مقالات عامة
الأحد, 04 تشرين1/أكتوير 2015 10:54

مسيرة استكشافية من خلال الكتاب المقدس من موسى الى داود /ج 4

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
الأب كوب
مسيرة استكشافية من خلال الكتاب المقدس من موسى الى داود /ج 4
 


4) أين تقع أرض الميعاد ؟
بعد مصر والبرية تشكل أرض الميعاد اللوحة الثالثة في رواية إسرائيل الكبيرة. يروي سفر يشوع كيف أن بني إسرائيل يدخلون أرض كنعان ، بعد 40 سنة من الترحلات في البرية. لا يبدو سفر يشوع ألطف جزء من الكتاب المقدس، أبداً. يوصف فيه الدخول إلى الأرض غزوة عسكرية عنيفة، "حرباً مقدسة" (جهاداَ)، يذبح فيها ألوف الرجال والنساء والأطفال باسم الله. هناك رجال سياسيون اليوم يستغلون هذا السفر ليجعلوه ما بسمونه "الحقوق التاريخية لدولة إسرائيل الحالية في أرض فلسطين شرعية. في الحقيقة هل يجدر هذا السفر بمكانه بين الكتب المقدسة ؟

لكن قد يجب أن نعود نتعلم أن نقرأ سفر يشوع ببساطة وسذاجة كما نقرأ قصص يسوع في الأناجيل: مثلاً كبيراً يستهل به الأنبياء الأولون (من يش حتى 2 مل). هذا الجزء الكبير من التناخ نال شكله النهائي بعد المنفى فقط، حين كان بنو إسرائيل فد فقدوا أرضهم القومية من زمان. قراءة منتبهة للفصل الأول تفتح لنا منظورات غير متوقعة.
لا يعطينا يش1 قصة حقيقية. يبتدئ النص حرفياً: "كان …"، لكن الشيء الوحيد الذي " كان" هو التكلم نفسه. 4 خطب متتالية: يهوه يكلم يشوع (2-9)، يشوع يكلم عرفاء الشعب (11)، يشوع يكلم السبطين ونصف السبط (13-15)، وأخيراً الشعب يجيب يشوع (16-18). الحدث قليل والكلام كثير: فصل كهذا في الكتاب المقدس يأتي بتامل في ما مضى وفي ما ياتي.

الفصل واقع في موقع خاص في التناخ: حالاً بعد التوراة (انتهت مع تث)، وفي بدء الأنبياء. في نهاية رحلة البرية حين كان الشعب على وشك عبور نهر الأردن والدخول إلى الأرض. حالاً بعد موت موسى في حين يستعد يشوع ليتخذ دوره. يبتدئ النص بجملة مبنية بناءً متراكزاً يؤطر فيها كلام يهوه بذكر مزدوج لموت موسى:
بعد موت
موسى عبد يهوه
كلم يهوه يشوع بن نون خادم موسى قائلاً:
موسى عبدي

قد مات

يقول الحاخاميم انه وجب ان يموت موسى في البرية لأنه مرتبط تماماً بالتوراة. والتوراة أعطيت في البرية وليس في الرض. مات موسى. يخلفه يشوع. في الحد الفاصل بين البرية والأرض، بين التوراة والنبوة، يبتدئ مع يشوع تفسير التوراة. نراه يحدث في هذا الفصل. بعد الجملة الافتتاحية ينقسم النص إلى جزئين: الوصية (2-9) والتنفيذ (10-18). ويمكن تقسيم كل جزء إلى مقطعين.

الدخول إلى الأرض
ينال يشوع المهمة أن يعبر الأردن مع جميع الشعب. في المقطع الأول (2-6) كلام عملي عن الأرض والقتال. يظهر هذا من مصطلحات "الجهاد" في 5-6: "لا يقف إنسان في وجهك…أنا اكون معك، يقول يهوه". نلاحظ فقط أن يهوه هو يعطي الأرض أو قد أعطاها (2و3و6 في العبري). "الحرب المقدسة" أو "الجهاد" ليس مجرد فتح بشري، إنما الإلحاح في عطية الله.

ثم توصف الأرض بطريقتين مختلفتين. في 3: "كل موضع تدوسه بطون اقدامكم". إنه شخصي جداً وقريب: البيت وقطعة الأرض التي يعيش ويعمل فيها الإنسان. أما 4 فيصف الأرض بأبعاد الأراضي الإقليمية للوطن الكبير في أيام داود وسليمان: "من البرية إلى لبنان، ومن النهر الكبير نهر الفرات إلى البحر الكبير في الغرب" (قارن 1مل1:5-4). بعد المنفى تستعمل عبارات كهذه دلالة على المملكة المشيحية المستقبلية: "وسيملك من البحر إلى البحر ومن النهر إلى أقاصي الأرض" (مز8:72/زك10:9). في عصر قد فقد فيه الشعب أراضيه الإقليمية تفقد العبارة "أرض الميعاد" ما في معناها من بعد جغرافي قومي زائد. مجد المملكة البائد يصبح رؤيا مستقبلية تقصد إلى كل مكان وإلى الجميع: قريباً جداً-كل موضع تدوسه بطون أقدامكم-وواسعاً جداً-" من النهر الكبير إلى البحر الكبير-. هكذا نهيأ لما سوف يحدث للأرض
في 7و8.

"تشدد ونشجع". إنها مهمة يشوع الثقيلة أن يورث الشعب هذه الأرض (6). فلا يكون وحده في ذلك: يعده يهوه بعونه الفعال. لنا الشعور بأن هذه اللغة عن "الأرض" و "الجهاد" يجب أن نفهمها فهماً استعارياً. يتضح ذلك من المقطع الثاني الذي يفاجئنا بالكلام عن التوراة والعهد.

العمل بالتوراة
في المقطع الثاني (7-9) لا تعود كلمة "أرض". بدلاً منها يرد كلام عن التوراة: تعاليم العهد والتوجيهات التي يعطيها الله لشعبه، كلام الحياة وخلاصته "الكلمات العشر". وإذا كانت الحاجة إلى شجاعة كثيرة لامتلاك الأرض (6: "تشدد وتشجع")، فهناك حاجة أكثر بعد إلى شجاعة للعمل بالتوراة (7: "تشدد وتشجع جداً"). يطلب هذا العمل بالتوراة بطريقتين: أولاً بصورة سلبية ومكانية: "لا تمل عنها (التوراة التي أمرك بها موسى عبد يهوه) يميناً ولا شمالاً" (7). ثم إجابياً وزمنياً: ان تتمتم بسفر التوراة نهاراً وليلاً (8): تذوق كلمات التوراة بتكرارها بصوت منخفض.

هذه صفة الإنسان الصديق في مز2:1. في الأثناء اصبحت التوراة الشفهية من 7 سفراً في 8: بيان آخر أن هذا النص من بعد المنفى حيث بدأت التوراة المكتوبة (كتب موسى الخمسة) تلعب دورها.

في تث يصاغ العهد مراراً بطريقة النقيضين البركة واللعنة: من يعمل بالتوراة يحي، ومن لم يسمع لكلام يهوه يمت (تث28و15:30-20 مثلاً). فهنا نجد بركة العهد في 7 بـ: "لكي تفلح حيثما تذهب"، و8 بـ: "حينئذ تصلح طريقك وحينئذ تفلح". أما لعنة العهد فتاتي في 18 فقط.

في آخر هذا المقطع (9) تعود الردة من 6و7: "تشدد وتشجع لان وكذلك تعود مصطلحات الجهاد
من 5: "لا ترهب ولا ترتعب، لان يهوه إلهك معك حيثما تذهب". بهذه الطريقة تدعونا هذه الآية (9) إلى ان نعيد قراءة المقطع الأول على ضوء المقطع الثاني. الجماعة المشردة بلا أرض من بعد المنفى تفتش في هذا النص وراء معنى جديد "للأرض" بحيث ان رواية الإيمان الكبيرة تبقى نافعة مفيدة في هذه الظروف الجديدة أيضاً. فتصبح "الأرض" مجازاً "للتوراة".

لا تتحقق الأرض إلا حيث تتحقق التوراة أي حيث يقام الحق والبر، وهذا ممكن في كل مكان، خارج كنعان أيضاُ. ان التوراة تجعل الأرض قابلة للسكنى فيها. إن التوراة مشروع حياة اليهودية التي فقدت أرضها. لهذا السبب أعطيت التوراة في البرية، ولهذا السبب يموت موسى في البرية، لأن "الأرض" صارت منظوراً مستقبلياً. يقول الحاخاميم: "التوراة وطننا المحمول المنقول".

التضامن الأخرى
الجزء الثاني من يش1 مكون من مقطعين. المقطع الثالث (10-15) يعيد المصطلحات والموضوع من المقطع الأول (2-6). كلمة "الأرض" واردة فيه خمس مرات، إذن سبع مرات في الفصل كله. أما المقطع الرابع (16 – 18) فيرتبط بالمقطع الثاني (7-9).

يأمر يشوع بالاستعداد للعبور. في الجزء الأول جرى الكلام عن إعطاء الأرض فقط (2بـ و6بـ).
أما الآن فالقضية هي امتلاك الأرض (11بـ و15أ). ان أرض الميعاد بنفس الوقت عطية إلهية ومهمة إنسانية. عَنوَنَ عالم فرنسي (G.Auzou) كتابه لشرح يش: "عطاء فتح".
لقد اغتنى المقطع الثالث نسبة إلى المقطع الأول بكلمتين محوريتين: "راحة" (13بـ و 15أ) و "أخ" (14بـ و 15أ). سبط رأوبين وسبط جاد ونصف سبط منسى قد نالوا أراضي في شرق الأردن، لسبب قطعانهم الكبيرة جداً (قارن عد32). قد امتلكوا ارض ميعادهم نوعاً ما منذ الآن. ولكنهم بذلك بالنسبة إلى التسعة الأسباط ونصف السبط الآخرين بمكانة طبقة المالكين نسبة إلى المشردين. فإنما يسمى الآخرون" اخوة" لانهم مشردون محتاجون. إذ أن كلمة "أخ" في الكتاب المقدس لا تدل على درجة ما من القرابة فقط، بل صارت مفهوما لاهوتياً، كمثل "يتيم" و"أرملة" و"غريب". "الأخ" هو الرجل (أو المرأة !) الذي في حاجته وعوزه يستغيثني ويدعوني إلى أن اصبح "قريباً" له أي مسؤولاً عن حقه. في النصوص القانونية "الخ" هو ذاك الذي علي واجبات اجتماعية تجاهه.
أنظر تك2:4و8و10/خر11:2/أح14:25و25و35و39وتث7:15و12/1:22-4/20:23 متى23:5-24/15:18و21 و 40:35.

السبطان ونصف السبط يدعون إلى التضامن الأخوي. يجب عليهم أولاً أن يتعاونا مع أخوتهم في سبيل الحصول على أرض. ولا راحة لهم في الأرض إلا بعدما وجد الأخ راحة في الأرض هو أيضاً. حينئذ وحينئذ فقط وليس قبله يستطيعون أن "يمتلكوا" (15) الأرض التي قد "أعطيت" لهم (13-14). أرض الميعاد تعتبر هنا إذن الموضع الذي ينال فيه الأخ راحة" ("الراحة" في الكتاب المقدس مترادفة مع " أرض الميعاد". أنظر مز11:95/1مل56:8). بعد تفسيرنا للآية الرابعة نستطيع أن نعطيها معنى جماعياً واسعاً: ما دام في عالمنا شعب واحد من " الاخوة " لم يجد راحة، لم تتحقق أرض الميعاد، أورشليم الجديدة.
هكذا ركز يشوع "توراة موسى كلها" (7) في 13 في أمر موسى العملي الملي الواحد لرأوبين وجاد ونصف منسى. التضامن الأخوي مقوم جوهري للأرض وللتوراة معاً. من ساعد أخاً أتم التوراة هكذا فقط تتحقق " الارض " .

جواب جماعة بالغة
في المقطع الرابع -(16-18) يلفظ الشعب بموافقته. الشعب يقرر الطاعة ليشوع كما أطاع لموسى. إنه يقبل يشوع خليفة جديراً بموسى ويعترف به مفسراً بارعاً للتوراة. "ليكن يهوه إلهك معك كما كان مع موسى" (17بـ). بهذه الكلمات، وهي ذات كلمات يهوه في 5، يجعل موسى ويشوع بالتوازي: الطاعة ليشوع تعني الطاعة لموسى، والعكس بالعكس.
هكذا يلفظ الشعب بوفائه للعهد، فنجد عنده في 18 النصف السلبي لصيغة العهد. بعد بركة العهد في 7بـ و8بـ تلي الآن لعنة العهد: "كل من لا يسمع كلامك…يقتل". والآن يمكننا أن نكمل الصيغ الناقصة:
-من يعمل بالتوراة، سيحيا -- من لم يعمل بالتوراة سيموت
-من يعمل بتوراة موسى كلها يكون سعيداً (7-8). من خالف أمراً واحداً من أوامر يشوع يقتل (18).
من يعمل بالتوراة كلها سيحيا -- من رفض إعانة الأخ يموت
والآن يجب أن نتجاسر على قراءة ما هو مكتوب فعلاً:
-من قام في سبيل أخيه أتم التوراة كلها.
هذا الاعتقاد الأساسي يلمس جوهر كل الكتاب المقدس. نتذكر كلمة يسوع في أكبر وصية (متى34:22-40) و"ما صنعتم إلى أصغر أخوتي إلي "صنعتموه" (متى40:25) و "من أحب قريبه أتم التوراة (روم 8:13-10) قارن غل14:5). إنها كلها بالتمام ما قد ورد أول صحيفة من يش.
وأخيراً يعيد الشعب الردة "تشدد ونشجع" التي قد عثرنا عليها 3 مرات في 6و7و9، كل مرة في فم يهوه. "صوت الشعب صوت الله" كما يقول المثل. إنه جواب جماعة متحررة بالغة تكتشف في يشوع نبياً صالحاً وشارحاً ممتازاً للتوراة. يشعر الشعب بان الطريقة التي بها يركز يشوع جوهر التوراة في الدعوة إلى التضامن الأخوي متوقفة على ارتباط يشوع بالرب.

خلاصة
الزواد الذي كان على بني إسرائيل أن يأخذوه معهم عند عبورهم الأردن (10) هو التوراة. لا تكون الحياة ملائمة للعيش ولا تكون الأرض ملائمة للسكنى فيها بدون التوراة "وطنهم المنقول". ومن كان له التوراة كلها أثقل من ان يحملها فيكفي له أن يحمل في فمه وقلبه وذراعيه كلمة واحدة: المعاينة الأخوية. إنها موجز كل السفر. على شرط أن لا نحصر هذه الكلمة في ميدان العلاقات بين أفراد. إذ إن يش1 يتكلم عن علاقة بين أسباط وعن توزيع خيرات الأرض. إنه يخص كل ما في العالم الواسع ليس على ما يرام.

بالواقع، يقول يسوع نفس الشيء في الخطبة على الجبل: "لا تهتموا إذن وتقولوا: ما نأكل، أو ما نشرب، أو ما نلبس؟…اسعوا أولاً لملكوت الله وبره، وذلك كله تزادونه" (متى31:6و33). بر الملكوت يجعل الطعام لذيذاً والعيش نعيماً.

سوف يدخل إسرائيل الأرض بالتوراة التي موجزها عون الأخوة. ولكن أفلا يقوم إسرائيل بمثابة نموذج للإنسانية جمعاء في عالمنا؟ يعلم شرح يهودي: حيثما ورد "إسرائيل" فـأقرأ "آدم" فحيينئذ يكون معنى القصة العميق: سوف تستطيع الإنسانية أن تعيش في العالم عن طريق بر الملكوت الموجز في القول: "أحبوا بعضكم بعضاً كما أحببتكم" (يو34:13).

أين أرض الميعاد واقعة؟ في كل موضع يدوسه بطن قدمك، إذا تمت هناك في سبيل أخيك المحتاج، وإذا صنعت هناك حقاً وبراً على حسب توجيهات الله (توراه). يأتي يوم تتلاحق فيه تلك المواضع الصغيرة من الملكوت إلى أقاصي الأرض.

قراءة 2403 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *