مقالات عامة
الأربعاء, 21 تشرين1/أكتوير 2015 11:04

مسيرة استكشافية من خلال الكتاب المقدس من موسى الى داود /ج 7

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
الأب كوب
 
مسيرة استكشافية من خلال الكتاب المقدس من موسى الى داود /ج 7

7) الجبعونيون-عهد ماكر واحتجاج سليم
وان كان امتلاك الارض قد تم نموذجيا، فإن القضية لم تنته بعد.في يش 35:8 قرأنا أن يشوع يتلو التوراة "بحضرة جماعة إسرائيل كلها، مع النساء والأطفال والنزلاء السائرين معهم".
إذا قارنا هذا المقطع بما في تث 10:29-11، لاحظنا ان جماعة واحدة تنقص. إلى جانب بني إسرائيل والأطفال والنساء والنزلاء يذكر هناك "محتطب الحطب ومستقي الماء" أيضاً. إنهم أهون الغرباء النزلاء في إسرائيل. عنهم تتكلم قصة الجبعونيين في يش 9.

نجاة عن طريق الحيلة
جبعون واقعة بالقرب من أريحا والعي. وقد سمع أهل جبعون ما حدث لهاتين المدينتين. فلكي ينفلتوا من نفس المصير المدمر الملاشي يلتجئون إلى حيلة. إذ إنهم قد قرأوا ما هو مكتوب في سفر تثنية الاشتراع 10:20-17-بالطبع، هذا أمر مستحيل من الناحية التاريخية، ولكن سفر يشوع ليس تقريراً تاريخياً، إنما هو سفر نبوي: ماذا نتعلم من الماضي بالنظر إلى المستقبل؟ في تث 10:20-17 يميز، في صدد قتال إسرائيل ضد أعدائه، تمييز بين مدن بعيدة جداً وبين مدن واقعة في الأرض نفسها. في مدن الأرض لا يجوز لبني إسرائيل أن يتركوا أحداً في الحياة. أما المدن البعيدة فيمكنهم أن يقطعوا معاهدة سلم معها ويضطروا سكانها إلى السخرة.

يبدأ وفود جبعون رحلتهم إلى يشوع بأكياس بالية وزقاق خمر عتيقة مشققة مرقعة على حميرهم، ونعال مرقعة في أرجلهم وثياب بالية عليهم "وكان خبز زادهم يابساً مفتتاً. فكأنهم وصلوا من سفرة طويلة جداً. "إننا قادمون من أرض بعيدة، فاقطعوا لنا عهداً " – "وإنما نحن عبيدكم. انظروا ثيابنا وأمتعتنا: ها طريقنا كان طويلاً" (6-13). فلا يستشير بنوا إسرائيل يهوه في الأمر، ويقطعون عهداً مع الجبعونيين. فبعد ثلاثة أيام حسوا أن الجبعونيين قد خدعوهم: انهم ساكنون بالجوار! فلا يريدون أن ينقضوا يمينهم. فيسخرون أهل جبعون سخرة: يكونون جامعي حطب ومستقي ماء "لبيت الله" (23)، "لمذبح يهوه، للمكان الذي يختاره" (27). بتعبير مستور-وقبل فتح أورشليم – يشار إلى الهيكل اللاحق. يجعل الجبعونيون في خدمة المقدس. انهم ملعونون، وع ذلك هم مكرسون ليهوه"إلى هذا اليوم" (27).

(تلك الأمم ستبيدونها)
يبدي المؤلف استهجانه بالملاحظة أن بني إسرائيل قطعوا هذا العهد "دون أن يستطلعوا يهوه" (14). إذ قد أوصاهم الله بإبادة أمم كنعان السبع. "حرمهم تحريماً": الحثيين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحويين واليبوسيين، كما أمرك يهوه إلهك. أن تصنعوا مثل قبائحكم التي صنعوها لآلهتهم، فتخطأوا إلى يهوه إلهكم" (تث 20: 17-18).

سبق لنا أن تكلمنا عن فظاعة "التحريم" أي إبادة شعوب معادية باسم الله (ص23). قد اكتسبت هذه النصوص في التأمل الإيماني وقت المنفى بعداً جديداً. تصبح "الشعوب المعادية" رمزاً إلى عقلية كريهة واردة في داخل شعب الله كما في خارجه.

يكتب كارل ديرلو في هذا الصدد: "الشعوب السبعة تمثل الديانة المذللة للإنسان ولله التي في شعور الكتاب المقدس لا مستقبل لها. للتعبير عن هذا الشعور يستخدم في آداب التناخ معطى (مهجور للمؤلفين أيضاُ) من معطيات تاريخ الأديان، أي التحريم. وليس ذلك لتبرير الذات.
إذا كان إسرائيل يتلوث بعقلية الأمم السبع، فينتظره نفس المصير. بل يفترض سفر تثنية الاشتراع-وهذا صحيح لسفر يشوع إذن-أن هذا المصير قد تم. لماذا الأرض مدمرة؟ (تث22:29-28). "أستأصلهم يهوه من أرضهم..وطرحهم في أرضٍ أخرى، كما هم في هذا اليوم". أهل جبعون يمثلون الأمم المتروكة الباقية التي سوف تضلل بني إسرائيل…موضوع الأمم التي يجب إبادتها ينفخ فينا كراهة لأننا نميل من الأول الى ان نفكر في حرب استعمارية. لكن من كان يقرأ مع جماعة الكنيسة (اليهودية والمسيحية) فلا يجد في هذا موضوعاً انتصارياً. ما حدث لتلك الأمم في القصة (ورق وحبر وإنشاء!!) بصورة غير تاريخية غير واقعية، حدث لإسرائيل في الواقع. في هذا السفر تقوم الأمم السبع بدور إشارة خطر: لا مستقبل إلا في العهد مع يهوه". (ك. ديرلو)
حضور الجبعونيين، وهم باقين في الحياة، ممكن أن يكون عبرة لإسرائيل ودعوة له لانتقاد الذات: هذا ما يتجلى من قصة ثانية عن الجبعونيين. إنها واردة في 2صم21.

لعنة جبعون
لقد جلب شاول أول ملك إسرائيل على نفسه دماءً بقتل بعض السكان من مدينة جبعون. أنتهك عهد السلام الذي كان بني إسرائيل قطعوه مع الجبعونيين في أيام يشوع.

في أيام داود خليفة شاول تقع مجاعة على الأرض ثلاث سنين. وعند طلب المذنب يتذكرون جريمة شاول. فيطلب أهل جبعون الثأر. يريدون أن يقتل سبعة من أخلاف شاول وأن تبقى جثثهم معلقة على خشبة إلى أن يأتي المطر فتنتهي المجاعة.

يستسلم داود لهذا الأثر البربري الباقي من ديانة كنعان. فعلاً بربري وبدائي تفسير المجاعة كقصاص من الله، وكذلك بربري وبدائي الاعتقاد أن هذا الإله الغضبان يجب استعطافه بقربان بشري. هذه مثلٌ من "القبائح" التي كانت الشعوب الأجنبية يصنعونها لآلهتهم، وهذه كان المؤلفون الديوترونوميون يخافون أن بني إسرائيل سوف يغوون بها (تث18:20/ 7: 1-5 خر11:34-17). "جبعون" يرمز إلى تلك العقلية التي داود نفسه أُعدِي من الآن.

يُبقي داود على مفيبوشث ابن يوناثان وحفيد شاول: إيماناً وبراً تجاه صديقه يوناثان (1صم15:20 و2صم9). فيأخذ ابنين لرصفة التي كانت سرية لساول، وخمسة أبناء لميراب، ابنة شاول (+)ويسلمهم إلى أيدي الجبعونيين. في الظاهر يصلح هنا ظلم ويرفع ذنب الدماء. ولكن في الواقع يخلق ظلم جديد : على أبرياء أن يعلقوا بدلاً من المذنبين ولا توهب لهم دفنة : ميتة الملاعين.

احتجاج رصفة
تقوم رصفة ضد ما تحس به ظلماً عظيماً. دون عنف كلمة تثور. إنها تفرش مسح الحداد على الصخرة وتحرس على الجثث. لا تعطي الطيور الجارحة ووحوش البرية مجالاً لتتقرب إليها. نهاراً وليلاً، خلال مدة طويلة جداً-منذ بدء حصاد الشعير (أي آيار-حزيران) إلى أول مطر (أيلول-تشرين 1(10)!! احتجاجاً على الطقس التكفيري الفظيع. وتحتج أيضاً على صورة الإله السائدة التي باسمها يحدث هذا. رصفة قاعدة هناك في أعمق إذلال، كأنها تدعو يهوه نفسه إلى الحساب على غيابه، واسمه "يهوه-أنا أكون هناك" ! في وقت يصمت الجميع، في وقت يبدو الجميع في إسرائيل يحسبون هذا القربان البشري طبيعياً، تقوم رصفة الوحيدة وتعيب. احتجاجها يذكرنا باحتجاج "الامهات الحماقى" في أمريكا اللاتينية.

قد افتهم داود الدرس: إنه يتندم ويتوب. الشيء الوحيد الذي يبقى في وسعه هو أن يعطي القتلى دفنةً مكرمة. فيتذكر الآن أيضاً أن شاول ويوناثان اللذين سقطا في القتال ضد الفلسطيين ثم علقا في بيت شان علامة للأنتصار من قبل أعدائهما، لم ينالا دفنة لائقة قط. فيدفن السبعة مع الملك ِشاول وولي العهد يوناثان دفنة ملكية في مقبرة أسرة قيس أبي شاول.
جبعون لعنة وبركة. إنها رمز لديانة مشينة لله وللإنسان. وإنها أيضاً، بفضل من رصفة، إنذار دائم مستمر. في احتجاج هذه المرأة الصامت لا يزال يسمع صوتٌ يدعونا إلى البر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(+)معظم المخطوطات تقرأ "ميخال"، لكن حسب 1صم19:18 كانت ميراب امرأة عدريئيل، وحسب 2ص 6: 23 بقيت ميخال بلا ولد. نحن نفضل قراءة مخطوطتين: ميراب.
قراءة 5801 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *