مقالات عامة
الجمعة, 11 أيلول/سبتمبر 2015 13:33

بمناسبة أيام الحياة المُكرسة والشبيبة محاضرة نص المحاضرة لماذا الحياة المُكرسة اليوم؟

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)

المطران بشار متي وردة

لماذا الحياة المُكرسة اليوم؟

هل للحياة المُكرسة من فائدة للكنيسة اليوم؟ هل ما زلنا بحاجة إلى رهبان وراهبات؟ ما المُتميّز الذي يُقدمه المكرسون ولا يُمكن لغيرهم من أن يُقدموه؟

أسئلة نُريد التوقف عندها ونحن نبدأ هذا اللقاء الذي يأتي ضمن سلسلة النشاطات الخاصة بسنة الحياة المكرسة التي خصصها البابا فرنسيس. سأجيب على هذه الأسئلة من خلال التوقف عند أسئلة أراها أساسية وهي:

ما هي الحياة المكرسة في الكنيسة؟

وما الذي يُميّز المُكرس عن غيره من المؤمنين؟

وما الذي تنتظره الكنيسة من المكرس؟

السؤال الأول: ما هي الحياة المكرسة في الكنيسة؟

الجواب: الحياة المُكرَسة: هبة الروح القُدس لبُنيان الكنيسة

من أجل بُنيان الكنيسة؛ جسد المسيح يهبُ الروح القُدس العديد من المواهب، والتي يجب أن ننالها كوكلاء أمناء وأعضاء في جسد المسيح: "وليضعَ كلُ واحدٍ منكم في خدمة الآخرين، ما نالهُ من موهبةٍ، كوكلاء صالحين على مواهب الله المتنوعة" (1بط 4: 10). (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية 160). فالحياة المُكرسة هبة لبُنيان الكنيسة. نؤكّد هنا على أن هذه الموهبة، التكريس، مُثلها مثل كل المواهب، هي نتيجة مُباشرة "لعطية (نعمة) الروح القُدس في العماذ"، والتي يهبها الله للجميع، فمن هذه العطية تنبع كل هذه المواهب المتنوعة في الكنيسة.

ففي التكريس يختار الله (الآب) شخصاً (يفرزه ويُخصصهُ له) ليتبعَ ربنا يسوع المسيح (الأبن) ويمنحهُ الروح القُدس القُدرة على الإستجابة للدعوة على نحوٍ صادق. المُكرسون يسمعون ما سمعهُ بطرس ويوحنا ويعقوب على جبل التجلي: "هذا هو إبني الحبيب، له إسمعوا، فيصغون إلى صوتِ الآب، ويجعلون كل ثقتهم فيه في علاقة ألفةٍ مع الأبن: "حسنٌ لنا أن نبقى هنا" (متّى 17: 4). فجوهر الحياة المُكرسة يكون في "الكون مع يسوع" "البقاء مع يسوع". ففي حين يسعى الكاهن "ليُجسّد صورة المسيح الراعي" الذي يُدبّر كنيستهً، يسعى المُكرس من جهتهِ ليُجسّد حقيقة "العطاء الكلي للمسيح" (الحياة عندي هي المسيح" (فيلبي 1: 21)، ومن أجل تحقيق هذه الصورة يختار المُكرس الفقر والطاعة والتبتُل (فالعفة مُطلبٌ من الجميع مُتزجين كانوا أم بتول) أسلوبَ حياةٍ، ليتمكّن من الدخول في علاقة الألفة هذه، مؤمناً ان الله، وهو الداعي الأول له، يهبهُ القوّة لتحقيق ذلك: "ظللتُهم سحابةٌ من السماء" (متّى 17: 5).

التكريس إذن، موهبةٌ تسأل مَن ينالها أن يكون صورة مُسبقة للملكوت، فيختار المُكرس الله حصراً، ليكونَ الأبن في الأبن يسوع المسيح، الذي اختار الله إلهاً أوحد في الحياة، فبشَر بمشروع الخلاص وأتمهُ من خلال عيش حياة الفقر والطاعة والتبتل. المُكرس، يختار شخص يسوع المسيح نفسه أولاً وقبل كل شيء، ويتبع طريقة عيش يسوع لهذا الاختيار، هو الذي اختار الفقر والطاعة والتبتل. وإذا سألنا ربّنا يسوع: كيف لنا أن نتبَعَك في هذا الاختيار فسيًجيب: إن الربّ إلهنا هو الربُّ الأوحد، فأحبب الربَ إلهَك بكل قلبِك وكل نفسك وكل ذهِنِك وكل قوتك، وأحبب قريبَك حُبَك لنفسك" (مر 12: 29- 30).

نالَ المُكرس هذه الموهبة لا لشخصهِ ولخلاصهِ هو، بل لخير الكنيسة وبُنيانها، وسيُحقق خلاصه بقدرِ إستجابتهِ المُحبة مع هذه الموهبة، (والتي يُمكن أن يُسأَ إستخدامها، فيتوهَم الشخص أنه مالكُها، فيعبَث بها). المُكرس يختار شخص يسوع المسيح الفقير والمُتبَتِل والمُطيع، في رغبة صادقة للقائهِ والاتحاد معهُ. (لذلك شبهوا علاقة المكرس بالمسيح على الأرض بعلاقة الخطوبة التي تكتمل في فرح الاتحاد به في الحياة الأبدية). حياة المُكَرس بجملتِها تُمثل إستباقاً لحياة الملكوت، فعندما ننظر إلى حياة المُكرس نختبِر قبساً من الحياة الأبدية. المُكرس يواصل بناء الملكوت الذي بدأه ربنا يسوع، مؤمناً بأن الكلمة الأخيرة هي لله المحبة، وليست للخطيئة. لذا، ينعَم المكرس بسلامٍ داخلي في حالة من الترقَب (السَهر) للقاء يسوع بخلاف حالة القلق والاغتراب التي يعيشها الإنسان المنغَمَس في متطلبات هذا العالم المادية، والتي تتركه جائعاً مهموماً وحزيناً.

أخيراً، المُكرس هو ملاكُ على الأرض، فالله أعطى الملائكة مهمةَ تمجيده والبحث عن خلاص البشر، لذا، عندما يُصلي المُكَرس فهو ينسى نفسه ليقفَ ممجداً الله على عظمتهِ ويسأل منه النعمة والبركة للآخرين الذين يخدُمهم. فإذا تمكنَ من الإستجابة مع متطلبات هذه الموهبة حقق نُضجهُ الإنساني والمسيحي، ونال القداسة التي يُدعى إليها من خلال مُطلقية المحبة لله وللآخرين. وهذا يتطلّب إستعداد المُكَرس ليُحارِب تجربة إمتلاك الأشياء (الفقر)، وإمتلاك الأشخاص (التبتل) وإمتلاك الذات (الطاعة)، ليكونَ مُكرساً بشكل صحيح، ويعيش جذرية تُؤهلهُ ليكون في خدمة الله (تمجيده) وخدمة الإنسان، تماماً مثلُ حياة الملائكة.

السؤال هو: ما الذي يُميّز المُكرس عن غيره من المؤمنين؟ هل سينال الحياة الأبدية على نحو مُباشِر؟

بالطبع دعوة التكريس تنبثق من دعوة العماذ والتي تهدُف إلى تقديس المُعَمَذ. المُكرس يستجيب لدعوة خاصة من قبل الله الآب ليكون إبناً (إبنة) في الأبن المُتجسّد فيجعل حضور ربّنا يسوع واقعاً يُختَبَر في تفاصيل حياتهِ اليومية. لنتذكّر دوماً: هذه الموهبة هي لبُنيان الكنيسة، جسد المسيح. يروي لنا أحد الآباء الذين دُعوا يوماً إلى الاحتفال بالقُداس في كابلة تحضرها الأم تريزا. عندما سألوه عن مشاعره وخبرتهِ قال: ما أتذكره هو كيف تقدمت هذه الأم العظيمة وتناولت القُربان وذهبت إلى الخلف لتُصلي شاكرة، وقامت لاحقاً بالتقرب من مريض وأحتضنتهُ بدالةٍ مثلما أحتضنت يسوع في القُربان.

المُكَرس يتبع ربّنا يسوع لا كتلميذ يسمع لتعاليميهِ فحسب، بل يسعى إلى الإرتباط بشخص يسوع المسيح، فيُفكر أفكار يسوع، ويشعر بمشاعر يسوع ويرغًب ما يرغبهُ يسوع، ويشهَد لهذه الألفة في واقع حياتهِ. هو يتنازل طوعاً وفرحاَ عن أفكاره ومشاعره ورغباتهِ، ليكونَ مُلكاً ليسوع، بل ليكون: "يسوعاً". هذه الحقيقة لن تتحقق في لحظة الاستجابة للدعوة، بل هي مسيرة حياة تتطلب الكثير من الجهود، لأنها عملية خلقٍ جديدة، يتعلَم فيها أن يصغُر هو ليكبُر يسوع، مثلما أن ربنا يسوع تخلّى عن كل شيء شخصي ليكبُر الله فأحبَّ الله وأعطاهُ كل شيءٍ: الفكرَ والقلب والعقل والذهن والقوة، وأختار أسلوب حياة يجعل تحقيق هذا الحُب الإلهي واقعاً. حُبُّ الله تملّك يسوع كلياً، فصارَ الله كل شيءٍ في حياتهِ، فتجاوز كل ما هو شخصي من أجل "مشروع الله الخلاصي".

يُحاول المُكرَس أن يُحقق صورة َالأبن التي يُريدها الله، فيواصل علاقة الحُب التي بدأها الله فيه، فيُحبُ الناس بمحبة الله له، ويُفكر "فكرَ" يسوع. المحبة التي يعيشها المُكرس ليست اختياراً شخصياً: "أنا قررتُ أن أُحبكم"، بل تواصل لمحبة الله التي بدأت فيه، على مثال ربنا يسوع المسيح الذي أعلنَ لتلاميذه: "كما أحبني الآب، فكذلِكَ أحببتُكم أنا أيضا" (يو 9: 15). المُكرَس يقبَل هذا الحُب من الله مجاناً ويُحققه في محبتهِ بمجانية. هذه المحبة ليست "نتيجة" لمحبة الله، بل تواصل، بقدر ما يسمح المُكرس لله أن يعملَ فيه ومن خلالهِ، لذلك، فهو بحاجة إلى عيش الفقر والعفة والطاعة، ليواصل الله محبتهُ للآخرين من خلال المُكَرَس في شمولية العطاء ومجانيتهِ. فالله قدّس يسوع، كرسهُ وخصصه له، صارَ تابعاً له، وكل مُكرّس ينطلق من هذه التبعية ليسوع ليصلَ إلى الله، ويُوصِل معه شعبُ الله أيضاً.

السؤال الآن هو: وما الذي تنتظره الكنيسة من المكرس؟

أشارَ البابا بندكتُس السادس عشر في حديثه إلى المكرسيين سنة 2013: لا تنصتوا إلى الانبياء الدجالين الذين يقولون أنه لا يوجد معنى للحياة المكرسة في الكنيسة اليوم". فالكنيسة تُعلِن وعلى لسان قداسة البابا، من أن هناك معنى للحياة المكرسة اليوم، بل إن الكنيسة بحاجةٍ إليها لذا، دعاهم ليكونوا ساهرين ومتيقظين حتّى لمثل هذه الأصوات النشاز.

الجواب: المكرسون مدعوون ليكون أنبياء عصرهم، ليُعلنوا حقوق الله، وعندما يُعلَن حق الله إلهاً أوحد في الحياة، ينالُ كل إنسان كرامتهُ الحقيقة، إذ تُزال كل الأصنام الأخرى: المال والشهرة والتسلّط ... إلخ. عندما يفقد المُكرسوَن روح النبوة لا معنى لحياتهم ولا لتكريسهم.

المُكرسون هم أنبياء فيعلمون ويعضون ويحتجونَ لصالح الله. هم أنبياء ويخدمون فقراء الله. هم أنبياء فينسحبون صامتين للصلاة. هم أنبياء فيقفون ليتحدوّا شياطين العصر. النبؤة سبب هذه الأنشطة وليس العكس. هناك مَن يُعلم ولكن ليس بالضرورة أن يكون نبياً. وهناك مَن يخدم من دون الحاجة ليكون نبياً. وهناك مَن يختلي لوحده وليس بدافع النبوة. كل مكرس فهِم دعوتهُ على نحو صحيح حطّ أقدامه على طريق القداسة، وهو طريق مُحملٌ بالصعوبات التي ستكون سبب نُضجه وتقديسهِ أيضاً، ولنا في الكنيسة قديسون عظام.

بالطبع كل مسيحي مدعو ليعيش مسيحيتهُ على نحو نبوي فهذه سمةُ "الزمن المشيحاني" مثلما حدث يومَ العنصرة فوقفَ بُطرس مُخاطبا الجموع: "أيُّهَا الرِّجَالُ الْيَهُودُ وَالسَّاكِنُونَ فِي أُورُشَلِيمَ أَجْمَعُونَ لِيَكُنْ هَذَا مَعْلُوماً عِنْدَكُمْ وَأَصْغُوا إِلَى كَلاَمِي، لأَنَّ هَؤُلاَءِ لَيْسُوا سُكَارَى كَمَا أَنْتُمْ تَظُنُّونَ لأَنَّهَا السَّاعَةُ الثَّالِثَةُ مِنَ النَّهَارِ. بَلْ هَذَا مَا قِيلَ بِيُوئِيلَ النَّبِيِّ. يَقُولُ اللهُ: وَيَكُونُ فِي الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ أَنِّي أَسْكُبُ مِنْ رُوحِي عَلَى كُلِّ بَشَرٍ فَيَتَنَبَّأُ بَنُوكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَيَرَى شَبَابُكُمْ رُؤىً وَيَحْلُمُ شُيُوخُكُمْ أَحْلاَماً. وَعَلَى عَبِيدِي أَيْضاً وَإِمَائِي أَسْكُبُ مِنْ رُوحِي فِي تِلْكَ الأَيَّامِ فَيَتَنَبَّأُونَ.(أع 2: 14-20). ولكن المُكرس مدعوا ليكون نبياً بإمتياز. ومن أجل أن نفهم حياة النبوة التي يُدعى إليها المُكرس دعونا نتأمل حياة أحد أنبياء الله، إيليا الذي ظهرَ على جبل التجلي مع موسى يتحدثان مع ربنا يسوع.

فإيليا الذي قال عن نفسه أنه أختيرَ ليكونَ نبياً من بطنِ أمهِ، ودفعتهُ كلمة الله ليتنبأ في مملكة الشمال مع أنه لم يكن مُعداً لهذه المهمة. ظهرَ مُهدداً للنظام السياسي الفاسد الذي أوصل الشعب إلى إنحطاطٍ أخلاقي دفعهم لنسيان إله إبراهيم وأسحق ويعقوب وإتباع آلهةٍ آخرى. تركوا الله الذي خلصّهم من عبودية مصر ليعبدوا "بعل" إله الخصوبة بحثا عن المتعة، رافعين الأدعية له ليُمطرِ عليهم وينالوا الخير. هنا وقفَ إيليا يفضح زيف هذه الآلهة وكذبها ومهددا بإنقطاع المطر، لأن الشعب تناسى وتنكر للإله الحق، وهذا كلّه بسبب فساد السُلطة التي أوصلت الشعب لهذه الحالة. إحتجَ بقوّة ووضوح: الله بعيدٌ عنكم لأنكم أنتم أبعتدموهُ عن حياتِكم. وبّخ الشعب على خطاياهم. وإشتكى لدى الله على تمرّد شعبهِ.

ولكن كيف يُمكن لإيليا أن يتحسس لحضور الله ويُصغي إلى صوتهِ؟

قبل الإجابة على هذا السؤال، علينا أن نؤكد على أن الله هو الفاعِل هنا. فعندما يحتج إيليا على الشعب أمام الله قائلاً: "الشعب كلّه خاطئ وليس فيهم صالح ..."، يُجيب الله: لقد حفظتُ لنفسي كثيرين لم يدنسوا حياتهم بالعبادة للبعل والطاعة لأوامر الملك الكسول الفاسد. فمن الضروري التأكيد على حق الله وحريتهِ في أنه هو صاحبُ المُبادرة وليس إيليا.

كيف سمع إيليا صوت الله إذن وتحسس لحضوره وسط شعبٍ خاطئ كان يتراكض على الجبال والتلال ويصطف أمام هياكل البعل؟ كيف تمكّن من أن يحفظ نفسه طاهراً في وسط فساد أخلاقي مهول، فعبادة بعل كانت مُغرية إذ كانت موجهة لإشباع غرائز الجسد وبإفراط؟ كيف تمكّن من معرفة أثار الله وسط الرمال المتحرّكة؟

كان ذلك ممكنا بسبب إلتصاقهِ بكلمة الله، وإعطاء الأولوية لله. كان له قضية في الحياة، وقضيتهُ كانت: الدفاع عن حقوق الله، وحق الله هو: أنا هو الربُّ إلهَك الذي أخرجكَ من أرض مصر دار العبودية، لا يكن لك إلهٌ غيري". لذا جاء إسمه ليشرح لنا حياته كلّها: إيليا: يهوه هو إلهي. هذه هي قضيتي.

إيليا هو صاحب قضية، لذا، كانت كلمة الله دعوة للإصغاء والتأمل والعمل وفقَ هذه الكلمة. ولم يخسر قضيته لا وقت النجاح ولا في وقت الفشل. لم ينجر إلى غبطة الانتصار ولم ييأس أمام رُعب الهزيمة. كان حضور الله واضحا في حياته في نشوة الغلبة وفي ساعات الخيانة. لم يتراجع أمام خيانة الشعب. لم يستقر في سكون كريت، ولم يُجرَب في نجاحه في بيت أرملة صرفة، ولا في معجزة الكرمل. بقيّ الله أهم من النشاطات اللاحقة، وهذا أعطاه "الحرية والتجدد". الله أهم من إنجازاتي.

المُكرَس، وعلى مثال الأنبياء، له أجوبة مُختلفة عن تلك التي يطرحها العالم. أجوبة غير متوقعة تماما مثلما فعل أنبياء العهد القديم، وهذا متأتٍ بسبب الذي دعاهُ: الله الذي يُفاجأ الإنسان دوماً، ويُؤَكد له أنه أعظم من أن يُحدد بمنهجٍ أو أسلوبٍ أو حديث أو تعريف. لو تأملنا في قصّة لقاء لله بإيليا على جبل حوريب لأكتشفنا أن الله غيّر أسلوب اللقاء، فهو لم يكن في الظواهر المألوفة لأيليا والتي سمِعَ عنها في لقاء الله مع موسى في السابق. لم يكن في البرق والرعد والعواصف، بل جاء على نحوٍ جديد.

السؤال الذي يجب أن مُحفزاً لحياة كل مكرس: ما هي قضيتي اليوم؟

والقضية يجب أن تكون: الشهادة ليسوع المسيح.

العالم يسأل كل مكرس:

هل صحيح أن يسوع المسيح هو ابن الله ومخلص العالم؟

هل صحيح أن الإنجيل هو بشرى الله السارة لكل إنسان؟

هل صحيح أن يسوع هو بُشرى الله "إنجيل"؟

أرني هذا في شهادة حياتِك؟

قضية المُكرس ليست الدفاع عن نظرية أو عقيدة للكنيسة. وليس إنتماء إلى جماعة ومؤسسة؟ قضية المُكرس هي الشهادة لـ: يسوع المسيح هو مُخلصُ العالم"، من خلال أسلوب حياة يكون فيه الله هو الملك. لذا، تأتي العلاقة مع يسوع المسيح أوليةً مُطلقة. فليس العمل لأجل يسوع هو المهم، بل العلاقة معه هي الأهم. العمل لأجل يسوع يأسرنا ويحبُسنا حيثما ما نحن، العلاقة مع يسوع تُحررنا للجديد الغير المتوقّع الذي يُريده منّا. وهذه الخبرة تصح في حياة كل مُكرَس رُفعَ على مذبح الله قديساً.

العالم اليوم يُشغلِنا لمرحلة الهوَس بما لديه من وسائل إتصال، ولكنه لم ينجح في خلق جماعة متضامنة معاً. مؤخراً ظهرت صورة جنازة رجل ومحاورة بين إثنين تقول: "كان له أكثر من 2000 صديق على الفيس بوك، كنت أتوقع المزيد من الناس". بالطبع لم يحضر منهم ولا واحد لمراسيم الدفن.

لذا، أضحى من الضروري العودة: التوبة، إلى أسلوب حياة يكون فيها يسوع هو المركز، ففيه يُمكن أن نعيش لقاءً صادقا، وتعانقاً ودوداً وشرِكة وتضامن في أخوة أصيلة. فنحن في حجٍ مُقدَس إلى الله يكون فيها الأولوية ليسوع حاملين نظرة صافية وفكراً إنسانياً وتواضعاً في قبول الآخر الباحِث عن معنى لحياتهِ.

إذن، ينتظر الله والعالم من المُكرس أن يكون الحارس اليقظ لحضور الله المُحِب. أن يكون قناة صافية لمحبّة الله، وأن يعمل جاهداً ليُنقي حياتهُ هو أولاً من "تجربة الفردانية والذاتية" التي تسود حياتنا، فيكون بذلك أو شهادة إحتجاج في عالمنا، وإنموذج حيّ للشبيبة ليتبعوه.

نحن لا نُبشر بإلهٍ واحدٍ فحسب، بل نُبشِر بإله يسوع المسيح: المحبّة. لذا، يشهد المُكَرس في حياتهِ لهذه المحبة من خلال قُربهِ الودود والصادِق، وإصغائه المتواضِع والصبور إلى هموم الآخرين الذين يبحثون عن الله الذي خرجَ إلى لقائهم.

المُكرس إنسان يُريد أن يُشرِك الآخرين بفرح اللقاء مع الله. هنا، لابد من الإشارة إلى أن صدِقَ دعوة المُكَرَس تكمن في الفرح الذي يعيشهُ بأنهُ صارَ أهلاً ليكونَ مُكرس الله، قدّسه الله لأجل شعبهِ.

قراءة 12345 مرات
المزيد في هذه الفئة : « سفر ايوب والتألم مغارة الميلاد »

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *