلاحظ ان الكلام الديني لا يُضيف شيئاً جديداً، "معلومات جديدة" لما قد قالته اللغة غير الدينية (من أين يأخذ تلك المعلومات؟؟؟). لكنه (الكلام الديني) يُبرز الوجه المجاني غير الضروري المخلوق للواقع الذي قد لفظ به الكلام العلمي. الكلام الديني يرى (مثل موسى) ظل الله الخالق أي "ظهره" بعد ما مر واجتاز... عمل الله الخالق: الإنسان شخص من الله المؤمن يتكلم عن الإنسان: مخلوق من الله. كل كيانه يأتي من الله، مؤسَّس في الله، إنه أولاً من الله وفي ذلك وبذلك هو هو نفسُه. دُنيوياً نحكي عن "الشخص الإنساني"، دينياً نحكي عن "مخلوق" (= مُراد، مُعطى، مجاناً...). الوجهان – "الكون نفسَه" و "الكون من الله" – ليسا وجهين جزئيين متكاملين، إنما كلٌ منهما وجه كلّي لنفس الواقع ولا يُضيف واحدٌ شيئاً الى الآخر. الواقع الذي نعيشه فيه والذي هو نحن سرٌ لا يُسبَر عمقه. كون الإنسان "خليقة الله"، واي خليقة! كونُه "صورةَ الله"... لا يمكن التكلم عنه إلا بلغة الإيمان. كل خليقة (لغة دينية!!) تكشف بكونها شيئاً من الخالق. الإنسان يكشف كثيراً!! كونه "شخصاً" ينال كيانه من غيره ويعطي غيرَه كيانهم... يكشف شيئاً عميقاً عن الله... لكن بنفس الوقت الخليقة والإنسان بالذات يستُر الله أيضاً. نحن لسنا الله، إنما نحن إشارة الى الله. الله لا يحتاج إلينا حتى يكون الله. الله حر، يعطي نفسه لنا بحرية، مجاناً. والعالم المخلوق في ذاته ومن ذاته ليس الله (يشير إليه لمن نظر إليه بإيمان...). نحن نرى الله في منظور غير إلهي: العالم المخلوق. يجب ان لا ننسى هذا عندما يُطرح السؤال عن خصوصية الكشف الإلهي الفريد، المتحقّق في يسوع. ينتج من ما يسبق ان خصوصية يسوع الإنسانية المهمّة لكل البشرية سوف تتبين ولا بد من خصوصية علاقته الفريدة بالإنسان الآخر في سلوكٍ إنساني تحمله علاقةٌ خصوصيةٌ وفريدة بالله الحي، وذلك في داخل حدود التاريخ الأرضي المُبهم. لا يمكن ان ننطلق من "مثاليةٍ" مطلقة فائقة التاريخ... "ثم فتح أذهانهم ليفهموا الكتب" (لو 24: 45) يسوع ليس فيلسوفاً، ولا الدين المسيحي أيديولوجيا. أجدادنا (إسرائيل) قرأوا واقعهم الدُنيوي كشفاً من يـهـوه (أنا معكم...). يسوع يهودي واقف في هذا التقليد. أجدادنا (...) قرأوا يسوع فعلاً خاصاً من يهوه... كشفاً خاصاً، بل حاسماً نهائياً مهمّاً لجميع الناس... يجب ان نحترم هنا ايضاً "اللُغتين": في الإنسان يسوع (ليس خلفه أو فوقه أو...) إمكان ليحكوا "قصةً إيمانية": إله اسرائيل كشف ذاته نهائياً وهذا خلاص لكل إنسان ولجميع الأجيال... الإنسان يسوع كله "من الله". بالطبع، أجدادنا قرأوا قصةَ الله في يسوع بلغة قد تعلّموها "في الكتب" أي خُبرات جماعة يهوه. ما حدث في يسوع جعلهم يفهمون الكتب... وبنفس الوقت الكتب جعلتهم يفهمون يسوع. يبقى ان عندنا الإنسان يسوع وما قاله وما صنعه وكيف عاش ومات... وعندنا (بدون "معلومات" أخرى آتية من طرف آخر...) قصة يسوع الإيمانية... إذا كانت اليهودية تُقرِّب "الرب إلهنا، الرب وحده" (تث 6: 4) (وإذا كنا نعيش في وسط الإسلام) أفلا يكون من المستحسن ان لا نستعجل في الكلام غير المدروس عن "يسوع الله"؟ في قصة يسوع نسمع قصة الله نفسه. معناه: في حياة يسوع الإنسانية ظهر معنى حياة الإنسان (كلاماً وعملاً) كمعيار وقدوة. هنا أيضاً يتحقّق الكشف الإلهي في فعل الإيمان المفسِّر (أعني فعل إيمان الذين يفهمون ويقبلون يسوع معياراً لحياتهم). الكشف ينتهي في جواب الإيمان: نعم! هكذا الحياة الإنسانية الحقيقية، هكذا يجب ان نعيش. حضور الله الأواخري في يسوع وإدراك الإنسان الحاسم لنفسه وعالمه أمران متناسبان. يجب فعلاً ان نتكلّم عن يسوع بلُغتين: تاريخياً وإيمانياً، عن نفس الواقع. ولا توجد لغة ثالثة تُوحِّد اللغتين. إن يسوع إنسان كله إنسان، وفي ذلك هو ظهور تاريخي حاسم لفعل الله الخلاصي النهائي. كيف يجب ان نرى هذين الوجهين الكلِّيين؟ هذه هي المسألة الخريسطولوجية. صَيرورة في الله؟ الفلسفة (واللاهوت) التقليدية تقشعرّ من هذه الفكرة. لقارئ متعوّد على الكتاب المقدس فكرة عادية. في الفكر المعاصر لا يستغربون بعدُ من الفكرة. طبعاً، الله لا يتغير مثل الخليقة... ما في الفكرة من حاجة ونقص لا يوجد في الله. لكن هل هناك فكرة نقص في ان الله كل يوم جديد...؟ ربط علاقات، هل فيه نقص؟ اللاهوت المدرسي يرى فيه نقصاً! لكن هل يتغيّر الله في فعل التجسُّد؟ أم يتغيّر يسوع؟ أظن ان التصوّر يخدعنا هنا. يتصورون "التجسُّد" خطوةً (واحدة) من العرش الإلهي الى بطن مريم العذراء: هذا هو. صار إنساناً. يجب ان لا نرى التجسُّد هذا الشكل: لا كانتقال من السماء الى البطن. التجسُّد هو القصة الإنسانية كلُّها من الحبل (مع تاريخ الأجداد، لماذا لا؟) خلال كل العمر وحتى الموت (والإثبات الإلهي في القيامة). الصيرورة كلها من جهة الإنسان يسوع... هل يساعدنا اليوم كثيراً التكلُّم عن "طبيعات" و "أقانيم"؟ نذكر ما قلنا عن اللُغتين وعن عدم إضافة "الوجه" الديني الى "الوجه الإنساني. أسأل: هل في اعتبار "الثالوث بمعزل من يسوع معنى؟؟ أليس "الثالوث توضيحاً لسر المسيح؟ لا نفهم يسوع انطلاقاً من الثالوث، بل العكس نفهم الثالوث انطلاقاً من يسوع. انطلاقا من يسوع فقط نستطيع ان نفهم قليلاً ما ملء وحدة الله (المُثلَّث الوحدة). من حياة يسوع فقط وموته وقيامته فقط نعرف ان الثالوث هو الطريقة الإلهية لوحدة الله المطلقة. انطلاقاً من يسوع الناصري، خبرته للـ "بابا" كمصدر ولب بشارته وعمله وموته، وقيامته، فقط، نستطيع ان نقول شيئاً معقولاً عن الآب والابن والروح. لأنه: مهمّ في خبرة يسوع للـ "بابا" ان هذا الالتفات الفريد من يسوع الى الآب "يسبقه" بأسبقية مطلقة ويحمله في الصميم التفات الاب نفسه الفريد الى يسوع. التقليد المسيحي القديم يسمّي هذا الالتفات، هذا الإعطاء من الآب لذاته ليسوع (وهو أساس ومصدر لخبرة يسوع لـلـ "بابا"): "الكلمة". كلمة الله تحمل كل حياة يسوع. يسوع في إنسانيته "من الآب" بهذه الدرجة من العمق والخلّة حتى انه إنما في ذلك "ابن الله" مركز إنسانية يسوع ما كان واقعاً في ذاته، بل في الله، الآب. ننظر إلى المعطيات التاريخية... ما يُوطِّد يسوع في كل شيء هو علاقته بالآب: ملكوت الله. خلاص من عند الله للناس... هذا يسوع.
قراءة 4325 مرات آخر تعديل على %AM, %30 %058 %2015 %03:%تشرين2

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *