مقالات عامة
الخميس, 15 تشرين1/أكتوير 2015 12:06

مسيرة استكشافية من خلال الكتاب المقدس من موسى الى داود /ج 5

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
الأب كوب
مسيرة استكشافية من خلال الكتاب المقدس من موسى الى داود /ج 5


5) راحاب وتامار-البر آت من زاوية غير متوقعة
بعد الخطاب الاستهلالي عن أرض الميعاد والتضامن الأخوي الذي يجب ممارسته هناك، يرسل ويريحا يشوع كشافين: "أمضيا وانظرا الأرض بريحا" (يش1:2). أريحا رمز لكل الأرض. ما سوف يحدث في أريحا حاسم لما سيحدث في الأرض. لذلك يتمكن الرجلان بعد اتمام رسالتهما الاستكشافية أن يقولا: "سلم يهوه إلى أيدينا كل الأرض (24).

يعبر الرجلان الأردن فيأتيان أريحا، ويتوجهان حالاً الي بيت البغي راحاب. إلى أين تذهب إذا أردت أن تبقى غير ملحوظ؟ الآية 1 ( تقول حرفياًً: "وأضطجعا هناك". يبدو كأن رسالة الرجلين ترتبك في جهة غير صالحة، لكن سيتجلى أن العكس صحيح.
لم يبق الجاسوسان غير ملحوظين، فافتهم أهل أريحا معنى مجيئهما: "أتيا ليتجسسا الأرض" (2و3). لكن راحاب تخبئ الرجلين وتتخلص من مطارديهما بكلام ملتوٍ: "لم أعلم من أين هما، ولا أدري أين ذهبا" (4-5). جواب يلائم مهنتها: ما شغلها بأصل زبائنها ومأتاهم؟ تمثل راحاب دورها بصورة ممتازة. يخرج المطاردون من المدينة وتغلق الأبواب. الكشافان الإسرائيليان موقتاً في أمن، لكن كيف يخرجان من المدينة مرة أخرى .

إيمان راحاب
قبل ان تحل راحاب هذه المسألة تفسر أولاً موقفها وتصرفها بأسباب. هذا الخطاب (9-13) أوج القصة كلها: "تعلن فيه راحاب بلا تردد إيمانها بيهوه إله إسرائيل. لماذا تنحاز راحاب إلى هذين الجاسوسين الغريبين؟ لماذا تخاطر بنفسها لتخبئهما؟ لأنها هي التي قالت للمطاردين أنها لا تعلم شيئاً تعلم شيئاً واحداً علماً أكيداً: هو ان يهوه إله الخروج أعطى إسرائيل الأرض، وأن يهوه هو الله في السماء من فوق وعلى الأرض من تحت.

هذا الاعتراف بالايمان مصوغ صوغاً فنياً متراكزاً حول وسط :
A قد علمت أن يهوه أعطاكم الأرض (9أ)
B وقد حل بنا رعبكم، وجميع سكان الأرض قد أنحلوت أمامكم (9بـ).
C لأننا قد سمعنا (10أ).
D كيف جفف يهوه مياه بحر القصب قدامكم عند خروجكم من مصر، وما صنعتم بملكي الاموريين اللذين في عبر الأردن سيحون
وعوج اللذين حرمتموهما (10بـ).
C’ سمعنا (11أ).
B’ فذابت قلوبنا، ولم يبق في أحد روح أمامكم (11بـ).
A’ لأن يهوه إلهكم هو إله في السماء من فوق وعلى الأرض من أسفل (11ج).

في الوسط الشهادة بافعال يهوه الخلاصية حين الخروج وفي نهاية الرحلة خلال البرية (D) يسبقها ويتبعها حالً. "سمعنا" (C’-C)، وحولهما رد فعل الأمم: يرتجفون وتذوب قلوبهم (B’-B). الكلمات في B تاتي حرفياً من خر14:15-16 (نشيد شكر بني إسرائسل بعد النجاة عند بحر القصب)، والكلمات في "B مثلاً ستعود في يش1:5 (تعبير عن رد فعل ملوك كنعان على عبور إسرائيل للأردن).

الحلقة الخارجية للأعتراف بالإيمان (A’-A) تعبر عن "علم" راحاب. إنها عالمة بالتوراة وتعترف بإله هذا الشعب. كلامها يمتد من بحر القصب إلى الأردن. فمنذ الآن تتنبأ بما سيكون رد فعل ملوك الأرض. إنها تكلم كلاماً نبوياً. هل هناك صدفة أن الشخص الأول والشخص الأخير في "الأنبياء الاولين" (يش-2مل) يدعيان "نبياً"باللفظ هما امرأتان: دبورة (قض4:4) وخلدة (2مل14:22)؟؟

حيث يصنع بر هناك تتحقق أرض الميعاد
واحدة تلفظ باعتراف إيماني كذا كامل يجدر بها أن تربط معها علاقة تضامن وعهد. فتتم هذه العلاقة في الحديث التالي. يذكر فيه مرتين : نعمة وحق، رحمة ووفاء وأمانة (12و14). هذان الزوجان اللفظيان يخصصان العلاقة العهدية في الكتاب المقدس. المقصود هو وفاء متبادل يتجسم في أفعال ملموسة للحب والرحمة. سوف لا تذيع راحاب خطط الرجلين. وسوف يبقي بنو إسرائيل على راحاب وأهلها عند أخذهم أريحا. حياة الرجلين فداهم.
بعدئذ لم يعسر على راحاب أن تهرب الجاسوسين خارج المدينة المغلقة. بيتها مبني في سور المدينة. تدلّيهما بحبل من الشباك. عليهما فقط أن يختبئا في الجبال حتى يرجع المطاردون، ثم يعبران الأردن إلى يشوع وسائر الإسرائيليين. الحبل الأحمر الذي دلت به الجاسوسين (وقد يجوز أنه بالأصل علامة مهنتها) يكون فيما بعد لبني إسرائيل علامة متفقاً عليها: هنا تسكن راحاب وأهلها، يتركون مرتاحين

(يش22:6-25).
فاستكشف الجاسوسان الأرض، أي أريحا. لم يكونا إلا في بيت راحاب البغي. لم يحاولا مرة أن يجمعا معلومات استراتيجية حول دفاع أريحا العسكري. انه صار تماماً زائداً عن الحاجة. إذ إنهما قد وجدا أن في أريحا الإيمان بيهوه موجود، مخافة الرب موجودة، فيها يصنع بر وتضامن، وهذا هو المهم في آخر الأمر. "البقعة الضعيفة" في سور المدينة، أي شباك البغي راحاب، تبدو مسنداً قوياً للغاية. وعلامة مهنتها المشبوهة، الحبل الأحمر، تصبح علامة للوفاء والتضامن. بغي من الأمم تصبح امراه مؤمنة في إسرائيل. تعترف راحاب بيهوه اله الخروج، الإله الذي يقوم في سبيل الضعفاء والمظلومين، الإله الواحد الحقيقي. تريد أن تعترف بهذا الإله، تريد أن تلتحق بشعبه. هذه ليست المرة الوحيدة في الكتاب المقدس يتعلم فيها إسرائيل من ناسٍ غرباء ما في الحقيقية معنى الإيمان الصحيح والوفاء المتضامن. إنها علامة تفتح كبير وبيان انتقاد سليم على الذات أن إسرائيل حفظ وسلّم في تقليده الإيماني قصصاً مثل قصة راحاب وقصة راعوث وقصة يونان.

يحق للعهد الجديد أن يعترف بأيمان راحاب (عبر31:11) وبرها (يع25:2). لذلك هي مذكورة في نسب يسوع أيضاُ (متى 5:1). في هذا النسب الذكوري جداً ترد إلى جانب راحاب أسماء أربع نساء أخر: تامار وروث وبتشابع ومريم. لنتحدث عن تامار الآن.

تامار البارة
فصة تامار نجدها في تك 38. تحدث في عصر الآباء حين كان التضامن داخل الأسرة والعشيرة إحدى الدعائم الكبرى للمجتمع.
يهوذا-ابن يعقوب واب كبير للسبط الذي يكون أهم سبط في إسرائيل: سبط داود-يتزوج ويولد 3 بنين:عير، اونان وشيلة. عير البكر يتزوج تامار ، ويموت دون نسل. في هذا الوضع كان حسب العرف القديم للمجتمع البدوي على أخي المرحوم أن يتزوج الأرملة. فأول مولود من هذا الزواج الجديد يكون على اسم الفقيد "فلا يمحى أسمه من إسرائيل" (تث 5:25-6). هذا الزواج وارد في روث 11:1-13/5:4-8 وفي مر18:12-27//. كانت هذه العادة تهدف إلى ابقاء الفقيد قبل الأوان في نسل فيصنع له بر. لكن اونان يرفض واجب التضامن هذا. طريقة انسحابه من الواجب جاءتنا بالمصطلح "أونانية" (9). ولما يموت أونان ويقصر شيلة عن الزواج، يرسل يهوذا تامار إلى بيت أبيها. ظنه أن يتخلص رخيصاً من هذا الضجر.

بعد مدة ترى تامار ان يهوذا لا يزوج أبنه شيلة بها وان صار بالغا الآن. فتتلبس بغيا وتدبر أن يجامعها يهوذا دون ان يعرفها. يعطيها بعض الأشياء الشخصية رهن الأجر. وفي الغد، لما يرسل يهوذا صديقاً يدفع الأجر ويأخذ الرهن، لا توجد البغي في أي مكان. يستعمل النص هنا لفظة تعني "بغي المقادس (الكنعانية)" (21و22). فيوضع سلوك يهوذا هكذا في جو عبادة الأوثان: بما انه لا يعطي الأرملة حقها، ينتهك حق يهوه أيضاً (تث17:10-18/17:24) !! .
يظهر بعدئذ ان تامار حامل. يخبر بهذا يهوذا: "زنت تامار كنتك وها هي حامل" (24). فيريد يهوذا الآن أن ينفذ سلطته عليها فتقتل. هو الذي لا يحفظ القانون بنفسه يريد أن يطبقه على غيره إذا كان من مصلحتهّ ! لكن تامار أخرجت خاتم يهوذا وعقاله وعصاه قائلة: "من الرجل الذي هذه الأشياء له أنا حامل" (25). فيعرف يهوذا: "هي ابر مني، لأنني لم أزوجها لشيلة أبني" (26).

في عيوننا قد لا توجد علاقة شديدة بين قصة الخداع والزنى هذه وبين البر. ولكن في منظور الكتاب المقدس صنعت تامار برأ، ليس في المكان الأول لأنها قامت في سبيل حقوقها الشخصية، بل خصوصاً لأنها أرادت ان تصنع براً لزوجها المرحوم. كان سلوكها قاصداً التضامن والوفاء، وهذا بالضبط ما يقصد الكتاب المقدس بـ"البر". البر في الكتاب ليس أولا: عيشاً حسب قواعد وقوانين، إنما هو وفاء وأمانة، سلوك صالح مفيد للمجتمع، وينتج منه خلاص وتمامية: سلام. ليست القاعدة أو المبدأ في الأمام، لكن: تحقيق شركة حياة طيبة. لذلك لا تستخدم كلمة "بر" في الكتاب المقدس مرة واحدة لفرض عقوبة. سلوك المتهم لا يعاير بقواعد وقوانين في المكان الأول. لكن إذا بان أن شخصاً صنع تضامناً ووفاءً، اعلن ذلك الشخص "باراً". قصة تامار تفاجئنا بتوضيح ذلك.

البر من زاوية غير متوقعة
يأتي البر الحقيقي في الكتاب المقدس مراراً من زاوية غير متوقعة. إنه اعتقاد صلب يجتث بصعوبة أن تامار وراحاب وروث وبتشابع يذكرن في نسب يسوع (متى 1:1-17) لأنهن خاطئات و/أو غريبات، فيبرهن أن الله يكتب عدلاً على خطوط عوجاء. نحن على رجاء أنه تجلى الآن أن هذا ليس صحيحاً. راحاب اجنبية فعلاً، مهنتها: بغي. وتامار تتظاهر كذلك في مناسبة واحدة. أنهما تتجاوزان عن القواعد-الرجال الذين يستقيدون من خدماتها فينزلونها على مستوى بضائع تجارية يتجاوزون عنها اكثر منها - . ولكن ما أهونه، بالنسبة إلى إيمان راحاب وبر تامار. انهما تذكران باحترام وتقدير. نساء التناخ ينلن في نسب يسوع مكان شرف. إنهن نماذج مؤثرة أخاذة للوفاء المتضامن، سابقات ممتازات لمريم، أمهات كبيرات للمشيح.

 

قراءة 3255 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *