مقالات عامة
الأحد, 04 تشرين1/أكتوير 2015 10:47

مسيرة استكشافية من خلال الكتاب المقدس من موسى الى داود/ ج 3

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
مسيرة استكشافية من خلال الكتاب المقدس من موسى الى داود/ ج 3

3) معالم الطريق في البرية
على إسرائيل أن يهجر بيت العبيد وأن يسلك مسلكاً نحو أرض المعياد. لكن بين مصر والأرض أربعين سنة من البرية. البرية تشكل اللوحة الوسطانية لثلاثية قصة الخروج الكبيرة: إنها ترمز إلى الواقع الملموس اليومي الذي يعيش فيه المؤمن. البرية هي الواقع اليومي المتردد لأسرة الله السالكة مسلكها، مكان المحنة والتجربة والأزمة والخيار اللازم تجديده على الدوام. بكد وغم كان إسرائيل يفتش عن طريه في البرية، فشيئاً فشيئاً اكتشف المبادئ الكبرى التي تقرب تحقيق أرض الميعاد: معالم في الطريق، كلمات محيية، إرشاد من الله نفسه، توراة.

التوراة تنتمي إلى البرية وليس إلى الأرض. ليست التوراة ملكا خاصاً لإسرائيل. إنما هي تعليم حياة يقدم لجميع الذين يريدون السماع. وليست التوراة هدفاً نهائياً، إنما هي مدرسة تدريبية في البر، فيها تبقى الأرض منظوراً مستقبلياً. البرية والتوراة توضحان البعد الإيماني الذي به تصبح السكنى في الأرض أمرا ممكناً.

توصف موهبة التوراة وصفاً بليغاً في مشهد سيناء، سفر الخروج 19-24. ولكن من الملاحظ أن قبل ذلك، في القصص الأولى للبرية (خر15-16، يوضح عن طريق الإيعاز كم التوراة ضرورية للعيش. نتكلم في هذا الفصل عن هاتين القصتين: قصة مارة وقصة المن.

كيف تصبح المياه المرة صالحة للشرب (خر22:15-27)
اجبر موسى (1)بني إسرائيل على الرحيل من ضفة بحر القصب. هكذا النص العبري في 22. لم يكن ينو إسرائيل يميلون كثيراً إلى الرحيل: كانوا بعدهم يحتفلون بتحريرهم (أنظر الآيات السابقة 20-21). مدراش يهودي يجعل بني إسرائيل يعارضون قائلين: "يا موسى، أعداؤنا كلهم غرقوا. فلنعد إلى مصر ونستقر ونسكن هناك وسط قدور اللحوم !!". من هنا بدأت القضية: أن يحسوا أنفسهم مطمئنين في مصر، أن يسكنوا هناك، أن يستسلموا إلى الوضع الراهن. لذلك يجب على موسى الى يضطرهم الى الرحيل، لأن يهوه قال: "لا تعودوا إلى الرجوع في هذه الطريق" (تث16:17/68:28).

ساروا ثلاثة أيام ولم يجدوا ماء. فوصلوا إلى بئر، لكن الماء كان مراً، فسموا المكان "مارة". فيأخذ الشعب "يتذمرون"، الفعل المتداول الذي يدل به الكتاب المقدس على عدم الثقة خلال الرحلة في البرية. صرخ موسى إلى يهوه. إنها صرخة الفقراء والمظلومين التي يسمعها الله دائماً (انظر تث7:26/خر23:2/7:3و9). هذه المرة أيضاً يأتي الجواب حالاً: "فأراه يهوه خشبة، فألقاها في الماء، فصار عذباً". قد يجوز أن هذه كانت ظاهرة من ظواهر البرية: نوع معين من الخشب يجعل الماء المر عذبا. هكذا يعرف اليوم الكشافة المخيمون أن فحم الحطب يجعل الماء العكر رائقاً. ولكن الآن تعطي هذه التفصيلة الفاتنة القصة عمقاً لاهوتياً. أنها إشارة إلى التوراة. لأننا لا نقرأ، كما كنا ننتظر، أن الشعب العطشان شرب من الماء العذب. بدلاً منه نقرأ: "هناك وضع لهم فريضة وحقاً، وهناك وضعهم أمام الخيار قائلاً: إن سماعاً سمعت لصوت يهوه إلهك…فجميع الأمراض التي أنزلتها بالمصريين لا أنزلها بك".

قد وضعت في النص إيماءة ذات معنى بالفعل "أرى"، "دل" في الآية 25("دله يهوه على خشبة"). هذا الفعل بالعبرية من نفس الأصل كمثل الاسم "توراة" الذي حرفياً يعني "توجيهاً"، "تعليماً". فتدعى التوراة-كمثل الحكمة- أحياناً "شجرة الحياة" (أم18:3/سبر23:24-25)، ثم "خشبة" و"شجرة" بالعبرية نفس الكلمة

("ع ص"). الخشبة التي يعطيها يهوه ليست إلا التوراة. زد على ذلك أن المفهومين "مر" و"عذب" لهما في الكتاب المقدس عمقهما اللاهوتي. ليست مياه مارة مرة وحدها، بل العبودية أيضاً (خر14:1) وترك الرب (إر19:2/15:23). عذب الرب ، روحه، توراته (مز11:19/103:119/أم13:24-14). في غيتوات أوربا الشرقية كانوا يعودون لسان الأطفال على أبجد العبرية-التوراة مكتوبة به!-بأنهم تركوهم يلعبون بحروف خشبية مفروشة بالعسل.

في قصة مارة ليس الموضوع الحقيقي ماء، إنما هو التوراة. لماء الشرب أهمية حياة أو موت في برية حرفية (جغرافية). في برية الحياة التوراة مهمة هذه الأهمية. الماء لا يصبح عذباً مشروباً إلا بالتوراة. يقول يسوع نفس الشيء في خطبته على الجبل: اطلبوا أولاً ملكوت الله وبره ثم كل البقية تزاد لكم: حينئذ فقط يصبح الطعام لذيذا والعيش ممكناً. أشد عطش وأعمقه هو العطش إلى البر. من الترجوم-وهو ترجمة التناخ المفسرة بالآرامية-يظهر أن التقليد اليهودي عرف ذلك كل الوقت. نقرأ فيه في الآية 22: "فساروا ثلاثة أيام في البرية وأهملوا التوراة".

بعد هذه كلها نعود نقرأ قصة مارة بعيون جديدة. فنكتشف أن الثلاثية الكاملة لمصر والبرية والأرص موجودة في هذه القصة القصيرة (بالكاد 6 آيات فقط). مارة هي مصر: والمياه المرة غير الصالحة للشرب (نفس العبارة ترجع ثلاث مرات في قصص الضربات: خر18:7و21و24). أيليم، وهناك اثنتا عشرة عين ماء وسبعون نخلة (قارن الأثني عشر سبطاً والسبعين شيخاً لإسرائيل) هي أرض الميعاد، وقد يجوز أنها تشير إلى عيد سكوت، العيد الكبير للماء والتوراة (أنظر يو37:7-39). بين مارة وبين أيليم شعب الله سالك طريقه في البرية وهو أمام الخيار الحاسم. إذا كان يتذمر ويستخف بالتوراة، وصل في آخر الأمر عائداً إلى مصر مع "أمراضها" المرة (26). وإذا كان يجوع ويعطش إلى البر ويعيش حسب معالم التوراة، تمكن من التخييم عند مياه أيليم (27).
خبز كفافنا اليوم (خر16)

إذا أفتهمنا المعنى العميق لقصة مارة، لم يلبث حتى تتوضح القصة التالية للمن. بعد قصة قصيرة عن العطش تتبع قصة طويلة عن الجوع، لكن هنا أيضاً التوراة هي المهمة. خر16 يبتدئ بمسألة طعام، ولكنه يعلمنا خصوصاً عن الجوع إلى البر.

يبدأ الفصل بقسم روائي (1-15): الشعب جوعان فيتذمر، يهوه يعد بطعام ويوفي وعده. من المحتمل أن القصة تتعلق بالمظاهر الطبيعية في شبه جزيرة سيناء. السلوى طير قواطع تنزل هناك مرهقة بعد الرحلة الطويلة فوق البحر المتوسط، فيسهل صيدها. والمن إفراز مقطر حلو طعمه ياتي من قملة نباتية تتطفل على نوع من الطرفاء. إذا كان الشتاء كثير الأمطار فيجمع في كل منطقة سيناء نحو 600 كيلو من المن. الكلمة العبرية "من" تتعلق في القصة بحرف السؤال "ماه" (ماذا؟) (أنظر 15و31و33و35). ولكن كما قلنا: معنى القصة الحقيقي ليس هنا.

إذ إن القصة تنتقل في الآية 16 إلى تعليم، خمسة توجيهات في المن:
1) جمع وجبة واحدة فقط لليوم الواحد (16-18).
2) عدم حفظه إلى اليوم التالي (19-21).
3) وجبتان في اليوم السادس (22-24).
4) عدم جمع وجبة في اليوم السابع (25-30).
5) حفظ وعاء مليء للأجيال الآتية (32-34).

من الواضح أن الراوي يهتم خصوصاً بالقسم الثاني الطويل من الفصل. وقد سبق فأشار إليه في4-5 حيث نجد تعليماً أزيد منه رواية، وحيث نقرأ كلمة "توراة": "فليخرج الشعب ويلتقطه طعام كل يوم في يومه، لكي امتحنهم أيسلكون على توراتي أم لا…".
قصة المن هي أيضاً قصة إيمانية. تعليم وإرشاد، توجيه، توراة. يبدو لي مهمة 3 أشياء:
1)هناك كافٍ للجميع. ما من أحد له زائد أو ناقص: "كان كل واحد قد التقط على قدر أكله" (18).
2)هناك كافٍ لكل يوم. كل زيادة شر. لا حاجة لأحد أن يدخر أو يختزن. والذي يصنعه مع ذلك يصل مرة أخرى إلى "مصر": "المن المنتن" (20) يرمز إلى ما انتن من ماء وأرض في قصص الضربات (خر18:7و21/10:8).
3)يجب أن يحفظ السبت. في اليوم السابع لا يجمع، لأنه في اليوم السابق وقعت حصتان. في اليوم السابع راحة وتنفس، مجال لله والتأمل في التوراة.

هكذا أصبح المن الذي يعطيه الرب لشعبه رمزاً إلى التوراة التي يعطيها الرب. القسم الروائي يختتم في 15 بالجملة: "هو الخبز الذي أعطاكم إياه الرب مأكلاً"، لكنه يفسر في بدْ 16: "هو الكلام الذي أمر به يهوه"، وهذا الكلام ليس إلا التوراة (4)، "محفوظ" الرب. لذلك وجب أن "يحفظ للأجيال" وعاء من المن. الكلمة العبرية "ما يجب حفظه" واردة في 23و32 و33و34 وتدل على حصة المن التي يجب حفظها للسبت أو على وعاء المن الذي يجب حفظه للأجيال الآتية. في أماكن أخرى تشير الكلمة إلى التوراة: "حفظ محفوظ الرب" يعني حفظ وصايا الله. (أنظر تك5:26/أح35/8/ 18 : 30 / 22 : 9 /
عد 9 : 23 /تث1:11).

لا تكون الأرض قابلة للسكنى فيها، لا تكون الحياة قابلة لأن تعاش، لا يكون الطعام طيباً لذيذاً إلا إذا صنع الحق والبر حسب التوراة. وحسب قصتنا يعني ذلك: تضامنا مع الأخ ("كاف للكل")، الاستفادة من الأرض باعتدال، من أجل نفس البر المتضامن ("كاف لهذا اليوم"، لا أغنياء ولا فقراء)، "ويوما سابعاً" للاستراحة والتنفس، لإعطاء الكلام لله، لتعلم التوراة.

في الطريق إلى أرض الميعاد
قبل أكثر من ثلاثين سنة قام القسيس مارتن لوثر كنغ بخطاب مؤثر أمام نصب أبراهام لينكلن التذكاري في واشنطون. وصف فيه حلمه المشهور لأرضٍ فيها "جميع أولاد الله، السود والبيض اليهود وغير اليهود، البروتستنت والكاثوليك، يعقدون الأيدي، يتصافحون، ويرتلون معاً بكلمات الترتيلة العتيقة: "أحرار أخيرا".

بعد ذلك بخمس سنين، في 3 نيسان 1968، قال في خطاب عن ذلك الحلم: "قد لا أدخل أرض الميعاد معكم". اغتيل في اليوم التالي. ولكن الحلم الذي وصفه ما زال حتى اليوم عاملاً ملهماً. كلا، لم تبلغ أرض الميعاد بعد. ولكن القسيس الأسود نصب معالم تؤشر الطريق. فخطوا خطوات واسعة على الطريق إلى إلغاء التفرقة العنصرية.

قصص البرية في الكتاب المقدس تحتوي كذا معالم طريق. في وسط الواقع المر مراراً، تحفظ هذه المعالم حلم أرض الميعاد حياً وتدل على الاتجاه الصحيح. السكنى في الأرض تصبح أمراً ممكناً إذا أخذ ناس يصغون إلى توراة الله، إذ ا صنعوا حقاً وبراً. "لا بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل ما يخرج من فم يهوه يحيا الإنسان" (تث3:8/متى4:4). عندما سمى يسوع نفسه "ماء حياً" و "خبز الحياة"

(يو4 : 14 / 35:6/37:7-39) مدد المعنى العميق لقصص البرية في التوراة. إنه أظهر للناس جوعهم وعطشهم إلى البر. هو الذي شهد لنفسه ان طعامه أن يفعل مشيئة أبيه (يو34:4)، علم تلاميذه، أن يصلوا: "أعطنا اليوم خبز يومنا" (متى11:6). يسوع نفسه توراة الله، كلام الله الموجه المرشد، خبز وشرب الطريق، معلم ومنارة لناس سالكين خلال البرية.
قراءة 3125 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *