مقالات عامة
الأحد, 04 تشرين1/أكتوير 2015 10:41

مسيرة استكشافية من خلال الكتاب المقدس من موسى الى داود/ ج2

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

مسيرة استكشافية من خلال الكتاب المقدس من موسى الى داود/ ج2

2) لا عودة إلى مصر أبداً
قال رابي حنوخ الكساندر: "سبي إسرائيل الحقيقي في مصر أنهم تعلموا تحمله". فتعلق على ذلك دورثي زوله في كتابها "أختر الحياة" بالقول إن حالتهم بالتمام حالتنا نحن المسيحيين من العالم الأول: "عائشين في مجتمع وفرة، لا نشعر أنفسنا في مصر. لقد أحسنا تكييف أنفسنا حتى إننا نشعر أنفسنا مرتاحين في مصر تحت سيطرة فرعون كأننا في البيت. لقد تبنينا مواقف المصريين الأساسية. تعلمنا جيداً أن نتحمل السبي، جيداً بدرجة أننا نحن المسيحيين لا نعود نرى أنفسنا سبايا وغرباء في أرض الغربة" (1980،9).

مصر والبرية والأرض
بالطبع ليست "مصر" في الجمل السابقة مفهوماً جغرافياً. وليست كذلك في آخر الأمر في الكتاب المقدس كما رأينا في الفصل السابق. الرواية الكبيرة لخروج إسرائيل من مصر صارت-من خلال تأملات ليتورجي من قبل أجيال لا عداد لها- رواية لاهوتية. إنها رواية إيمانية لا تحكي عن هنالك وآنذاك بقدر ما تحكي هنا والآن للإنسان المؤمن. صارت مصر والبرية وأرض الميعاد مجازات لعقليات معينة ولظروف حياة. مصر هي كل بيت عبودية، كل وضع يعيش فيه ناس في تنافس شديد. مصر تعني استغلالاً وظلماً وآلهة التسلط والجبروت والفردانية وحق الأقوى.

أما أرض الميعاد فهي أرض الأخوة والبر. يمكن كل إنسان هناك أن يبلغ تمام الحياة لأن كل واحد يناصر قريبه. هناك يعترفون بيهوه وحده، ولا يخضعون لأية سلطة أخرى. أنها أرض للتضامن والتماسك والحرية.

بين مصر والأرض تقع البرية. لا توجد في البرية سبل مطروقة. يجب فيها أن يفتش عن الطريق إلى أضر الميعاد، متكلين على يهوه الذي يرشد المتجه المضبوط.
أم يفضلون أن يستسلموا إلى الوضع الراهن "السائد" ، الظلم السائد، فيرجعون إلى مصر؟ –البرية مكان الأزمة، مكان الامتحان، مكان الاختبار اللازم إعادته كل وقت.

مصر والبرية والأرض كأنها صورة زيتية ذات ثلاث لوحات. اللوحة الوسطانية: البرية.اللوحتان الجانبيتان، مصر والأرض، كأنهما أقصيان، تلقيان ضوءاً على الخيار الذي يجعلنا الإيمان أمامه دائماً: عبودية أم حرية، تنافس أم تماسك، ظلم أم اخوة، آلهة مصر أم آله العهد. أما اللوحة الوسطانية، البرية، فترمز إلى الواقع اليومي الذي نحن البشر متمشين فيه، والذي يجب فيه أن يتحقق ذلك الخيار كل مرة ولا مناص. قصص البرية توضح البعد الإيماني الذي من خلاله تصبح "السكنى في الأرض" أمراً ممكناً.


استكشاف أرض الميعاد
إحدى قصص البرية التي بكل حدة وشدة ترسم ساعة الخيار الحاسم هي قصة استكشاف أرض الميعاد. إنها واردة في عد13-14.

خرج بنوا إسرائيل من مصر. أتت رحلتهم بهم إلى برية فاران بالقرب من قادش، ربيع جنوباً من ارض كنعان . على أمر من يهوه يرسل موسى اثني عشر رجلاً ليستكشفوا الارض . واحداً من كل سبط. تذكر أسمائهم في 4:13-15. بينها أسمان معروفان لدينا: كالب الذي يرسل باسم سبط يهوذا هو أبو الكالبيين، القبيلة التي كانت تسكن منطقة حبرون (أنظر يش6:14-14/14:15-19/ قض10:1-15). ويشوع من سبط أفرايم الذي سوف يخلف موسى. يسمى هنا أولاً هوشع-خلاص (8)، فيغير موسى اسمه يشوع ("يهوه يخلص" (16). تغيير الاسم كهذا يرافق في الكتاب المقدس مراراً دعوة ً خاصة أو انعطافاً حاسماً في حياة شخص، نذكر ابرام /إبراهيم، يعقوب /إسرائيل، شمعون/ كيفا، وهلم جراً.

من الناحية التاريخية يترجح أن قصة عد13-14 تتعلق بتقليد مستقل لجماعة دخلت كنعان من الجنوب. ولكن لا يمكننا اليوم أن نقول شيئاً أكيداً بعد عن كذا تقليد. ثم لا نتعود اليوم نقرأ القصة أولاً من باب الفضولية التاريخية.

بعدما استكشف الكشافة الأرض أربعين يوماً يعودون بتقريرهم. أرض الميعاد موجودة. رأوها وجلبوا منها ثماراً. خاصة عنقود العنب الضخم الذي يحمله رجلان بعصا يثير المخيلة. لكن الشعب الساكن هناك يتخذ في تقريرهم هيئة ضخمة: أنهم أقوياء مقيمون في مدن محصنة عظيمة جداً. حتى بينهم "بنو عناق" –حرفيا طوال الأعناق، جبابرة إذن. أرض الميعاد موجودة، لكن لا يكون سهلاً الدخول فيها.

ففي سائر القصة تتخالف الآراء بوضوح (منذ30:13). كالب (وكما يبدو فيما بعد يشوع معه له ثقة. "نصعد نصعد ونمتلك الأرض، فأننا قادرون عليها" (30). زملاؤه يختلفون عنه رأياً: " لا نقدر أن نخرج على هذا الشعب، لأنه أقوى منا" (31). وهناك متبجحون يجعلون الهدف المثالي مشبوهاً. هل تلك الأرض أرض ميعاد؟؟ "أنها أرض تأكل أهلها…رأينا ناساً طوال القامات…أحسسنا أنفسنا كمثل الجراد!" (32-33). "إنها أرض تأكل سكانها" قد تعني العبارة: أرضاً غير صحية غير خصيبة يبيد فيا الناس. لكن كيف نفهم هذا مع الثمار الوافرة التي جلبوها من تلك الأرض بالذات ومع السكان الأقوياء طوال القامة…؟ لكن المخيلة المتهورة والفزع المشل لا يتركان للجمهور مجالاً للحكم المنطقي. العبارة المهمة هنا: "شنعوا على الأرض…" (32).

فليأخذ الشعب يشكون ويتذمرون. وموسى وهرون يأكلانه. "ليتنا متنا في أرض مصر! يا ليتنا متنا في هذه البرية! "-بل أبشع بعد: يهوه هو المذنب الرئيسي. في عيون الشعب يصبح الإله الحي إله الأموات، وتصبح أرض الميعاد أرض هلاك. "يهوه يأتي بنا إلى هذه الأرض حتى نسقط تحت السيف وتصير نساؤنا وأطفالنا غنيمة. أليس خيرا لنا أن نعود إلى مصر؟" الشعب على وشك أن يلغي عملية الخروج كلها من الأساس: "لنقم رئيساً (آخر) فلنعد إلى مصر" (1:14-4).

هنا ترفع الرأس حركة قد ظهرت في أول ساعة الأزمة للخروج لدى يم سوق-بحر القصب، حركة "العودة إلى مصر" (خر17:13/12:14). سوف يحذر منها الأنبياء (إش1:31-3/أر14:42-19/هو1:11). ويؤكد الكتاب المقدس أساسا: "لا تعودو إلى الرجوع في هذه الطريق أبداً" (تث16:17/68:28). وكان على موسى وهرون، على كال ويشوع، أن يعملوا كل جهدهم لكي يقنعوا الشعب أن يتنازل عن مشروعه المشؤوم (عد5:14-9). نلاحظ فقط تغييراً حاسماً في كلام كالب ويشوع. قال كالب أولاً: " نصعد ونمتلك الأرض. فإننا قادرون عليها" (30:13). والآن يقول يشوع وكالب: "إن كان يهوه راضياً عنا، فإنه يدخلنا إلى هذه الأرض ويهبها لنا" (8:14).

مترجم نحو اليوم
تظهر لنا القصة أربعة مواقف مختلفة. يشوع و كالب مثاليان يعتقدان أن أرض الميعاد أمراً ممكناً. من الممكن: مجتمع جديد حيث يسكن البر والأخوة، حيث يمكن كل إنسان أن يفلح ويعيش بسلام. انه ممكن وإن كانت العوائق كبيرة جداً. يجب علينا أن نحاول وان نحاول أيضاً. لأنه في آخر الأمر ليس شغلنا نحن وحدنا، يهوه سوف يهبه لنا.
موقف العشرة كشافة الآخرين يدعى أحياناً "واقعية". أجل، أرض الميعاد تلك همة عالية جميلة، ولكن القوات المضادة كبيرة جداً. لا نطيق نحن على تلك النظم الضخمة للظلم. دعنا من هذا. ننساه، أحسن!

أما الثرثارون فيشنعون على الهمة العالية. ليست أبداً أرضاً تدر لبناً حليباً وعسلاً. أولئك الذين يسمون أنفسهم مثاليين هم ذئاب بثياب حملان. ما يدعون له هو هدية مسممة: أرض تأكل ساكنيها!! نحن نركض إلى هلاكنا طائشين متهورين.

والشعب الذي سمع كل ذلك يفضل العودة إلى مصر. لم تكن مصر مكاناً سيئا هذه الدرجة رغم كل "شيء". إننا نذكر السمك الذي كنا نأكله في مصر مجاناً والقثاء والبطيخ والكراث والبصل والثوم" (عد5:11). الشعب المتجول في البرية يحولون في مخيلتهم المريضة شقاء بيت العبيد القديم جنة وفردوساً. إنهم يستسلمون إلى الأوضاع القائمة. إنهم يظنون أنهم يختارون أهون الشرين، وبالواقع يختارون أردأ

شيء: السبات المجمد المحجر فيما هو محتوم ولا مناص، الإستكنان في الجمود، ما تسميه دوروثي زوله: الشعور بالاطمئنان في مصر.
ليس من الصعب أن نكتشف هذه المواقف الأربعة في عصرنا. نصطدم بها على الدوام. نلتقي بمئة يشوع وكالب، نلتقي بـ"الواقعيين"، نلتقي بالثرثارين، نلتقي بالجمهور الخامل المنفعل. التقينا بهم مثلاً لمناسبة المظاهرات الكبرى في سبيل السلام في الثمانينات في أوربا:

• المثاليون الذين كانوا يعتقدون أن السلام من الممكن بدون سباق تسلح.
• "الواقعيون" الذين كانوا ضد الأسلحة النووية لكنهم يرتأون إننا عاجزون أمام ذلك النظام الضخم.
• الثرثارون الذين شنعوا على الهمة ويقولون إن جميع هؤلاء أنصار السلام كانوا في خدمة موسكو.
• أخيرا الذين هللوا للوضع آنذاك وأيدوه بالقول إننا بفضله نحن في أوربا في سلام ها40 سنة.

نلاقي هذه المواقف في ميادين كثيرة من الحياة الاجتماعية والسياسية والكنسية: في ميدان العمل والمعاش، في مسألة البطالة وتقسيم العمل، في مسألة الجوع في العالم، مسألة المهاجرين واللاجئين، في النقاشات الكنسية في قضية المرأة في الرتبة…

ان نبقي الحلم حياً
قد يمكن أن تساعدنا قصة الاستكشاف لأرض الميعاد في القيام بتحليل لعصرنا ومكاننا الاجتماعي والديني فيه. يمكننا أن نعاير بها قيمة إيماننا. نحن بصفتنا مؤمنين سالكون طريقاً في البرية. "أحوال مصرية" تحيط بنا في كل وقت، وإذا تفكرنا قليلاً اكتشفناها في داخل قلبنا. الضغط شديد لنعود إلى مصر، لنستكن في نظام معين (لا نظام؟). من الأهمية بمكان حاسم أن نحفظ بصرنا شاخصاُ إلى "أرض الميعاد"، إلى ذلك الحلم للمجتمع العادل البر باسم الله. أحيانا مسموح لبعض الناس بأن يقيموا ساعات، لحظات، في تلك الأرض، كشافة. طوبى لمن مثل يشوع وكالب يحفظون الحلم حياً لمعاصريهم ورفاقهم في الطريق. تعلمنا القصة أن المثاليين هم أيضاً بحاجة إلى توبة: لا يجوز أن يستسلموا لتجربة أن يحققوا الحلم بأنفسهم وحدهم. الرحلة من خلال البرية عمل متضامن باسم الله (قارن عد30:13 بـ8:14). ولكن "إذا لم تكن هناك رؤيا كان الشعب "مطلق العنان" : هذا هو عنوان كتاب دوروثي زوله مستقرض من أم 18:29. هذه المرأة إحدى النبيين والنبيات الذين يحفظون اليوم الرؤيا حية في وسط البرية. ولا تحجب عنا أن الرحلة قد تكون طويلة بعد.

"لا يمكنني أن أعدكم بانتصارات ولا أعدكم بان الامور سوف تتحسن عن قريب، أو أن الجوع سيتلاشى. ولا أظن أنني سوف أعيشه بعد. لأنه من الجنون أن يعد المرء بأكثر مما عنده. ومع ذلك، أو لهذا السبب بالأحرى، أحتاج أنا إلى أخوة وأخوات . أنا بحاجة إلى تعزية في الهزائم. وأنا بحاجة إلى التقليد، إلى التقليد المسيحي، لأنه يحكي لي قصصاً حول التحرير، ولأنه مهم جداً جداً أنك تقدر أن تعتمد على شيء مثل واحد أعمى صار يبصر يوماً ما مثلاً، أو شعب كامل خرج يوماً ما من إرهاب مصر الاستهلاكي المهول، وترك مصر هذه وراءه. أن تروى هذه القصص: هذا هو عندي معنى التقليد المسيحي وخلاصته. فأذكر نفسي بما كان لأجل مستقبلي، لأجل مستقبل الجميع. أنا بحاجة إلى الرجاء النامي من هذا الشكل من التذكر. مرة واحدة قد قام واحد من بين الأموات.
قراءة 3757 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *