مقالات عامة
الخميس, 29 تشرين1/أكتوير 2015 10:39

مسيرة استكشافية من خلال الكتاب المقدس من موسى الى داود /ج 8

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
الاب كوب
مسيرة استكشافية من خلال الكتاب المقدس من موسى الى داود /ج 8



8) ها هم الملوك قادمون

        تبدأ القصة حول أهل جبعون في يش9 هذا الشكل: "وحدث أنه لما سمع جميع الملوك الذين من هذه الجهة للأردن...، أنهم تجمعوا معاً لقتال يشوع وإسرائيل بالاتفاق" (يش1:9-2). لا يقال ما قد سمعه هؤلاء الملوك، ولكن من البديهي أنه خبر مصير مدينتي أريحا والعي. النص المذكور يلعب في سفر يشوع دور ردة:

  • يش1:5 "وحدث أنه لما سمع جميع ملوك الآموريين الذين من هذه الجهة للأردن...بأن يهوه جفف مياه الأردن قدام بني إسرائيل حتى عبروا، ذابت قلوبهم...".
  • يش1:10 "وحدث انه سمع أدوني صادق ملك أورشليم أن يشوع قد استولى على العي وحرمها...".
  • يش1:11 "وحدث أنه سمع يابين ملك حاصور، فأرسل إلى يوباب ملك مادون، وإلى ملك شمرون وإلى ملك أكشاف...".

        بعد القصص النموذجية عن أريحا والعي وجبعون، يجب التخلص من "جميع ملوك" الأرض. هذا يتحقق في حملتين: حملة ضد أئتلاف ملوك (بالواقع هم أمراء مدن) في الجنوب تحت قيادة أدوني صادق من أورشليم (يش10)، وحملة أخرى في الشمال تحت قيادة يابين من حاصور (يش11). ففي الفصل 12 يُحصَى الملوك المغلوبون إحصاءاً: مجموعهم 31. ثم ممكن أن يبتدئ تقسيم الأرض (يش13-21).

 

        في النادر يمدح الكتاب المقدس الملوك,كلمة "ملك" ترافقها مراراً كلمات مثل "سيف" و"خيل" و"عربات". الملوك يحبون الحرب، يحبون التسلط. أول ما يمثلون في الكتاب المقدس، يجسمون فظاعة التاريخ المليء حروباً(تك14). على إبراهيم أن يحرر ابن أخيه لوطا من أيديهم. في سفر الخروج فرعون ملك مصر هو المتسلط الظالم الكبير على بني إسرائيل. فيحرر يهوه شعبه من يد فرعون، من خيله ومراكبه وفرسانه (خر14). ومن خلال الرحلة في البرية يصطدم بنو إسرائيل بملك أدوم (عد20)، بملك عراد (عد21)، وبملك الآموريين سيحون, وبأوج ملك باشان (عد21)، وببالاق ملك موآب (عد22-24)، وبملوك مدين (عد31). يريد جميع هؤلاء الملوك أن يحولوا دون عبور الشعب، لكن عبثاً.

 

        وفي الأرض أيضاً يجد إسرائيل نفسه أمام ملوك. ملوك من نفس النوعية. أدونيصدق من أورشليم ويابين من حاصور هما نموذجان لملوك الجنوب والشمال. يعودان هما في سفر القضاة. الأول في
قض5:1-7، حيث يحرف اسمه (أدونيصدق=سيدي بر) إلى أدوني بازق تحريفاً مقصوداً. والثاني يعود في قض4 حيث يغلب عليه دبورة وباراق.

 

        والمحاولة الأولى في داخل إسرائيل للقبض على الملوكية كانت حيناً مؤسفاً للغاية. أبيملك ابن يربعل (اسم أخر لجدعون) يذبح إخوانه السبعين على نفس الحجرة الواحدة ليتخلص بالمرة من كل تنافس لاحق (5:9). هو أردأ من أدونيصدق الذي قطع أباهم الأيدي والأرجل لسبعين ملكاً (قض7:1). وما لبث حتى قام أهل شكيم على أبيملك. فيصادف مصرعه أخيراً عندما ترمي امرأة رأسه برحى طاحون (قض53:9).

 

(لا أنا أكون ملكاً عليكم. إنما ملككم يهوه)

        مذ ظهرت في إسرائيل رغبة في ملك، قامت شخصيات نبوية بتحفظات. وليس ذلك غريباً، إذ ان إدخال نظام الملوكية تشكل تغييراً أساسياً في المجتمع. لا تعود الحياة تعاش في داخل حدود الأسرة أو العشيرة، بل على مستوى قومي. الرئاسة المواهبية (نفتكر في موسى ويشوع، والقضاة الذين صاروا قادة على أساس مواهبهم الشخصية ودعوتهم من قبل الله) سوف تبدل بالمبدأ السلالي: الابن ولي العهد يخلف أباه، مع المجازفة أن أشخاصاً عديمي الكفاءات يتسنمون العرش. ثم، سيتطور المجتمع المتضامن إلى مجتمع طبقي فيه منازل ومراتب.

 

        أول من قدم بنو إسرائيل له الملوكية السلالية كان القاضي جدعون. "تسلط علينا، أنت وابنك ابن ابنك، لأنك خلصتنا من أيدي مدين. فقال لهم جدعون: لا أنا اتسلط عليكم ولا ابني يتسلط عليكم، بل يهوه هو ييتسلط عليكم" (قض22:8-23). لقد رأينا أن ابن جدعون قبض على السلطة الملكية عنوة، ويا سلام على النكبات العاقبة!! كان يوثام في حينه روى خرافة فيها تريد الأشجار أن تختار لها ملكاً، فلم تجد أحداً مستعداً لهذه المشغلة إلا العوسجة فقط: قطعة آداب شهيرة ضد الملوكية (أنظر قض7:9-20).

 

        فيما بعد حذر صموئيل الشعب تحذيراً قوياً، حين جاءوا يطلبون ملكاً "ونكون نحن كسائر الامم، فيقضي لنا ملكاً، ويخرج امامنا ويحارب حروبنا "(تصوروا!!حروبنا، وليست حروب يهوه التي كانت موجهة إلى تحرير الصغار الضعفاء فقط!). فيجيب صموئيل: ملككم يكون سلطاناً مستبداً، يفرض عليكم ضرائب، يريد لنفسه نساء وجيشاً، ويستملك أراضيكم وحصائدكم، وتكونون له عبيداً  (انظر 1صم8).

        مع ذلك أتى ملوك في إسرائيل. فلا شك في أن الملوكية صارت ضرورة سياسية. لقد تعقد المجتمع أكثر فأكثر. وكان الفلسطيون يشكلون تهديداً عسكرياً خطيراً. وكان لابد من أن يقابل كل ذلك بفن الحكم والتدبير والتنظيم. وضعت أمام الملك في إسرائيل متطلبات متميزة. نقرأ عرضها في التوراة، في تث14:17-20. يقبل ملك في إسرائيل، على شرط أن يهوه اختاره وأنه لا يحسب نفسه متسامياً على أصحاب قومه. لا يجوز أن يكون سلطاناً مستبداً، "لا يكثر لنفسه من الخيل، ولا يكثر لنفسه من النساء، ولا يبالغ في الإكثار من الفضة والذهب" (السلطة العسكرية والسياسية والاقتصادية!!). لا يجوز أن يعيد الشعب "إلى مصر"، أي إلى العبودية. وعليه أن يقرأ توراة يهوه ويعمل بها "كل أيام حياته".

        بالواقع كان الشعب ينتظر شيئاً كثيراً جداً من ملك يسلك هذا السلوك. "وضعاء الشعب ينصفهم وبنو المساكين يخلصهم، والظالمون يسحقهم... ينقذ المسكين المستغيث، والبائس الذي بلا نصير" (مز72). لكن كم ملكاً أرتفع إلى المستوى المتوقع؟؟

        الخطر الكبير الذي كانوا يخافونه منذ البداية كان ان الملك سوف يتصرف كأنه إله. لذلك قام في إسرائيل في كل وقت أنبياء إلى جانب الملوك كطرف ناقد. النبي يؤشر الملك، يدهنه باسم يهوه. ويعضد الملك ويشجعه في الساعات العصيبة. ولكن من وقت يأخذ الملك يملك باسم نفسه، ويسيء سلطته وينتهك الحق، يجد في طريقه النبي الذي يؤنبه على سوء تصرفه.

 

(أسلم يهوه جميع الملوك إلى أيديهم)

        بل لنعد إلى سفر يشوع. ماذا حدث حسب هذا السفر للملوك الذين وجدهم إسرائيل أمامه في الأرض؟ ضربهم يشوع وبنوا إسرائيل، تقول الرواية في (يش1:12و7). ومرة أخرى كان ذلك بنفس الوقت هبة إلهية ومهمة إنسانية.

        كان الانتصار على الملوك هبة إلهية. "هزمهم يهوه أمام إسرائيل...ورماهم يهوه بحجارة ضخمة من السماء فماتوا". وأظلمت السماء حتى بدا كأن يشوع أوقف الشمس. "حقاً، يهوه قاتل عن إسرائيل" (يش10:1-14، قصة القتال ضد ائتلاف ملوك الجنوب).

 

        وكان مهمة إنسانية أيضاً. قاتل يشوع وبنوا إسرائيل بشجاعة، حتى لما رأوا قوات متفوقة "من الخيل والمركبات" يهجمون عليم. فعرقبوا الخيل واحرقوا المركبات بالنار (يش4:11-9، وهي قصة القتال ضد ائتلاف ملوك الشمال). قد يمكن شرخ هذا التصرف شرحاً تاريخياً من جهل بني إسرائيل للخيل والمركبات واستخدامها. على كل حال تدمرت به المعدات الحربية.

 

        ولكن في هذا التصرف معنى أعمق. إنما الخيل والمركبات تشكل صورة جوهر الحرب الذي يجب إبعاده. من نصوص كثيرة في الكتاب المقدس يظهر الجدل النبوي على "الخيل والمركبات "
(مثلاً تث1:20/هو 4:14/مي9:5/زك10:9/مز8:20/مز10:147-11). تجعل الخيل والمركبات غير صالحة للاستعمال، لأنها تجسيم العنف والحرب فلا مكان لها في الأرض التي يعطيها يهوه. لا يكون إسرائيل شعباً حربياً، لكنه يسكن في سلام وأمن، ولا يفزع أحد.

 

        مؤلف سفر يشوع أحب أن يضع الملوك المغلوبين في قائمة (يش12). يمكننا أن نعتبر هذا الجدول "قطعة من الآداب النبوية. الملوك جميعهم، وإن كانوا لا يزالون موجودين من كل جهة، فأن فعل الماضي المبني على الفتحة في محله هنا لسبب تاريخ العهد: قد سقطوا! لا يكون لهم في المستقبل الموعود به للشعب مجال من بعد للعيش ولا للتسلط ولا للقمع" (كارك ديرلو، يشوع 99-100).

 

        نفس اللغة النبوية نقرأها نحو نهاية سفر يشوع، في ختام تقسيم الأرض على الأثنى عشر سبطاً: "وأعطى يهوه إسرائيل كل الأرض التي حلف أنه يعطيها لآبائهما. فتملكوها وأقاموا فيها. وأراحهم يهوه من كل جهة، بحسب كل ما أقسم عليه آبائهم. ولم يثبت أمامهم أحد من جميع أعدائهم، بل اسلم يهوه إلى أيديهم جميع أعدائهم. ولم تسقط كلمة واحدة من جميع كلمات الخير التي كلم يهوه يها بيت إسرائيل، بل تمت كلها" (يش43:21-45).

 

        يلاحظ عند ذلك كارك ديرلو: "في سفر يشوع كانت القضية قضية كل التوراة، قضية كل الأرض تجاه جميع الملوك. وجب ان يكون كل الشعب متعلقاً بأمر إعطاء يهوه وتملك إسرائيل. قد جرى الكلام الكامل عن الإعطاء والأخذ. قد تحققت كل كلمة طيبة. الوعد الذي بدأ مع إبراهيم، حلف يهوه له في نهاية صعوده إلى الموريا (تك16:22-18) الذي على أساس الردة "الأرض التي حلف أنه يعطيها لآبائهم" قد تحقق: "تمت كلها". إتمام هبة الله غير المكملة حتى الآن حاضر موجود في هذه العبارة "تمت كلها". إنه صيغة ماضٍ نبوي يشابه ما ورد في رؤ5:21: قال الذي على العرش استوى: هاءنذا أجعل كل شيء جديداً.

ثم قال: أكتب! لأن هذا الكلام صدق وحق. وقال لي: قد تم". كارل ديرلو104)

الرؤيا النبوية تفض برنامجاً يطلب شغلاً فيه بعد. "تم كل شيء"، ويجب أن يصنع كل شيء بعد. من الآن نتعمق في سفري صموئيل: كتاب الملوك.

قراءة 42681 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *