مقالات عامة
الخميس, 15 تشرين1/أكتوير 2015 12:21

مسيرة استكشافية من خلال الكتاب المقدس من موسى الى داود /ج 6

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
 
الآب كوب
مسيرة استكشافية من خلال الكتاب المقدس من موسى الى داود /ج 6

6) أريحا والعي-هبة إلهية ومهمة إنسانية
"امضيا وانظرا الأرض وأريحا بالذات (يش1:2). بهذا الكلام أرسل يشوع كشافين. أريحا ترمز إلى الأرض كلها، ما يحدث في أريحا يحتم ما سيحدث في الأرض. ويصح القول نفسه للعي فيما بعد (يش2:7). في أريحا لاقى الكشافان راحاب، وهي أمرأة عالمة بيهوه وتصنع براً وتحكي كلاماً نبوياً. فقد عرف الكشافان ما يكفي لهما: لقيا في أريحا لبني إسرائيل حليفةـ واحدة تريد أن تنضم إلى عهد يهوه. فيعودان إلى يشوع حاملين البشرى: "أن يهوه قد اسلم إلى أيدينا كل الأرض. (يش24:2). الأرض هبة من الله. يتجلى ذلك من طريقة وقوع أريحا في أيدي بني إسرائيل.

لكن قبل ذلك تروى بعض القصص لها طابع ليتورجي طقسي قوي: عبور الأردن بمسيرة وقورة يتقدم فيها تابوت العهد مع التوراة (يش3)، نصب اثني عشر حجراً في مقدس الجلجال (يش4)، ثم ختن الشعب والاحتفال بالفصح الأول في الأرض (يش5). "فانقطع المن من الغد…وأكلوا من غلة الأرض (يش12:5). تذكر هذه الجملة أولاً بما يجري في كل عيد فصح يهودي: تبعد كل خميرة وكل بقايا من الخبز العتيقـ ويأكلون الفطير المصنوع من غلة الشعير الجديد فقط..وثانياً يلمح هذا الذكر إلى أن بني إسرائيل لأول مرة يأكلون من غلة الأرض، لكن غلة لم يزرعوها هم، كمثل في سنة سبتية أو سنة يوبيل
(انظر أح6:25و12).

هذه الافتتاحية الليتورجية تولد فينا الخلق اللازم لنسمع إلى القصص التالية حول فتح مدينتي أريحا والعي: ليس كانها تقارير تاريخية، بل كتفكير وتأمل من المؤمنين في ما قد تعلمه إسرائيل من تاريخه. كل من القصتين تترجم وجهاً أساسياَ من "الدخول إلى الأرض" : على بني إسرائيل أن يتملكوا الأرض التي يهبها لهم يهوه إلههم (أنظريش11:1و15) أو بتعبير آخر: العيش حسب التوراة هو هبة (أريحا) ومهمة
(العي) معاً.

أريحا وراحاب
بجوار أريحا يباغث يشوع رجل يقدم نفسه "رئيس جند يهوه" (13:5-15). لكن قائد الجيش هذا لا يعطيه توجيهات عسكرية بل توجيهات طقسية: "أخلع نعليك من رجليك، فإن المكان الذي أنت قائم فيه مقدس"-تمام ما قيل لموسى في جبل حوريب (خر5:3). مرة أخرة ننال هنا دليلاً على معنى ما يلي: لا توطأ الأرض ولا تؤخذ بكذا بساطة/ إنما هي "أرض مقدسة"، عطية الله.

فبالتالي، يوصف فتح أريحا حدوثاً مقدساً طقسياً (1:6-20). يسير الشعب حول المدينة، مسيرة ليتورجية بصمتٍ تام يرافقهم صوت السبعة الأبواق من قرون الكباش فقط. الكهنة يقودون العملية. خلال سبعة أيام متتالية تسير المسيرة حول المدينة، كل يوم مرة واحدة، وفي اليوم السابع سبع مرات. هذا يجعلنا نفكر في "سبع مرات سبعة"، فنتذكر سبع مرات سبعة أيام بعد الفصح أي اليوم الخمسين لما يحتفل بعيد الأسابيع السبوعات أو عيد العنصرة، عيد حصاد القمح، لكن أيضاً عيد إعطاء التوراة في جبل سيناء. أنما تعلمنا من يش1 أن الأرض والتوراة متعلقان بعضهما ببعض جدا جداً ؟ ثم تذكرها "سبع مرات سبع" مع قرن الكبش" (=يوبيل ، بالعبرية) بالاحتفال بسنة البوبيل (أنظر أح25). بعد سبع مرات سبع سنوات ، في السنة الخمسين، يعاد تقسيم الأرض على ساكنيها وتعاد إلى العبيد حريتهم، لأن "لي الأرض، وإنما أنتم نزلاء وضيوف عندي" (أح23:25).

يكتب كارل ديرلو بهذا الصدد: "الأرض كقاعدة مادية للحرية تأتي "إيجاراً" من يهوه الذي هو مالكها، مرة أخرى إلى الأسرة التي نالها بالأصل. فهذه اللحظة "الأصلية" تروى في يش6. مدينة أريحا التي تمثل الأرض كلها تعطى لإسرائيل، بـ"سبع ضربات"، على صوت أبواق اليوبيل، وبرفع "الهتاف الشديد" (20:6). توحي القصة بأن تشريع سنة اليوبيل معتمد على هذه العطية. (ك. ديرلو، "يشوع" 1981،ص75). الأرض ملك يهوه. هو يعطيها لبني إسرائيل. عند نفخ أبواق قرون الكبش تقع المدينة في أيديهم، دون أي قتال.

المدينة برمتها تحرم تحريماً: "من الرجل وحتى المرأة ومن الشاب وحتى الشيخ، حتى البقر والغنم والحمير، فقتلوهم بحد السيف" (21)-بعد قليل نعود إلى تلك الممارسة الشنيعة.
راحاب فقط، وأهلها، تنجى من التحريم، اعترافاً بالتضامن الذي صنعته إلى الكشافين (يش12:2-14). بيت راحاب مقيم في إسرائيل "إلى هذا اليوم" (25). هذا يعني أن في إسرائيل مكاناً على الدوام لأناس انضموا إلى الشعب وإلى يهوه، مهما كان ماضيهم الوثني أو الأخلاقي. ولكن لا مكان في إسرائيل "لمن يتجاسر على تعمير أريحا" (26). قسم يشوع هذه تدل على شيء آخر ترمز إليه أريحا: اللاإنسانية، بربرية تقريب الأطفال. "أريحا هذه قد تخلص منها‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍.. وإذا عادت فيبدو وكأن هبة الأرض حصلت عبثاً فيجب ان يقوم النبي (انظر 1 مل 34:16-1:17).

التحريم
ولكن هل تصرف يشوع وبني إسرائيل أقل وحشية وبربرية؟؟ ما يكون معنى مجزرة مدن بكاملها مع الأطفال والشيوخ "تحريماً ليهوه"؟ –نحاول ان نفتهم ممارسة التحريم هذه التي خلف عددٍ آخر من القصص "الفظيعة" تفهيماً من السياق الكتابي الواسع.
(1) من الناحية التاريخية، إنها ممارسة وحشية فظيعة يجب تقديرها في المنظور الديني التاريخي للمشرق القديم. كان شعوب مشرقية أخرى أيضاً يظنون أنهم يرضون آلهتهم بجزر العدو بلا رحمة. هكذا يشهد الملك ميسى من مؤاب في نقش من القرن التاسع ق م انه فتح مدينة إسرائيلية بامر من كموش إله الموآبيين : "كلمني كموش قائلاً: قم افتح مدينة نبو من أيدي بني إسرائيل. فانطلقت ليلاً وقاتلتها من الفجر وحتى الظهر، وأخذتها وقتلتهم جميعاً، سبعة آلاف رجل وشيخ وامرأة وفتاة، لأني حرمتهم إكراماً لعشتار كموش". بنو موآب كمثل بني إسرائيل كانوا يمارسون التحريم: عند العدو والمغلوب قتل كل حي وافني أو قرب كل نهب إكراماً للإله. مفهوم الإله المتعلق بذلك تاريخياً-يعني: إله محارب مع شعبه وناصره-يمثل خطوة واحدة فقط في الرحلة الدينية لإسرائيل والإنسانية. هذا المفهوم للإله بدا فيما بعد متعذراً إبقاؤه. مع ذلك، يبقى صحيحاً أن عدداً من القصص الكتابية لها جذورها في هذا الواقع التاريخي.

(2) يقرأ بنو إسرائيل تلك القصص القديمة المتكلمة عن استئصال أمم أجنبية في حين قد استؤصلوا هم أنفسهم من أرضهم، وصارت لهم العمليات العسكرية وتنفيذ التحريم بالحرف شيئاً خيالياً تماماً. في التأمل الإيماني خلال المنفى تكتسب هذه القصص بعداً جديداً، ولهذا السبب أيضاً بقيت محفوظة في الكتاب المقدس. الشعب في المنفى يتساءل ما عسى أن يكون معنى "السكنى في الأرض" و"العيش حسب التوراة" بالضبط.

(3) الحرب التي يشنها الله في الكتاب المقدس هي حرب ضد الظلم. ينحاز يهوه إلى الصغار ويقود عبيداً إلى الحرية. تكتسب هذه القصص معنىً جديداً عمومياً: إنها حرب ضد اللاإنسانية. "إسرائيل"!! يقاتل "الأمم"!! يصبح رمزاً إلى: "على الناس" أن يقاتلوا "اللاإنسانية".

(4) في القصص الكتابية للحرب، وبدون أي شك في القصص "للحروب المقدسة"، يجري الكلام عن قتال الله وليس قتال بشر. لا يجوز لإسرائيل أن يُقيم حروبه هو، إلا "حروب يهوه" وحدها. لا يقاتل إسرائيل من تلقاء نفسه، من مبادرته هو، بل على كلمة من يهوه. يهوه يقاتل من اجل شعبه. يسلم إليهم العدو. في هذا السياق معنى خاص لواجب إسرائيل ان يمتنع عن كل استفادة مادية من هذا القتال. "أريحا" (اقرأ: الأرض، العيش حسب التوراة ليست إنجازاً تحكمياً، بل هي هبة من الله. كل الذهب والفضة والأدوات المعدنية تكرس ليهوه " تدخل خزينة يهوه" ) يش18:6-19). إنها بالضبط المواد التي منها تصنع الأصنام !! حسب سفر تثنية الاشتراع يجب على بني إسرائيل أن يتباعدوا عن الأمم الأجنبية لئلا يغروهم بعبادة آلهة أخرى (تث1:7-6). العبارة "تحريم الأمم الأجنبية" تعني إذن بالواقع: استئصال عبادة الأوثان-وما يتعلق بها من استعباد ومن تجريد ناس من إنسانيتهم.

شيئاً فشيئاً زاد إسرائيل فهماً وإدراكاً أي قتال يقاتله يهوه بالضبط. إنه قتال تحرير الضعفاء والمظلومين. انه قتال في سبيل الحق والبر، ضد اللاإنسانية. إنه في أخر الأمر قتال ضد الحرب والعنف: كما يرتل المزمر: "يهوه يزيل الحروب حتى من أقاصي الأرض، يحطم الأقواس ويكسر الرماح ويحرق التروس بالنار" (مز10:46/أنظر كذلك زك 9 : 9 – 10).

عخان والعي
أول محاولة لفتح العي تفشل (يش7). يوجد في إسرائيل غلط: "خالف بنو إسرائيل أمر المحرّم"، فأخذ عخان …من سبط يهوذا من المحرم، فاتقد غضب يهوه على بني إسرائيل" (1:7). لا يقطع الراوي موقتاً برأيه من المذنب، هل عخان وحده أم كل إسرائيل. انطباعتنا الأولى ان عخان رمز ونموذج لما يمشي غلطاً عند الشعب. لأن المحاولة لفتح العي عائمة في جو مختلف تماماً عن جو أريحا. لا كلام عن يهوه، لا كلام عن عطية. يحسب بنو إسرائيل الفتح أمراً هيناً ليناً: زمرة صغيرة سوف تدبر القضية! (3). أنها كبرياء إنها فقدان التضامن أيضاً: إذ إن فتح الأرض هو شأن الشعب كله (أنطريش1). فالنتيجة هي قلب قصة أريحا. ليست الأمم ذاب قلبهم كمثل في 11:2و1:5، لكن إسرائيل يذوب قلبه (5:7). ليست مدينة الكنعانيين يحاط بها، لكن الكنعانيين يحيطون ببني إسرائيل(9).

جواب يهوه على صلاة يشوع الجسورة الجريئة (6-9)، جواب صارم فظ (10-15). يجب تحديد المذنب بالقرعة-طقس مخوف يسير من المحيط إلى المركز: سبط يهوذا ، عشيرة زارح ، بيت زبدي ، الفرد عخان (16-18) . يعترف عخان بذنبه حالاً : أخذ بعض الكنوز من أريحا لنفسه وخبأها في خيمته تحت الأرض (19-23).

من المذنب فعلاً؟ تظهر القصة صبغةً سحرية بوضعها كل الذنب لدى عخان: يمكن شخصاً واحداً أن يضع حرماً على جماعة كاملة. لكن هناك زائداً عن ذلك. قد أوحى بدء القصة بأن عقلية الشعب كله قد تمرضت. هذا يعني إذن أن المجتمع يولد "واحداً مثل عخان": كل الشعب يخالف العهد وعخان منه الدليل أو الأس.

فيمكننا ان نفسر في هذا المتجه رد فعل يشوع وبني إسرائيل. يستأصل عخان وذووه من بين إسرائيل (24-26). لا يعود ذلك يكون استئصالاً سحرياً لحرم من الشعب، بل هو إدانة عقلية في الشعب: الرأي أن الأرض لا تعود تكون "أرضاً مقدسة"، لكنها أداة للاغتناء الشخصي وهو موقف يتناسى "هبة يهوه" وواجب التضامن. "تقلع هذا الشر من وسطك" (قارن تث7:17).

بعد كل ذلك يبدو عخان وراحاب رمزين متضادين. عخان يظهر أنك أبن إسرائيل لا تنتمي أوتوماتيكياً إلى شعب يهوه: من انتهك العهد ابعد نفسه. أما راحاب فتظهر أن امرأة من الأمم لا تبعد تلقائياً: من تضامن مع تاريخ العهد فمكانه في داخل شعب يهوه. راحاب تنفلت من الحرم وعخان يبعد بالحرم نفسه. تشكل الشخصيتان لسامعي القصة دعوة ناقذةً .

بعدما استؤصل الشر، ينهج يشوع وبنو إسرائيل الإستراتيجية المضبوطة تجاه العي (يش8). تعود المبادرة مرة أخرى إلى يهوه: "إني قد أسلمت إلى يدك ملك العي وشعبه ومدينته وأرضه" (1:8). والخطة العسكرية التي يخترعها يشوع يلعب فيها جميع بني إسرائيل دوراً بتضامن (3-8). ثم قصة الفتح نفسه
(9-29) ثقيلة كريهة حداً مرة أخرى على آذان مسالمة. حربة يشوع الممدودة (18و26), قارن يدي موسى المرفوعتين على عماليق في (خر 17 : 8-16) علامة انها حرب مقدسة لا تنجح إلا إذا كان يهوه يقاتل. فنشير هنا إلى الملاحظات التي أعطيناها أعلاه بخصوص التحريم.

هبة إلهية ومهمة إنسانية
إذا نظرنا إلى الخارطة الجغرافية فلم يفتح من الأرض إلا قطعة صغيرة فقط. ولكن من حيث الفكرة الرئيسية مر بنا كل شيء مع أريحا والعي. قصة أريحا تظهر أن "العيش في الأرض" هبة من الله، هبة مجانية. وقصة العي تظهر أن هذا العيش مهمة إنسانية أيضاً يجب أداؤها بتضامن في جو التوراة والعهد. ما "أعطي" من السماء يمكن الإنسان أن "يناله". بالواقع، لقد بدا هذا واضحاً منذ صحيفة الكتاب المقدس الأولى: ينال الإنسان الحياة من الله فحالاً يصبح مسؤولاً أمام الله عن الخليقة.

القصتان النموذجيتان في أريحا والعي، في راحاب وعخان، تختمان في يش30:8-35 ختاماً ليتورجياً. إنه وقت الراحة: كل إسرائيل مجتمع حول المذبح يسمع قراءة التوراة. وللجميع مكان في جماعة يهوه: الضعفاء أيضاُ و"الراحابيين" : "لم تكن كلمة من كل ما أمر به موسى لم يتلُها يشوع بحضرة جماعة إسرائيل كلها، مع النساء والأطفال والنزلاء السائرين معهم" (35).
نعطي أدناه ملخصاً يطهر منه بناء يش3-8 المتراكز والمتوازن:

يش3-5 ليتورجيا عبور
اثناعشر حجراً
ختان عيد الفصح (ليتورجيا بيتية)
يش6 اريحا هبة الأرض
يش6 راحاب اجنبية تدخل العهد (1: نموذج للجميع)
يش7 عخان أبن من إسرائيل ينقض العد (1: نموذج للجميع)
يش8 العي فتح الأرض
يش30:8 ت ليتورجيا مذبج: قربان
قراءة التوراة (ليتورجيا هيكلية: قارن 2مل23)
قراءة 11790 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *