مقالات عامة
الأحد, 15 تشرين2/نوفمبر 2015 08:33

مسيرة استكشافية من خلال الكتاب المقدس من موسى الى داود /ج 10

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
الأب كوب
 
مسيرة استكشافية من خلال الكتاب المقدس من موسى الى داود /ج 10
10) تقلبات مع الفلسطيين وتابوت العهد
تختتم قصة مولد صموئيل وصباه بالجملة الأولى للفصل الرابع: "وكان كلام صموئيل إلى كل إسرائيل". ثم تلي في الفصول الرابع والخامس والسادس رواية لا يلعب فيها صموئيل أي دور. فيها الدور الأول للفسطيين. أو بالأحرى لتابوت يهوه الذي عرفناه من مقدس شيلو: كان صموئيل الصغير يحرس عليه (1صم3:3).

الفلسطيينون
في رحلتنا الاستكشافية من خلال الكتاب المقدس نلاقي هنا الفلسطيين لأول مرة. كان الفلسطيينون دخلاء في ارض كنعان، وصلوا إلى كنعان في نحو نفس الفترة كبني إسرائيل. كانوا شعباً هندياً أوروبياً آتين من منطقة البحر الأبيض المتوسط (كريت؟ آسيا الصغرى؟). كانوا يشتركون في الترحلات الكبرى لـ "شعوب البحر" المتحركة في غضون القرن الثالث عشر قبل المسيح. فحاولوا أولاً ان يتسللوا إلى مصر، لكن فرعون رعمسيس الثالث طردهم. فاسقروا في ساحل الأرض التي سميت باسمهم فيما بعد: فلسطية. كانوا يسكنون في مدن غزة واشقلون واشدود وجت وعقرون. زكام ملوك هذه المدن الخمس قادة الشعب السياسيين.

كان الفلسطيون يتفوقون على بني إسرائيل بتنظيمهم السياسي والعسكري. كانوا قد تعلموا استخدام الحديد، فيسيطرون بالواقع على صناعة الأسلحة كلها (أنظر 1صم19:13-22). في أيام صموئيل تسللوا إلى داخل الأراضي واحتلوا أجزاء كبيرة من كنعان. وكانوا-من الناحية التاريخية-يشكلون أكبر خطر على بقاء القبائل الإسرائيلية. ثبت إسرائيل وجوده بإنشاء النظام الملكي فقط وبفضل فن داود في إدارة أمور الدولة.

الرواية التي نحن الآن بصدد آمرها، في 1صم 4، تبتدئ بمحاولة للتخلص من نيرالفلسطيين. فعسكر بنو إسرائيل بالقرب من أبان هاعزر، "حجر العون". أما الفلسطيون فعسكروا في أفيق. منذ الاصطدام الأول يفقد بنو إسرائيل ما ليس أقل من أربعة آلاف رجل: ليس إسرائيل بكفؤ للتفوق الفلسطي. فيلتجئون إلى "سلاح سري". يجلبون تابوت العهد من مقدس شيلو إلى ميدان القتال.على الله نفسه أن يهبهم الانتصار.

التابوت
يتأتى "تابوت العهد" من أيام البرية لإسرائيل. كان صندوقاً خشبياً فيه قضيبان لحمله/ وحفظ فيه اللوحان الحجريان لكلمات العهد العشر. فكانوا يحملونه معهم في رحلاتهم في البرية. وفي المخيم كان يوضع في خيمة. وفوق الخيمة غمامة ترمز إلى حضور يهوه. التابوت إذن نوع من مقدس متحرك فيه يرافق يهوه شعبه في طرقه. وفي أيام صموئيل كان التابوت محفوظاً في مقدس شيلو.

منذ الأول توجد علاقة ما بين التابوت وبين "الحرب المقدسة". أنظر عد 35:10-36: "وكان موسى، عند رحيل التابوت، يقول: قم، يهوه، فيتبدد أعداؤك ويهرب مبغضوك من أمام وجهك. وعند حط التابوت يقول: عد، يهوه، إلى ربوات ألوف إسرائيل". إنه يهوه صبأوت، رب القوات، الذي هو جالس على التابوت (أنظر إش1:6-3، رؤيا إشعيا في هيكل أورشليم حيث كان التابوت يحفظ فيما بعد). يقوم يهوه متحيزاً في سبيل شعبه العبيد. يدافع عنه أعداء قديرين. فلا عجب إذن ان بني إسرائيل يجلبون التابوت إلى المعركة (1صم3:4-5).

الا ان يهوه لا يترك الناس يحركونه ميكانيكياً. لا يكفي أن البعض يصيحون: "الله معنا" أو "الله أكبر" حتى يدخل الله في لعبتهم. السلاح السري لا يشتغل. يتكبد بنو إسرائيل انهيارا فضيعاً. يقتل ثلاثون ألف جندي. ويهلك ابنا الكاهن عالي، حفني وفنحاس، هما اللذان كانا بارعين جداً في استغلال عبادة يهوه في شيلو لمصلحتهما. ويقع التابوت غنيمة في أيدي الفلسطيين. وعندما يسمع الكاهن الشيخ في شيلو هذا الخبر، "يسقط عن الكرسي إلى خلفه على جانب الباب، فأندق عنقه ومات" (18:4). وامرأة فنخاس عند سماعها الأخبار تسقط وتلد ابناً قبل الأوان. فتسميه "إيكابود" ، "أين المجد؟" لأنه "قد جلي المجد عن إسرائيل" (21). لكن في الأثناء قد صار الفلسطيون يهابون هذا المجد: "إنه الإله الذي ضرب مصر كل ضربة في البرية" (8).

كانت معركة أفيق لإسرائيل كارثة أكدت تفوق الفلسطيين العسكري عليهم. وكانت أيضاً انتهاء معبد الأسباط في شيلو الذي على الأرجح دمره الفلسطيون آنذاك. ممكن استنتاج ذلك من نصوص كمثل إر7: 12 و14/6:26و9 ومن أمر شيلو لا تعود تلعب أي دور بعدئذ. على صعيد التاريخ يتجلى من هذه القصة أن إسرائيل بحاجة قصوى إلى قيادة جديدة، إلى ملك يوحد إسرائيل ويوطده لتحدي التفوق الفلسطي. لكن في القصة أزيد من ذلك، على صعيد المعنى الإيماني. تبدي القصة ما أعمق انحطاط إسرائيل في حين دعوة صموئيل. حفني وفنخاس يهلكان: لا مستقبل للعقلية التي يمثلانها والتي لم يقدر عالي الشيخ على تغييرها. قد وصفت هذه العقلية في 1صم2 حيث جعل الابنان خدمتهما الكهنوتية دكاناً مكسباً. والآن يحاولان أن يجعلا إله إسرائيل يرقص على أنغامهما باستخدام تابوت العهد سلاحاً سرياً. إنه دليل على نفس العقلية. وقع التابوت غنيمة في أيدي العدو. أظلم مستقبل إسرائيل. في هذا الحين يوجد من الإيمان لدى الفلسطيين أزيد منه لدى إسرائيل (أنظر الآية 8 التي قد أشرنا إليها).


سحرأم إيمان؟ (1صم5-6)
لم يشتغل التابوت سلاحاً سرياً كما ابتغاه بنو إسرائيل. ولكنه يتنشط الآن لدى الفسطيين. إنهم يحملونه إلى مدينتهم أشدود ويضعونه في معبد إلههم داغون. في صباح الغد يجدون تمثال داغون "ملقى على وجهه على الأرض أمام تابت يهوه" (3:5)-كأن داغون لم يقدر إلا أن يكرم إله إسرائيل تكريماً. فرد الفلسطيون داغون إلى مكانه عدلاً، لكن أمره يصبح اردأ: سقط التمثال مرة أخرى وانقطع رأسه ويداه. تلمع القصة إلى أن بني إسرائيل، عند روايتهم القصة فيما بعد، كانوا يضحكون مرحين من إله الفلسطيين العاجز الواهن.

يعاني أهل أشدود شتى الأزعاجات: "بواسير"، مرض مؤلم ومخزٍ . هناك كلام عن "فئران"، الأمر الذي جعل البعض يفتكرون في نوع من وباء الطاعون. ولكنه يترجح أن ضربة الفئران كانت مضرة على نبات المزارع خصوصاً. فيريد أهل أشدود أن يتخلصوا من التابوت، فيحملونه إلى جت. نفس الضربات تظهر هناك أيضاً. أهل جت يحملونه إلى عقرون، فيتحول معه الوباء أيضاً…لا يأتي التابوت الفلسطيين إلا بشرور. فيقررون أن التابوت ينبغي أن يعود بأسرع وقت ممكن إلى أصحابه: إلى بني إسرائيل.

فيتمشون في ذلك على حذر. يستشيرون كهانهم والعرافين، وهم يرتبون نوعاً من "إرادة إلهية". يوضع التابوت على مركبة جديدة وتشد أمامها بقرتان مرضعان لم يعلهما نير. أما عجلاهما فيحبسان في الاسطبل. ثم يوضع إلى جانب التابوت صندوق فيه خمسة بواسير من ذهب وخمس فئران من ذهب. إنها قربان، وبنفس الوقت محاولة لإبعاد الضربات نهائياً من عندهم. يذكرنا أمرها بأمر الحية من نحاس في البرية (عد4:21-9). كان من المنتظر ان البقرتين إما تنطلقان جامحتين وأما تعودان إلى عجليهما. ولكنهما تأخذان الطريق المستقيم إلى بيت شمس وهي أقرب مدينة من مدن إسرائيل. هذا برهان واضح للفلسطيين أنهم أحسنوا عملاً.

يستقبل بنو إسرائيل من بيت شمس التابوت بالاحترام اللازم. هناك لاويون ينزلون التابوت والصندوق مع الادوات الذهبية ، فتقدم محرقات وقرابين من كل المواد التي نقل بها التابوت . ولكن الآن أيضاً لا يزال التابوت يجلب الشر: "وضرب يهوه عدداً من رجال بيت شمس لأنهم نظروا إلى تابوت يهوه" (1صم19:6). فلذلك حاول أهل بيت شمس بدورهم ان يتخلصوا من الادارة المخطرة . فيتحول التابوت الى قرية يعاريم ، الى بيت أبيناداب في الأكمة. سيبقى هناك إلى أن ينقله داود إلى أورشليم. عملية النقل هذه الأخيرة سوف لا تكون بلا مشاكل هي أيضاً (2صم6).

قصص التابوت الغريبة في 1صم4-6 شواهد جلية على فكرة قديمة سحرية في الله. فيبين تسليم النص نفسه أنهم استصعبوا الأمر منذ وقت مبكر. في 1صم19:6 قراءات متضاربة بخصوص عدد القتلى في بيت شمس:70، 50000، أو 50 بالألف…واضح أن القصة كانت مشكلة على الجامع. والمعلقون طلبوا للمجزرة شرحا…حسب البعض "نظروا إلى ما في داخل التابوت، الامر الذي اظهر قلة احترامهم. حسب السبعينية (ترجمة يونانية التناخ) عوقب الذين لم يفرحوا بمجيء التابوت وحدهم…مترجح جداً أن في هذه القصص نواة تاريخية قديمة. قد يمكن أن وقع فعلاً وباء سبب ضحايا كثيرين عند الفلسطيين وعند الإسرائيليين معاً. وفي نطاق مفهوم سحري لله تفسر الوباء قصاصاً لذنب أو لخرق محرمٍ. ولكن على صعيد التأليف النهائي للنص يوجد شيء آخر في المقصد. أصبحت القصة صورة إيضاحية للوضع الروحي المتدهور الذي وجد إسرائيل نفسه فيه في أيام بزوغ صموئيل. من كان يعتبر الله شيئاً يتصرف فيه على كيفه-انظر نقل التابوت غادياً ورائحاً-يتشبك عاجلاً أو آجلاً في مفهومه لله: إنه غير قابل للحياة، بل يؤدي إلى الموت.

قصة داود ناقل التابوت إلى أورشليم (2صم6) مشابهة قصص التابوت في 1صم 4-6 كثيراً. في هذه القصة أيضاً تشابك بين نواةٍ تاريخية وتفسير سحري وإعادة تفسير إيماني. من الراجح أن كل هذه النصوص تتأتى من سلسلة قديمة من القصص حول التابوت متأصلة من معبد شيلو.

القاضي صموئيل (1صم7)
بعد مغامرات التابوت الغريبة يأتي الفصل السابع كأنه تحول نحو أحسن. عاد صموئيل فجأة إلى مسرح الأحداث. يدعو بني إسرائيل إلى ان "يرجعوا إلى يهوه من كل قلوبهم" (3). مرة أخرى يجري الكلام عن قتال مع الفلسطيين وعن أبان هاعزر. إلا أن "حجر العون" يشير الآن إلى عون حقيقي ولا إلى عون وهمي. بعون الله وبقيادة صموئيل ضرب بنو إسرائيل الفلسطيين. بل يكتب (13) أن بطش الفلسطيين أنكسر نهائيا.
بالطبع، لا يصح ذلك بتاتاً من الناحية التاريخية، كما سيبدو مما يلي. هذه القصة نوع من حلم راغب في ما أمكن أن تكون الأمور لو كان إسرائيل سمع منذ البداية إلى صوت يهوه. فأنشئ هذا الفصل متأخراً نسبةً إلى الفصول السابقة. يمكن تسجيله على حساب المؤلفين الديوترونوميين الآخرين لسفري صموئيل. إنه فصل لا هوتي يوصف فيه صموئيل قائداً دينياُ ناجحاً لإسرائيل، في إثر موسى ويشوع والقضاة.

رفع موسى يديه إلى يهوه في البرية. ما دام موسى يحفظ يديه مرفوعتين، كان بنو إسرائيل يفوقون عماليف (خر8:17-16). كذلك الآن يستجيب يهوه صموئيل الصارخ إليه لأجل إسرائيل (8-9).

وعند الفتح نصر يهوه يشوع بمظاهر في الطبيعة: رمى يهوه الأعداء بحجارة برد ضخمة من السماء. "كان الذين ماتوا بحجارة البرد أكثر من الذين قتلهم بنو إسرائيل بالسيف" (يش11:10). بطريقة مماثلة يقف يهوه الآن من جانب صموئيل ضد الفلسطيين: "أرعد يهوه بصوت عظيم في ذلك اليوم على الفلسطيين وهزمهم فإنكسروا أمام إسرائيل" (10).

الحق يقال إن صموئيل يوصف في هذا الفصل الـ7 آخر واحد في سلسلة القضاة، قادة إسرائيل المواهبيين في الأيام بعد موسى ويشوع. في السفر المدعو باسمهم نوعان من القضاة. "الكبار كانوا منقذين من الضيق، قادة عسكريين يخلصون الشعب من تفوق العدو: جدعون، يفتاح، شمشون…أما القضاة "الصغار" فكانوا أصحاب منصب يشرفون على النظام والحق في البلاد. تعطى أسماؤهم في قض1:10-5و8:12-15 (في 1صم18:4 يحسب الكاهن عالي مع هؤلاء القضاة أصحاب المنصب. أما صموئيل الذي في أماكن أخرى يقوم كنبي خصوصاً، فيجمع في هذا الفصل بين ميزات صنفي القضاة في شخصه. إنه بطريقة مواهبية يحرر إسرائيل من الخطر الفلسطي، وبنفس الوقت يحسن تنفيذ منصبه: انطلاقاً من مسكنه رامة يقوم كل سنة بجولة تفقدية عبر الأماكن المقدسة بيت إيل والجلجال ومصفاة، ويقوم قاضياً على إسرائيل. وفوق ذلك يعتني بالعبادة: في الرامة يبني مذبحاً ليهوه (16:7-17).

في أيام صموئيل كأن جميع الأمور تتمشى على ما يرام. أكان هناك حاجة حقيقية إلى ملك في إسرائيل؟ هذه ما تعالجها الفصول التابعة من صموئيل.
قراءة 2912 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *