مقالات عامة
%AM, %23 %378 %2013 %11:%أيلول

الصلاة في الروح

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
الصلاة في الروح أندره لوف قبل مدة طلبوا مني سلسلة من المحاضرات في العلاقة بين صلاة الفرض –الصلاة الطقسية إذن- وبين الصلاة الداخلية، الصلاة في الروح. أتت الدعوة من مجموعة رؤساء لأديرة تأملية في
الصلاة في الروح أندره لوف قبل مدة طلبوا مني سلسلة من المحاضرات في العلاقة بين صلاة الفرض –الصلاة الطقسية إذن- وبين الصلاة الداخلية، "الصلاة في الروح". أتت الدعوة من مجموعة رؤساء لأديرة تأملية في انكلترا وأيرلندا. رئيس المجموعة حدّد الموضوع بواسطة إيراد من "مدخل العبادة" للقديس فرنسيس سلاسيوس مع سؤال حول هذا الإيراد. أولاً الإيراد حسب الترجمة العربية (المطبعة الكاثوليكية، بيروت 1940): "حتى إنه في حين تلاوة الصلوات اللفظية إذا وجدتَ قلبَك ينعطف ويميل إلى الصلاة العقلية أو الداخلية فاقبل هذه الدعوة ودع قلبَك يتحوّل إلى هناك. ولا تُبادل من قطع صلواتك اللفظية أو تركها. لأن صلاتك العقلية هي أكثر قبولاً عند الله وأغزر فائدةً لنفسك". فيضيف مار فرنسيس: "غير أنني أستثني من ذلك فروض الاكليريكيين والرهبان. لأنه في هذه الفروض لا بد من الطاعة وتكميل الواجبات اللازمة" (مدخل العبادة 2: 1: 8، ص 69-70). وسؤال رئيس المجموعة: هل يعني ذلك أننا نحن الذين تلزمنا أربع ساعات من صلاة طقسية لفظية يومياً لم نكن مدعوين إلى درجة أعلى من الصلاة فنكتفي بصلاة من الدرجة الثانية؟. معضلة موضوعة بوضوح من قبل المحترفين بالصلاة في الكنيسة. نلاحظ: حتى الرهبان التأمليون لا يجدون دائماً الرباط بين الصلاة الطقسية والصلاة الباطنية. إنها تعزية لنا وتشجيع. ولا يستحق الرهبان الانكليز اللوم. سؤالهم يعكس رأياً معيناً في الليتورجيا والصلاة الداخلية مازال حياً في اللاوعي الكنسي. فلنعترف ببساطة: في زمن غير بعيد كانوا يعالجون الصلاة الطقسية والصلاة الباطنية كُلاً على حدة، بل كانوا يعتبرونهما نقيضتين تقريباً. كانت الروحية الليتورجية يصعب عليها ربطُها بالصلاة الشخصية، وروحية الاختلاء والسكوت يصعب عليها التعايُش مع الليتورجية. من ثم نشوء عددٍ من "المشاكل" يجادلون فيها بكل جدّ منذ القرن الـ 18. لأي نوع من الصلاة الأولوية؟ أيةُ صلاة أهم؟ الصلاة اللفظية أم الصلاة الصامتة؟ الليتورجية أم التصوُّف؟ بعض "الايديولوجيين" من الروحانية صاروا يسألون –ولا يضحكون!- أيهما "أكمل"؟. وحتى الأُسر الرهبانية الكبرى انقسمت إلى "حزبين" وتريد كلّ منها أن تتخصّص في أحد النوعين من الصلاة. للبعض صلاة الخورس هي الذُروة تأخذ بسهولة مكان كل صلاةٍ صامتة. للبعض الآخر تأتي صلاة الصمت في المكان الأول وتُعفي أحياناً عن صلاة الفرض اللازمة. مجموع رهبان الغرب الذين استلموا قانونهم من مار مبارك كانوا معتقدين أن أباهم قد حلّ المشكلة حلاً نهائياً بالجملة القصيرة المشهورة الواردة مرتين في القانون: "لا يُؤثَر على العمل الإلهي شيء". فكانوا يفهمون العبارة "العمل الالهي" مصطلحاً قديماً لصلاة الخورس. وبالتالي كان جميع البندكتيين يحسّون أنفسهم مدعَّمين من قبل مؤسِّسهم ليصبحوا مجاهدين محترفين في سبيل أولوية الليتورجيا على الصلاة الصامتة. قد برهن دوم أليغيوس دكرس قبل 50 سنة في سلسلة من المقالات أن هذا التفسير تفسير مخطئ تماماً، وسبب بيانه ضجيجاً كبيراً في جيوش الرهبان. بيَّن من المصادر القديمة أن الرهبان لم يكونوا ليتورجيين متحمّسين متطرّفين بل كانوا يعيشون صلاتهم الطقسية طريقاً فقط الى الصلاة الباطنية. مع النتيجة أنهم كانوا يُبعِدون منها كل ما هو فاخر رنّان مُعَرقِل للحياة الداخلية. كذا مشكلة حول العلاقة بين الصلاة اللفظية والصلاة الداخلية لم تكن في الوجود في الكنيسة قبل القرن 15، في الشرق وفي الغرب. الصلاة بالكلام والصلاة بالقلب كُلُ واحدٌ متناغم وكل مؤمن يرتاح إليه. ولكن مفتاح البيت ضاع مع الوقت. للأسف، الليتورجيا انحطّت كُلاًّ مستقلاًّ تلعب فيه القواعد والأحرف الحمراء دوراً مفرطاً وهو أسلوب صلاتي قائم في ذاته مكتفٍ بنفسه. والصلاة الداخلية (" التأمُّل والصلاة العقلية") أيضاً صارت على حِدة وتخلُق أساليبها الخاصة الواحد أكثر من الآخر تعقيداً. منذ عشر سنين نشأ نوع جديد من الصلاة –عادةً في جمع- ومرة أخرى لا يتّضح حالاً رباطه بالصلاة الطقسية أو الصلاة الداخلية: ما يسمّى الصلاة الخارسماتية أو المواهبية. لأول وهلة كأنها صلاة لفظية لأن الكلام فيها كثير، ولو عادةً خارج نطاق الليتورجيا. من ناحية أخرى ترتبط بالباطنية لأن العواطف فيها قوية، فكأنها تنبع من الإعماق. يذكُر بولس الصلاة المواهبية في رسائله، فيمكنها الاعتماد على أوراق نبالة قديمة مثل أوراق نبالة الصلاة الطقسية. فسؤالنا باقٍ: أين الربط بين كل هذه الأنواع من الصلاة؟ مرجَّح أن المفتاح ضاع على مجرى القرون. المفتاح المفقود كان يربط بين الأنواع الكثيرة للصلاة، خاصة بين الصلاة الطقسية والصلاة الداخلية ليس إلا الروح القدس نفسه. له في هذه المسألة دور الأسد. له هو أيضاً دور الأسد في شخص المصلّي. إنما يجعل كل صلاة أياً كان نوعُها صلاةً في الروح. منذ الكتابات الرسولية تُطبَّق العبارة "صلاة في الروح" على صلاة المزامير والأناشيد وعلى صلاة القلب الساكتة معاً. "لا تسكَروا بالخمرة.. بل امتلئوا بالروح، وتَحدَّثوا بكلام المزامير والتسابيح والأناشيد المُلهَمة من الروح" (أف 5: 18-19/ قول 3: 16). واضح أن هذا النص يتكلّم عن حفلة جماعية فيها قلبٌ ليتورجي: مزامير وتسابيح وأناشيد. في مواضع أخرى يوصَف نشاطُ الروح في الصلاة شيئاً يحدُث خاصةً في قلب المصلّي، في دخيلته. "وإن الروح أيضاً يأتي لنجدة ضعفِنا لأنا لا نُحسِن الصلاة كما يجب، ولكن الروح يشفع لنا بأنّات لا توصف" (روم 8: 26). واضح أن المقصود هنا صلاة يلفظ بها الروح في أعمق أعماقنا. العبارة "أنّات لا توصف" سوف تعود في سياق آخر مهم لموضوعنا. لمسيحيي بولس يلعب الروح دوراً مُهماً في نوعَي الصلاة (ويلعب نفس الدور في الصلاة المواهبية التي بـ "لغة الروح" أي الصلاة بلغات –انظر 1 قور 14: 15ت). ما كانت الأنواع المختلفة في الصلاة تشكّل مشكلة في القديم: تتوحّد كلُها في الدور الذي يلعب فيها الروح. كيف حصل ذلك بالواقع عند القيام بالليتورجيا؟ كيف كانوا يعيشون كل ليتورجيا طريقاً الى الصلاة أو الى ما نسمّي نحن أسلوباً أو منهجاً صلاتياً؟ بفضل مار يوحنا كاسيانوس (هو راهب من حوالي 400 أصلح رهبان البروفانس – جنوب غاليا) نستطيع أن نُلقي نظرةً إلى أسلوب صلاة الخورس في أديرة مصر في القسم الثاني من القرن الرابع وهو فترة آزدهار الترهُّب الأول. كاسيانوس رجل شرقي تَجوّل من خلال فلسطين ومصر ووصل أخيراً إلى ما هو جنوب فرنسا حالياً. فالرهبان الذين يلقاهم هناك يحسبهم أدنياء المستوى. فيريد أن يُرقّي هذا المستوى بتأليف كتب تبقى في الغرب مراجع للحياة الروحية يقرأها أجيال من الرهبان. إنها قصة سفر. يحكي رحلَته من خلال أديرة فلسطين ومصر ويُزيّنها بسلسلة من المقابلات مع أنبوات محترمين. مصر معتبرة مهداً للترهُّب، فالإصلاح الضروري لرهبان البروفانس سوف يستفيد من اتّصال مباشر بالإديرة التي ما زالت تُحافظ على التقاليد الأصيلة. فهكذا نملُك في تقرير كاسيانوس الدقيق المشوِّق مصدراً ممتازاً لمعرفة الطقوس في تلك الأديرة. صلاة الليل مثلاً. كان فيها أثنا عشر مزموراً. كيف كانوا يصلّون مزموراً؟ اليوم تناوب جوقة جوقةً أخرى آيةً آيةً. أما في مصر فكان قارئ أو قائد جوقة وحده يُرتّل أو يتلو المزمور، والإخوة الآخرون جالسون براحة يُصغون بانتباه. يقول كاسيانوس إن "بصيرة قلبِهم شاخصةٌ إلى كلمات المزمور وعالقة بها". فيظن من المهم أن قراءة المزمور لا تطول لتجنُّب خطر الملل. فيُقسَّم المزمورُ الطويل إلى مقاطع. فالقارئ الشاب غير المدرّب إذا اندفع إلى التسارع والتطاول لا يلبَث الرئيس حتى يُقاطعه بطُرقةٍ على المقعد. لأن هذا الإصغاء المنتبه للمزمور ليس إلا المرحلة الأولى. وقد لا يكون أهم مرحلة. مقدّمة تقريباً. ثم يلي ما يسمّيه كاسيانوس "فسحة الصلاة" أو "فاصلة الصلاة". حالما يتوقّف القارئ (المرتِّل) يقف الجميع (الوقوف تقليدي عند الصلاة) ويُصلّون بالصمت. مَن كان يطيب له الأمر فيرمي بنفسه في الأرض ساجداً. ويُلاحظ كاسيانوس الواقعي: لا يطُل هذا السجود كثيراً لأن في تلك الساعة الليلية الخطر كبير للنُعاس والنوم والغطيط المزعج. العودة إلى الوقوف أحسن، ومواصلة الصلاة الصامتة واليدان ممدودتان مثلاً. فيلحّ كاسيانوس إلحاحاً في وجوب سكوت تام في قاعة الصلاة: "لابصق ولا سُعال ولا كحّ ولا تَنَحنُح ولا ثأب بصوت عالٍ... الكل يحفظ الصمت التام –على حد قول كاسيانوس- حتى رغم عدد الإخوة الكبير كأنه ما من أحدٍ موجود...". ولا يجوز أيضاً أن يُقطَع هذا السكوت من قبل مَن طاب له أن ينتهز الفرصة لتقديم صلاة شخصية بصوت عالٍ. لا يُناسبه الوقت، بل (حسب كاسيانوس) إنه برهان التهاوُن فيزعج الأخ جيرانه الذين في ذلك الحين مشغولون بصلاة أشدّ منه. بتعبير آخر: المرحلة الثانية لا تعود تكون للصلاة اللفظية أياً كان نوعها، بل هي وقت الصلاة القلبية الداخلية. يتصوّر كاسيانوس استثناءاً واحداً. يقول إنه نادر ولكنه مهم. يقول إنه من الممكن أن أحداً من الإخوة ينفلت منه أنين عن غير عمد: قد يكون علامة لـ "خروج روحه" إلى الله. فيصف هذا الأنين كالآتي: "انين داخلي قد انسلّ إلى داخل القلب بلا وعي ثمرةً من حماسةٍ خارقة لا تحتمل، فيحاول الروح الملتهب ناراً أن يُبرِّد نفسَه بأنّات لا توصف". هذا الوصف غالٍ جداً. يستعمل كاسيانوس كلماته الخاصة عندما يتكلّم عن أعلى اختبارات صوفية. نلاحظ "أنّات لا توصَف" المقتبَس من روم 8 حيث الكلام عن صلاة الروح القدس فينا. واضح: يمكن أن فسحة الصلاة الصامتة بعد السماع للمزمور تنتهي إلى صلاة صوفية من الدرجة العليا. فتتواصل صلاة رهباننا المصريين الفرضية. كان المزمور الأول فقط من الـ 12 التي تلي. في نهاية الفاصلة الأولى يعطي الرئيس إشارة، فواحد من الإخوة، كل في دوره، يقول صلاة ختامية بصوتٍ عالٍ. ثم يجلس الجميع ليسمعوا للمزمور الثاني. بعده تلي فاصلة صلاة قلبية على حسب نفس الترتيب. وهلمّ جرّا، إلى أن اكتُمل السماع للآثني عشر مزموراً مع الصلاة وراءها. هكذا كانوا يقيمون صلاة الخورس في القرون الأولى. واضح أن هذه الليتورجيا كانت صلاةً لفظية وصلاةً قلبية بنفس الوقت. الصلاة بالكلمة –المزامير- كانت لا تُفصَل عن صلاة الصمت. والثانية كانت العاقبة الطبيعية للأولى فكانوا يُكرِّسون لها مدّةً محترمة. تلاوة المزمور كانت انطلاقاً إلى التركيز، والصلاة الصامتة كانت صدى لِما سُمع في المزمور. فلم يقصد مار مبارك شيئاً آخر لما طلب من رهبانه أن لا يُؤثِروا شيئاً على "العمل الإلهي". عنده هو أيضاً كان "العمل الإلهي ما كان يفهمونه في ذلك العصر: صلاة مزدوجة دائماً: لفظية وداخلية. كان المزمور بمثابة رحم الأم التي ولدت قلباً مصلياً. لم يخطر ببالِ أحدِ أن الأثنين نقيضان وأنه يجب الأختيار بين الأثنين: للأم ضد الولد أو للولد ضد الأم. فلنعُد لحظةً إلى تقرير كاسيانوس. بعد الاحتفال الجماعي بصلاة الخورس لم يتخلّص الراهب بعدُ من "عملِ الله" أي موهبته الشخصية للصلاة. عكس ذلك. يُلاحظ كاسيانوس كيف أن الإخوة بعد صلاة الليل يتسارعون كلُ واحدٍ إلى قلايته. لأنهم –على حدّ قوله- يواصلون هناك نفس الصلاة، التي قاموا بأحتفالها حسب القواعد في الكنيسة، الآن بطريقة خصوصية كلُ واحد مع نفسه. ويصف هذه الصلاة بالعبارة الثابتة "مزامير وصلوات" التي نجد فيها البناء الثنائي للصلاة الليتورجية: في نفس الوقت صلاة لفظية وصلاة داخلية. وكانت الليتورجية مرتبطة بالحياة العملية حتى في العمل اليدوي. في عصر كان الجميع يعرفون أهم مزامير عن ظهر القلب، آلتقى مار أوغسطينوس فلاّحين يحرثون أرضَهم وهم يُرتّلون مزامير. هكذا قال مؤلِّف حياة مار مارتينوس عنه إن يومَه الكامل صار عملاً إلهياً مستمراً. هذا الربط الصميم بين الليتورجيا والصلاة الداخلية لا يمكن فهمه إلا على ضوء الربط القائم بين كلمة الله وبين قلبنا. ما يحدُث بين هذين الأثنين خلال فترة السكوت لفاصلة الصلاة يُقِّرر إذا كانت تنبع صلاةٌ حقيقية في قلبنا أم لا. ماذا يحدُث فيه؟ كيف نتعامل مع كلمة الله؟ اللقاء بين قلبنا وبين كلمة الله حدثٌ مهمّ في حياة المؤمن ولا شك. إذ إن الكلمة والقلب خُلِقَ بعضُهما من أجل بعض. إنهما وُضعا في تناسُب وتواؤُم. ملءُ كلمة الله نبلُغه بقلبنا فقط، لا بعقلنا ما دام عقلُنا مفصولاً من قلبنا. بقلبنا وحده نستطيع أن نَدَعُ كلمةَ الله تكون ما هي في الحقيقة: قدرة الله (روم 1: 16). فمن الأهمية بمكان عظيم أننا نباشر العمل بقلبنا العاري إذا جاز التعبير. أعني/ أن نُهَدِّئ قلبَنا قليلاً ونُغلِقه أمام جميع الهموم الأخرى لاهوتية كانت أم دفاعية أم راعوية. لأن هذا اللقاء بين كلمة الله وبين قلب الإنسان أهم بكثير. إنه شيءٌ فريد في حياة الإنسان. القضية هي أن تستيقظ أم تظلّ نائماً، أن تولَد أم تموت. يُعرَض قلبُنا لقدرةِ كلمةِ الله الخلاّقة المُنعشة، بينما تنسحب مَلكاتُنا الأخرى موقَّتاً في سكون وتنتظر بصبر إلى أن يحدُث الحدث، إلى أن يتحقّق في قلبنا مرةً أخرى سر كلمة الله. عادةً قلبنا ناعس، لكنه لوقت ما فقط، لأن روح الله حاضر فيه، يدعو الآب، دون عِلم منا ولا شعور. نفس الروح حاضر في كلمة الله التي من الخارج يخاطب قلبَنا. فمنذ البدء هناك تجانُس بين الكلمة الميقِّظة من خارج وبين الروح المتيقّظ في قلبنا النائم. فهكذا نُصغي لكلمة الله في الليتورجيا، منتظرين مترقبين إلى أن تأتي بمقدرتها الخلاّقة فتُحرِّك قلبنا. وبغتةً، يعرف واحدٌ الآخر، بفضل الروح الواحد الحاضر في الأثنين. فيُضرَب جسر بين قلبِنا وبين الكلمة. تقفز شرارةٌ من القلب إلى الكلمة أو العكس. فبين الروح الساكن في عمق قلبنا وبين الروح النَشِط في الكلمة ينشأ حوارٌ مثمر محيٍ. الكلمة تكشف قلبنا عارياً. وقلبنا المتحرّر في دوره يتمكّن الآن فقط من أن يصغي حقيقةً لكلمة الله. الكلمة والقلب يتعاكس بعضُهما في بعض. فيكتشف القلب نفسَه عضواً جديداً له حواسّ جديدة وحساسية غير معروفة إلى الآن. هناك صورة صالحة لهذا الواقع: صورة الجرح. تجرَح كلمة الله قلبنا جرحاً، الجرح اللطيف لحضور الله المحسوس. لهذا يحدُث عندما تُصيب قلبَنا كلمةٌ معينة من المزمور. فجأةً تَهِجُ الكلمةُ ملتهبةً. فنفهمُها فهماً لم يسعنا قط من قبل. الآن فقط يمكن أن يحدُث شيءٌ بين قلبنا وبين الكلمة، الآن قد توقِظ الكلمة صميمَ قلبِنا للصلاة الباطنية. وهذه بالذات لحظةُ فسحة الصلاة خلال آحتفال الرهبان المصريين الليتورجي. هنا يحدُث شيء مُهِّم: تبادُل بين الكلمة والقلب. في الكتاب المقدَّس أنواعُ التعبير عن معاملةِ كلمة الله مع القلب، وكيف ان قلب الإنسان يهضم الكلمة. أمثلة: يأكل القلب الكلمة ويهضمه (حز 3: 1-3)، يُخفي الإنسان الكلمة في قلبه (مز 119: 11)، يذّخرها في حضنه (أي 23: 12 السبعينية)، يتمسك به (لو 8: 15)، يُقلّبها في قلبه (لو 2: 19) ويُتمتم بها نهاره وليله (مز 1: 2)، وأخيراً يُقيم في الكلمة كمثل في مسكنه (يو 8: 31) والكلمة تُقيم فينا وتسكن فينا (قول 3: 16). يسمّي كاسيانوس المقابلة الباطنية بين الكلمة والقلب "تأرجُح القلب"، أي حركة القلب المترنّح كمثل السفينة على تَموّج البحر، هنا على تموّج الروح، فيؤَرجِح كلمة الله في نفسه لكي يهضمها ببُطء. في القرون الوسطى كانوا يستخدمون لذلك صورةً جسورة واضحة: "مَضغ الكلمة" (مثل البقر المضطجع في المرعى تحت ظلّ شجرة: صورة الهدؤ التام والآنشغال التام والعمل الصبور). مرة أخرى: إنها لحظة مهمّة للغاية، ممكن أهمّ لحظة من كل حفلةٍ ليتورجية. عند الإصغاء لكلمة الله –مزمور أو قراءة- أتأثّر فجأةً بقولِ واحد، فُسحة الصلاة تعطي فرصةً لذلك. لأنه بدون هذه الفسحة لا يمكن: قارئ المزمور قد وصل إلى مزمور آخر... بل يُسمَح لي بأن أتوقّف عند هذه الكلمة، أن أقوم حارساً عليها. أستلمها وأُكرِّرها ببطء، أتذوَّقها، في سكونِ قلبي. أؤرجحها هادئاً هادئاً في مجالي الداخلي، أمضغها لأُخرِج منها كل طعمها. أُشرِّب بها قلبي. هذه هي اللحظة التي فيها تُثمِر الكلمة ثمرتَها في قلبي. وهذه الثمرة هي الصلاة، لأن الصلاة هي دائماً غزارة قلب قد آستيقظ. ثم، بعد الحفلة، آخُذُ هذه الكلمة نفسَها معي، وأُصلي أيضاً معها، يوماً، أكثر بعد... فتكون الصلاة رَدّاَ مني على الكلمة التي قد سمعتُها في المزمور. لقد جعلتُ كلمةَ الله كلمتي، وأُعيدها إلى الروح الذي يُصلّيها في قلبي أمامي وأنا أحاول أن أصلّي في إثره كلَّ مرة. كلمات من الكتاب المقدس بعدما أثَّرت فيَّ هي كلاليب متينة بواسطتها أَتشبّث بالروح الذي يأخُذني وراءه كمثل العربة المقطورة من خلال الصلاة نحو العمل. حفِظ العهد الجديد مثلاً رائعاً من "الصلاة في الروح" التي هي بنفس الوقت صلاة طقسية وصلاة قلبية. هو صلاة "تُعظِّم نفسي الرب" لوقا 1: 46-55. يُعلّمنا علمُ التفسير أن هذا المديح لا يتخصّص بالابتكار: تقريباً كل آية منه توجد في التناخ أيضاً. ولكن هذا بالضبط يُبيّن كيف صنع لوقا هذه الصلاة. إنها معظمها آيات من المزامير سمعها في الليتورجيا "وأتخذها" وحفظها في قلبه وتأمل فيها" (2: 19) قد جعل لوقا منها "في الروح" صلاتَه فوضعها بإلهام الروح عينِه في فم مريم بيت صهيون صلاةً رسميةً لكنيسة الله. فعلاً، "تعظّم نفسي الرب" طريق لتعلُّم الصلاة القلبية وثمرة أيضاً من صلاة قلبية. للختام. ما العمل؟ هل نُعيد في الليتورجيا فُسحات للصلاة القلبية؟ كيف؟ قلنا إن المفتاح قد ضاع. ذلك المفتاح هو الروح القدس. هو عائش في كلمة الله. هو عائش في قلبنا. هو وحده قادر على فتح الباب أمام صلاة يتجاسر بولس على أن يطلب من جميع المؤمنين الاحتفال بها "بلا انقطاع": "واظبوا على الصلاة" (1 تس 5: 17).
قراءة 10971 مرات آخر تعديل على %AM, %30 %057 %2015 %03:%تشرين2

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *